حياة الفرح

| الكتاب | حياة الفرح |
| المؤلف | مثلث الرحمات البابا شنوده الثالث |
| دار نشر | كنيسة السيدة العذراء بالزيتون/ رقم 1021 |
| الطبعة | الأولى، يناير2023م |
| رقم الإيداع بدار الكتب | 26435/ 2022م |
| الترقيم الدولي | 978-977-86437-2-5 |
طُرس البركة لقداسة البابا تواضروس الثاني
وإن مات فهو يتكلم بعد..
غزارة المعرفة وعمقها في حياة المتنيح قداسة البابا شنوده الثالث جعلته يترك لنا تُراثًا
ورغم أنه نُشر أكثر من 150 كتابًا بأحجام متنوعة وفي موضوعات عديدة تغطي مساحات كبيرة من المعارف المسيحية الروحية والكنسية والآبائية، والتي تُرجمت معظمها إلى العديد من اللغات، حتى صار اسمه معروفًا عالميًا أنه "مُعلم الأجيال".. إلا أنه ما زال يوجد الكثير مما لم يُنشر بعد. وننشر لكم بعضًا من ذلك التُراث الخالد والذي لم يُنشر من قبل..
ونقدم لكم كتاب
حياة الفرح
وسوف تجد عزيزي القارئ متعة خاصة وأنت تستمع لصوت قداسته عبر الصفحات وبعد رحيله.. يُعلِّمنا ويروينا من فيض معرفته وروحياته وخبراته العميقة.
تقديري ومحبتي لكل من ساهم في إخراج هذه الكتب إلى النور.. خاصة مركز "معلِّم الأجيال لحفظ ونشر تُراث البابا شنوده الثالث" في كنيسة السيدة العذراء مريم بالزيتون بالقاهرة.
نفَّعنا الله ببركة صلواته لأجلنا كنيسةً وشعبًا وضعفي. ونعمته تشملنا جميعًا..
البابا تواضروس الثاني
بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية الـ 118
قداسة البابا شنوده الثالث في سطور
1- وُلِدَ في 3 أغسطس 1923م، باسم نظير جيد روفائيل. في قرية سَلاَّم بأسيوط.
2- حصل على ليسانس الآداب - قسم التاريخ - من كلية الآداب جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا).
3- التحق بالقوات المسلحة - مدرسة المشاة - وكان أول الخريجين من الضباط الاحتياط سنة 1947م.
4- تخرَّج في الكلية الإكليريكية "القسم المسائي" سنة 1949م، وكان الأول على الخريجين - فعُيِّنِ مُدرّسًا فيها.
5- عمِلَ مُدَرِسًا للغة الإنجليزية والعربية، في إحدى المدارس الأجنبية.
6- أتقَنَ الشعر منذ عام 1939م، وكتب كثيرًا من القصائد الشعرية.
7- في سنة 1949م: تَكَرَّسَ للخدمة في الكلية الإكليريكية وبيت مدارس الأحد في روض الفرج بشبرا، وتولى رئاسة تحرير مجلة مدارس الأحد.
8- صار راهبًا في دير العذراء الشهير بالسريان في 18 يوليو 1954م.
9- تمت سيامته بيد البابا كيرلس السادس، أول أسقف للتعليم والكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، باسم الأنبا شنوده في 30 سبتمبر 1962م.
10- بدأ الاجتماعات الروحية التعليمية منذ سنة 1962م، واستمر فيها حتى نياحته سنة 2012م.
11- أصدر مجلة الكرازة في يناير 1965م، واستمر في تحريرها حتى نياحته سنة 2012م (واستمرّ قداسة البابا المُعَظَّمْ تواضروس الثاني في إصدارها).
12- اختارته السماء بالقرعة الهيكلية وتمَّ تجليسه البابا الـ 117 للكنيسة القبطية الأرثوذكسية يوم 14 نوڤمبر 1971م.
13- نَمَتْ الكنيسة القبطية في عهده، داخل مصر وخارجها؛ في كل قارات العالم: أفريقيا
وآسيا وأوروبا وأستراليا والأمريكتين: الشمالية والجنوبية
14- حصل على تسع شهادات دكتوراه فخرية من كبرى جامعات أمريكا وأوروبا.
15- امتدت الكلية الإكليريكية في عهده، وأصبح لها 16 فرعًا في مصر وخارجها.
16- حصل على العديد من الجوائز مثل؛ جائزة أفضل واعظ ومعلم للدين المسيحي في العالم 1978م من مؤسسة Browning الأمريكية، وجائزة أوجوسبورج الألمانية للسلام. كما حصل على وسام الصليب الأكبر للقديس أغناطيوس من الكنيسة السريانية.
17- كتب أكثر من 150 كتابًا ونبذة في كثير من المجالات الكتابية والروحية، واللاهوتية والعقائدية وفي الخدمة والرعاية والتربية.
17- قامَ بسيامة بطريركين لكنيسة إريتريا و5 مطارنة و112 أسقفًا وأكثر من 2000 كاهن و1000 راهب.
18- قامَ برحلات رعوية ورسمية لكثير من بلدان العالم، وصلت إلى 104 رحلة.. فمثلاً زار الولايات المتحدة (57 زيارة)، والمملكة المتحدة (31 زيارة) وغيرها.
19- أحضر إلى مصر رفات القديس أثناسيوس الرسولي البطريرك الـ 20، في 10 مايو 1973م.
20- اهتم بخدمة المرأة؛ وقام بتشكيل لجنة المرأة، وسمح للمرأة بالدراسة بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، وقام بتعيينها مدرسًا بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية لتدريس علم اللاهوت، وسمح لها بعضوية المجلس الملي، وعضوية مجالس الكنائس.
21- جلس قداسة البابا شنوده الثالث على الكرسي المرقسي لمدة 40 سنة، و4 أشهر، و3 أيام، وبهذا يعتبر سابع الباباوات من حيث طول مدة الجلوس على الكرسي المرقسي. عاش 88 سنة و7 أشهر، و14 يوم.
22- رقد في الرب في 17 مارس سنة 2012م، وكانت جنازة قداسته مهيبة وعظيمة، حضرها أكثر من اثنين ونصف مليون شخص. نيحَ الله نفسه في فردوس النعيم، ونَفَّعْنا بصلواته.
هذا الكتاب
هذا الكتاب
يتشرَّف "مركز مُعلِّم الأجيال لحفظ ونشر تراث قداسة البابا شنوده الثالث" بأن ينشر كتاب "حياة الفرح". وهو تجميع لعدة مقالات نُشرت لقداسة البابا شنوده الثالث في عدة جرائد ومجلات منها الكرازة ووطني والأهرام.
والكتاب يعطي صورة كاملة عن حياة الفرح من حيث أنواعه ومصادره وعلاقته بارتباط الإنسان بالله، وفهمه الصحيح للكتاب المقدس ووصاياه. وأَيْضًا علاقة الفرح بحياة الإنسان وروحياته. موضحًا بأن الإنجيل نفسه هو بشارة مفرحة، والفرح هو وصية كتابية.
امتلأ الكتاب بشواهد من الكتاب المقدس ومواقف من حياة القديسين. كما حوى على العديد من النصائح والتداريب الروحية التي تقود للفهم الصحيح للفضائل والبعد عن التظاهر والتصنع، لكي يحيا الإنسان حياة فرح حقيقة.
غاص قداسة البابا في أعماق النفس الإنسانية وسبر أغوارها، وحلل دوافع كثير من الأفعال التي يأتيها الإنسان عن عدم فهم أو دراية، وحذر من كثير من الأمراض النفسية، ليعطي منهجًا متكامل لكي نحيا حياة الفرح.
ذُيل الكتاب بمجموعة من الأسئلة التي أجاب عليها قداسة البابا شنوده في محاضراته الأسبوعية، متعلقة بنفس الموضوع.
نتمنى لك أوقاتًا مباركة مع هذه الكنوز الثمينة لتكون لنا جميعًا فُرَص للتمتع بالعشرة الإلهية وتحويل قلب الإنسان إلى مسكن لائق لحلول الله فيه بتحويل هذه الكلمات إلى حياة مقدسة كما قال رب المجد: "اَلْكَلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ هُوَ رُوحٌ وَحَيَاةٌ" (يو6: 63).
بشفاعة ذات الشفاعات معدَن الطُهر والجود والبركات والدة الإله القديسة الطاهرة مريم العذراء وبصلوات مثلَّث الرحمات البابا شنوده الثالث نفَّعنا الله ببركاته. وببركة صلوات أبينا الحبيب صاحب القداسة والغبطة قداسة البابا تواضروس الثاني.
القمص بطرس بطرس جيد
مركز معلم الأجيال
لحفظ ونشر تراث البابا شنوده الثالث
الفرح الحقيقي
الفرح أصله وأنواعه[1]
أود أن أحدثكم عن الفرح، وتاريخه مع البشر، وأنواعه ومجالاته..
الفرح هو العطية التي منحها الله للبشرية منذ البدء. فقد خلق الله الإنسان الأول، ووضعه في جنة، أعني جنة عدن. بكل ما في الجنة من أزهار وثمار وأشجار، ومن طيور مغرّدة، ومن مناظر مبهجة. وأَيْضًا ما فيها من هدوء وسلام. وهكذا عاش أبوانا الأولان آدم وحواء في حياة من الفرح والسعادة، قبل السقوط، لم تكن كلمة الضيقة أو كلمة الحزن معروفة إطلاقًا في الجنة في ذلك الزمان.
وكما منح الله الفرح للبشرية منذ خلقها، كذلك وعدها بالفرح العظيم في العالم الآخر، بعد الموت والقيامة، هذا المسمّى بالنعيم الأبدي. وما يقول عنه الكتاب المقدس: "مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إنسان: مَا أَعَدَّهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ" (1كو2: 9). أي فرح أعظم من هذا الذي أعده الله للبشر في الأبدية؟! إنه فرح لا تستطيع اللغة أن تعبر عنه بألفاظها المحدودة...
وكما أراد الله الفرح للبشر منذ البداية، وفي النهاية، كذلك جعل لهم في حياتهم الأرضية أعيادًا يفرحون فيها ويبتهجون.. ونحن نضيف إلى كل ذلك أعيادًا من عندنا ومناسبات للفرح.
لعل في مقدمتها أعيادنا الوطنية.
من تذكار ثورات، وتذكار حروب انتصرنا فيها. وأَيْضًا أعياد لأبطال وشهداء لا يمكننا أن ننساهم، ولذلك أقمنا لبعضهم تماثيل لتخليد أسمائهم. وفي خلال تلك الأعياد الوطنية، ننشد أناشيد مفرحة، وما أكثر هذه المناسبات الوطنية في بلادنا المحبوبة.
بالإضافة إلى هذا لدينا أعياد أخرى لعديد من الشخصيات الدينية.
مثال ذلك أعياد السيدة العذراء، ومار جرجس، وأعياد أخرى لكبار من الأبرار والقديسين، وكلها أيام فرح وبهجة فيها ألحان دينية، وحفلات.
والفرح في كل تلك المناسبات هو فرح طاهر له قدسيّته. ولا يمكن أن تكون فيه أخطاء، كما كان يُنسب إلى بعض الموالد قديمًا، وكما قال أمير الشعراء أحمد شوقي عن زجاجة الخمر:
رمضان ولّي هاتها يا ساقي | .:. | مشتاقة تسعى إلى مشتاق |
نقول هذا، لأنه لا يجوز أن الفضائل التي اقتناها الصائم طول الصوم، من برّ، ومن ضبط للنفس، يفقدها حينما يفطر، حينما ينغمس البعض في حياة اللهو والعبث!!
إن الأطفال يفرحون يوم العيد بالملابس الجديدة، أو بالمفرقعات الصغيرة من البمب والصواريخ، وأَيْضًا بالعرائس والألعاب وما إلى ذلك... أما الكبار فلهم أفراح أخرى. صدقوني إن أعمق ما يفرح به الكبير هو حياة التوبة، والتخلص من العادات الخاطئة، مثال ذلك شخص كان يدمن التدخين، ثم استطاع أخيرًا أن يتخلص من سيطرة السيجارة عليه. أي فرح حقيقي يكون لمثل هذا الشخص!!
وبالمثل يكون الفرح بكل ما ينتصر عليه الإنسان من أي شهوة خاطئة. كما قال ذلك الأديب الحكيم: "افرحوا لا لشهوة نلتموها، بل لشهوة أذللتموها".
حقًا إن الله رقيب على أفراحنا؟ يرى كل ما يحدث فيها، ويحكم عليها، بالبر أو بالإثم. ولعل من أبشع أنواع الفرح، هو الفرح بالشماتة، وهلاك الغير. وفي ذلك قال سليمان الحكيم: "لاَ تَفْرَحْ بِسُقُوطِ عَدُوِّكَ، وَلاَ يَبْتَهِجْ قَلْبُكَ إِذَا عَثَرَ" (أم 24: 17) لئلا يغضب الله منك. إذًا لا يليق بك أن تفرح إذا وقع خصمك في ضيقة أو في مشكلة.
بالإضافة إلى كل ما قلناه، نقول إن لكل شخص أفراحه الخاصة؛ كأن يفرح مثلاً في عيد ميلاده، أو في عيد زواجه، أو في عيد ميلاد أبنائه. كما يفرح أَيْضًا بالتوظف وبالترقي إلى درجة أعلى. وكل هذا فرح طبيعي.
ومن الأمور التي تجلب الفرح أَيْضًا النجاح والتفوق.
على أنه من الفضائل المتعلقة بالفرح: المشاركة فيه، أي أن نشارك الناس في أفراحهم، ونفرح معهم في فرحهم، فالإنسان لا يعيش بمفرده في جزيرة نائية لا يتصل فيها بأحد. بل هو يعيش في مجتمع يرتبط فيه الكل بمشاعر واحدة، "فَرَحًا مَعَ الفرحينَ وَبُكَاءً مَعَ الْبَاكِينَ" (رو12: 15). فإن كنت يا أخي لا تستطيع أن تشارك الغير فعليًا، بزيارة لهم في أفراحهم، فعلى الأقل بمكالمة تليفونية، أو برقية، أو بباقة زهور.
بقي أن أقول لك إن أسمى درجة من الفرح، هي الفرح براحة الضمير. وقد تفرح أنت بما يسعدك، ولكن أعظم من هذا بلا شك، أن تفرح بإسعاد الآخرين، أن تفرح برسم ابتسامة على وجه شخص، أو إدخال البهجة في قلب إنسان.
لذلك كما تفرح في يوم العيد، ليتك تجعل غيرك يفرح معك أَيْضًا، وبخاصة ما يُدخل الفرح إلى قلوب المحتاجين والفقراء والمعوزين واليتامى، والذين ليس لهم أحد يذكرهم. فليكن كل هؤلاء في ذاكرتك وفي قلبك، ومن أهم الواجبات عليك هي عمل الخير في يوم العيد.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نُشر في جريدة الأهرام، بتاريخ 4 سبتمبر2011م
الفرح بالرب
الفرح بالرب[1]
هناك أسباب كثيرة تفرح قلب الإنسان، ولكن أكثرها عمقًا، وأكثرها نقاوة هو الفرح بالرب. ليس الفرح بالنعم التي يعطيها الرب له، إنما الفرح بالرب نفسه.
إن الله ليس مجرد وسيلة لفرحك، إنما ينبغي أن يكون هو موضوع فرحك، يكون هو سبب فرحك. ويكون هو لذّتك وسرورك؟ تفرح أولًا، لأنك عرفت الرب، ولأنك وجدته. كما فرحت المرأة السامرية لأنها وجدت المسيا )يو4)، وكما فرح نثنائيل وفيلبس لأنهما وجدا يسوع (يو1)، وكما فرحت مريم المجدلية ومريم الأخرى برؤيتهما الرب بعد القيامة (مت28).
أنت تفرح لأن شيئًا جديدًا دخل حياتك، لما عرفت الرب، فأصبحت حياتك ذات قيمة، وذات معنى، وذات طعم.
تفرح لأن الرب قد أشبعك، كل أمور العالم وملاذه ومبهجاته، كانت تطفو على سطح حياتك، ولكن الفرح بالرب دخل إلى عمقك لأول مرة.
ولكنك لا تفرح بالرب، إن كان قلبك متعلقًا بشيء غيره!
الشاب الغني وجد المسيح، ومع ذلك لم يفرح (مت19). بل مضى حزينًا، لأن قلبه كان مشغولًا بأشياء أخرى وضع سعادته فيها. وكما يقول الكتاب: "حَيْثُ يَكُونُ كَنْزُكَ هُنَاكَ يَكُونُ قَلْبُكَ أَيْضًا" (مت6: 21).
الذين يفرحون بأمور العالم، يرون وصايا الرب ثقيلة. لأنها وصايا تقف حائلًا بينهم وبين شهواتهم العالمية، وتحرمهم من ملاذهم الجسدية، وأمانيهم التي يعقدونها حول الماديات.
هؤلاء يرون أن طريق الرب يتطلب منهم جهدًا وكفاحًا. وذلك لكي يقهروا الجسد، وينتصروا على الإرادة المنحرفة، ولكي يقاوموا الأفكار، ويضبطوا نفوسهم، ويضبطوا ألسنتهم وحواسهم وشهوات قلوبهم، وفي كل ذلك يحرمون أنفسهم من ملاذ يرون أنها تسعدهم!!
لذلك وصايا الله تكون شبه نير على أكتافهم. ويودون أن يتخلصوا من هذا النير، كما حدث أولًا للابن الضال، حينما تخلص من بيت أبيه، لكي يحيا كيفما شاء (لو15)!
أما الذين تجردوا من محبة العالميات، فإنهم يفرحون بالرب الذي حررهم، فلم تعد هناك شهوة مادية تستعبد قلوبهم. وكأنهم يقولون للرب: من يوم أن عرفناك، أصبحت نظراتنا إلى الحياة متغيّرة، وبعمل روحك فينا، دخلنا في تجديد أذهاننا (رو12: 2)، وأصبحنا نجد لذّة في الروحيات التي كنا بعيدين عنها قبلًا. وأصبح اسم الرب حلوًا في أفواهنا، وصرنا نجد السعادة، كل السعادة في عشرة الرب.
إنه فرق كبير بين أن يذهب إنسان إلى بيت الله كواجب روحي يُتعبه ضميره إن قصر فيه، وبين إنسان يقول من أعماقه: "فَرِحْتُ بِالْقَائِلِينَ لِي: إِلَى بَيْتِ الرَّبِّ نَذْهَبُ" (مز122: 1)، "تَشْتَاقُ بَلْ تَتُوقُ نَفْسِي إِلَى دِيَارِ الرَّبِّ.." (مز84: 2). حقًا هناك فرق بين الحب، ومجرد أداء الواجب.
فرق بين إنسان يصلي لأن الدين يأمره بهذا، وإنسان آخر يصلي وهو يقول للرب: "بِاسْمِكَ أَرْفَعُ يَدَيَّ، كَمَا مِنْ شَحْمٍ وَدَسَمٍ تَشْبَعُ نَفْسِي" (مز63: 4، 5).
قد يبدأ الإنسان حياته الروحية بمخافة الرب، ولكنه بالحرص وبالتغصب وبقهر الذات، ما يلبث أن يدخل في محبة الله. وتصل حياته إلى الفرح بالرب.
لا شك أن الفرح بالرب، مرتبط بمحبتنا له.
كأي إنسان تحبه، فتفرح بلقياه، وتفرح بالوجود معه. وتفرح بالحديث عنه، وبكل ما يذكّرك به. هكذا تفرح بالله وبكل عمله فيك، وتفرح بأن يقودك في موكب نصرته. تفرح بالرب وبوعوده الكثيرة الخاصة بالأبدية السعيدة معه. كما قال في سفر الرؤيا: "مَنْ يَغْلِبُ... فَسَأُعْطِيهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ... وَيَأْكُلَ مِنَ الْمَنِّ الْمُخْفَى.. وأعطيه اسمًا جديدًا... ويصير عَمُودًا فِي هَيْكَلِ إِلهِي" (رؤ2، 3).
الذي يفرح بالرب، سيجد الأبدية مفرحة، لأنها الحياة معه.
المجيء الثاني مفرح لأولئك الذين يختطفهم الرب معه على السحاب (1تس4)، أو الذين يأتون معه في مجيئه... إنه مجيء مفرح يقول عنه المزمور: "فَلْتَبْتَهِجِ الأَرْضُ، وَلْتَفْرَحِ الْجَزَائِرُ الْكَثِيرَةُ" (مز97: 1).
ولكن ليس مفرحًا للذين يتعرضون لقول الكتاب: "مُخِيفٌ هُوَ الْوُقُوعُ فِي يَدَيِ اللهِ الْحَيِّ!" (عب10: 31). أولئك الذين يتعرضون للدينونة في مجيئه، ويقول لهم: "..إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ" (مت23:7)! الذين يخافون يوم تفتح الأسفار، وتكشف النيات والأفكار، هؤلاء لا يفرحون بالرب. إنما يفرح به الذين بدأوا حياة التوبة هنا، وذاقوا بهجة خلاصه، ومنحهم الرب ثقة بأن يكونوا معه حيث يكون هو (يو14: 2، 3).
هؤلاء لا يخافون الموت، بل بالأكثر يفرحون به.
ولا يرونه موتًا، بل انطلاقًا. كما قال سمعان الشيخ: "الآنَ تُطْلِقُ عَبْدَكَ" (لو2: 29). وكما قال بولس الرسول: "لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ، ذَاكَ أَفْضَلُ جِدًّا" (في1: 23).
الذين يفرحون بالرب لا يرون الباب المؤدي إلى الملكوت بابًا ضيقًا، ولا الطريق إليه كربًا.
إنما يرى ذلك كذلك، من كان فيه الجسد يشتهي ضد الروح (غلا5: 17). يرى الباب ضيقًا، من لم يذق وينظر ما أطيب الرب. ومن لا يزال يقاوم الشهوة والجسد والعالم. هذا الذي يلزمه أن يقاوم حتى الدم، مجاهدًا ضد الخطية (عب12: 4).
أما الذين يحبون الرب ويفرحون به، فكل طرقه أمامهم مستقيمة وحلوة.
يتغنون ويقولون: "وَصيَّةُ الرَّبِّ مُضيئةٌ. تُنَيرُ العَيْنيْنِ عَنْ بُعدٍ". "شَهَادَاتُ الرَّبِّ صَادِقَةٌ تُصَيِّرُ الْجَاهِلَ حَكِيمًا" (مز19). بل يقول كل منهم للرب: وجدت كلامك كالشهد فأكلته.. "أَبْتَهِجُ أَنَا بِكَلاَمِكَ كَمَنْ وَجَدَ غَنِيمَةً وَافِرَةً"، "مَا أَحْلَى قَوْلَكَ لِحَنَكِي! أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ لِفَمِي" (مز162،103:119).
إذًا افرحوا بالرب هنا، لكي تفرحوا به هناك.
افرحوا به وبوصاياه وطرقه. افرحوا بملكوته وملائكته. افرحوا بوعوده. افرحوا بقوته العاملة فيكم، وبنعمته العاملة معكم، وبروحه القدوس الذي يشترك معكم في كل عمل صالح "اِفْرَحُوا فِي الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، وَأَقُولُ أَيْضًا: افْرَحُوا" (في4:4).
إن كل ما يحيط بالرب، هو فرح لا ينطق به.
كان ميلاده فرحًا. وفي التبشير بميلاده قال الملاك: "هَا أَنَا أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ" (لو2: 10).
وكانت قيامته فرحًا، فَفَرِحَ التَّلاَمِيذُ إِذْ رَأَوْا الرَّبَّ (يو20:20). وكان جلوسه عن يمين الآب فرحًا، إذ وضع أعداؤه تحت موطئ قدميه (مز110: 1).
وكانت معجزاته أَيْضًا فرحًا...
هل أتجرأ أكثر وأقول: كان صلبه وموته أَيْضًا فرحًا بقوله: "قَدْ أُكْمِلَ" (يو19: 30). إذ أكمل عمل الخلاص وغفران الخطايا للعالم. وقد كان موته "مُحْرَقَةً، وَقُودَ رَائِحَةِ سَرُورٍ لِلرَّبِّ" (لا1: 9، 13، 17). سرور للعالم الذي نال الخلاص، وسرور للآب الذي "سُرَّ بِأَنْ يَسْحَقَهُ بِالْحَزَنِ.." (إش53: 10). إنه سرور باستيفاء العدل الإلهي لخلاص البشرية.
الله كما نفرح به، يفرح هو بنا ويخلصنا.
فيقول الكتاب: إن السماء تفرح بخاطئ واحد يتوب (لو15: 10). الخاطئ يفرح بوصوله إلى التوبة، والله يفرح بتوبة الخاطئ. مثلما وجد الخروف الضال، فحمله على منكبيه فرحًا (لو15: 5).
صلاة الفرح...
افرح إذًا بالرب، وعبر له عن فرحك به.
قل له: "أنا يا رب أعيش في فرح، لأني أشعر أن يدك تمسكني وتقودني، وأن نعمتك تقويني وترشدني، وروحك القدوس يعلمني كل شيء، ويمنحني مواهب لأسلك في سبلك".
افرح في كل مرة تقوم فيها من سقطتك. وقل للرب: "امنحني بهجة خلاصك" (مز50). وعن الفرح بالتوبة، ربما يسأل أحدهم ويقول:
كيف يفرح الإنسان بالتوبة، والتوبة يليق بها الدموع؟
كيف يفرح الإنسان، وفي التوبة مذلة وانسحاق، وفيها يبلل فراشه بدموعه؟! (مز6)، ويجلس بالمسوح على التراب كأهل نينوى.
أقول لك: إن التائب يشعر بفرح حتى وهو غارق في دموعه. دموعه لا تسبب له حزنًا، بل تسبب له تعزية، وفي التعزية يجد فرحًا. ومقاييس الروحيات غير مقاييس أهل العالم، فالتوبة لذتها في انسحاقها، وسعادتها في دموعها. بل إن لم تكن هناك دموع، فإن التائب يحزن ولا يتعزى.
إن الدموع والفرح – في القاموس الروحي – يتمشيان معًا. في الدموع يصطلح الإنسان مع الله. وبالصلح يفرح. وكل أعمال التوبة من صوم ومطانيات ومسوح ودموع، تكون في القلب ينابيع من الفرح.
وكلما تعب الإنسان بالأكثر من أجل الرب، فعلى هذا القدر يزداد فرحه في الداخل.
وليست الدموع فقط سبب فرح، بل حتى الموت أَيْضًا...
الذي يفرح بالرب، يفرح بالموت، لكي يلتقي مع الله.
افرح بالرب إذًا، الذي يهتم بك هنا، ويعد لك مكانًا معه هناك. ويعتبرك كابن خاص له، ويعاملك في حب.
افرح أن لك إلهًا طيبًا، ليس له شبيه بين الآلهة.
[1]مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نُشر في جريدة وطني، بتاريخ 11 مايو 1997م
من ثمر الروح: الفرح
من ثمر الروح: الفرح[1]
خلق الله الإنسان منذ البدء للفرح ولذلك وضعه في جنة عدن (تك2).
وأحاطه بكل وسائل الراحة. ومن أجله خلق كل شيء: السماء والأنوار والأنهار والثمار والأزهار، وفي الأبدية يعد له أفراحًا أخرى لا يعبر عنها: "مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ.." (1كو2: 9). بل بالموت مباشرةً ينقله الرب إلى فردوس النعيم، حيث فرح العشرة مع الرب والملائكة وأرواح القديسين.
بل وفي هذه الحياة الدنيا، أوجد الرب للإنسان ألوانًا من الفرح. فجعل له يومًا في الأسبوع يستريح فيه ويفرح. ومنذ العهد القديم أعد الله للإنسان أعيادًا مقدسة يفرح فيها (لا23)، مع أعياد أخرى في العهد الجديد. وأعطاه أَيْضًا أن يفرح بكل تعبه الذي يتعبه تحت الشمس (جا5: 18).
وهنا نوضّح ملاحظة، وهي الفرق بين اللذة والفرح. اللذة خاصة بالجسد وبحواسه. أما الفرح الحقيقي فهو خاص بالروح.
إنسان يتلذذ بالطعام والشراب، إنها لذة الجسد. وإنسان آخر يلتذذ بالمناظر، ويشبع عينيه من أي منظر جميل، إنها لذة تختص بحواس الجسد. وثالث يلتذذ بالسمع والموسيقى إنها لذة الحواس. ولكن تشترك هنا الروح إن كان ما يسمعه ألحانًا روحية، أو كلمات روحية تُشبع روحه. وحينما نتكلم عن الفرح. إنما نتكلم عن فرح الروح، لأن هناك فرحًا نفسيًا، وهو فرح باطل.
فرح باطل
مثال ذلك: الذي يفرح بسقطة عدوه أو بليّته، وهذه خطيئة خاصة بالنفس، قال عنها سليمان الحكيم: "لاَ تَفْرَحْ بِسُقُوطِ عَدُوِّكَ.." (أم24: 17). إنه فرح آثم، لأنه نوع من الشماتة وهو ضد المحبة، حسبما قال الرسول: "المحبة لاَ تَفْرَحُ بِالإِثْمِ" (1كو13: 6).
من الفرح الباطل أَيْضًا: الفرح الممزوج بالكبرياء، بالذات، مثلما رجع التلاميذ السبعون فرحين يقولون للرب: "حَتَّى الشَّيَاطِينُ تَخْضَعُ لَنَا بِاسْمِكَ!". فوبّخهم على ذلك بقوله: "لاَ تَفْرَحُوا بِهذَا... بَلِ افْرَحُوا بِالْحَرِيِّ أَنَّ أَسْمَاءَكُمْ كُتِبَتْ فِي السَّمَاوَاتِ" (لو10: 17-20). مثال ذلك الذين يفرحون أَيْضًا بالتكلم بألسنة!! إنه أَيْضًا فرح ممزوج بالذات وعظمتها ومواهبها، وليس بملكوت الله.
هناك إنسان يفرح بالخطية!!
هذا الفرح هو خطية أخرى تضاف إلى خطيته. إنه يذكرنا بأولئك الذين قال عنهم الرسول: "الَّذِينَ إِلهُهُمْ بَطْنُهُمْ وَمَجْدُهُمْ فِي خِزْيِهِمِ، الَّذِينَ يَفْتَكِرُونَ فِي الأَرْضِيَّاتِ" (في3: 19).
نوع آخر هو الذين يفرحون بأمور تافهة مادية.
مثال ذلك: الابن الكبير الذي لم يفرح بعودة أخيه الضال، ولام أباه قائلًا: "..وَقَطُّ لَمْ أَتَجَاوَزْ وَصِيَّتَكَ، وَجَدْيًا لَمْ تُعْطِنِي قَطُّ لأَفْرَحَ مَعَ أَصْدِقَائِي" (لو 15: 29)! هذا الذي يُفرحَه جدي، لا شك أن مستواه الروحي ضعيف، ورغباته أرضية.
هذا اللون من الفرح جرّبه سليمان الحكيم حينما قال: "وَمَهْمَا اشْتَهَتْهُ عَيْنَايَ لَمْ أُمْسِكْهُ عَنْهُمَا" ووجد بعد ذلك أن "الْكُلُّ بَاطِلٌ وَقَبْضُ الرِّيحِ" (جا2: 10، 11). ولذلك قال عن مثل هذا الفرح: ".. وَعَاقِبَةُ الْفَرَحِ حُزْنٌ" (أم14: 13). وقال أَيْضًا: ".. قَلْبُ الْجُهَّالِ فِي بَيْتِ الْفَرَحِ" (جا7: 4) يقصد الفرح الباطل. وقال: "الْحَمَاقَةُ فَرَحٌ لِنَاقِصِ الْفَهْمِ" (أم15: 21).
إنه الفرح العالمي، الخاص بالحواس وبالجسد، أو الفرح النفسي غير الروحي، إذًا ما هو الفرح الروحي؟
الفرح الروحاني
1- هو الفرح بالرب. فرح الوجود في حضرة الرب، وفي عشرته. أو فرح الالتقاء بالرب كما قيل عن التلاميذ إنهم فرحوا لما رأوا الرب (يو20:20). وتحقق بهذا وعده لهم: "وَلكِنِّي أَرَاكُمْ أَيْضًا فَتَفْرَحُ قُلُوبُكُمْ، وَلاَ يَنْزِعُ أَحَدٌ فَرَحَكُمْ مِنْكُمْ" (يو16: 22) هذا الفرح الذي قال عنه القديس بولس الرسول: "اِفْرَحُوا فِي الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، وَأَقُولُ أَيْضًا افْرَحُوا" (في4:4). إنه فرح بالرب، وفرح في الرب، كل حين شاعرين بوجوده معنا، كما كان التلاميذ فرحين بالرب معهم ويحدثهم عَنِ "الأُمُورِ الْمُخْتَصَّةِ بِمَلَكُوتِ اللهِ" (أع1: 3).
فهل أنت تفرح بوجود الله في حياتك، أو في حياة غيرك؟
اسأل نفسك كل يوم: هل فرحك بالرب، أم له أسباب أخرى؟
2- في تسبحة العذراء نجد هذا الفرح الروحي بالرب، إذ تقول: "تُعَظِّمُ نَفْسِي الرَّبَّ، وَتَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ مُخَلِّصِي" (لو1: 47).
إنها تبتهج بالله وخلاصه فهل أنت أَيْضًا تفرح بالخلاص والفداء، بالكفارة التي قدَّمها المسيح لأجلك، إن الكنيسة تذكرنا بهذا الخلاص كل يوم في صلاة الساعة السادسة، لكي نفرح به، نبتهج بهذه الكفارة التي حملت جميع خطايانا ومسحتها بالدم الكريم.
واشترانا الرب بدمه، فصرنا له، وصولحنا معه.
3- هناك فرح روحي آخر، وهو الفرح بالتوبة والتخلص من الخطية.
فرح بالتخلص من خطية متكررة، أو عادة مسيطرة، فرح إنسان أمكنه أن يعترف، وأن ينال المغفرة مثال: فرح الابن الضال بعودته إلى بيت أبيه (لو15: 9).
يقول دواد النبي في مزمور التوبة: "أَسْمِعْنِي سُرُورًا وَفَرَحًا، فَتَبْتَهِجَ عِظَامٌ سَحَقْتَهَا"، "رُدَّ لِي بَهْجَةَ خَلاَصِكَ" (مز50). حقًا كم يكون فرح إنسان حينما يتخلص من عادة كانت مسيطرة عليه، أو من خطية كان يضعف أمامها وتتكرر في كل اعتراف. ما أكثر فرح إنسان تخلص من الإدمان مثلًا. أو من سيطرة الأفكار الشريرة أو الأحلام النجسة.
4- وما أعظم فرح الانتصار على النفس.
كما يقول الحكيم: "مَالِكُ رُوحِهِ خَيْرٌ مِمَّنْ يَأْخُذُ مَدِينَةً" (أم16: 32). إن الانتصار على النفس أعمق بكثير من الانتصار على الآخرين، لأن به يتحرر الإنسان من الداخل. إن الذي ينتقم لنفسه لا يفرح مثل الذي يستطيع أن يضبط نفسه ويحتمل. لذلك فرح داود النبي لما منعته أبيجايل الحكيمة عن إتيان الدماء والانتقام لنفسه (1صم25: 32، 33).
5- وهناك فرح برجوع الخطاة.
وهو ليس فقط فرحًا على الأرض، إنما في السماء أَيْضًا: "يَكُونُ فَرَحٌ فِي السَّمَاءِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ" (لو15: 7).
ولعلنا نرى في قصة رجوع الابن الضال، أن الأب قد قال: "يَنْبَغِي أَنْ نَفْرَحَ وَنُسَرَّ، لأَنَّ أَخَاكَ هذَا كَانَ مَيِّتًا فَعَاشَ، وَكَانَ ضَالُا فَوُجِدَ" (لو15: 24-32).
إنه فرح للضال الذي رجع. وفرح لنا جميعًا بتوبة الخطاة.
فحينما وجد الراعي خروفه الضال حمله على منكبيه فرحًا، ودعا أصدقاءه وقال لهم: "افْرَحُوا مَعِي، لأَنِّي وَجَدْتُ خَرُوفِي الضَّالَّ" وهكذا فعلت المرأة التي وجدت درهمها المفقود... فرح لكل الأصدقاء (لو15).
ما أعظم الفرح بالبحث عن الخطاة وردّهم.
هناك أشخاص عملهم هو هذا. كما قال القديس بولس الرسول: "وَأَعْطَانَا خِدْمَةَ الْمُصَالَحَةِ... وَوَاضِعًا فِينَا كَلِمَةَ الْمُصَالَحَةِ إِذًا نَسْعَى كَسُفَرَاءَ عَنِ الْمَسِيحِ، كَأَنَّ اللهَ يَعِظُ بِنَا. نَطْلُبُ عَنِ الْمَسِيحِ: تَصَالَحُوا مَعَ اللهِ" (2كو5: 18-20).
نفرح كلما نجد إنسانًا قد اصطلح مع الله. إذًا الخدمة بالإضافة إلى مكافآتها في السماء، لها فرح أَيْضًا على الأرض. كما يقول الكتاب: "مَنْ رَدَّ خَاطِئًا عَنْ ضَلاَلِ طَرِيقِهِ، يُخَلِّصُ نَفْسًا مِنَ الْمَوْتِ، وَيَسْتُرُ كَثْرَةً مِنَ الْخَطَايَا" (يع5: 20).
ما أعمق الذي يخلص نفسًا من الموت.
الفرح بإنسان ارتد عن الإيمان وإعادته، أو الفرح بإنسانة سقطت وضاعت ثم رجعت مرة أخرى.
6- إن كل عمل خير تعمله، له فرحته.
في الأرض وفي السماء، تفرح حينما تنقذ إنسانًا مسكينًا، أو تُفَرِّح قلب عائلة فقيرة، أو تريح إنسانًا من تعبه، تشعر بفرح داخلي، لأنك أفرحت قلوبًا منكسرة، أو أنصفت شخصًا مظلومًا.
بل تشعر بهذا الفرح حتى من جهة غير البشر، كما قال أحد الأدباء: "سقيت شجيرة كوب ماء، فلم تقدم لي عبارة شكر واحدة، ولكنها انتعشَت، فانتعشتُ".
الأم تشعر بالفرح، حينما تُفرح ابنها، وتفرح حينما تشبع رضيعها، وتفرح بنجاح أبنائها في حياتهم، هذا هو الفرح بإسعاد الآخرين.
إن الذي يدفع العشور وهو متضرر، لا يشعر بهذا الفرح، وقد يدفع، ولكن ماله لا يصل إلى الله، لأن: "الْمُعْطِيَ الْمَسْرُورَ يُحِبُّهُ اللهُ" (2كو9: 7). أي أنه يعطي، وفي قلبه فرح بهذا العطاء.. ليتك تختبر فرح العطاء.
والعطاء الروحي له فرح أَيْضًا، نجده في فرح الآباء والمرشدين.
7- فرح الآباء والمرشدين الروحيين.
إن القديس يوحنا الحبيب يقول في رسالته إلى غايس: "أَيُّهَا الْحَبِيبُ، فِي كُلِّ شَيْءٍ أَرُومُ أَنْ تَكُونَ نَاجِحًا وَصَحِيحًا، كَمَا أَنَّ نَفْسَكَ نَاجِحَةٌ... لَيْسَ لِي فَرَحٌ أَعْظَمُ مِنْ هذَا: أَنْ أَسْمَعَ عَنْ أَوْلاَدِي أَنَّهُمْ يَسْلُكُونَ بِالْحَقِّ" (3يو2، 4). إن هذا جزءًا من أفراح الخدمة والرعاية. ولذلك يقول القديس بولس الرسول: "أَطِيعُوا مُرْشِدِيكُمْ وَاخْضَعُوا، لأَنَّهُمْ يَسْهَرُونَ لأَجْلِ نُفُوسِكُمْ كَأَنَّهُمْ سَوْفَ يُعْطُونَ حِسَابًا، لِكَيْ يَفْعَلُوا ذلِكَ بِفَرَحٍ، لاَ آنِّينَ، لأَنَّ هذَا غَيْرُ نَافِعٍ لَكُمْ" (عب13: 17).
يفرح المرشد الروحي بنجاح أولاده روحيًا. فهو يفرح من أجلهم، وأَيْضًا من أجل نفسه، من أجل أدائه لرسالته التي أتت بنتيجة.. أما الابن الذي لا يطيع، أو يدخل في مجادلات عقيمة مع مرشده ولا ينفذ، فإنه يسبب لهذا الأب والمرشد ألمًا.
إن الذي يطيع ويقبل الكلمة، ويأتي بثمر، يذكرنا بقصة الخصي الحبشي الذي استمع لفيلبس وآمن واعتمد "وَذَهَبَ فِي طَرِيقِهِ فَرِحًا" (أع8: 39).
8- الفرح بنجاح الخدمة.
إن المعمدان فرح كثيرًا ببشارة السيد المسيح ونجاحها.
فقال: "مَنْ لَهُ الْعَرُوسُ فَهُوَ الْعَرِيسُ، وَأَمَّا صَدِيقُ الْعَرِيسِ الَّذِي يَقِفُ وَيَسْمَعُهُ فَيَفْرَحُ فَرَحًا مِنْ أَجْلِ صَوْتِ الْعَرِيسِ. إِذًا فَرَحِي هذَا قَدْ كَمَلَ" (يو3: 29). لقد فرح لأنه سلَّم العروس للعريس. حتى لو انتهت بذلك خدمته. هنا الفرح الروحي البعيد عن الاهتمام بالذات.
أما الإنسان الأناني فلا يفرح إلا بخدمته هو، كأنه الوحيد الذي يخدم.
ومن هنا قد يحدث التنافس والحسد بين الخدام، ولا يفرحون بعمل غيرهم. ولا يمكننا أن نتصور مقدار فرح الشعب حينما تم بناء هيكل زربابل بتعب كثير. حتى إن الكتاب يقول إنهم: "بَكَوْا بِصَوْتٍ عَظِيمٍ عِنْدَ تَأْسِيسِ هذَا الْبَيْتِ أَمَامَ أَعْيُنِهِمْ. وَكَثِيرُونَ كَانُوا يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِالْهُتَافِ بِفَرَحٍ. وَلَمْ يَكُنِ الشَّعْبُ يُمَيِّزُ هُتَافَ الْفَرَحِ مِنْ صَوْتِ بُكَاءِ الشَّعْبِ" (عز3: 12، 13).
وكما يقول المزمور: "الَّذِينَ يَزْرَعُونَ بِالدُّمُوعِ يَحْصُدُونَ بِالابْتِهَاجِ" (مز126).
إن الذين يخدمون في حقل الرب، يفرحون بثمار الخدمة، مهما كان تعبهم فيها، بل تعبهم يُزيد من فرحهم، يقول الرسول: "كَحَزَانَى وَنَحْنُ دَائِمًا فَرِحُونَ" (2كو6: 10).
في نظر الناس من الخارج حزانى، بسبب ما نبذله في الخدمة من ألم وتعب، ولكننا من الداخل فرحون، يقول القديس بولس أَيْضًا: "أَفْرَحُ فِي آلاَمِي لأَجْلِكُمْ" (كو1: 24).
9- كل إنسان أَيْضًا يفرح بثمر تعبه.
ويفرح بعمل الرب معه، وهكذا قيل في المزمور: "عَظَّمَ الرَّبُّ الْعَمَلَ مَعَنَا، وَصِرْنَا فَرِحِينَ" (مز126: 3).
وهنا نرى أَيْضًا الفرح يمتزج بالشكر.
اقرأ مزمور 103، ستجده كله فرحًا بعمل الرب "بَارِكِي يَا نَفْسِي الرَّبَّ، وَلاَ تَنْسَيْ كُلَّ حَسَنَاتِهِ"، إن الذي يعمل مع الله، يفرح بعمل الله معه، وتفرح أن تعبك لم يكن باطلًا، وكما يقول الرب: "يَفْرَحَ الزَّارِعُ وَالْحَاصِدُ مَعًا" (يو4: 36).
10- الإنسان الروحي يفرح لفرح غيره.
كما يقول الكتاب: "فَرَحًا مَعَ الْفَرِحِينَ" (رو12: 15)، إننا جسد واحد، إن تألَّم عضو، تتألم معه باقي الأعضاء. وإن فرح عضو، تفرح له ومعه باقي الأعضاء.
المشاركة في أفراح الناس فضيلة، وقيل عن القديسة أليصابات العاقر لما ولدت، إنه: "وَسَمِعَ جِيرَانُهَا وَأَقْرِبَاؤُهَا أَنَّ الرَّبَّ عَظَّمَ رَحْمَتَهُ لَهَا، فَفَرِحُوا مَعَهَا" (لو1: 58).
ليتنا نفرح بأفراح الناس، ولا ننسى مجاملتهم في أفراحهم، بمشاركة قلبية في ذلك الفرح، إن الطفل يشعر بفرح كبير حينما يجد مجموعة كبيرة حوله تفرح بعيد ميلاده، وتغني له أنشودة.. وكذلك الكبار أَيْضًا يفرحون بمن يهنئهم في مناسباتهم المبهجة.
يذكرنا هذا بذبيحة السلامة. كان يأكل منها مقدمها وأحباؤه أَيْضًا، وهو فرح بعمل الرب معه ويقربها لأجل الشكر (لا7: 12، 19). ويذكرني هذا بالذين كانوا يخبزون (فطير الملاك) ويوزّعونه، يأكل منه أصدقاؤهم فرحين معهم بمعجزة أجراها الملاك معهم.. إن الفرح بفرح الآخرين يشعرنا أننا كلنا أسرة واحدة.
11- درجة عالية من الفرح. أن نفرح بالتجارب واثقين من بركاتها وأكاليلها. كما قال القديس يعقوب الرسول: "اِحْسِبُوهُ كُلَّ فَرَحٍ يَا إِخْوَتِي حِينَمَا تَقَعُونَ فِي تَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ" (يع1: 2).
لسنا فقط نحتملها، إنما أَيْضًا نفرح بها، نفرح بالصليب، وبالباب الضيّق، وبكل الآلام والاضطهادات، نفرح بالرب "وَشَرِكَةَ آلاَمِهِ" (في3: 10). واثقين أننا: "إِنْ كُنَّا نَتَأَلَّمُ مَعَهُ لِكَيْ نَتَمَجَّدَ أَيْضًا مَعَهُ" (رو8: 17). وبالإيمان نرى أن: "كُلَّ الأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعًا لِلْخَيْرِ" (رو8: 28). لا ننظر إلى الألم الموجود. إنما ننظر في رجاء إلى عمل الرب المقبل.
لذلك قال الرسول:
12- فرحين في الرجاء (رو12:12).
فالرجاء يعطي أملًا في مستقبل مشرق. وهذا الأمل مصدره الإيمان بتدخل الله وعمله. ونتيجة ذلك يفرح القلب. كما يقول المرتل في المزمور: "وَيَفْرَحُ جَمِيعُ الْمُتَّكِلِينَ عَلَيْكَ" (مز5: 11). "الْمُتَوَكِّلُ عَلَى الرَّبِّ فَالرَّحْمَةُ تُحِيطُ بِهِ" (مز32: 10). إنه شاعر بفرح، لأن الرب لا بد سيفرِّحه.
إن أولاد الله يعيشون دائمًا في فرح.
لأن الفرح هو من ثمر الروح. يقول الرسول: "وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلاَمٌ..." (غلا5: 22). فالإنسان الروحي لمحبته لله. ومحبة الله له، يشعر بفرح. أيًا كانت الأمور، لا بد أن الرب سيعمل ونفرح بعمله. بل إن الرب فعلًا يعمل، حتى إن كنا لا نرى عمله الآن، سنراه ولو بعد حين، فتفرح قلوبنا، ولا يستطيع أحد أن ينزع فرحنا منا.
على أن أولاد الله يفرحون دائمًا بالرب ذاته، وليس بمجرد عطاياه...
إن الفرح بمجرد العطايا أمر له خطره، لأنه إن لم تأتِ عطايا الرب أو نعمته، ربما يتغير القلب من الداخل، أو يتحول إلى حزن أو تذمُّر على الرب، ليس فقط لأنه لم يعطِ، بل حتى إن تأخر في عطائه.
لذلك فالروحيون لا يفرحون لمجرد العطية، بل يفرحون بمعطيها. يفرحون بمحبة وحنو الله الذي يعطي. وهكذا يفرحون بالرب.
إنهم يفرحون بالرب كأب يهتم بهم ويرعاهم، ويعطيهم كل ما يحتاجون إليه.. ويفرحون بمحبته لهم التي يثقون بها تمامًا، حتى إن لم يعط، أو إن لم يروا عطاياه (على وجه أصح) لأن الله دائمًا يعطي.
هنا ونسأل سؤالًا هامًا:
ماذا عن الموت؟
هل هو سبب فرح؟! أم هو سبب حزن أو خوف؟!
الموت هو سبب فرح روحي، للذين يثقون بمصيرهم بعد الموت. أما الذين لم يستعدوا للموت، ولم يستعدوا للقاء الرب. فإنهم يخافون الموت، لأنهم يخافون ما بعد الموت. عدم استعدادهم يمنع الفرح بالموت.
الخطية عمومًا تمنع الفرح الروحي.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نُشر في جريدة وطني، بتاريخ 25 أغسطس 1996م
الفرح الروحي غير الفرح الزائف
الفرح الروحي غير الفرح الزائف[1]
الإنسان الروحى يعيش في فرح دائم، سببه سلام في القلب لا ينقطع، وإيمان برعاية الله له. وحتى إن لم يكن حاضره يُفرِّحه، فإن له رجاء في أنه سوف يدبر كل شيء لصالحه. وهكذا فإنه يتبع نصيحة الرسول ويضعها في ذهنه، إذ قال: "فَرِحِينَ فِي الرَّجَاءِ" (رو12:12).
الإنسان الروحي يملك عليه الفرح، حتى إن حزن، فإن حزنه يتحول إلى فرح، وإن أحاطت به الأحزان من الخارج، يكون قلبه متشبعًا بالفرح من الداخل، كما قال الرسول: "كَحَزَانَى وَنَحْنُ دَائِمًا فَرِحُونَ" (2كو6: 10).
وإنه إنسان يعيش فى بشاشة دائمة، ملامحه مملوءة سلامًا. وشعاره قول القديس بولس الرسول: "اِفْرَحُوا فِي الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، وَأَقُولُ أَيْضًا افْرَحُوا" (في4:4).
أما الكآبة فيقدمها الآباء القديسون، كحرب من حروب عدو الخير. وهكذا نقرأ في كتابات مار أوغريس، وفي كتابات يوحنا كاسيان، وكل الكتب النسكية. فالكآبة من الأفكار الثماني المحاربة للنفس، بل إن علماء النفس يعتبرون الكآبة depressionمرضًا نفسيًا.
الشيطان يلقي الكآبة في قلب الإنسان، لكي يلقيه إلى اليأس، ومن ثم يُبعده عن الله، ويُشعره بأن الله لا يهتم به.
فنجد هذا الإنسان باستمرار كئيبًا ومضطربًا حزينًا حائرًا، غير واثق بمعونة الرب. وفي يأسه وفي حيرته يمكن أن يستسلم لأي وضع. أما ابن الله الواثق بعمل الله لأجله، فإنه – مهما حدث له – يتغنى بتسبحة السيدة العذراء "وَتَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ مُخَلِّصِي" (لو1: 47). فهو يتذكر خلاص الله الآتي، وهو في عمق مشاكله.
إننا نريد أن يكون أولاد الله فرحين، ولكن بفرح روحي، فرح حقيقي. وليس بفرح زائف من أفراح العالم.
الفرح الزائف
حينما يقول الرسول: "اِفْرَحُوا فِي الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ"، إنما يقصد الفرح الروحي الذي مصدره الله، ويكون ملتصقًا بالرب كل حين. وهو غير الفرح الصبياني، وباقي الأفراح العالمية، أو الفرح بالذات.
من أمثلة الفرح الصبياني:
فرح يونان باليقطينة التي ظللت على رأسه لتخلصه من غمّه (يونان 4: 6). أو فرح الابن الأكبر الذي اشتهى من أبيه "جَدْيًا ليفْرَح به مَعَ أَصْدِقَائه" (لو15: 29).
وكذلك فرح سليمان بملاذ العالم وما اشتهته عيناه من الأمور التي قال عنها فيما بعد: "الْكُلُّ بَاطِلٌ وَقَبْضُ الرِّيحِ" (جا2). ومن ذلك أَيْضًا قول الكتاب: "قَلْبُ الْجُهَّالِ فِي بَيْتِ الْفَرَحِ" (جا7: 4).
ومن أنواع الفرح الخاطئ، فرح البعض بالمواهب الروحانية.
فرحهم بأن ذاتهم تكبر وتعظم من خلال مواهب الروح! لقد فرح التلاميذ قائلين للرب: "حَتَّى الشَّيَاطِينُ تَخْضَعُ لَنَا بِاسْمِكَ!". فقال لهم الرب: "وَلكِنْ لاَ تَفْرَحُوا بِهذَا: أَنَّ الأَرْوَاحَ تَخْضَعُ لَكُمْ، بَلِ افْرَحُوا بِالْحَرِيِّ أَنَّ أَسْمَاءَكُمْ كُتِبَتْ فِي السَّمَاوَاتِ" (لو10: 17، 20)، وهكذا ردَّهم من الفرح الخاطئ بالذات، إلى الفرح الروحي بالوجود مع الله في السماء.
ومن أمثلة الفرح الخاطئ، فرحة التكلم بألسنة، واشتهاء ذلك.
والفرح بالدموع في الصلاة، وليس بعشرة الرب ومذاقته.
ومع أن القديس بولس الرسول كان يتكلم بألسنة أكثر من الكل، لكنه حارب هذه الشهوة الباطلة، وفضّل عليها أن ينطق خمس كلمات بفهم أكثر من عشرة آلاف كلمة بلسان (1كو14: 18، 19). ذلك لأن هدفه كان بناء الآخرين، وليس المجد الباطل. ولما كثرت مواهب بولس الروحية، فلكي لا يرتفع من فرط الاستعلانات، أعطاه الرب شوكة في الجسد لئلا يرتفع (2كو12: 7).
ومن الفرح الخاطئ أَيْضًا، الفرح بالماديات وأمور العالم الزائل.
ونعني "شَهْوَةَ الْجَسَدِ، وَشَهْوَةَ الْعُيُونِ، وَتَعَظُّمَ الْمَعِيشَةِ" (1يو2: 16)، إنها فرحة الحواس، وفرحة بالعالم الذي يبيد وشهوته معه (1يو2: 17).
على أنه أسوأ أنواع الفرح الخاطئ، فرح الإنسان بسقطة عدوّه.
أي فرحه بهلاك أعدائه وضياعهم، لذلك يقول الكتاب: "لاَ تَفْرَحْ بِسُقُوطِ عَدُوِّكَ، وَلاَ يَبْتَهِجْ قَلْبُكَ إِذَا عَثَرَ. لِئَلاَّ يَرَى الرَّبُّ وَيَسُوءَ ذلِكَ فِي عَيْنَيْهِ" (أم24: 17، 18). ويقول أَيْضًا: "المحبة لاَ تَفْرَحُ بِالإِثْمِ" (1كو13).
الفرح الروحي
مثاله: فرح التلاميذ عندما رأوا الرب (يو20:20). وفرح المجوس عندما رأوا النجم يرشدهم إلى طفل المذود (مت2: 9، 10). وفرح الذين ذاقوا ونظروا ما أطيب الرب (مز34: 8).
ومن أمثلة الفرح الروحي: الفرح بالخلاص.
كقول القديسة العذراء: "تَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ مُخَلِّصِي" (لو1: 47). وكقول المرتل في المزمور: "امنحني بهجة خلاصك" (مز51: 12). الفرح بالخلاص هو فرح بالرب الذي: "يَقُودُنَا فِي مَوْكِبِ نُصْرَتِهِ" (2كو2: 14). إنه فرح بالخلاص من أعدائنا، ومن جميع مقاومينا (لو1: 71).
خلاص تغنَّى به داود النبي: "دُفِعْت لأَسْقُطَ والرَّبّ عَضدَني. قُوَّتي وتَسْبِحَتِي هُوَ الرَّبُّ، وقَدْ صارَ لي خَلاصًا" (مز118: 13، 14). هو خلاص تحدث عنه موسى النبي فقال: "قِفُوا وَانْظُرُوا خَلاَصَ الرَّبِّ.. الرَّبُّ يُقَاتِلُ عَنْكُمْ وَأَنْتُمْ تَصْمُتُونَ" (خر14: 13، 14). وبنفس الخلاص تغنى داود النبي في فرح وقال: "لَوْلا أنَّ الرَّبَّ كان مَعنا عِنْدَما قامَ النّاسُ عَلَيْنا. لابْتَلَعونا ونَحْنُ أحْياء، عِنْدَ سَخطِ غَضَبِهِمْ عَلَيْنا.. مُبارَكٌ الرَّبُّ الّذي لَمْ يُسَلِّمْنا فَريسةً لأسْنانِهِم" (مز124).
افرح بخلاص الرب: الخلاص من التجارب، ومن الخطايا.
سواء كان خلاصًا لك، أو لأحبائك، أو للكنيسة...
إنه فرح هنا وفي السماء، بخلاص الخطاة، بل بخلاص خاطئ واحد يتوب (لو15: 10). وهكذا قال الأب (لابنه الأكبر) عن رجوع الابن الضال: "كَانَ يَنْبَغِي أَنْ نَفْرَحَ وَنُسَرَّ، لأَنَّ أَخَاكَ هذَا كَانَ مَيِّتًا فَعَاشَ، وَكَانَ ضَالًا فَوُجِدَ" (لو15: 32).
إنه فرح بالخلاص، من الأعداء ومن الضربات.
كما يقول الكتاب: "يَسْقطُ عَنْ يَساركَ أُلوفٌ وعَنْ يَمينكَ رِبْواتٌ، وأمّا أنْتَ فَلا يقْتَربُ إليْكَ الشَّرُّ. بَلْ بِعَيْنيْكَ تَتَأَمَّلُ ومُجازاةُ الخُطاةِ تُبْصرُ" (مز91). "لاَ تَضْرِبُكَ الشَّمْسُ فِي النَّهَارِ، وَلاَ الْقَمَرُ فِي اللَّيْلِ" (مز121) "فَيُحَارِبُونَكَ وَلاَ يَقْدِرُونَ عَلَيْكَ، لأَنِّي أَنَا مَعَكَ، يَقُولُ الرَّبُّ، لأُنْقِذَكَ" (إر1: 19) "وَهَا أَنَا مَعَكَ، وَأَحْفَظُكَ حَيْثُمَا تَذْهَبُ، وَأَرُدُّكَ إِلَى هذِهِ الأَرْضِ" (تك28: 15).
الذي يفرح بخلاص الرب، لا يتكبر.
فالخلاص لم يكن بسببه، وإنما هو من عند الرب. كما قالت القديسة العذراء: "لأَنَّ الْقَدِيرَ صَنَعَ بِي عَظَائِمَ، وَاسْمُهُ قُدُّوسٌ" (لو1: 49). وكما قال القديس بطرس في شفاء معجزة الرجل الأعرج: "لِمَاذَا تَشْخَصُونَ إِلَيْنَا، كَأَنَّنَا بِقُوَّتِنَا أَوْ تَقْوَانَا قَدْ جَعَلْنَا هذَا يَمْشِي؟ إِنَّ إِلهَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ" (أع3: 12، 13).
حاول أن تجلس بينك وبين نفسك، وتتأمل خلاص الرب. سواء في حياتك أو في حياة الناس.
كم مرة انتشلك الرب كشعلة من النار دون أن تحترق (زك3: 2). قل للسيد الرب: أنا أشعر بيدك القوية وهي تسد أفواه الأسود (دا6)، وهي تشق لي طريقًا في البحر (خر14). وتفجر لي ماء من الصخر (خر17).
حقًا إن خلاص الرب له قصص طويلة: منها قصة داود مع جليات (1صم17)، وقصة مريم المجدلية التي أخرج منها الرب سبعة شياطين (مر16: 9). وقصص مريم القبطية، وبيلاجية، وأغسطينوس، وموسى الأسود، وكثيرين قادهم الرب إلى التوبة.
إن الذين سقطوا وخلصوا، كانوا أكثر سعادة من الذين لم يسقطوا!
لقد شعروا بمحبة الرب وحنوّه وقوّته، وعمله من أجلهم. وهكذا الذين حوربوا وانتصروا، كانوا أكثر سعادة من الذين لم يحاربوا. كلهم دخلوا في حياة الاختبار وحياة الفرح وحياة الشكر.. كل واحد منهم يتغنى ويقول:
"دُفِعْت لأَسْقُطَ والرَّبّ عَضدَني"، "يَمينُ الرَّبِّ رَفَعَتْني، يَمينُ الرَّبِّ صَنَعَتْ قُوَّةً" (مز118). صوته رن في أذنيّ: "مَا لَكَ ههُنَا يَا إِيلِيَّا؟!" (1مل19: 9، 13). أو سمعت صوته وهو يقول: "كَفَاكُمْ قُعُودٌ فِي هذَا الْجَبَلِ" (تث1: 6).
أو صوت الخلاص وهو يقول: "كنت مَدُوسَةً بِدَمِكِ. وَرَأَيْتُكِ، وَإِذَا زَمَنُكِ زَمَنُ الْحُبِّ. فَحَمَّمْتُكِ بِالْمَاءِ، وَمَسَحْتُكِ بِالزَّيْتِ، وَجَمُلْتِ جِدًّا جِدًّا، فَصَلُحْتِ لِمَمْلَكَةٍ، وَخَرَجَ لَكِ اسْمٌ فِي الأُمَمِ لِجَمَالِكِ، لأَنَّهُ كَانَ كَامِلاً بِبَهَائِي الَّذِي جَعَلْتُهُ عَلَيْكِ" (حز16: 6-14).
حقًا يا رب، أنت هو "الْمُقِيمِ الْمَسْكِينَ مِنَ التُّرَابِ، الرَّافِعِ الْبَائِسَ مِنَ الْمَزْبَلَةِ، لِيُجْلِسَهُ مَعَ رؤساء شَعْبِك" (مز113: 7، 8). وعندما يجلس هذا المسكين مع قديسيك، يقول في فرح: "تَبْتَهِجُ رُوحِي بخلاصك".
وأنت: قد تفرح بكلمة من كلام الله. وتجد فيها كنزًا من التأملات، تراها نورًا لسبيلك، وحلوة لحلقك، وسببًا لعزائك.
تفرح بكلمته، تفرح بالصلاة، بالألحان، بالترتيل، تفرح بالخدمة وبالمخدومين، وبشركة الروح القدس (2كو13: 14). وبعمل الله فيك ومعك، وبيد الرب التي تقود حياتك.
إن أعظم فرح بالرب، هو الفرح الأخير، بالحياة معه في السماء.
[1]مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نُشر في جريدة وطني، بتاريخ 18 مايو 1997م
البشاشة والفرح
البشاشة[1]
أحب أن أكلمكم عن الفرح بالرب، الذي يكون به الإنسان دائم البشاشة. لذلك فليكن موضوع تأملنا هو البشاشة.
† البشاشة هي دليل الفرح الداخلي، الفرح ثمرة من ثمار الروح القدس (غلا5: 22). والبشاشة دليل على السلام الداخلي، والسلام هو أَيْضًا ثمرة من ثمار الروح القدس.
إذًا الشخص البشوش إنسان يسكن فيه روح الله ويصنع ثماره..
† الوجه البشوش يشيع السلام حوله، وليس داخل نفسه فقط. الوجه البشوش تعزية صامتة للقلوب الحزينة.
الوجه البشوش يبعث الطمأنينة في قلوب الآخرين، ويدل على أن صاحبه شخص مريح، يدل على نفسية مرتاحة من الداخل.
أما الكآبة والتعب وفقدان السلام، فهي دليل على ضعف الإيمان داخل القلب. لأن القلب المؤمن مهما أحاطت به المتاعب، بل مهما انتصر عليه الشيطان، عنده أمل ورجاء وإيمان أن كل الأمور ستنتهي بخير، لذلك يكون بشوشًا.
† الإنسان البشوش لا يعيش في التعب الحاضر، إنما بالرجاء يعيش في الفرح المقبل. إن لم يعش سعيدًا في الواقع، يعيش سعيدًا في الخيال والأحلام.
يتخيل المسيح ماشيًا على المياه، ينتهر الريح، ويزجر الأمواج. ويتخيل المسيح آتيًا في الهزيع الرابع من الليل. ولا يكون خياله وَهمًا، وإنما حقيقة مبنية على الإيمان.. إنه لا شك يأتي ولا يبطئ. لأن وعود الله صادقة، والبشوش يعتمد عليها.
"اُذْكُرْ لِعَبْدِكَ الْقَوْلَ الَّذِي جَعَلْتَنِي أَنْتَظِرُهُ، هذِهِ هِيَ تَعْزِيَتِي فِي مَذَلَّتِي، لأَنَّ قَوْلَكَ أَحْيَانِي" (مز119: 49، 50).
والإنسان البشوش لا يسمح للمشاكل أن تحصره داخلها، إنما يكسر دائرتها، ويفتح له بابًا ليخرج منها.
أحيانًا ترتبط البشاشة بالزهد.
فالقلب الزاهد لا يحرص على شيء، ولا يحزن على فقدان شيء. ولا يشتهي الحصول على شيء. لذلك لا يوجد شيء يتعبه.
الإنسان البشوش لا يُحكّم عقله، وإنما يُحَكّم إيمانه... لا يحكم على الأمور بتفكيره الخاص، إنما يحكم عليها في ظل الإيمان بالله صانع الخيرات، محب البشر.. لا بد أن الله يعمل خيرًا، حتى إن كنت لا أرى هذا الخير.. قد يكون ذلك مجرد قصور في نظري.
† الإنسان البشوش، حتى لو كان قلبه مملوءًا بالأحزان، يقول: وما ذنب الناس حتى يرونني عابس الوجه فيحزنون؟!
الإنسان النبيل يحتفظ بحزنه لنفسه، ويقدم بشاشته لغيره. يشرك الناس في أفراحه، وليس في أحزانه.
† البشوش يفيض على الناس بشاشة، ويجعلهم بشوشين مثله.
يشيع حوله جوًا من الفرح، ومن السلام، ومن الاطمئنان.. ويُنسي الناس أحزانهم.
الإنسان الذي يحب البشاشة، يحبها لغيره أَيْضًا.
† لذلك فهو دائمًا يوجد حلولًا لمشاكل الآخرين.
يعطيهم تفسيرًا مريحًا لكل الضيقات، ووجهًا مشرقًا لكل المتاعب. إنه يفرح ويُفرحهم مهما حدث.. كل ما يحدث لا يستطيع أن ينزع فرحه منه.
† الإنسان البشوش يخفف من المتاعب ولا يحسب لها ثقلًا، أما الكئيب فيضخّمها ويكبّرها.
البشوش ينتصر على المتاعب. أما الكئيب فتنتصر المتاعب عليه. البشوش لا يقع في الحصر النفسي، ولا تكون نفسه عدوة له في الداخل.
† البشوش عقله صديق له، دائمًا يريحه. أما الكئيب فعقله ألد أعدائه، لأنه يصوّر له متاعب لا وجود لها، ودائمًا يضخم له الشر، ويغلق أمامه أبواب الحلول.
يقول له إن أراد أن يخرج من بيته: إن "الأَسَدُ فِي الطَّرِيقِ" (أم13:26)، لقد قال السيد المسيح: "تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ" (مت11: 28). وقال الكتاب: "أَلْقِ عَلَى الرَّبِّ هَمَّكَ فَهُوَ يَعُولُكَ" (مز22:55).
† الكئيب يحمل همومه. أما البشوش فيتركها للرب يحملها عنه.
البشاشة تقف إلى جوار الآية التي يقول: "اِفْرَحُوا فِي الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، وَأَقُولُ أَيْضًا افْرَحُوا" (في4: 4) "لاَ يَنْزِعُ أَحَدٌ فَرَحَكُمْ مِنْكُمْ" (يو16: 22).
† البشوش الحقيقي هو الذي يتمتع بالبشاشة الداخلية، كما يتمتع بالبشاشة الخارجية.
† البشوش إذا أخطأ، بدلًا من أن يفقد بشاشته، يصلح نفسه وحينئذ يعيش في سلام داخلي وسلام مع الله.
† الكآبة ليست حلًا عمليًا للمشاكل. الشخص البشوش يبحث عن الحل العملي، الذي يتخلص به من المشكلة ومن الكآبة.
† الكئيب إذا سمع بموت لعازر، يقول كما قال توما: "لِنَذْهَبْ نَحْنُ أَيْضًا لِكَيْ نَمُوتَ مَعَهُ" (يو11: 16). وهل إذا ذهب ومات معه، سيكون هذا حلًا للمشكلة، أم إضافة مشكلة جديدة إليها؟! أما البشوش فيقول مع المسيح: "لِعَازَرُ حَبِيبُنَا قَدْ نَامَ. لكِنِّي أَذْهَبُ لأُوقِظَهُ" (يو11: 11). لقد خفف عبارة "مات" لأنه لا يريد أن يُحزن غيره.
† البشوش لا يفكر في المشكلة ومتاعبها، إنما يفكر في حلها فإن وجد الحل، تزول المشكلة ويفرح.
أما الكئيب فيفكر في المشكلة وأعماقها وأبعادها، وكيف حدثت، ومدى نتائجها السوداء، فيزداد كآبة. ولا يفكر مطلقًا في حلها. وإن فكر في الحل يستصعبه، ويضع أمامه العقبات، أو يتخيل أنه لا حل. أو تشل الكآبة تفكيره، فلا يبصر الحل وهو موجود. وهكذا يستمر في كآبته، بل تزداد هذه الكآبة ولا يستطيع أن يكون بشوشًا.
† البشوش إن لم يجد حلًا لمشكلته، يتركها لله، الذي عنده حلول كثيرة، وينساها بين يديه الإلهيتين.
أما الكئيب فلا يستطيع أن ينسى مشكلته. إنها قائمة دائمًا أمام عينيه، تتعبه وتزعجه. كلما فكر فيها، أرهقت أعصابه، وأتعبت نفسيته. لذلك فإن الأطباء النفسيين قد يعطونه منوّمًا، كي ينام ولا يعود يفكر فيها، أو يعطونه مهدئات ومسكنات، لكي تستريح أعصابه. وكلها علاجات من الخارج، بينما الداخل في تعب.
† البشوش يعطي فرصة لله لكي يعمل.
إن أتعبته مشكلة، يقول للرب: جاء وقتك لكي تتدخل. لقد كنت أدَّخرك لوقت الضيق، وهوذا وقت الضيق قد جاء، فاعمل أنت يا رب. ويكون واثقًا أن الله سيعمل. لذلك لا يضطرب.. أما الكئيب فينسى وجود الله وتدخله في وقت تعبه.
† البشوش يضع الله بينه وبين المشكلة، فتختفي المشكلة وراء الله. أما الكئيب فيضع المشكلة بينه وبين الله، فلا يرى الله.
† البشوش لا يعطي المتاعب أهمية أكثر من وزنها الحقيقي فلا تخيفه، ولا ترعبه. إنه إنسان مستريح الأعصاب، مستريح النفس، مستريح الفكر.. لا يقع مطلقًا في القلق أو الاضطراب أو الحيرة أو اليأس.
ولكن لعل سائلًا يسأل: إن كان هذا شأن البشاشة وأهميتها، فما معنى قول الكتاب: "بِكَآبَةِ الْوَجْهِ يُصْلَحُ الْقَلْبُ؟"
وما معنى الحزن على الخطايا. وما معنى دموع القديسين؟ وما معنى "للفرح وقت، وللحزن وقت"؟ وما يشابه هذا كله من آيات ونصوص مقدسة؟
الإجابة عن هذا بسيطة، وهي أن هناك فرقًا بين حزن وحزن، وكآبة وكآبة.. والكآبة الروحية لها علامات تميزها عن الكآبة الخاطئة.
1- الإنسان الروحي يكتئب لأسباب روحية وليس لأسباب عالمية أو شخصية.
2- وكآبته مخلوطة بالرجاء، كما قال الكتاب: "لاَ تَحْزَنُوا كَالْبَاقِينَ الَّذِينَ لاَ رَجَاءَ لَهُمْ" (1تس4: 13).
3- لذلك فإن رجاءه يُولّد له فرحًا، كما قال الرسول: "فَرِحِينَ فِي الرَّجَاءِ" (رو12).
4- وكآبته تؤول إلى فرح، كما قال الرسول: "كَحَزَانَى وَنَحْنُ دَائِمًا فَرِحُونَ" (2كو6: 10). كآبة تقود إلى التوبة، والتوبة تلد فرحًا.
إن الحزن الروحي ممزوج بالفرح، وليس هو حزنًا خالصًا. إنه ممزوج بالرجاء.. ثم هو لا يستمر طويلًا. هو مرحلة في الطريق، جسر يوصل إلى الفرح، وإلا فما معنى قول الكتاب: "اِفْرَحُوا فِي الرَّبِّ كُلَّ حِين وَأَقُولُ أَيْضًا افْرَحُوا" (في4:4).
وهو حزن يريح الإنسان، لا يتعبه كالكآبة التي تحطم النفس، وتقلق الفكر، وتمرض الأعصاب، وتبعد عن عمل الروح.. وتنفصل عن الرجاء وعن الإيمان، وتنسى الله وتَدَخّله.
إن الكآبة الروحية هي حساسية في العاطفة، ولكنها ليست انحصارًا في النفس، إنها تحمل الفرح داخلها.
كذلك قد يفقد الإنسان بشاشته. بسبب عدم الاكتفاء[2].
أقصد عدم الاكتفاء بما عنده والتطلع باستمرار إلى طموحات عالية ربما لا تكون سهلة المنال، أو ربما إذا وصل إلى بعضها لا يكتفي وإنما يطلب المزيد، فإن لم ينله يحزن ويكتئب.
من أجل هذا، فالإنسان القنوع الراضي بما قسم الله له، يكون دائمًا بشوشًا سعيدًا، شاكرًا لله على ما هو فيه.
عكس ذلك، الطامع في منصب كبير أو في مستوى مالي مرتفع، قد يفقد روح الفرح أو البشاشة، لأن آماله في العلو أو الترقي لم تتحقق، أو وجد له منافسين نالوا ما كان يود أن يناله هو.
ما أعجب أن كبار الأغنياء قد لا يحيون في البشاشة التي يعيشها عامة الناس، ذلك لأنهم مهما ازداد غناهم، يريدون ما هو أكثر وأكثر.. وقد لا يتحقق ذلك فيفقدون البشاشة.
وقد يتحقق كل ما يريدونه من غنى، ولكن ذلك يستلزم ضرائب أو مستحقات معينة للدولة لا يحبون أن يدفعوها، فيكتئبون.
أو يلجأون إلى التهرب الضريبي، فيدخلون في قضايا ويتعرضون لأحكام تصدر ضدهم، وفي كل ذلك يفقدون البشاشة على الرغم من الغنى المتزايد.
أخيرًا في موضوع البشاشة، أراني مضطرًا إلى طرق موضوع ديني..
يرى البعض أن رجال الدين أو المتدينين عمومًا يجب أن يتصفوا بالجدية، أو بنوع من الجدية يأخذ مظهر التزمت وقد يقودهم هذا إلى لون من العبوسة، بحيث يعتبرون المرح أو البشاشة حرامًا.
فهم يربطون بين الجدية والعبوسة، وبين الضحك والخطيئة! وكأن الذي لا يكون عابسًا، فبالضرورة يكون عابثًا! أو على الأقل يكون ساهيًا عن نفسه وغافلًا عن أبديته! وناسيًا لخطاياه، وبعيدًا عن حياة التوبة وعن النمو الروحي!
وهذا التزمت له خطورته لأنهم به يخيفون الناس من التدين! أو هم يقدمون للناس صورة من التدين غير السليم!
فلماذا لا يكون الإنسان متدينًا. وفرحًا وبشوشًا في نفس الوقت؟
وهل معنى التدين أن ينفصل الإنسان عن الحياة الاجتماعية وما فيها من مرح وبهجة؟! وهل إذا ضحك المتدين يبكته ضميره على ذلك؟! ويرى أنه قد هبط درجة في الحياة الروحية؟!
وهل الحفلات التي تتميز بالفرح تكون في مستوى هابط. مهما كان ذلك الفرح بريئًا، لا تُكسر فيها وصية واحدة من وصايا الله!
وإن استطاع الكبار أن يضبطوا أنفسهم من جهة اللهو والمزاح والضحك والفكاهة، فهل يستطيع ذلك الأطفال؟! بينما هو مستحيل لأن الطفل يحب أن يضحك. وإن منعناه عن الضحك ينشأ مريضًا نفسيًا.
أم أننا نسمح له بكل ذلك في طفولته. ونمنعه عن كل ذلك كلما يكبر. كأن مقاييس الخير أو الشر قد تغيرت تمامًا!
إن الله خلق الإنسان لكي يكون سعيدًا، وأسكنه في جنة.. وفي الأبدية سنكون في نعيم وفرح، فهل في الفرح خطيئة؟!
كلا، بلا شك وإلا كره الناس التدين.
بل على العكس، إذا رأوا المتدينين فرحين، تكسو وجوههم البشاشة. ويتشجعون على أن يحيوا حياة متدينة.
بل يفرحون في تدينهم، إذ أن الله قد قادهم إلى حياة الفضيلة، وسهَّل طريقها أمامهم، ويفرحون إذا صارت لهم علاقة طيبة مع الله، وأصبحوا يجمعون بين التدين والبشاشة.
المشكلة إذًا في الحالتين هي في التطرَّف.
بمعنى أن يتطرَّف الإنسان في تدينه، فلا يضحك ويظل عابسًا.. أو يتطرَّف الإنسان في ضحكه، فيخلط الضحك بالاستهزاء أو بالفكاهات الرديئة. أو بدلاً من أن يضحك مع الناس، يضحك على الناس، أو يحاول أن يضحكهم بما يخدش ضمائرهم.
أما البشاشة فهي وضع متوسط، يجب أن يتصف به حتى رجال الدين، فيشعر الناس أن الدين هو حياة فرح بالله وبالفضيلة.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 9 مايو 1975م
[2] جزء من مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نُشر في جريدتي الجمهورية والأهرام 10 يوينو2003م، و22 مارس 2009م
كن بشارة مفرحة
كن بشارة مفرحة[1]
إن الناس في حاجة إلى من يفرِّحهم، ويخفف عنهم متاعبهم، وبالرجاء الذي فيه يفتح طاقة من نور، تشرق وسط ضيقاتهم فتبددها وتعطيهم أملًا جديدًا.
† فكن أنت كذلك: إن كانت لديك كلمة مفرحة، قلها للناس. وإن كانت لديك كلمة متعبة، أَجِل اللفظ بها، حتى لا تُتعب غيرك.
ما أجمل قول الكتاب في ذلك: "مَا أَجْمَلَ أَقْدَامَ الْمُبَشِّرِينَ بِالسَّلاَمِ، الْمُبَشِّرِينَ بِالْخَيْرَاتِ" (رو15:10).
† كن بشوشًا في وجه كل أحد، واعمل كل ما تستطيعه لتشيع البشاشة في وجوه الناس.
وقابل الناس بابتسامة لطيفة، وبكلمة حلوة، لأن الناس لا يحبون الملامح المقطبة والوجوه العابسة، التي تفقدهم سلام القلب وهدوء المشاعر.
اجعل الناس يفرحون بلقائك، ويشعرون أنك سبب فرح لهم، وأن قدومك إليهم هو بشارة خير.
انظر كم يتفاءل الناس ويفرحون بكلمة مفرحة، يقرأونها في طالع أو بخت، وقد تملأ قلبهم بهجة، وتعطيهم دفعة في روحهم المعنوية، مع أنه لا يعرف المستقبل إلا الله، وما هذه العبارة التي أفرحتهم سوى مجرد كلام!
† وتأمل كيف أن كلمة إنجيل معناها "بشارة مفرحة". والكرازة بالإنجيل، كانت هي الكرازة بهذه البشارة المفرحة، التي فيها قال الملاك للرعاة: "هَا أَنَا أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ" (لو2: 10).
† وانظر كيف قال السيد المسيح للناس: "تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ" (مت11: 28).
فإن كنت لا تستطيع أن تحمل عن الناس متاعبهم، فعلى الأقل لا تكن سببًا في أتعابهم.
† تأمل كيف أن المصورين يطلبون من الناس أن يبتسموا قبل التقاط الصورة، لكي يكون المنظر مبهجًا! كن أنت أَيْضًا مبتسمًا، لكي يكون وجهك مبهجًا للناس.
† البعض يظن خطأ أن الدين هو كآبة وجه، وأن الكآبة دليل الجدّية! بينما الدين هو فرح. والفرح واللطف هما من ثمار الروح (غلا5: 22).
[1] كلمة منفعة لقداسة البابا شنوده الثالث نُشرت في مجلة الكرازة، بتاريخ 10 أكتوبر 1980م
الفرح في المسيحية
المسيحية بشارة فرح[1]
بشرى الفرح
لقد كان ميلاد المسيح هو بشرى الخلاص للجميع، والخطوة الأولى لهذا الخلاص الذي تم بالفداء. ولهذا قال سمعان الشيخ: "الآنَ تُطْلِقُ عَبْدَكَ يَا سَيِّدُ حَسَبَ قَوْلِكَ بِسَلاَمٍ، لأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ أَبْصَرَتَا خَلاَصَكَ" (لو2: 29، 30).
وفي ميلاده حمل الملاك بشرى الفرح قائلًا للرعاة: " فَهَا أَنَا أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ: أَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ الْيَوْمَ.. مُخَلِّصٌ هُوَ الْمَسِيحُ الرَّبُّ" (لو2: 10، 11).
إن رسالة المسيحية كلها تتركز في هذه العبارة التي قالها الملاك للرعاة: "فَهَا أَنَا أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ".
إن المسيحية هي بشارة مفرحة لجميع الناس. وحتى كلمة الإنجيل معناها بشارة؛ بشارة مفرحة تحمل للناس خبرًا مفرحًا عن الخلاص.
وكانت البشارة المفرحة هي عمل السيد المسيح، وعمل يوحنا المعمدان، وعمل الرسل، والأنبياء والرعاة... وقد قال السيد المسيح في بشارته المفرحة: "رُوحُ السَّيِّدِ الرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّ الرَّبَّ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ، أَرْسَلَنِي لأَعْصِبَ مُنْكَسِرِي الْقَلْبِ، لأُنَادِيَ لِلْمَسْبِيِّينَ بِالْعِتْقِ، وَلِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ. وَأَكْرِزَ بِسَنَةِ الرَّبِّ الْمَقْبُولَةِ، لأُعَزِّيَ كُلَّ النَّائِحِينَ. لأُعْطِيَهُمْ جَمَالًا عِوَضًا عَنِ الرَّمَادِ، وَدُهْنَ فَرَحٍ عِوَضًا عَنِ النَّوْحِ" (إش61: 1-3)، (لو4: 18، 19).
وهكذا صار عمل كل رجال الدين أن يتمموا رسالة المسيح في أن يبشروا بهذا الفرح.
يبشرون المسبيين بالعتق والمأسورين بالإطلاق، بل هذا هو عمل كل خادم وكل قلب محب أن يعمل كالمسيح، يعزي النائحين ويفرح منكسري القلوب، ويحمل للجميع بشرى الخلاص.
ينادي للجميع قائلًا: هوذا المسيح قد أتى ليحمل خطاياكم، ويوفي عنكم ديونكم، ويكسر أبواب الجحيم، ويفتح أبواب الفردوس. ويقول للجميع عبارته المعزية: "تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ" (مت11: 28).
هوذا المسيح "قَدْ جَاءَ لِكَيْ يُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ" (مت18: 11) يقول في بشرى مفرحة: "لَمْ آتِ لأَدِينَ الْعَالَمَ بَلْ لأُخَلِّصَ الْعَالَمَ" (يو12: 47) بل يقول أَيْضًا للمرأة الخاطئة: "وَلاَ أَنَا أَدِينُكِ. اذْهَبِي وَلاَ تُخْطِئِي أَيْضًا" (يو8: 11).
جاء المسيح ليبحث عن الخروف الضال ويحمله على منكبيه فرحًا (لو5:15). وجاء يبشر رئيس العشارين قائلًا: "الْيَوْمَ حَصَلَ خَلاَصٌ لِهذَا الْبَيْتِ" (لو19: 9). جاء ليقول للص المصلوب: "الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ" (لو23: 43). ويقول للأمم الغرباء إنهم: "وَيَأْتُونَ مِنَ الْمَشَارِقِ وَمِنَ الْمَغَارِبِ، وَيَتَّكِئُونَ فِي مَلَكُوتِ اللهِ" (لو13: 29). جاء المسيح ليقدم ديانة فرح للناس.
وإذ بالرسول يقول: "اِفْرَحُوا فِي الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، وَأَقُولُ أَيْضًا: افْرَحُوا" (في4:4). وفي وسط ضيقات هذا الرسول مع زملائه في الخدمة، يقول: "كَحَزَانَى وَنَحْنُ دَائِمًا فَرِحُونَ" (2كو6: 10).
والسيد المسيح يقول: "أَرَاكُمْ أَيْضًا فَتَفْرَحُ قُلُوبُكُمْ، وَلاَ يَنْزِعُ أَحَدٌ فَرَحَكُمْ مِنْكُمْ" (يو16: 22).
والكتاب يقدم لنا الفرح كأحد ثمار الروح في القلب. فيقول الرسول: "وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلاَمٌ" (غلا5: 22). ولذلك فإن الذي يخلو قلبه من الفرح والسلام، إنما يخلو من عمل الروح.
الفرح في مجيء المسيح
وقد شرح لنا الكتاب الفرح الذي عَمَّ العالم عند مجيء المسيح.
وظهر فرح الناس في ترنيمة الملائكة "وفي النَّاسِ الْمَسَرَّةُ" أي الفرح، لقد فرح الناس لأن المسيح قد نادى للمسبيين بالإطلاق. وحماهم من أسر الشيطان ومن عبوديته المُرة، وهكذا قال الرب: "رَأَيْتُ الشَّيْطَانَ سَاقِطًا مِثْلَ الْبَرْقِ مِنَ السَّمَاءِ" (لو10: 18) وبهذا انتهت سلطة الشيطان كرئيس لهذا العالم، وقال عنه الرب: "رَئِيسَ هذَا الْعَالَمِ قَدْ دِينَ" (يو16: 11) وفرح الناس إذ تحرروا من أسره وقال لهم الرب: "فَإِنْ حَرَّرَكُمْ الابْنُ فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ أَحْرَارًا" (يو8: 36)، صارت الأرض كلها للرب ومسيحه والرب قد ملك.
فرح سمعان الشيخ وتهلل لأنه أبصر الخلاص. وفرح الملائكة وترنموا وبشروا الناس بالفرح. وفرحت أليصابات العاقر. التي لم تكن تلد، ثم ولدت أعظم من ولدته النساء.
وفرحت الأرض كلها لأن المسيح قد جاء يصالح الأرضيين مع السمائيين ويجعل الاثنين واحدًا، وينقض الحائط المتوسط ويغسل الناس من خطاياهم، فتبيض قلوبهم أكثر من الثلج.
فلتكن لنا في بداية العام هذه النظرة المستبشرة.
وليكن لنا في عيد ميلاد المسيح فرح بالخلاص كفرح سمعان. ولنقل مع إشعياء النبي: "مَا أَجْمَلَ عَلَى الْجِبَالِ قَدَمَيِ الْمُبَشِّرِ، الْمُخْبِرِ بِالسَّلاَمِ، الْمُبَشِّرِ بِالْخَيْرِ" (إش52: 7).
ولنفرح جميعًا بميلاد المسيح ونبشر الناس كلهم بالفرح.. وليكن فرحنا روحانيًا مملوءًا بالرجاء، الرجاء في الله وعمله، فهو "معين من ليس له معين، ورجاء من ليس له رجاء".
انشروا الفرح والرجاء بين الناس.
أما الذي ينذر دائمًا بالشر، ويسوّد كل أبيض، فإنه كالبوم التي تنعق منذرة بالخراب، ولا يمكن أن يكون له صوت الله.
أما أولاد الله، فكلامهم مملوء بالعزاء، وتشجيعهم مملوء بالرجاء.
إنهم يقدمون مفتاحًا لكل باب مغلق، ويرسلون شعاعًا إلى كل مكان مظلم، ويغرسون الأمل في قلوب الناس، ويعلمونهم أنه لا يأس ما دام هناك أمل بأن الله يعمل.
****
الفرح في الرجاء
لقد جاء المسيح يعطي رجاءً لكل نفس، حتى للقصبة المرضوضة وللفتيلة المدخنة (مت12: 20). نازفة الدم التي أنفقت كل أموالها على الأطباء ولم تنتفع شيئًا، منحها الرجاء بل الشفاء بمجرد لمسة.
ومريض بيت حسدا الذي قضى ثماني وثلاثين سنة في مرضه وليس له إنسان جعله الرب يحمل سريره ويمشي.
ولعازر الذي كان قد أنتن في قبره بعد أربعة أيام من موته، أقامه حيًا وسليمًا. وهكذا قال للناس: "كُلَّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ عِنْدَ اللهِ" (مر10: 27) بل قال أكثر من هذا: "كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ لِلْمُؤْمِنِ" (مر9: 23).
وهكذا فرح الناس بالرجاء، وأصبح اليأس مجرد حرب من حروب الشياطين تحاول بها إسقاط الناس وإلقائهم في دوامة من القلق والاضطراب... ومن الخوف والانزعاج، ولكن البشرى المفرحة تقول: "قَوِّمُوا الأَيَادِيَ الْمُسْتَرْخِيَةَ وَالرُّكَبَ الْمُخَلَّعَةَ" (عب12:12). وجاء المسيح يقدم فرحًا حتى للخطاة.
فرح للخطاة
فرح بأن الله سيعطيهم توبة وسيقبلهم. وهكذا قال الكتاب إن: "الله يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُونَ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ يُقْبِلُونَ" (1تي2: 4) ولذلك فإن السيد المسيح وعدنا بأن يرسل لنا روحه القدوس، يحل فينا، ويمكث معنا إلى الأبد (يو14) ويرسل لنا نعمته تعمل في كل أحد. لذلك فإنني أعجب من الذين تملكهم الكآبة حتى في الوسط الديني. ولا يضعون أمامهم سوى فضيلة الدموع. وإن لم يجدوها، يغصبون أنفسهم عليها!
لا يرون الدين إلا حزنًا على السقوط وكآبة على الخطايا، ولا يرون في الكتاب المقدس من سفر التكوين إلى الرؤيا آية تستحق أن تكون شعارًا لهم سوى قول الجامعة: "بِكَآبَةِ الْوَجْهِ يُصْلَحُ الْقَلْبُ" (جا7: 3). وأَيْضًا "طُوبَى لِلْحَزَانَى" ناسين تكملتها "لأَنَّهُمْ يَتَعَزَّوْنَ" (مت5: 4) وينسون أَيْضًا قول الرب: "وَلكِنَّ حُزْنَكُمْ يَتَحَوَّلُ إِلَى فَرَحٍ" (يو16: 20).
إن البكاء على الخطية فضيلة، ولكنه لا ينبغي أن يصير منهج حياة. كما أن نفس هذا البكاء يحمل في داخله عزاءً وفرحًا، فهو ليس كآبة خالصة. من أجل هذا افرحوا بالخلاص الذي جاء الرب يقدمه إلى العالم. افرحوا بطريق التوبة الذي فتحه الرب بكل وسائط النعمة.
افرحوا بالراعي الصالح الذي يبحث باستمرار عن خرافه.. افرحوا بالرب الذي قال إنه: "فَحَتَّى شُعُورُ رُؤُوسِكُمْ جَمِيعُهَا مُحْصَاةٌ" (مت10: 30).
لا تسقط واحدة منها بدون إذن أبيكم الذي نقشكم على كفه. إذًا افرحوا برعاية الله وحفظه.
الفرح برعاية الله
افرحوا لأن لكم إلهًا محبًا شفوقًا. أحبَّنا قبل أن نوجد، ومن أجل ذلك أوجدنا. وأحبَّنا حتى ونحن خطاة، ولهذا جاء وخلصنا، وقيل عنه إنه: "أَحَبَّ خَاصَّتَهُ الَّذِينَ فِي الْعَالَمِ، أَحَبَّهُمْ إِلَى الْمُنْتَهَى" (يو13: 1)، وفي محبته اهتم بنا، ودعانا أبناء له، ودعا الكنيسة عروسًا له.. وقدم لنا سفرًا من أسفار الكتاب المقدس هو سفر النشيد، يشرح فيه محبته لنا، هذه المحبة التي وصلت إلى الفداء، لكي يخلصنا بدمه.
فلندرك باستمرار أن هناك قوة إلهية عظيمة تسندنا، وتمسح كل دمعة من عيوننا.. وتقودنا إلى "فَرَحٍ لاَ يُنْطَقُ بِهِ وَمَجِيدٍ" (1بط1: 8) وفي رعاية الله لنا، قال لنا: "لاَ تَهْتَمُّوا" (مت6: 25) لا تحملوا همًّا.
الله هو المعطي، وهو الرازق، وهو الراعي، وهو المُشبع كل حي من رضاه. حتى الدودة التي تدب في الأرض أو تحت حجر، يرسل لها الله رزقها ويعولها.. فكم بالأولى البشر أولاده، وصورته ومثاله؟!
ألا يدعو كل هذا إلى الفرح؟
إن السيد المسيح، حينما اضطرب تلاميذه في السفينة عند هياج البحر ظانين أنه لا يهتم بها، وبخهم قائلًا: "مَا بَالُكُمْ خَائِفِينَ يَا قَلِيلِي الإِيمَانِ؟!" (مت8: 26).
افرح إذًا بالرب، ولا تفقد فرحك مهما وقعت في ضيقة، ومهما ضاقت الدنيا من حولك.
الفرح في الضيقة
لا تفصل الضيقة عن الله وعمله، إنه فيها ينقذك ويهتم بك، وهو الذي قال: "ادْعُنِي فِي يَوْمِ الضِّيقِ أُنْقِذْكَ فَتُمَجِّدَنِي" (مز50: 15). إن حلت بك ضيقة افرح جدًا واعلم أن وراءها بركة سيمنحها الله لك. وأن وراءها إكليلًا سيضعه الله على رأسك، واعرف أَيْضًا أن في الضيقة خبرة روحية سوف تقتنيها، ومحبة لله سوف تدركها. واعلم أن الضيقة سوف تزودك بفضائل ما كنت تحصل عليها بدون ذلك.
لذلك افرح باستمرار سواء كنت في سعة أو في ضيقة.
واعلم أن الله لا يسمح بالضيقة إلا لفائدتك، وأنه لا يجعلها تحل بك إلا في حدود احتمالك. وأنه يعطي معها المنفذ.
وهنا يظهر سلام أولاد الله ومعدنهم الطيّب، أنهم لا يتضايقون في الضيقات ولا يفقدون سلامهم مطلقًا بل يفرحون في الرب.
وميلاد المسيح كانت فيه ضيقات كثيرة احتملها المسيح واحتملتها القديسة العذراء أَيْضًا ولم يمنع هذا من الفرح الإلهي بالميلاد. لم يكن هناك موضع لهم في البيت فباتوا في مذود بقر. وكان البرد شديدًا في عمق الشتاء، وكان هناك اضطرار إلى رحلة في جبال اليهودية في وقت الاكتتاب، ثم كانت هناك مؤامرات هيرودس لقتل المسيح مما أدى معه إلى قتل كل أطفال بيت لحم، لعله يكون من بينهم! ولذلك اضطرت العائلة المقدسة إلى السفر والتغرب في مصر.
ومن جراء هذه الضيقة، نلنا بركة حلول المسيح والعذراء في بلاد مصر فتقدست مواضع كثيرة من أرضنا، وصُنعت فيها معجزات.
لذلك نقول إن أولاد الله يعيشون في فرح دائم مهما كانت الظروف. ونلاحظ هنا ملاحظة هامة وهي:
عبارة "افرحوا" هي أمر.
عبارة "اِفْرَحُوا فِي الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ" ليست هي مجرد نصيحة، إنما هي أمر إلهي، من إلهنا الصالح الذي يريد لنا الفرح هنا، كما يريد لنا الفرح في السماء، والفرح الآن وكل أوان وإلى أبد الآبدين.
لذلك خلق الإنسان في جنة، ويعده بالنعيم الأبدي، والإنسان يمكنه أن يفرح بتذكار وعود الله المُفرحة التي حَفل بها الكتاب المقدس، وعبّر بها الله عن حبه لنا، تذكر هذه الوعود فتفرح.
تذكر إحسانات الله الماضية إليك وإلى أحبائك ومعارفك فتفرح.
وتذكر هدف الله من خلقك، وما أعده الله لمحبي اسمه القدوس، وكل معجزات الله وعجائبه مع آبائنا ومعنا حينئذ يمتلئ قلبك إيمانًا وفرحًا. ولكن إلهنا لم يقل فقط افرحوا، إنما قال: "اِفْرَحُوا فِي الرَّبِّ"... وهنا يشير إلى أن فرحنا هو فرح مقدس، وليس فرحًا عالميًا ماديًا، كما أن مصدره هو الله.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث "الميلاد بشارة فرح"، نُشر في جريدة وطني بتاريخ 6 يناير1985م
المسيح المفرح
المسيح المفرح[1]
قولوا للناس إن الرب يهتم بهم، وأنهم حتى شعور رؤوسهم جميعها محصاة، وأن هناك قوة عظيمة تسندنا، وتمسح كل دمعة من عيوننا. وهوذا أمامنا "فَرَحٍ لاَ يُنْطَقُ بِهِ وَمَجِيدٍ" (1بط1: 8).
حتى العاقر التي لم تَلد، أدركتها من الرب بشارة الفرح.
فقال لها الرب: "تَرَنَّمِي أَيَّتُهَا الْعَاقِرُ الَّتِي لَمْ تَلِدْ... أَوْسِعِي مَكَانَ خَيْمَتِكِ... أَطِيلِي أَطْنَابَكِ... لأَنَّكِ تَمْتَدِّينَ إِلَى الْيَمِينِ وَإِلَى الْيَسَارِ، وَيَرِثُ نَسْلُكِ أُمَمًا، وَيُعْمِرُ مُدُنًا خَرِبَةً" (إش54: 1-3).
بشارة الفرح أدركت سارة العاقر، وزوجها قد شاخ. ولم يعطِها الرب مجرد ولد، وإنما أعطاها نسلًا كنجوم السماء ورمل البحر.
إذًا لا يأس أمام محبة الله. ولكن قد يقول بعضهم: لست أيأس من محبة الله، وإنما من نفسي الخاطئة، التي صارت كغصن غير مُثمر، معرّض أن يُقطَع ويُلقَى في النار...
فنقول لهذا: إن الله مستعد أن يُنقّب حول هذه النفس ويضع زبلًا، ويتركها هذه السنة أَيْضًا. ربما تكون سنة الله المقبولة.
لقد جاء المسيح ليبشر شاول مضطهد الكنيسة، بأنه سيصير بولس الكارز العظيم، وجاء يبشر أوغسطين الفاسد، بأنه سيصير رجل التأملات العميق، وأحد أعمدة الكنيسة.
جاء يبشر موسى الأسود القاتل، بأنه سيصير أحد آباء الرهبنة الكبار وجاء يبشر مريم القبطية الزانية بأنها ستصير سائحة عظيمة استحقت أن تبارك الأنبا زوسيما.
جاء ينادي للمسبيين بالعتق، وللمأسورين بالإطلاق.
لا توجد خطية أقوى من نعمة الله. إن النعمة قادرة أن تعمل كل شيء، في كل أحد مهما كان مظلمًا.
إن الأرض التي كانت خربة، وخالية، ومغمورة بالمياه، وعلى وجه الغمر ظلمة، استطاع روح الله أن يرف على وجه المياه، وأن يملأها نورًا وأن يجملها بالأشجار والأزهار.
إن السوداويين أحيانًا يلقون على الله فهمهم الأسود، فيبدو في صورة مخيفة. ليست هي صورة إلهنا الحنون الطيب.
أما الله الحنون فقد قال عنه داود في المزمور (103):
"الرَّبُّ رَحِيمٌ وَرَؤُوفٌ، طَوِيلُ الرُّوحِ وَكَثِيرُ الرَّحْمَةِ. لاَ يُحَاكِمُ إِلَى الأَبَدِ، وَلاَ يَحْقِدُ إِلَى الدَّهْرِ. لَمْ يَصْنَعْ مَعَنَا حَسَبَ خَطَايَانَا، وَلَمْ يُجَازِنَا حَسَبَ آثامِنَا... كَبُعْدِ الْمَشْرِقِ مِنَ الْمَغْرِبِ أَبْعَدَ عَنَّا مَعَاصِيَنَا. كَمَا يَتَرَأَفُ الأَبُ عَلَى الْبَنِينَ يَتَرَأَفُ الرَّبُّ عَلَى خَائِفِيهِ".
إلهنا الطيب صار ابنًا للإنسان، ليجعل الإنسان ابنًا لله. لقد سُمّي بالمخلص، لأنه يخلص شعبه من خطاياهم، و"كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ، وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا" (إش6:53).
تأكد أن الله سيفتقدك ولو في آخر الزمان ليفتح لك باب الخلاص. ضع في نفسك رجاءً أنك ستتخلص من جميع خطاياك.
إن كانت الخطية أقوى منك، فرحمة الرب أقوى من الخطية. إن كانت الخطية تكثر، فإن النعمة ستزداد جدًا.
إن خُفت من الذين قاموا عليك، فاعلم أن الذين معك أكثر من الذين عليك. بقي أن تصلي: "افتح يا رب عيني الغلام ليرى..." إن نعمة الرب محيطة بك، وينقصك أن تراها.
[1] جزء من مقال لقداسة البابا شنوده الثالث "بُشرى مفرحة"، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 7 يناير1977م
فرح للبعض، وخوف لآخرين
فرح للبعض، وخوف لآخرين[1]
الله بالنسبة إلى بعض الناس مصدر فرح، وبالنسبة إلى آخرين مصدر خوف.
بل قد يكون مصدر فرح لشخص، ومصدر خوف لنفس الشخص إذا تغير الحال.
مثال ذلك أبونا آدم قبل الخطية، وبعدها:
قبل الخطية كان آدم يقابل الله في فرح. فلما أخطأ، اختبأ من الله وهرب منه. فلما سأله الرب أجاب: "سَمِعْتُ صَوْتَكَ فِي الْجَنَّةِ فَخَشِيتُ، لأَنِّي عُرْيَانٌ فَاخْتَبَأْتُ" (تك3: 10). الله هو هو لم يتغير. ولكن قلب آدم هو الذي تغير.
لما دخل المسيح أورشليم فرح به الشعب، واستقبلوه كملك بالسعف وأغصان الزيتون، وفرشوا ملابسهم على الأرض ترحيبًا، وهتفوا "أُوصَنَّا لابْنِ دَاوُدَ! أُوصَنَّا فِي الأَعَالِي!" (مت21: 9) ولكن فرح الشعب بدخول الرب أورشليم، قابله حزن الكهنة.
لقد حزنوا جدًا، لأن رأوا أن: "هُوَذَا الْعَالَمُ قَدْ ذَهَبَ وَرَاءَهُ!!" (يو12: 19) ورأوه منافسًا لهم، كما رآه هيرودس من قبل.
وهكذا كانت (الذات) هي السبب في عدم الفرح بالرب.
وهكذا في مجيء الرب ثانية سنرى الفرح والحزن أَيْضًا.
سيفرح الأبرار بمجيء الرب، الذي سيأتي في مجده، مع ملائكته وربوات قديسيه، فيخطف هؤلاء الأبرار معه إلى السحاب، ويكونون مع الرب كل حين.
ولكن في نفس الوقت يقول الكتاب عن المجيء الثاني: "وَيَنُوحُ عَلَيْهِ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ" (رؤ1: 7). بل هناك أشخاص "يَقُولُونَ لِلْجِبَالِ وَالصُّخُورِ اسْقُطِي عَلَيْنَا وَأَخْفِينَا" (رؤ6: 16)، سيخافون من غضب الخروف من الغضب الآتي، من غضب الدينونة. ولذلك يقول عن هذا المجيء الثاني "المخوف المملوء مجدًا".
نفس الوضع أَيْضًا بالنسبة إلى لقاء الموت.
لا شك أنه يفرح بالموت أمثال ذلك الذي قال: "لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ، ذَاكَ أَفْضَلُ جِدًّا" (في1: 23) "لِيَ الْحَيَاةَ هِيَ الْمَسِيحُ وَالْمَوْتُ هُوَ رِبْحٌ". وأَيْضًا ذلك الذي قال: "الآنَ تُطْلِقُ عَبْدَكَ يَا سَيِّدُ حَسَبَ قَوْلِكَ بِسَلاَمٍ، لأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ أَبْصَرَتَا خَلاَصَكَ" (لو2: 29، 30).
البعض يفرح بالموت كالشهداء الذين كانوا يقابلونه بالتسبيح وترانيم الفرح.
ومثل أبا فام الجندي الذي لبس أفخر ثيابه في يوم استشهاده، وقال: "هذا يوم عُرسي". ولهذا حسنًا قال الكتاب: "لِتَمُتْ نَفْسِي مَوْتَ الأَبْرَارِ، وَلْتَكُنْ آخِرَتِي كَآخِرَتِهِمْ" (عد23: 10).
ومن الجهة الأخرى نرى أشخاصًا يرتعبون من الموت ويخافونه، لأنهم لا يعرفون ماذا بعد الموت... هؤلاء الذين لم يستعدوا للقاء الله بالتوبة. يموت هؤلاء وربما تجد هذا الخوف مرتسمًا على ملامحهم، بعكس الآخرين الذين يموتون والبسمة على شفاههم ووجوههم منيرة، فرحين بلقاء الرب.
الفرح والحزن، نراه واضحًا في لقاءات إيليا النبي.
لا شك أن أرملة صرفة صيدا، كانت فرحة بإيليا النبي الذي أقام ابنها من الموت، والذي ملأ بيتها من الخير، فلم يفرغ الدقيق ولا الزيت من بيتها طول مدة المجاعة. ولكن مع فرح هذه الأرملة بإيليا، كان آخاب الملك حزينًا. وقال لإيليا: "أَأَنْتَ هُوَ مُكَدِّرُ إِسْرَائِيلَ؟"، فأجابه النبي: ".. بَلْ أَنْتَ وَبَيْتُ أَبِيكَ" (1مل18: 17، 18) هذا لقاء متعب.
النبي إيليا هو نفس الشخص، ولكنه بالنسبة للبعض مصدر فرح! وبالنسبة للبعض الآخر مصدر حزن. وفي ذلك قال بولس الرسول: إننا "لِهؤُلاَءِ رَائِحَةُ مَوْتٍ لِمَوْتٍ، وَلأُولئِكَ رَائِحَةُ حَيَاةٍ لِحَيَاةٍ" (2كو2: 16) للبعض حياة، وللبعض الآخر موت.
الرب هكذا فرح للبعض، وحزن للبعض الآخر.. البعض يفرح به لأن يحبه، ولأنه لا يوجد فاصل من خطايا يحجب الرب عنه أو يخجله من الرب.
مثل الفرحين بالرب، المشتاقين إليه، داود النبي.
هذا الذي كان يقول: "عَطِشَتْ نَفْسِي إِلَى اللهِ، كَمَا يَشْتَاقُ الإِيَّلُ إِلَى جَدَاوِلِ الْمِيَاهِ"، "مَتَى أَجِيءُ وَأَتَرَاءَى قُدَّامَ اللهِ؟" (مز42). "بِاسْمِكَ أَرْفَعُ يَدَيَّ، كَمَا مِنْ شَحْمٍ وَدَسَمٍ تَشْبَعُ نَفْسِي" (مز63: 4). بعكس هذا أولئك الذين يخافون ويرتعبون من الله بسبب خطاياهم التي تستحق عقوبته.
قال القديس أنطونيوس لتلاميذه: "أنا لا أخاف الله". فلما قالوا له: "هذا كلام صعب يا أبانا"، أجابهم: "ذلك لأني أحبه. والمحبة تطرح الخوف إلى خارج".
هل لو قال لك الله: "تعال معي. قد كملت أيامك على الأرض"، هل ستفرح وتقول له: "نَعَمْ.. آمِينَ. تَعَالَ أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ" (رؤ22: 20). أم ستحزن إذ يأخذك الرب إليه؟
قال الرسول: "اِفْرَحُوا فِي الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، وَأَقُولُ أَيْضًا: افْرَحُوا" (في4:4). والفرح بالرب له معنى عميق ينبغي معرفته.
لا تفرح بالرب إلا القلوب النقية المستعدة للقاء الرب، القلوب المملوءة من محبة الرب ومن القداسة التي بدونها لا يعاين أحد الرب. القلوب التي لم توجِد الخطية فاصلًا بينها وبين الله، ولا يوجَد سبب لخوفها من الرب.. هذه هي التي تفرح. إذًا عبارة (افرحوا بالرب) تعني ألا يوجد أي عائق من الخطايا يمنع الفرح.
والذي يفرح بالرب، يفرح بكل ما يمت إلى الرب.
يفرح بوصايا الرب، ويقول: "أَبْتَهِجُ أَنَا بِكَلاَمِكَ كَمَنْ وَجَدَ غَنِيمَةً وَافِرَةً" (مز119: 162). وجدت كلامك كالشهد فأكلته. يفرح ببيت الرب، ويقول: "فَرِحْتُ بِالْقَائِلِينَ لِي: إِلَى بَيْتِ الرَّبِّ نَذْهَبُ" (مز122: 1)، "مَساكِنُكَ مَحْبوبةٌ يا رَبُّ إلَهَ القُوّات. تَشْتاقُ وتَذوبُ نَفْسي للدُّخولِ إلَي دِيارِ الرَّبِّ. قَلْبي وجِسْمي قَد اِبْتَهَجا بالإلَهِ الحَي" (مز84: 1، 2). يفرح بالصلاة ويقول: "باسْمِكَ أرْفَع يَدِي. فتَشَبعُ نَفْسِي كَما مِنْ شَحْمٍ ودَسَمٍ" (مز63: 4، 5).
إنه فرح بالرب في كل شيء، حتى بالتجارب. كما يقول معلمنا يعقوب الرسول: "اِحْسِبُوهُ كُلَّ فَرَحٍ يَا إِخْوَتِي حِينَمَا تَقَعُونَ فِي تَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ" (يع1: 2). أما الخطاة فمن الصعب أن يفرحوا بالرب، إذ قد فقدوا دالة البنين في عدم سلوكهم كبنين وأصبحت ترعبهم عبارة: "مُخِيفٌ هُوَ الْوُقُوعُ فِي يَدَيِ اللهِ الْحَيِّ!" (عب10: 31).
وبينما تنطبق هذه الآية على الخطاة، يقول داود النبي: "فَلْنَسْقُطْ فِي يَدِ الرَّبِّ، لأَنَّ مَرَاحِمَهُ كَثِيرَةٌ وَلاَ أَسْقُطْ فِي يَدِ إِنْسَانٍ" (2صم24: 14). إذًا حسب مشاعر الإنسان الداخلية تختلف نظرته إلى الله.
إن قلب الإنسان هو الحَكَم "لأَنَّ مِنْهُ مَخَارِجَ الْحَيَاةِ" (أم4: 23).
ملاك ظهر في القيامة، كان سبب فرح للنسوة القديسات. أما من جهة الجنود الحراس، فيقول الكتاب عن الملاك: "فَمِنْ خَوْفِهِ ارْتَعَدَ الْحُرَّاسُ وَصَارُوا كَأَمْوَاتٍ" (مت28: 4). الملاك نفس الملاك، ولكن المشاعر تختلف: فرح عند البعض، وخوف عند البعض الآخر...
ما هو موقفك من الله؟ وما شعورك نحوه؟ تستطيع من الآن أن تصحح كل شيء.
كثيرون تغيرت حالتهم فتغيرت مشاعرهم. إن التوبة تمنح الإنسان رجاءً، والرجاء يمنحه فرحًا. والكتاب يقول: "فَرِحِينَ فِي الرَّجَاءِ" (رو12:12). ويقول أَيْضًا: "لاَ تَحْزَنُوا كَالْبَاقِينَ الَّذِينَ لاَ رَجَاءَ لَهُمْ" (1تس4: 13). فهل تعيش في فضيلة الرجاء؟ وبالتالي في الفرح؟
إن هيرودس الملك لم يفرح بالرب، لأن قلبه من الداخل لم يكن نقيًا وكذلك شيوخ الشعب لم يفرحوا بدخول الرب إلى أورشليم كملك، لأن قلوبهم لم تكن نقية من نحوه. أما البسطاء فكانوا فرحين...
فهل في قلبك شيء يعطل فرحك المقدس؟
وإن كان فيه شيء، فلماذا لا تنقّيه منه؟ حينئذ ستفرح مثلما فرح الراعي لما وجد خروفه الضال، ومثل الأرملة حينما عثرت على درهمها المفقود.
إن الله هو هو لا يتغير. ولكن حسب تغير الإنسان، تتغير حالته من حزن إلى فرح، أو العكس.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 19 يناير1979م
الفــرح في الضيق
كُل جلجثة وصليب تعقبها دائمًا أفراح القيامة[1]
أسبوع الآلام والجلجثة والصليب، تعقبه باستمرار أفراح القيامة.
كان التلاميذ في حزن شديد، لمجرد السماع عن الآلام وعن موت الرب ومفارقته لهم.
وقد قال الرب – ليخفف عنهم -: "بَعْدَ قَلِيل لاَ تُبْصِرُونَنِي، ثُمَّ بَعْدَ قَلِيل أَيْضًا تَرَوْنَنِي.. إِنَّكُمْ سَتَبْكُونَ وَتَنُوحُونَ وَالْعَالَمُ يَفْرَحُ. أَنْتُمْ سَتَحْزَنُونَ، وَلكِنَّ حُزْنَكُمْ يَتَحَوَّلُ إِلَى فَرَحٍ.. اَلْمَرْأَةُ وَهِيَ تَلِدُ تَحْزَنُ لأَنَّ سَاعَتَهَا قَدْ جَاءَتْ، وَلكِنْ مَتَى وَلَدَتِ الطِّفْلَ لاَ تَعُودُ تَذْكُرُ الشِّدَّةَ لِسَبَبِ الْفَرَحِ، لأَنَّهُ قَدْ وُلِدَ إِنْسَانٌ فِي الْعَالَمِ. فَأَنْتُمْ كَذلِكَ، عِنْدَكُمُ الآنَ حُزْنٌ. وَلكِنِّي سَأَرَاكُمْ أَيْضًا فَتَفْرَحُ قُلُوبُكُمْ، وَلاَ يَنْزِعُ أَحَدٌ فَرَحَكُمْ مِنْكُمْ" (يو16: 19-22).
وقد كان.. وغطت أفراح القيامة على الآلام والمخاوف التي قاساها التلاميذ في مراحل القبض والمحاكمة والصلب والموت والدفن.
وهكذا الحياة الروحية: نمشي في الطريق الضيق المؤدي إلى الحياة (مت7: 14) "وكَثِيرَةٌ هِيَ بَلاَيَا الصِّدِّيقِ" (مز34: 19). وينتهي الأمر بالفرح والملكوت.. بل قد يأتي الفرح في هذه الحياة أَيْضًا.
كل ذلك يعطينا نظرة تفاؤل في الحياة، بل روح الرجاء والأمل، شاعرين أن الله قادر أن يغير التعب إلى خير، ويحوِّل الحزن إلى فرح، وينسينا الفرح ما ذقناه من ألم.
إنه درس لنا، ألا يستغرقنا الألم، بل نخلطه بالرجاء.
إن الليل مهما بلغت ظلمته، يأتي بعده فجر منير.
بل المثل يقول: إن الفجر يأتي بعد أكثر ساعات الليل ظلامًا.. والإنسان المتفائل لا تتعبه الظلمة، بل يقول إن الفجر قريب.. يشعر دائمًا أنه بعد الظلمة فجر، وأن برد الشتاء لا بد سيعقبه دفء الربيع.
ولو نظرنا إلى الكتاب وأحداث التاريخ، لوجدنا أمثلة عديدة:
الطوفان الذي غطى الأرض كلها، ومحا منها كل حياة.
لسنا نقف عند مياه الطوفان وخطرها، إنما نرى ماذا حدث بعده: لقد وقف نزول الماء، بل بدأ ينحسر تدريجيًا عن اليابسة، حتى ظهرت قمم الجبال، وأتت الحمامة بورقة زيتون خضراء، ورسا الفلك، وقدّم نوح محرقات تنسّم الله منها رائحة الرضا. وقال: "لاَ أَعُودُ أَلْعَنُ الأَرْضَ أَيْضًا مِنْ أَجْلِ الإنسان.." (تك8: 20، 21).
إذًا لا نضع أمامنا فقط لعنة الطوفان، إنما نضع معها أَيْضًا رسو الفلك، وعهد الله أنه لا يعود يلعن الأرض مرة أخرى.
نعرف أن صورة مياه الطوفان، بعدها صورة قوس قزح، علامة عهد الله في السماء. ومعهما أَيْضًا نذكر عودة الحياة إلى الأرض مرة أخرى.. إذًا لا طوفان دائم. له وقت ينتهي فيه. وتعود البركة "ويتَنَسَّمَ الرَّبُّ رَائِحَةَ الرِّضَا" (تك8: 21).
بل قبل ذلك، لما أخطأ الإنسان، وطُرد من الفردوس (تك3).
لا نقف عند حد طرد الإنسان من الفردوس، وإغلاق الطريق إلى شجرة الحياة، إنما نرى أن الله أعدّ طريقًا أفضل.
لو بقينا في جنة عدن، لأصبحت حياتنا أرضية فقط، متعتها الأكل من ثمار الجنة. ولكن الله أعد لنا بدلًا من الجنة الأرضية فردوسًا سمائيًا أسماه القديس بولس الرسول: "السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ" (2كو12: 2-4). وأعدّ لنا أَيْضًا حياة أسمى من الحياة في الجنة "بأجسادٍ روحانية سمائية" (1كو15: 44). لنتمتع بما لم تره عين ولم تسمع به أذن، ولم يخطر على قلب بشر (1كو2: 9).
كذلك الموت: له صورته المحزنة. لكن ما بعده: حياة أفضل.
نحن لا نحزن بالموت، كَالْبَاقِينَ الَّذِينَ لاَ رَجَاءَ لَهُمْ (1تس4: 13)، عالمين بالرجاء: أن الموت ليس هو نهاية حياة، بل هو بداية حياة لا تنتهي، وحياة أفضل في عشرة الله والملائكة والقديسين.
إذًا علينا أن ننظر باستمرار نظرة بيضاء ونقول مع الكتاب: "نِهَايَةُ أَمْرٍ خَيْرٌ مِنْ بَدَايَتِهِ" (جا7: 8).
وراء الموت، توجد حياة أفضل.
وراء كل حياة أرضية، توجد حياة سماوية.
وراء الجنة الأرضية، يوجد الفردوس السماوي.
وراء عشرة المخلوقات، توجد عشرة الملائكة في سماء.
حتى مجرد قصة الخليقة، نجد فيها مبدأ التفاؤل والرجاء.
لا نقف عند قول الكتاب: "وَكَانَتِ الأَرْضُ خَرِبَةً وَخَالِيَةً، وَعَلَى وَجْهِ الْغَمْرِ ظُلْمَةٌ" (تك1: 2). إنما نتدرج، لنرى كيف حوّل الله الحال إلى حال، حيث يقول الكتاب: "وَرَأَى اللهُ النُّورَ أَنَّهُ حَسَنٌ" (تك1: 2-4).
إن كان في قلب الإنسان إيمان ورجاء، فسيرى كل شيء حسنًا.
ليس ما نراه الآن، إنما ما أعده الله لنا فيما بعد.
وهذا ما نلاحظه في حياة كثير من القديسين.
قصة أيوب الصديق مثلًا.
كانت بداية التجربة تبدو كئيبة جدًا. ضاع منه كل شيء: إذ فقد بنيه وبناته وبيته وكل ما يملك. وبعد ذلك فقد صحته، وفقد كرامته، وفقد إخلاص أصدقائه الثلاثة، وحتى احترام زوجته له، واحترام عبده إذ يقول: "عَبْدِي دَعَوْتُ فَلَمْ يُجِبْ. بِفَمِي تَضَرَّعْتُ إِلَيْهِ" (أي19: 16، 17).
لا نقف عند هذا الحد، بل نتطور من الجلجثة إلى القيامة.
حيث يقول الكتاب: "وَرَدَّ الرَّبُّ سَبْيَ أَيُّوبَ... وَزَادَ الرَّبُّ عَلَى كُلِّ مَا كَانَ لأَيُّوبَ ضِعْفًا.. وَبَارَكَ الرَّبُّ آخِرَةَ أَيُّوبَ أَكْثَرَ مِنْ أُولاَهُ... وَكَانَ لَهُ سَبْعَةُ بَنِينَ وَثَلاَثُ بَنَاتٍ.. وَلَمْ تُوجَدْ نِسَاءٌ جَمِيلاَتٌ كَبَنَاتِ أَيُّوبَ فِي كُلِّ الأَرْضِ.. وَعَاشَ أَيُّوبُ بَعْدَ هذَا مِئَةً وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَرَأَى بَنِيهِ وَبَنِي بَنِيهِ إِلَى أَرْبَعَةِ أَجْيَال" (أي42: 10-16).
قصة يوسف الصديق.
نفس القاعدة: آلام الجلجثة تتحول إلى أفراح القيامة في كل حياته، أما الآلام فتبدأ بحسد إخوته له، ثم إلقائه في بئر جاف، ثم بيعه عبدًا. ومع إخلاصه لسيده ومباركة الرب لبيت هذا السيد، إلا أن دهاء امرأة سبب له سمعة رديئة أدت به إلى السجن، وطالت أيامه هناك.
ولكن الله يحول الشر إلى خير، ويفسر يوسف أحلام فرعون الذي عيَنَهُ الثاني له في المملكة. وصار "أَبًا لِفِرْعَوْنَ وَسَيِّدًا لِكُلِّ بَيْتِهِ وَمُتَسَلِّطًا عَلَى كُلِّ أَرْضِ مِصْرَ" (تك45: 8). وأتى إليه إخوته وسجدوا بين يديه، ورأى أباه يعقوب الذي باركه وبارك ابنيه. وكانت نهاية أمره خيرًا من بدايته.
كنت قديمًا أقول لكل من في ضيقة: رددوا العبارات الثلاث الآتية:
ربنا موجود، مصيرها تنتهي، كله للخير.
ربنا موجود سيتدخل في الأمر، ويحول الضيقة إلى بركة. وهذه الضيقة لا بد أن تنتهي. فلا توجد ضيقة تستمر إلى ما لا نهاية. وأخيرًا ستجد الكل آلَ إلى الخير.
نحميا قد تعب لما سمع أن أسوار أورشليم مهدَّمة، وأبوابها محروقة بالنار. ويقول في ذلك: "جَلَسْتُ وَبَكَيْتُ وَنُحْتُ أَيَّامًا، وَصُمْتُ وَصَلَّيْتُ" (نح1: 3، 4). إلى هنا أخبار الجلجثة.
ولكن بعد ذلك أعطاه الرب نعمة في عينيّ الملك أرتحشستا، فأوفده لكي يبني سور أورشليم، ومنحه رسائل للمسؤولين. وتم كل شيء بخير، وعاد أفضل مما كان. ودخل نحميا وعزرا والشعب في أفراح قيامة.
إذًا كلما ترى الأسوار مهدَّمة، قل: سيرسل الله نحميا ليبنيها.
مثال آخر نتعلمه من قصة جليات الجبار الذي كان يعيِّر الجيش كله والشعب والملك وكان الكل خائفين من تهديداته وتحدّيه، من قوة جسده وخطورة سلاحه. هنا صورة الجلجثة، ولكن الله لم يتركها هكذا.. بل أرسل داود بمقلاعه وحصواته الملساء، فحوَّل الخوف إلى أغنيات النصر. وانتهى جليات وفَرَّ جيشه وابتهج الناس.
لا تخف. فكل جليات يهددك، سيرسل له الله داودًا وحصاة.
نفس الوضع: الشعب الخائف أمام البحر الأحمر.
كان يبدو أنه لا أمل. فالبحر أمامهم، وفرعون يجري وراءهم بمركباته! ولكن كان هناك موسى النبي يبشرهم بفرح القيامة من هذا الموت المنتظر، قائلًا لهم: "لا تخافوا. الرَّبُّ يُقَاتِلُ عَنْكُمْ وَأَنْتُمْ تَصْمُتُونَ" (خر14: 14).
وقد كان. وتحول خوف الموت إلى فرح عبور البحر الأحمر، وهلاك فرعون وقصة المن والسلوى، والسحاب يقودهم نهارًا، وعمود النار ليلًا..
إن نظرة الخوف والشك، تجلب اليأس. فكونوا فرحين في الرجاء (رو12: 12). متأكدين أن الله لا بد سيعمل عملًا.
ما أكثر القصص، وكلها تدور حول نفس المعنى...
قصة تقديم إسحاق محرقة.
وصلت قمة المأساة إلى ربطه فوق الحطب على المذبح، ورفع إبراهيم يده بالسكين ليذبحه (تك22: 10). وهنا يتدخل الله في اللحظة الأخيرة ويتحول الذبح إلى بركة تصل بنسله إلى عدد نجوم السماء ورمل البحر (تك22: 17).
قصة داود مع شاول الملك.
وصل الأمر إلى التآمر على قتل داود بكل الطرق، ومطاردته من برية إلى أخرى، حتى "قَالَ دَاوُدُ فِي قَلْبِهِ: إِنِّي سَأَهْلِكُ يَوْمًا بِيَدِ شَاوُلَ" (1صم27: 1). هنا وصل داود إلى الجلجثة. ولكن الرب أراه أفراح قيامته. فمات شاول ووصل داود إلى العرش، وجاء من نسله "الأَسَدُ الَّذِي مِنْ سِبْطِ يَهُوذَا" (رؤ5:5).
مثال آخر هو حنة زوجة ألقانة (أم صموئيل فيما بعد).
كانت عاقرًا، وكانت ضرّتها فننة ذات أولاد. وكانت تعيرها وتغيظها، حتى بكت ورفضت أن تأكل. ووصلت إلى الجلجثة، وقامت وذهبت إلى الهيكل وهي مُرة النفس، وبكت بكاءً، وصلّت ونذرت نذرًا. ووصل ألمها إلى أن عالي الكاهن نفسه ظنها سكرَى، وقال لها: "حَتَّى مَتَى تَسْكَرِينَ؟ انْزِعِي خَمْرَكِ عَنْكِ" (1صم1: 2-14).
ثم تدخل الرب ليريها أفراح قيامته، فأعطاها ابنًا هو صموئيل الذي خدم في الهيكل منذ صباه. وصار صاحب قنينة الدهن التي مسح بها داود النبي.. ولم يذكر الكتاب أسماء أبناء ضرّتها فننة. صموئيل كان الأعظم.
مثال الطفل موسى.
كان عُرضة أن يموت وقت ولادته، حسب أمر فرعون للقابلتين (خر1: 16). ولكنه عاش ووُضع في سفط من البردي وأُلقي على حافة النهر -وانتهى به الأمر إلى أن أخذته ابنة فرعون.. وعاش في القصر غريبًا وسط آلهة غريبة.
ويتدخل الله، فإذا بهذا الطفل المسكين الغريب "الأغلف الشَّفَتَيْنِ" (خر6: 12) يصبح كليم الله، وصاحب الشريعة التي أوصاه بها الله، وصاحب العصا والمعجزات، وقائد الشعب في العبور في برية سيناء.
حسنٌ أن نثق بعمل الله من أجلنا، حتى دون أن نطلب.
ننظر ليس لما نراه نحن، بل ما يراه الله لحياتنا.
وليس ما نعمله نحن، إنما ما يعمله الله لأجلنا.
كيف يمكن أن يحوِّل مريم المجدلية التي فيها سبعة شياطين إلى أول مبشرة في المسيحية، وأن يحوِّل شاول الطرسوسي مضطهد الكنيسة إلى رسول تعب أكثر من جميع الرسل.
وكذلك استطاع أن يحوِّل أريانوس أبشع ولاة دقلديانويس، إلى مؤمن وشهيد، ويحِّول كبريانوس الساحر إلى قديس.
وأن يحوِّل الدولة الرومانية المضطهدة للمسيحية بكل عنف، إلى دولة مسيحية تنشر قانون التسامح الديني وترعاه.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 9 أبريل1999م
الكآبة والفرح
الكآبة والفرح[1]
كثيرون يسيرون في طريقهم الروحي، بأسلوب يجعل الكآبة تملك على قلوبهم، وقد فهموا خطأ الآية التي تقول: "بِكَآبَةِ الْوَجْهِ يُصْلَحُ الْقَلْبُ" (جا7: 3)، وسنعرض لموضوع الكآبة، ونرى الصالح منها والرديء...
هناك أنواع من الكآبة المقدسة، لها أسباب روحية.
مثال ذلك نحميا في اكتئابه وبكائه وتذللـه أمام الله، لما سمع أن أسوار أورشليم قد هدمت، وأبوابها محروقة بالنار. وظل حتى عاد فبنى أسوار أورشليم.
ومثل كآبة عزرا لما رأى الشعب قد كسر الشريعة، فصام وبكى، ولم يأكل لحمًا ولم يشرب خمرًا، ولم يدّهن، حتى أنقذ الشعب من ذلك الضياع الروحي.. ومن أمثلة هذا الحزن المقدس أَيْضًا، دموع القديسين. بل مثاله أَيْضًا السيد المسيح في بستان جثسيماني، لما حزن واكتئب، وقال: "نَفْسِي حَزِينَةٌ جِدًّا حَتَّى الْمَوْتِ" (مت26: 38)، نسمع أَيْضًا عن داود النبي، الذي بلل فراشه بدموعه.
هناك كآبة روحية تصحب التوبة، وأخرى تصحب الصوم...
مثلما ورد عن الصوم في سفر يوئيل النبي (2: 12–17)، ومثلما ورد في سفر يونان النبي عن صوم نينوى.
وهناك كآبة مقدسة أخرى في الخدمة لأجل خلاص الناس.
كبكاء إرميا النبي من أجل "سحقى بنت شعبه"، ومثل كآبة بولس على شعب كورنثوس، وقوله: "مُكْتَئِبِينَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، لكِنْ غَيْرَ مُتَضَايِقِينَ" (2كو 4: 8).
ولكن الحزن المقدس مصحوب دائمًا بالعزاء وبالرجاء...
لذلك يقول بولس الرسول: "الَّذِي يُعَزِّينَا فِي كُلِّ ضِيقَتِنَا، حَتَّى نَسْتَطِيعَ أَنْ نُعَزِّيَ الَّذِينَ هُمْ فِي كُلِّ ضِيقَةٍ" (2كو1: 4)، ويقول: "كَحَزَانَى وَنَحْنُ دَائِمًا فَرِحُونَ" (2كو6: 10)، ويقول أَيْضًا: "كَمَا تَكْثُرُ آلاَمُ الْمَسِيحِ فِينَا، كَذلِكَ بِالْمَسِيحِ تَكْثُرُ تَعْزِيَتُنَا أَيْضًا" (2كو1: 5).
إنه يتكلم عن الكآبة المصحوبة بالعزاء والرجاء، وبها يعزي الآخرين.
بالإضافة إلى الكآبة المقدسة، هناك كآبة طبيعية.
كحزن أم على موت ابنها، أو حزن مريم ومرثا على موت لعازر، أو حزن يعقوب لما سمع من أبنائه عن افتراس ذئب ليوسف، وكحزن أيوب الصديق لما سمع بسقوط البيت على أبنائه وبناته.. وفي كل هذا الحزن يقول الكتاب: "لاَ تَحْزَنُوا كَالْبَاقِينَ الَّذِينَ لاَ رَجَاءَ لَهُمْ" (1تس4: 13).
بالإضافة إلى الكآبة المقدسة، والكآبة الطبيعية، هناك كآبة خاطئة.
مثل كآبة آخاب الملك، لما فشل أولًا في الاستيلاء على حقل نابوت اليزرعيلي، ومثل كآبة الابن الكبير لما ذبحوا العجل المُسمَّن لأخيه الصغير فحزن، ومثل الكآبة بسبب أي رغبة لم تتحقق.
وهناك كآبة نتيجة للحسد، فيحزن الإنسان لأن غيره نال ما لم ينله هو، وكآبة أخرى سببها التعب لعدم الاتكال على الله.
كآبة مَن يشعر أنه وحيد بلا أنيس ولا معين..
وكآبة من يجمع المشاكل والمتاعب أمامه، فيتعب وييأس...
الروحي يكتئب لأمور ضد خلاص نفسه أو ضد خلاص غيره، أما علماني الميول فيكتئب لأمور مادية أو زائلة.
هناك كآبة أخرى غير هذه، هي الكآبة المرضية، هي نوع من الأمراض النفسية، يسمونه Depressionومن أسباب هذه الكآبة، الوَسوَسة..
المُوَسوس يحكم أحكامًا خاطئة، ويتخيل متاعب غير موجودة، فتلعب به الأفكار وتتعبه. كأم يتأخر ابنها في الرجوع إلى البيت، فتظل تفكر أفكارًا سوداء خيالية عن موته أو خطفه، أو حادثة ربما حدثت له، وتتعبها الأفكار.
ومن أسباب هذه الكآبة أَيْضًا، الشك.
كشخص يغلق على امرأته الأبواب بالمفاتيح، ويأخذها ويخرج، يشك في أنها تفتح لأحد. ويغلق عليها النوافذ. ويشك في كل ابتسامة لها، وكل كلمة مديح لأحد. ويعذبه الشك، ويكون هذا الشك لونًا من الوسوسة بعيدًا عن طباع امرأته وتصرفاتها.
أو امرأة تقول لأب اعترافها: "حياتي في جحيم"، لأنها تشك في رجلها. في كل زيارة يذهب إليها، وفي كل تأخير في مواعيده، وتود لو تطلع على خطاباته وخصوصياته.. إنها وسوسة تجلب الكآبة.
يوحنا كاسيان، ومار أوغريس، وضعا الكآبة ضمن الثمانية أفكار، التي هي من حروب الشياطين.
فقد تكون الكآبة فعلًا من حروب الشيطان، بها تضيع روحيات الإنسان، وتتلف أعصابه، وتتعب نفسيته، بل ويضيع عقله أَيْضًا:
يوهمه أن خطيته لم تغفر، وأن الله لن يقبله، وأنه وقع في "التجديف على الروح القدس"، وينطبق عليه ما ورد في (عب6) عن الذين "لاَ يُمْكِنُ تَجْدِيدُهُمْ أَيْضًا لِلتَّوْبَةِ"... وأنه كالذي طلب التوبة بدموع ولم تعط له.
إنها ليست كآبة الوجه التي بها يصلح القلب، وإنما هي كآبة تتلف القلب كله، ومعه الفكر والأعصاب.
ومن أسباب هذه الكآبة، عقدة الذنب، أو الإحساس بالذنب أو ما يسمونه Sense of Guilt. إنسان يموت له أب أو ابن، يقول: أنا السبب في موته، لو كنت اهتممت به أكثر ما مات، لو أحضرت له الدكتور فلان كان يشفى، لو.. لو.. وتظل أفكار الوسوسة تعصف به في شعور بالإثم.
ليست هذه الكآبة توبة أو اتضاعًا، إنما هي مرض نفسي.
تستمر مع الإنسان، وتلاحقه الأفكار في خروجه ودخوله، وفي صحوه ونومه، وتلح عليه، لا تفارقه، فتحطم أعصابه. فكرة واحدة تجول في الذهن ضاغطة عليه، تجلب له الحزن، والتعب، والدموع، بلا منفذ، بلا حل، بلا رجاء.
هذه الكآبة تسبب تعبًا للأعصاب، وتعبًا للنفس، وتعبًا للآخرين. يحتار فيها المرشد والطبيب وأب الاعتراف، ويحتار الشخص نفسه. ولا بد لها من العلاج.
أصعب ما في العلاج أن يلجأ المريض بالكآبة إلى المسكنات. يتعاطاها. فيتعودها الجسم، ويلجأ إلى أنواع أشد، وكميات أكثر، وفي بعض المستشفيات يعالجون بالمنومات، وربما بمواد مخدرة. لكي يبعد الإنسان بالنوم عن التفكير المركز الذي يضره، فتستريح الأعصاب أثناء النوم.
أحيانًا يكون سبب الكآبة، حساسية زائدة في النفس.
إنسان حساس نحو مشاعر غيره، يظن أن هذه العبارة أتعبت فلانًا. يظن أن فلانًا تأثر، أو تضايق منه، أو أنه قاطعه أو ابتعد عنه.. وكلها وسوسة.. ويقابل فلانًا فيقول له: "أنت زعلان مني؟ هل أنت متضايق؟ قل بصراحة.. أنا آسف، أنا لا أقصد".
ويعتذر عن أمور لم يخطئ فيها، وبنفسية ممزقة..!
وربما يحب أن يطمئن، بمزيد من الأسئلة، ومن الإلحاح، تسبب تعبًا لسامعه. وهذا التعب يعمق ظنه الأول وشكّه!
من أسباب هذه الوسوسة الحكم غير السليم على الأمور.
إنها فهم غير سليم للاتضاع ولعبارة "أنا أخطأت".. ولهذا كثير من الذين يدخلون في حياة التدين، بطريقة غير متزنة، تتملكهم الكآبة، وتتعبهم جلسة محاسبة النفس، وتتعبهم حياة التدقيق، وتقودهم إلى عقدة الذنب والكآبة.. لأن محاسبة هؤلاء لأنفسهم ليست سليمة، تحمل تضخيمًا للأخطاء.
نريد محاسبة كميزان الصيدلي، الزيادة في أي صنف تضر، والتقليل من أي صنف يضر. محاسبة لا تبرر، ولا تذنب: "مُبَرِّئُ الْمُذْنِبَ وَمُذَنِّبُ الْبَرِيءَ كِلاَهُمَا مَكْرَهَةُ الرَّبِّ" (أم17: 15).
أما إن ظن أن الاتضاع هو أن يقول في كل شيء إنه مخطئ، حينئذ سيفقد سلامة الحكم على الأمور، وقد يقع في اليأس وفي الكآبة، وفي الصراع الداخلي: يريد أن يسلك في الفضيلة، ويرى الفضيلة مستحيلة!
ولكن ليس معنى هذا، أن يقع في العكس، في اللامبالاة. إنما عليه أن يحزن على الخطية، ويربط الحزن بالرجاء، والتعزية والمغفرة، ومحبة الله، ولا يسلك بأنصاف الحقائق.
أولاد الله دائمًا فرحون. وإن اكتأبوا بسبب الخطية، يتحولون إلى التوبة، والتعزية، ويتحول حزنهم إلى فرح. في كل مرة تحاول الكآبة أن تحطمك، قل لنفسك:
"أين الفرح المقدس الذي من ثمار الروح القدس؟ أين قول الرسول: "اِفْرَحُوا فِي الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ وَأَقُولُ أَيْضًا افْرَحُوا"؟ وقول الرب: "أَرَاكُمْ أَيْضًا فَتَفْرَحُ قُلُوبُكُمْ، وَلاَ يَنْزِعُ أَحَدٌ فَرَحَكُمْ مِنْكُمْ"؟
اجعل الكآبة شيئًا عارضًا سطحيًا في حياتك، وليس شيئًا دائمًا، ولا عميقًا. وافرح بالرب فرحًا روحيًا...
الله الذي يغفر، الذي يقبل توبة التائب، الذي يحمل أثقالنا ويحمل خطايانا، الذي يمسح كل دمعة من عيوننا، الذي يقول: "تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ" (مت11: 28). الذي يقول: "مَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ لاَ أُخْرِجْهُ خَارِجًا" (يو6: 37). الله الذي أعد لنا نعيمًا أبديًا، وسمّى روحه (الروح المعزي)، وجعل إنجيله بشارة مفرحة.
الذي يعيش في الدين بكآبة دائمة أو مَرَضية، يصير عثرة تمنع غير المتدينين من التدين. إن حاربتك خطية، قل: إن الله سينقذني منها، لأنه "يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُونَ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ يُقْبِلُونَ" (1تي2: 4). وإن أتتك تجربة، قل: كله للخير، وربنا موجود..
حول حزنك إلى فرح، ولا تكوّم المشاكل حولك بل فرّقها..
الإنسان الكئيب يكوّم حوله المشاكل، مشاكل البيت ومشاكل العمل، مشاكل الغريب والقريب، مشاكل أمس واليوم والمشاكل التي قد تحدث غدًا، وإن لم يجد مشكلة، يقول ربما تحدث..
عيشوا في فرح دائم وفي رجاء، وعالجوا الكآبة في حياتكم وفي حياة الناس. إن مزمور التوبة (مز50) نقول فيه: "امْنَحْنِي بَهْجةَ خَلاصِكَ". فليعطنا الرب هذه البهجة.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 19 أغسطس1977م، وقد كتب قداسة البابا شنوده الثالث فصلًا كاملًا عن "الكآبة"، نشره في كتابه (الحروب الروحية – الجزء الثاني)، يمكنك الرجوع إليه للتعمق أكثر في هذا الموضوع.
الفَرح في الضيقة
الفَرح في الضيقة[1]
يعلمنا الكتاب أن نفرح في الرَّب كل حين (في4:4). ولكن هل نفرح أَيْضًا في الضيقة؟ نعم. فالقديس الرسول يقول: "اِحْسِبُوهُ كُلَّ فَرَحٍ يَا إِخْوَتِي حِينَمَا تَقَعُونَ فِي تَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ" (يع1: 2).
ذلك لأن التجارب والضيقات هي أبواب للعديد من الفضائل.
أول فرح في الضيقة، هو أنك ترى فيها معونة الله.
إنك لا ترى هذه المعونة في أوقات اللهو والمتعة، ولكنك في وسط الضيقات ترى معونة الله واضحة، وترى كيف يتدخل الله ويعمل عملًا ونحن ككنيسة، قد اختبرنا معونة الله في كثير من الضيقات التي أحاطت بنا. ذلك لأنه حينما يبدو لا حل، تظهر حينئذ حلول الله واضحة..
وفي هذا يقول القديس بولس الرسول: "لِذلِكَ أُسَرُّ بِالضَّعَفَاتِ وَالشَّتَائِمِ وَالضَّرُورَاتِ وَالاضْطِهَادَاتِ وَالضِّيقَاتِ لأَجْلِ الْمَسِيحِ. لأَنِّي حِينَمَا أَنَا ضَعِيفٌ فَحِينَئِذٍ أَنَا قَوِيٌّ" (2كو10:12). أي أنه في حالة ضيقته وضعفه، يختبر قوة المسيح التي تعينه وتجعله قويًا، أو يمنحه الله القوة التي ينتصر بها على تلك الضيقات والاضطهادات..
إن الضيقة لها وجهان: أحدهما هو الضيقة، والآخر هو البركة.
خذوا مثالًا لذلك، القديس يوحنا الحبيب الرسول وهو منفي في جزيرة بطمس حيث يقول: "أَنَا يُوحَنَّا أَخُوكُمْ وَشَرِيكُكُمْ فِي الضِّيقَةِ وَفِي مَلَكُوتِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ وَصَبْرِهِ" (رؤ1: 9). إنه من أحب تلاميذ المسيح إليه، ومع ذلك لم يمنع عنه الضيقة، لأن فيها بركات. حيث رأى وهو منفي رؤى لم يرها رسول غيره.. لقد رأى بابًا مفتوحًا في السماء، ورأى عرش الله، والقوات السمائية المحيطة بالعرش، وسمع تسابيح وصلوات، وكُشفت له أسرار عجيبة عما هو عتيد أن يكون.. ورأى أمامه بابًا مفتوحًا لا يستطيع أحد أن يغلقه.. كلام جميل لم يسمعه وهو في أورشليم.
عجيب أن الله لا يمنع الضيقات عن أحبائه، بل يعدهم بها، ويقول لهم: "فِي الْعَالَمِ سَيَكُونُ لَكُمْ ضِيقٌ"، ويطلب منهم أن يدخلوا من الباب الضيق ويسيروا في الطريق الكرب. فالكتاب يقول: "إِنْ كُنَّا نَتَأَلَّمُ مَعَهُ لِكَيْ نَتَمَجَّدَ أَيْضًا مَعَهُ" (رو8: 17).
مثال واضح هو القديس بولس الرسول. يقول في ضيقاته: "فِي الأَتْعَابِ أَكْثَرُ، فِي الضَّرَبَاتِ أَوْفَرُ، فِي السُّجُونِ أَكْثَرُ، فِي الْمِيتَاتِ مِرَارًا كَثِيرَةً. مِنَ الْيَهُودِ خَمْسَ مَرَّاتٍ قَبِلْتُ أَرْبَعِينَ جَلْدَةً إِلاَّ وَاحِدَةً. ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ضُرِبْتُ بِالْعِصِيِّ، مَرَّةً رُجِمْتُ، ثَلاَثَ مَرَّاتٍ انْكَسَرَتْ بِيَ السَّفِينَةُ، لَيْلًا وَنَهَارًا قَضَيْتُ فِي الْعُمْقِ. بِأَسْفَارٍ مِرَارًا كَثِيرَةً، بِأَخْطَارِ سُيُول، بِأَخْطَارِ لُصُوصٍ، بِأَخْطَارٍ مِنْ جِنْسِي، بِأَخْطَارٍ مِنَ الأُمَمِ، بِأَخْطَارٍ فِي الْمَدِينَةِ، بِأَخْطَارٍ فِي الْبَرِّيَّةِ، بِأَخْطَارٍ فِي الْبَحْرِ، بِأَخْطَارٍ مِنْ إِخْوَةٍ كَذَبَةٍ" (2كو23:11-29).
ومع ذلك كانت لكل تلك المتاعب أكاليل. واستحق أن يُختطف إلى السماء الثالثة ويسمع كلمات لا يُنطق بها (2كو12: 2-4).
من بركات الضيقة أَيْضًا أنها تعلمنا الصلاة، وتفتح لنا خبرات مع الله.
هوذا الله يقول: "وَادْعُنِي فِي يَوْمِ الضِّيقِ أُنْقِذْكَ فَتُمَجِّدَنِي" (مز50: 15). والمرتل يقول في المزمور: "إِلَى الرَّبِّ فِي ضِيْقِي صَرَخْتُ فَاسْتَجَابَ لِي" (مز120: 1). ولذلك كثيرًا ما كان داود النبي يصلي في ضيقاته، ثم يحول طلبه إلى شكر، شاعرًا بالاستجابة الفورية لله.
ونحن نفرح بالضيقة، لأنها تسبب تعاطف الناس حولنا، وصلواتهم لأجلنا. وإذا بأصوات من الأرض ومن السماء تقول لنا أثناء الضيقة: "يَسْتَجيبُ لكَ الرَّبُّ في يَومِ شِدَّتكَ، يَنْصُركَ اِسْمُ إلَهِ يَعْقوبَ. يُرْسِلُ لَكَ عَوْنًا مِنْ قُدْسِهِ" (مز20).
وآخرون يقولون لكل منا: "الرَّبُّ يَحْفَظُكَ، الرَّبُّ يَحْفَظُ نَفْسَك.. الرَّبُّ يَحْفَظُ دُخولَكَ وخُروجَكَ مِنَ الآنِ وإلَى الأبَدِ. هَلِّلُويَا" (مز121: 5-8).
نفرح بالضيقات من أجل ما تحمله من خبرات روحية وهي كثيرة:
أولًا، لأن الكتاب يعدنا قائلًا: "اللهَ أَمِينٌ، الَّذِي لاَ يَدَعُكُمْ تُجَرَّبُونَ فَوْقَ مَا تَسْتَطِيعُونَ، بَلْ سَيَجْعَلُ مَعَ التَّجْرِبَةِ أَيْضًا الْمَنْفَذَ، لِتَسْتَطِيعُوا أَنْ تَحْتَمِلُوا" (1كو10: 13).
ثانيًا، من أجل تدخل الله للإنقاذ، ووقوفه معنا في الضيقات. وهكذا نردد قول المزمور: "لَوْلا أنَّ الرَّبَّ كانَ مَعنا لِيَقُلْ إسْرائيلُ. لَوْلا أنَّ الرَّبَّ كان مَعنا عِنْدَما قامَ النّاسُ عَلَيْنا. لابْتَلَعونا ونَحْنُ أحْياء، عِنْدَ سَخطِ غَضَبِهِمْ عَلَيْنا... نَجَتْ أنْفُسُنا مِثْلَ العُصْفورِ مِنْ فَخِّ الصَّيّادينَ، الفَخُّ انْكَسَرَ ونَحْنُ نَجَوْنا. عَوْنُنا باِسْمِ الرَّبِّ، الَّذي صَنَعَ السَّماءَ والأرْضَ" (مز123).
وفي الضيقات نتغنى بمراحم الله فنقول: "يَمينُ الرَّبِّ صَنَعَتْ قُوَّةً. يَمينُ الرَّبِّ رَفَعَتْني، يَمينُ الرَّبِّ صَنَعَتْ قُوَّةً.. دُفِعْت لأَسْقُطَ والرَّبّ عَضدَني" (مز117).
نذكر كيف تدخل الله حينما رأى يعقوب في ضيقة، هاربًا من غضب أخيه عيسو. فظهر له في سلّم بين السماء والأرض. وقال له: "وَهَا أَنَا مَعَكَ، وَأَحْفَظُكَ حَيْثُمَا تَذْهَبُ، وَأَرُدُّكَ إِلَى هذِهِ الأَرْضِ" (تك28: 15).
نعم في الضيقة نختبر الحفظ الإلهي. ونرى كيف حفظ الله الثلاثة فتية في أتون النار، فلم تمسّهم النار بسوء. بل خرجوا منها ممجدين، ورفع الملك من شأنهم (دا3).
بالضيقة أَيْضًا اختبر دانيال حفظ الله، إذ ألقوه بسبب إيمانه في جب الأسود. فأنشد أغنيته الجميلة: "إِلهِي أَرْسَلَ مَلاَكَهُ وَسَدَّ أَفْوَاهَ الأُسُودِ" (دا6: 22). وصارت قصته عظة لكثيرين في كيف أن الله يحفظ أثناء الضيقة. فتهتف القلوب قائلة: "قِفُوا وَانْظُرُوا خَلاَصَ الرَّبِّ" (خر14: 13).
حقًا إننا لا نستطيع أن نفصل الضيقة عن معونة الله، وإذ نرى معونته نفرح.. الله الذي قيل عنه: "فِي كُلِّ ضِيقِهِمْ تَضَايَقَ، وَمَلاَكُ حَضْرَتِهِ خَلَّصَهُمْ" (إش63: 9) الذي أرسل ملاكه فخلص تلميذه بطرس من السجن (أع12). وكذلك ملاك آخر في فيلبي زعزع أساسات السجن، وأخرج منها بولس الرسول، وكان سببًا في إيمان حافظ السجن (أع16).
إننا نفرح بالضيقة، لأن لها شكلًا هرميًا، تصل إلى قمتها، ثم تنحدر نازلة.. نعم لا توجد ضيقة تصعد باستمرار ولا تنزل.
لذلك حينما تصيبنا، نقول في ثقة: "مصيرها أن تنتهي".
أمامنا تجربة أيوب الصديق: وصلت إلى أقصى حدتها وشدتها. ثم انتهت إلى عبارة "فرَدَّ الرَّبُّ سَبْيَ أَيُّوبَ". وكانت آخرة أيوب خيرًا من أولاه، وأعطاه الرب غنى مضاعفًا ومجدًا. كما أعطاه بنات لم يكن مثلهن في الجمال (أي42) كما أعطاه عمرًا طويلًا، وأمر أصحابه الذين أخزوه أن يعتذروا له.
كذلك ما قابله يوسف الصديق من ضيقات: كيف باعه إخوته، وجاء إلى مصر كعبد. وعلى الرغم من إخلاصه ونقاوة سيرته، دُبرت ضده تهمة ظالمة، وأُلقيَ في السجن واستمر فيه سنوات. وبلغت الضيقة قمتها ثم انحدرت. وإذا به قد أصبح متسلطًا على كل أرض مصر، وخاتم فرعون في يده. نال مجدًا ما كان سيحصل عليه لولا تلك الضيقات.. نعم لولاها لبقيَ مجرد راع للغنم في بيت أبيه.
نحن نفرح بالضيقة، لأنها كثيرًا ما تكون للمنفعة.
لقد أراد الله لدواد أن يكون ملكًا. وفعلًا أرسل له صموئيل النبي فمسحه ملكًا وسط إخوته، وهو بعد صغير (1صم16).
ولكنه ماذا كان سيفعل هذا الفتى الأشقر مع حلاوة في العينين. الذي يرعى الغنيمات القليلات في البرية، ومواهبه أنه يحسن الضرب بالعود، ويعزف على المزمار والقيثار والعشرة الأوتار.. كان لا بد له أن يخشوشن ويتعلم الحرب. وكيف ذلك؟
سمح له الله أن يتدرب بالضيقات على يد شاول الملك، الذي حسده، وظل يطارده من برية إلى برية، ومن بلد وإلى بلد، يريد أن يقتله. وبهذه الضيقات صُقلت شخصية داود، وتدرب، وتحول من فتى يغني إلى رجل قتال، وإلى إنسان مُحنك بحيث يصلح لإدارة المملكة. وحينئذ خلّصه الرب من شاول وسلّمه المملكة.
وحتى بعد أن صار ملكًا، لم يمنع الرب عنه الضيقات. فهو يقول في المزمور الثاني: "لِمَاذَا ارْتَجَّتِ الأُمَمُ وَتَفَكَّرَتْ الشُّعُوبُ فِي الْبَاطِلِ؟ قَامَ مُلُوكُ الأَرْضِ وَتَآمَرَ الرُّؤَسَاءُ مَعًا عَلَى الرَّبِّ وَعَلَى مَسِيحِهِ: لِنَقْطَعْ أَغْلَالَهُمَا وَلْنَطْرَحْ عَنَّا نَيرَهُمَا" (مز2). ولكنه في هذه الضيقات والمؤامرات رأى كيف أن الله يضحك بهم، ويستهزئ بهم، ومثل آنية الفخار يسحقهم.. كما كان من فوائد الضيقات، أن مشاعره فيها تحولت إلى مزامير.
حقًا إن الضيقة مفرحة، لأن مدرسة الضيقات هي التي تخرج العصاميين. وهي تعلّم الحكمة وطريقة حل المشاكل..
وهي مدرسة تعلّم التواضع، لأن الذي في ضيقة لا يرتفع قلبه أبدًا. وما أعمق قول داود النبي: "خَيرٌ لي أنّكَ أذلَلْتَني حتى أتَعلّمُ حُقوقِكَ" (مز119: 71).
وهي مدرسة تعلم الصبر وانتظار الرب، كما قيل في المزمور: "تَقوَّ وليتَشَدَّدْ قلْبكَ وانْتَظِر الرَّبِّ" (مز27).
نفرح في الضيقة في انتظار الرب. أنه لا بد سيأتي، وينقذ وينجي. كما قال لإرميا النبي: "فَيُحَارِبُونَكَ وَلاَ يَقْدِرُونَ عَلَيْكَ، لأَنِّي أَنَا مَعَكَ، يَقُولُ الرَّبُّ، لأُنْقِذَكَ" (إر1: 19).
وكما قال للقديس بولس الرسول: "لأَنِّي أَنَا مَعَكَ، وَلاَ يَقَعُ بِكَ أَحَدٌ لِيُؤْذِيَكَ" (أع18).
نعم، في الضيقة نشعر أن الرب لا بد سيأتي، ولو في الهزيع الرابع من الليل. لذلك ننتظره في ثقة وإيمان وقلب قوي.
نفرح بالضيقة لأنها هبة من الله.
كما يقول الكتاب: "لأَنَّهُ قَدْ وُهِبَ لَكُمْ لأَجْلِ الْمَسِيحِ لاَ أَنْ تُؤْمِنُوا بِهِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا أَنْ تَتَأَلَّمُوا لأَجْلِهِ" (في1: 29). ونفرح بالضيقات. لأن الكتاب يقول: "بِضِيقَاتٍ كَثِيرَةٍ يَنْبَغِي أَنْ نَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ" (أع14: 22).
إن بولس الرسول يقول عن نفسه وعن زملائه في الخدمة: "كَحَزَانَى وَنَحْنُ دَائِمًا فَرِحُونَ" (2كو10:6). أي يظن العالم أننا حزانى، بينما نحن دائمًا فرحون. فمقاييس العالم غير مقاييسنا.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 14 ديسمبر2007م
نجنا من كل حزن رديء ووجع قلب
نجنا من كل حزن رديء ووجع قلب[1]
لا شك أن الله خلقنا للفرح، سواء على الأرض حينما خلق الإنسان ووضعه في الجنة، أو في العالم الآخر، إذ وعدنا بالنعيم الأبدي، فالله يريد أن يفرح الإنسان.
لذلك نحن نقول له: "نجنا من كل حزن رديء ووجع قلب"، وعبارة "من كل حزن رديء" معناها أنه يوجد حزن غير رديء، أو حزن صالح.
وهكذا يقول سليمان الحكيم: "لِلْبُكَاءِ وَقْتٌ وَلِلضَّحْكِ وَقْتٌ" (جا3: 4).
يوجد حزن مقبول ولازم، كما يوجد حزن غير مقبول ورديء نقول عنه: "نجنا". وكل نوع من الحزن، له وقته، وأسبابه.
الحزن الصالح
أول نوع من الحزن الصالح، أن يحزن الإنسان على خطاياه ونقائصه، وضعفاته، وعلى كل شيء رديء يصدر منه.
بل إن بستان الرهبان يشرح لنا قاعدة مشهورة، يقول فيها الآباء: "ادخل إلى قلايتك، وابكِ على خطاياك" مفروض أن يحزن الإنسان على خطيته إن أخطأ، مهما كانت الخطية في نظره بسيطة أو كبيرة، حتى لو كانت زلة لسان، أو جرح شعور أي إنسان.
بولس الرسول فرح جدًا، حينما علم أن خاطئ كورنثوس (1كو5)، لما أخذ عقوبة حَزِنَ وبكى على خطاياه، لأن الحزن على الخطية يقود إلى التوبة، أما لو أخطأ الإنسان دون أن يحزن على خطاياه سيقوده ذلك إلى الاستهتار، واللامبالاة.. لأن الخطية لم تأخذ نصيبها من الندم والحزن، وتأنيب الضمير.
داود النبي أخطأ وبكى على خطاياه، وصلى كثيرًا من المزامير يطلب المغفرة، منها المزمور الخمسون، والمزمور السادس الذي يقول فيه: "يَا رَبُّ لا تُبكِّتْنِي بغَضَبكَ، ولا تُؤدِّبْنِي بسَخَطكَ. اِرْحَمنِي يَا رَبُّ فإنِّي ضَعِيفٌ، اِشْفِنِي يَا رَبُّ فإنَّ عِظَامِي قَد اضْطَربَتْ ونَفْسِي قدِ اِنْزَعجَت جِدًّا" (مز6).
وقال: "اجْعَلْ أَنْتَ دُمُوعِي فِي زِقِّكَ" (مز56: 8)، وقيل عنه: "إنه مزج شرابه بالدموع" (مز102: 9)، فالإنسان عليه أن يبكي على خطاياه، وقصص البكاء على الخطايا موجودة، وكثيرة.
من الحزن الصالح: الحزن على خطايا الناس، على خطايا الشعب، وعلى المخدومين، على الناس عمومًا.
ومن أمثلته: قصة نحميا: جاءوا إليه، وهو في السبي، وأخبروه كيف أن أورشليم مهدمة، وأبوابها محروقة بالنار.. يقول: "فَلَمَّا سَمِعْتُ هذَا الْكَلاَمَ جَلَسْتُ وَبَكَيْتُ وَنُحْتُ أَيَّامًا، وَصُمْتُ وَصَلَّيْتُ" (نح1: 4)، بقية القصة، أنه بحزنه هذا، أخذ تصريحًا من أرتحشستا الملك، بالعودة إلى أورشليم.
عزرا أَيْضًا، لما سمع أن الشعب تزوجوا زيجات غريبة حزن جدًا وبكى، واستطاع أن يقنعهم بترك الزيجات الغريبة.
إرميا النبي في كتابه مراثي إرميا، بكى كثيرًا وحزن كثيرًا من أجل الوضع العام، ولم يكن مستريحًا له.
عن خطايا الناس الكثيرة، قال السيد المسيح: "نَفْسِي حَزِينَةٌ جِدًّا حَتَّى الْمَوْتِ" (مت26: 38). حزن لما تجمعت أمامه صورة خطايا الناس كلهم، وكل ما ارتكبوه من تعديات ومن آثام ومن ذنوب فقال: "نفسي حزينة حتى الموت". إنها صورة بشعة ومتعبة، حينما يحزن الإنسان من أجل خطاياه، ومن أجل الآخرين سواء في ضيقاتهم أو في خطاياهم، يكون هذا حزن مقدس.
نوع آخر من الحزن الصالح وهو: مشاركة الناس في أحزانهم.
كما يقول الكتاب: "فَرَحًا مَعَ الْفَرِحِينَ وَبُكَاءً مَعَ الْبَاكِينَ" (رو12: 15). مفروض أن تشارك الناس في ضيقاتهم، وفي أحزانهم، وتكون هذه فضيلة، والسيد المسيح، في موت لعازر، كما بكت مريم ومرثا، هو أَيْضًا بكى (يو11: 35)، مشاركة للناس في آلامهم.
داريوس الملك، حزن على دانيال النبي، حينما ألِقيَ في جب الأسود، في تلك الليلة بات داريوس صائمًا، ولم يُؤْتَ أمامه بسراريه، وكان حزينًا جدًا، وقام وذهب إلى جب الأسود، لكي يطمئن على دانيال النبي (دا20:6).
ومن الحزن المقدس أَيْضًا: الحزن من أجل ملكوت الله، ومن أجل الكنيسة عمومًا. مثلما بكى السيد المسيح على أورشليم وقال لها: "لأَنَّكِ لَمْ تَعْرِفِي زَمَانَ افْتِقَادِكِ" (لو19: 44). وأَيْضًا حزن وتحنن لما نظر إلى الجموع، فوجد أنهم منزعجون ومنطرحون كغنم لا راعي لها (مت9: 36). إنه حزن مقدس.
من الحزن المقدس أَيْضًا: الحزن للشعور بالتخلي، حينما يشعر الإنسان، أن الله تخلّى عنه، فيحزن.
مثلما يقول داود: "إلَى مَتَى يَا رَبُّ تَنْسانِي؟ إلَى الاِنْقِضَاءِ؟ حَتَّى مَتّى تَصْرفُ وَجْهَك عنِّى؟ إلَى مَتَى أرْدُدْ هَذِهِ المشُورَاتِ في نَفْسِى، وهَذِهِ الأوْجَاعُ في قَلْبي النّهَارَ كُلَّه؟" (مز12)، أو قول داود في مزمور آخر: "لِمَاذَا يَقُولُ الأُمَمُ: أَيْنَ هُوَ إِلهُهُمْ؟" (مز79: 10)، (مز115: 2). كل هذه مشاعر مقدسة.
يوجد حزن طبيعي، مثل بكاء داود على ابنه أبشالوم، وكذلك حزن راحيل عندما لم يكن لها ولد، وحزن حنّة التي أعطاها الله صموئيل.
كل ذلك أمثلة للحزن المقدس الطاهر، أو الحزن الطبيعي.
أما عبارة "نجنا من كل حزن رديء ووجع قلب" فهي عن الحزن الرديء سواء في طوله، أو في عمقه، أو في أسبابه.
الحزن الرديء
حزن الإنسان على أمور عالمية فانية.. كفقد مال، أو منصب، أو لقب.
الغني قال له السيد المسيح: "إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَكُونَ كَامِلاً فَاذْهَبْ وَبعْ أَمْلاَكَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ". يقول عنه الكتاب إنه: "مَضَى حَزِينًا، لأَنَّهُ كَانَ ذَا أَمْوَال كَثِيرَةٍ" (مت19: 22،21)، كان لا يريد أن يخسر ماله، لكن الحزن من أجل المال حزن رديء.
إن الحزن من أجل الأمور الفانية التي في العالم، كلها أحزان رديئة.
مثل حزن هامان، لما وجد مردخاي لا يقدم له الاحترام الذي يريده، فتضايق لأنه لم يأخذ احترامًا.
أو أي حزن من أجل الذات، حزن يظهر فيه التمسك بالذات، وطلبات الذات وكرامة الذات، كله حزن رديء.
من الحزن الرديء في أسبابه أَيْضًا: الحزن الذي سببه الحسد.
فدائمًا الحاسدون يكونون حزانى. ومن أمثلة هؤلاء: إخوة يوسف الصديق، حزنوا لأن الله وهب يوسف أحلامًا تُشعرهم بأنه سيكون له تفوّق وعظمة. فتضايقوا، وحزنوا لما أعطاه أبوه قميصًا ملونًا، فقالوا إنه فضّله عليهم، ولذلك لما أرادوا أن يأخذوا يوسف ويقتلوه، أو يلقوه في البئر، لما رأوه من بعيد قالوا: هوذا صاحب الأحلام قادم، فكانوا متضايقين من أحلامه.
كذلك في الرهبنة يقولون: لا تمدح شخصًا بصفة معينة أمام آخرين، لئلا يكون فيهم من هو صغير النفس، فيتعب من مدحك لغيره، وأنت لم تمدحه. وكذلك حتى في معاملة الأطفال، إذا شجعت طفلًا، وقدمت له عطفًا، لا بد أن تفعل ذلك أَيْضًا مع كل الأطفال الحاضرين، وإلا سوف يحزنون ويتعبون، لأنك فضَّلت هذا الطفل على بقية الأطفال. لذلك عاملوا الكل بنوع من العطف الشامل للجميع.
من الحزن الرديء أَيْضًا: الحزن على تفوق الآخرين.
مثل فوز فريق رياضي في مباراة، فيحزن الفريق المنافس. إنه حزن رديء.
من الأمثلة الصعبة جدًا في أنواع الحزن الرديء.
حزن شخص لأنه لم يجد فرصة لارتكاب خطية: أي أنه يريد أن يرتكب الخطية، لكن الظروف لم تساعده، فيحزن.
من أمثلة ذلك آخاب الملك، حينما أراد أن يستولي على حقل نابوت اليزرعيلي ولم يستطع، رجع إلى بيته حزينًا لهذا السبب، وانتهت القصة بأنه تخلص من نابوت، وأخذ الحقل فكان حزنه إذًا على عدم ارتكابه خطية.
يوجد حزن رديء من جهة الطول والعمق.
مثل المبالغة في الحزن وطول مدته، يقول الكتاب: "لاَ تَحْزَنُوا كَالْبَاقِينَ الَّذِينَ لاَ رَجَاءَ لَهُمْ" (1تس4: 13). فالذي يحزن وليس عنده رجاء، يكون حزنه رديئًا.
حتى في حزنه على خطاياه، فحزن الإنسان على خطاياه فضيلة، لكن إذا فقد الرجاء، يصير حزنه رديئًا وقد وقع في ذلك يهوذا. بطرس الرسول حزن على إنكاره وبكى بكاءً مرًا، وكان حزنه صالحًا، لكن يهوذا حزن وندم وقال: "أَخْطَأْتُ إِذْ سَلَّمْتُ دَمًا بَرِيئًا" (مت27: 4). ولكن لأن حزنه أفقده الرجاء، فلذلك شنق نفسه، فأصبح حزنه حزنًا رديئًا.
أو الناس الذين يستمرون في حزنهم فترة طويلة، ويرفضون أن يتعزوا. إنه حزن من ليس لهم رجاء.
من الحزن الرديء أَيْضًا: الحزن في أيام الفرح، في أيام الأعياد والمواسم.
أصعب نوع من الحزن الرديء هو الكآبة Depression.
إنسان يصاب بمرض الكآبة، وليس مجرد أن يكتئب على خطيئته كما يقول سليمان الحكيم: "بِكَآبَةِ الْوَجْهِ يُصْلَحُ الْقَلْبُ" (جا3:7).
وفي مرض الكآبة هذا نجد أفكارًا سوداء، وتعبًا، وحزنًا، وبكاءً، وربما بلا سبب، أو لأتفه الأسباب. أو شيء من الداخل يجعله يعيش كئيبًا باستمرار.. وغالبًا يلجأ إلى الأدوية والأقراص المهدئة.
الآباء القديسون فيما يتكلمون عن الأشياء المحاربة للنفس، كما تكلموا عن الخطايا الخطيرة، تكلموا أَيْضًا عن الكآبة كمرض من الأمراض، يقع فيها البعض. يمكن أن يحزن إنسان على خطاياه، لكن لا يصل إلى الكآبة الدائمة أو الكآبة السوداء. بقدر الإمكان إذا وُجدت كآبة، فليصلحها الإنسان من الداخل، بطريقة روحية وليس بالأدوية والمهدئات.
[1]عظة لقداسة البابا شنوده الثالث، بتاريخ 30 نوفمبر2005م
الفرح والرجاء
فرحين في الرجاء[1]
الرجاء فضيلة من الفضائل الكبرى، التي ذكرها القديس بولس الرسول بقوله: "الإِيمَانُ وَالرَّجَاءُ وَالْمَحَبَّةُ" (1كو13:13). ومعنى الرجاء أن الإنسان لا ييأس، بل يكون عنده أمل في أن حلًا سيأتي، وشيئًا مفرحًا سيكون في الطريق. وهكذا يكون في فرح بهذا الرجاء.
ومن دوافع الرجاء: الوعود التي قدمها الله للبشرية.
مثل قول الرب: "لاَ أَتْرُكُكُمْ يَتَامَى. إِنِّي آتِي إِلَيْكُمْ" (يو14: 18). "سلاَمًا أَتْرُكُ لَكُمْ. سلاَمِي أُعْطِيكُمْ... لاَ تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ وَلاَ تَرْهَبْ" (يو14: 27). فإذ يسمع الناس هذا الوعد الإلهي، يفرحون بهذا الرجاء أن الله لن يتركهم يتامى. بل هو يقول لهم: "هَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ" (مت28: 20) "لأَنَّهُ حَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ بِاسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسَطِهِمْ" (مت18: 20).
هنا يكون الفرح بوعود الله، والرجاء في تحقيقها. فيشعر يقينًا بأن الله لا بد سيعمل عملًا. لا بد سيأتي حسب قوله "آتِي إِلَيْكُمْ".
طبعًا الرجاء له نواحٍ كثيرة ومنها:
إننا نرجو قيامة الأموات وحياة الدهر الآتي.
وهكذا نقول في قانون الإيمان... والقديس بولس الرسول يقول: "إِنْ كَانَ لَنَا فِي هذِهِ الْحَيَاةِ فَقَطْ رَجَاءٌ فِي الْمَسِيحِ، فَإِنَّنَا أَشْقَى جَمِيعِ النَّاسِ" (1كو15: 19). بل لنا الرجاء في القيامة وفي حياة الدهر الآتي، وإذ تتعلق قلوبنا بهذا الرجاء، نفرح.
كثير من الناس يعلقون آمالهم بهذا العالم وحده. فمثلًا يقيسون النجاح، بالنجاح في هذا العالم. وأَيْضًا المتعة واللذة بهذا العالم! وأَيْضًا العدل يقيسونه بما في هذا العالم! لذلك يتعبون إذا لم يتحقق رجاؤهم ههنا. ويظنون أن الله قد تركهم! وأنهم هنا وحدهم. ويظلون في تعب، لأنه ليس لهم رجاء واضح في العالم الآتي، وأن كل ما ينقصهم ههنا، سيعوضهم الله عنه في الدهر الآتي...
كثيرون يحزنون إن شعروا بأنهم قد فقدوا حبيبًا من الأحباء قد رقد في الرب، على اعتبار أنهم سوف لا يرونه فيما بعد. بينما يقول لهم الرسول: "لاَ تَحْزَنُوا كَالْبَاقِينَ الَّذِينَ لاَ رَجَاءَ لَهُمْ" (1تس4: 13). لماذا؟ لأننا نحن لنا رجاء أن نرى أحباءنا هؤلاء في الدهر الآتي. وإذ يكون لنا هذا الرجاء، نكون - حتى في مقابلة الموت - فرحين في الرجاء.
نكون فرحين، لأنه أمامنا الحياة بعد الموت، واللقاء بعد الموت. وأمامنا أورشليم السمائية، المكان الذي هرب منه الحزن والكآبة والتنهد...
والذين يشكون من مظالم على الأرض، لهم رجاء في عدل الله الكامل في الدهر الآتي، كما شرح في قصة الغني ولعازر (لو16).
والذين لهم رجاء في الدهر الآتي، يفرحون إذ يكنزون لهم كنوزًا في السماء، حسب تعليم الرب (مت6: 20).
يفرحون بالعطاء واثقين أن كل ما يقدمونه للرب من العشور والبكور وكل عطاء، سيجدونه مكنوزًا لهم فوق. حيث يعوّضهم الرب عن الفانيات بالباقيات، وعن الأرضيات بالسماويات. وكأنهم يحوّلون عملة محلية بعملة صعبة، دون أن يفقدوا شيئًا. وفي فرحهم بهذا الرجاء، ينطبق على كل من يعطي منهم عبارة "الْمُعْطِيَ الْمَسْرُورَ" (2كو9: 7). وبهذا الرجاء فإنهم في العطاء يعطون بسخاء (رو12: 8). وكأن الذي يعطي يقول لنفسه: أنا لا أُعطي شيئًا، بل سآخذ ما هو أكثر وأنفس.
بالرجاء أَيْضًا تقدم القديسون إلى الاستشهاد وهم فرحون.
شاعرين أن لحظة الموت هذه، إنما ستنقلهم إلى حياة أفضل وإلى عشرة الملائكة وأرواح القديسين، برجاء أنهم سوف ينالون الأكاليل والفرح الذي لا يُنطق به. وهكذا كان الشهداء يتقدمون إلى الاستشهاد وهم يرتلون ويهللون وينشدون أناشيد الفرح، لأنه عما قليل سيدخلون إلى كورة الأحياء، ويلاقون الرب منتصرين، وينالون وعود الرب للغالبين كما شرحها في سفر الرؤيا (رؤ2، 3). وبالمثل أَيْضًا كانوا يرتلون مبتهجين وهم في السجون... كل ذلك بسبب الرجاء الذي فيهم، المبني على ثقة لا تتزعزع في الحياة بعد الموت، وفي الأبدية السعيدة.
إن الرجاء بالأبدية، يعطي فرحًا واحتمالًا وانتظارًا للرب.
وفي ذلك يقول الرسول: "إِنِّي أَحْسِبُ أَنَّ آلاَمَ الزَّمَانِ الْحَاضِرِ لاَ تُقَاسُ بِالْمَجْدِ الْعَتِيدِ أَنْ يُسْتَعْلَنَ فِينَا" (رو8 :18). ولذلك يقول أَيْضًا: "إِنْ كُنَّا نَتَأَلَّمُ مَعَهُ لِكَيْ نَتَمَجَّدَ أَيْضًا مَعَهُ" (رو8: 17). وهكذا في الرجاء بالأبدية احتمل القديسون كل ضيقة من أجل الرب، وكانوا "صَابِرِينَ فِي الضَّيْقِ" وفي نفس الوقت "فَرِحِينَ فِي الرَّجَاءِ" (رو12:12) يقولون: "إنَّ خِفَّةَ ضِيقَتِنَا الْوَقْتِيَّةَ تُنْشِئُ لَنَا أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ ثِقَلَ مَجْدٍ أَبَدِيًّا" (2كو4: 17). وكيف أمكن ذلك؟ يقولون: "وَنَحْنُ غَيْرُ نَاظِرِينَ إِلَى الأَشْيَاءِ الَّتِي تُرَى، بَلْ إِلَى الَّتِي لاَ تُرَى. لأَنَّ الَّتِي تُرَى وَقْتِيَّةٌ، وَأَمَّا الَّتِي لاَ تُرَى فَأَبَدِيَّةٌ" (2كو4: 18). يكون لهم هذا الشعور، لأن لهم رجاء في الأبدية...
بنفس الفكر، عاش النساك والرهبان والمتوحدين.
تركوا - وهم فرحون - كل ملاذ الدنيا، كما عبر عنهم قول الشاعر:
تركتُ مفاتنَ الدنيا |
| ولم أحفل بناديها |
لماذا عاش كل أولئك النساك بعيدًا عن كل ملاذ العالم الحاضر؟ ولماذا اهتموا جدًا بالزهد في العالميات، وبإماتة الجسد، أو "صَلَبُوا الْجَسَدَ مَعَ الأَهْوَاءِ وَالشَّهَوَاتِ" (غلا5: 24). كل ذلك من اهتمامهم بأبديتهم، ورجائهم في حياة أفضل في الدهر الآتي.
وبسبب هذا الرجاء، عاش الآباء غرباء على الأرض.
"أَقَرُّوا بِأَنَّهُمْ غُرَبَاءُ وَنُزَلاَءُ عَلَى الأَرْضِ... يَبْتَغُونَ وَطَنًا أَفْضَلَ، أَيْ سَمَاوِيًّا" (عب11: 13، 16)، وهكذا قال داود النبي للرب: "غَرِيبٌ أَنَا فِي الأَرْضِ" (مز119: 19). "أَنَا غَرِيبٌ عِنْدَكَ. نَزِيلٌ مِثْلُ جَمِيعِ آبَائِي" (مز39: 12). وكغرباء لم يشاؤوا أن يستوفوا خيراتهم على الأرض (لو16: 25). بل حتى فضائلهم أخفوها عن الناس، حتى لا يستوفوا أجرهم هنا، بل يجازيهم علانية أبوهم الذي يرى في الخفاء (مت6).
إن الغني الغبي كان رجاؤه مركزًا في الأرض. لذلك قال في جهله بالأبدية: "أَهْدِمُ مَخَازِنِي وَأَبْنِي أَعْظَمَ وَأَجْمَعُ هُنَاكَ جَمِيعَ غَلاَّتِي وَخَيْرَاتِي. وَأَقُولُ لِنَفْسِي: يَا نَفْسُ لَكِ خَيْرَاتٌ كَثِيرَةٌ مَوْضُوعَةٌ لِسِنِينَ كَثِيرَةٍ. اِسْتَرِيحِي وَكُلِي وَاشْرَبِي وَافْرَحِي" (لو12: 18، 19). للأسف لم يضع رجاءه في العالم الآخر، بينما كانت نفسه ستؤخذ منه في تلك الليلة. أما الذين رجاؤهم في الأبدية، فيوزعون أموالهم ههنا، ليكون لهم كنز في السماء (مت6).
إن رجاءنا الحقيقي هو في السماء، حيث يذكر الله لنا كل تعبنا على الأرض.
حتى كأس الماء البارد الذي نقدمه لأحد الإخوة الأصاغر، لا يضيع أجره (مت10: 42). "إنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَالِمٍ حَتَّى يَنْسَى عَمَلَكُمْ وَتَعَبَ الْمَحَبَّةِ الَّتِي أَظْهَرْتُمُوهَا نَحْوَ اسْمِهِ، إِذْ قَدْ خَدَمْتُمُ الْقِدِّيسِينَ وَتَخْدِمُونَهُمْ" (عب6: 10). لذلك "كُونُوا رَاسِخِينَ غَيْرَ مُتَزَعْزِعِينَ مُكْثِرِينَ فِي عَمَلِ الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ عَالِمِينَ أَنَّ تَعَبَكُمْ لَيْسَ بَاطِلًا فِي الرَّبِّ" (1كو15: 58). بل الله سيقول لكل منا: "أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ وَتَعَبَكَ وَصَبْرَكَ" (رؤ2:2).
حقًا إنه لولا رجاؤنا في أن الله سيعطي "كُلَّ وَاحِدٍ... أُجْرَتَهُ بِحَسَبِ تَعَبِهِ" (1كو3: 8)، ما كان يهتم كل إنسان بأن يتعب لأجل الرب.
لنا رجاء أن كل تعب نتعبه من أجل اسمه على الأرض، سوف يعوضنا عنه في السماء. وكل ضيقة نتحملها لأجله، يمنحنا بسببها راحة في الأبدية.
نقطة أخرى نقولها في الرجاء وهي:
بالرجاء، نشعر أن الله سيتدخل في مشاكلنا، ويحضر لمعونتنا، ولو في الهزيع الرابع من الليل.
وهذا يمنحنا فرحًا بانتظارنا عمل الرب معنا. فنكون "فَرِحِينَ فِي الرَّجَاءِ" رجاء أنه مهما ضاقت الدنيا، نرى "بَابٌ مَفْتُوحٌ فِي السَّمَاءِ" (رؤ4: 1). يفتحه الله الذي "يَفْتَحُ وَلاَ أَحَدٌ يُغْلِقُ" (رؤ3: 7) الذي قال: "هَئَنَذَا قَدْ جَعَلْتُ أَمَامَكَ بَابًا مَفْتُوحًا وَلاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يُغْلِقَهُ" (رؤ3: 8). الله الذي يجعل "كُلَّ الأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعًا لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ اللهَ" (رو8: 28).
قل: إن الله الذي وهبني هذه الحياة، لا بد أن يكملها لي.
الله الذي سمح بالضيقة لا بد سيتدخل ليخرجني منها. لا بد سيأتي، ويخرج "مِنَ الْحَبْسِ نَفْسي" (مز142: 7). وإن لم يتدخل الرب الآن، فلا بد أنه سيتدخل بعد حين. ليس لي أن أعرف الأزمنة والأوقات التي جعلها الله في سلطانه (أع1: 7). ولكني أعرف شيئًا واحدًا، وهو أن الله "لا يَتْركُ عَصا الخُطاةِ تَسْتَقرُّ عَلَي نَصيبِ الصِّدّيقينَ" (مز125: 3). وأنه وعد، وهو صادق في مواعيده...
إن الإنسان الذي يغلق على نفسه في التعب، هو إنسان يوصل نفسه إلى الكآبة والحصر النفسي.
هذا الذي يظن أنه لا حلّ، وأن الأمور قد تعقدت بحيث لا يمكن أن تنفرج! مثل هذا الشخص إنما يؤذي نفسه أكثر مما تؤذيه الضيقة. وذلك لأن الضيقة إنما تحاول أن تؤذيه من الخارج، بينما هو يؤذي نفسه من الداخل، ويجعل الخارج والداخل يتعاونان معًا على الإضرار به.
أما الإنسان الذي يتسع قلبه بالرجاء: فإنه مهما رأى الأمواج شديدة، يقول لنفسه إن الله قادر أن ينتهر الموج (مت14). وإن رأى البحر عنيفًا وصاخبًا، يقول مع المرتل: "أَنْتَ مُتَسَلِّطٌ عَلَى كِبْرِيَاءِ الْبَحْرِ. عِنْدَ ارْتِفَاعِ لُجَجِهِ أَنْتَ تُسَكِّنُهَا" (مز89: 9).
بالرجاء هو واثق بقوة الله، وبتدخله، وبوعوده، حتى إن بدا له أن الفرصة قد ضاعت، يؤمن أن هناك فرصًا كثيرة أخرى سوف تأتي، وأن الله عنده حلول كثيرة.
أي فكر يأس يأتيك، اعرف أنه من الشيطان. فهذه طريقته.
أسلوب الشيطان هو قطع الرجاء، حتى ينهي على الإنسان.
يريد أن يوقع الإنسان في اليأس، ويشعره بأنه لا فائدة تُرجى! كما قال داود النبي: "كَثِيرُونَ يَقُولُونَ لِنَفْسِي: لَيْسَ لَهُ خَلاَصٌ بِإِلَهِهِ" (مز3: 2). ولكن داود يرد على هذه الأفكار الشيطانية فيقول في نفس المزمور: "أَنْتَ يَا رَبُّ هُوَ نَاصِري، مَجْدِي وَرَافِعُ رَأْسِي. بِصَوْتِي إِلَى الرَّبِّ صَرَخْتُ. فَاسْتَجَابَ لِي مِنْ جَبَلِ قُدْسِهِ" (مز3: 4). إن اليأس هو الذي ضيّع يهوذا الإسخريوطي. الشيطان قطع رجاءه، فانتحر ومات هالكًا.
إن الله يتدخل: ليس فقط في الضيقات المادية التي تحيط بالإنسان، بل أَيْضًا في الضيقات الروحية.
حتى لو أتعبت الإنسان خطية من الخطايا، وأسقطته وحكمته وضغطت عليه جدًا. هناك رجاء أن الله ينقذه منها، ويمنع الحرب عنه.
ليس هذا في الخطايا الخاصة بالأفراد فقط، بل أَيْضًا في الحروب الروحية العامة، كما سيحدث في أيام الارتداد العام التي يحاول فيها ضد المسيح Christ Anti وأعوانه أن "يُضِلُّوا لَوْ أَمْكَنَ الْمُخْتَارِينَ أَيْضًا" (مت24: 24). سيتدخل الله لكي يقصّر تلك الأيام، لأنه "لَوْ لَمْ تُقَصَّرْ تِلْكَ الأَيَّامُ لَمْ يَخْلُصْ جَسَدٌ" (مت24: 22).
لنا إذًا رجاء في الله أنه حتى لو ضغط علينا الشيطان أيامًا، فإن الله سوف يقصر تلك الأيام.
لذلك إن ضاقت نفسك، وانقطع الرجاء فيك، قل: حتى لو انقطع رجائي في الحياة المقدسة، فإن الله سوف لا ينقطع رجاؤه فيَّ.
إنه قادر أن يعمل معي ما عمله مع خطاة كثيرين قبلي. إذ استطاع أن يحوّلهم ليس فقط إلى تائبين، بل إلى قديسين أَيْضًا. هكذا فعل مع أغسطينوس وموسى الأسود، ومع كبريانوس الساحر وأريانوس الوالي. وهكذا فعل مع بيلاجية ومريم القبطية، ومع مريم المجدلية التي كان فيها سبعة شياطين (لو8: 2).
حقًا، إنه الله الذي يُخرج "مِنَ الْجَافِي خَرَجَتْ حَلاَوَةٌ" (قض14:14).
إذًا بالرجاء، اشعر أن الله سينقذك من خطاياك فلا تنتصر عليك. وأَيْضًا سوف ينقذك من الشدائد والضيقات، فلا تؤذيك.
ولكن لا تسمح أن يقودك الرجاء إلى الكسل أو التهاون.
اعمل بكل قوتك، واطلب أن يعمل الله معك. وليكن لك رجاء في عمل الله معك، وافرح بهذا الرجاء ولكن لا تكسل.
قيل عن يوسف الصديق إن الرب كان معه "كُلَّ مَا يَصْنَعُ كَانَ الرَّبُّ يُنْجِحُهُ بِيَدِهِ" (تك39 :3). إذًا هو كان يعمل، والرب كان يُنجح ما يعمله. كذلك بولس الرسول قال: "أَنَا غَرَسْتُ وَأَبُلُّوسُ سَقَى لَكِنَّ اللهَ كَانَ يُنْمِي" (1كو3: 6). الفضل الأكبر لله الذي يُنمّي. والله كان يُنمّي ما قد غُرس وسُقي. لا تنم إذًا في استهتار، بحيث لا تغرس ولا تسقي! ثم تقول: لي رجاء أن الله يُنمي!! يُنمي ماذا؟!
فلتعمل إذًا. وليكن لك رجاء أن الله سيُنمّي عملك.
وبهذا يكون أولاد الله "فَرِحِينَ فِي الرَّجَاءِ" فرحين بافتقاد الله لهم، وعمله معهم. وفرحين بتحقيق الله لمواعيده لهم، وبأنه يجعل مع الضيقة منفذًا، ومع الخطية توبة ومغفرة. له المجد في كل حنوّه، وفي كل عمله فينا ولأجلنا.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نُشر في جريدة وطني، بتاريخ 8 نوفمبر1998م
عِش سعيدًا في حياة الرجاء
عش سعيدًا في حياة الرجاء[1]
الإنسان الروحي يعيش دائمًا في رجاء أن الله سيتدخل في حياته ويقوده إلى الخير، وذلك مهما تعقدت الأمور أمامه، ومهما بدا كل شيء مُظلمًا. أمَّا الذي يفقد الرجاء، فإنه يقع في اليأس، ويقع في الكآبة، وتنهار معنوياته، ويصبح في قلق واضطراب، وفي مرارة الانتظار بلا هدف. وقد يصير ألعوبة في يد الشيطان. "أما الذي يعيش في الرجاء؛ وكل مشكلة تبدو معقدة أمامه يرى أن لها من الله حلولاً كثيرة.
وكل باب مُغلق أمامه، له في يد الله مفتاح أو عِدَّة مفاتيح. والله هو الذي يفتح ولا أحد يغلق. وبهذا الرجاء ينجو من الخوف ومن القلق والاضطراب. ويكون مطمئنًا لعمل الله. والله قادر أن يحوّل الشر إلى خير، وقادر أن يحوّل كل مجريات الأمور لتسير في اتجاه مشيئته الإلهية الصالحة.
ولذلك فالإنسان الروحي من أن ينظر إلى الحاضر المتعب الذي أمامه، فإنه ينظر بعين الرجاء إلى المستقبل المبهج الذي يعدّه الرب له.
وهو لا ينظر إلى المتاعب مجردة بدون عمل الله، الذي يقدر أن يحول الشر إلى خير. والإنسان الروحي إذا شعر بضعفه، يؤمن بالرجاء أن قوة الله سوف تدركه. ويعرف تمامًا أن الذي لا تستطيعه حكمته كإنسان، فإن حكمة الله تقدر عليه. ويؤمن أنه في الحياة ليس وحده، بل هو محاط بمعونة إلهية. وقوات سمائية تحيط به، وقديسون يتشفعون فيه؟
لكي يمتلئ قلبك بالرجاء يا أخي القارئ ينبغي أن تثق بأن الله يحبك أكثر مما تحب نفسك.
وأنه يعرف ما هو الخير لك أكثر مما تعرف أنت بما لا يقاس. ولا بد أن تعلم أنك في يد الله وحده، ولست في أيدي الناس، ولا في أيدي التجارب والأحداث، ولا في أيدي الشياطين. وعليك أن تؤمن أَيْضًا أن الله يعتني بك، ويحفظك من كل سوء، ويحفظ دخولك وخروجك، وينقذك من كل شر. وتؤمن أنه هو الراعي الصالح الذي يرعاك. ويمنحك كل احتياجاتك فلا تحتاج إلى شيء.
وإن كنت في مشكلة، فمن المريح لك أن تنتظر الله الذي سينقذك منها.
ولا تنتظر عمل الرب من أجلك، وأنت متضجر ومتذمر! ولا تسخط وتقول: لماذا لم يعمل الرب حتى الآن؟! أين محبته؟ أين رعايته؟ ولا ينبغي أن تشك في قيمة صلاتك وفاعليتها، إن مضى وقت ولم تصل إلى الاستجابة!! واعرف أن الإنسان المضطرب أو اليائس أو الخائف أو المنهار، يدل على أنه فاقد الرجاء. أما الأبرار فإنهم كلما حاربهم الشيطان بالقلق أو بالاضطراب، فإن قوة الرجاء تتجدد فيهم من تذكرهم لمواعيد الله السابقة وصفاته الإلهية المحبوبة باعتباره الحافظ والساتر والمعين، الله الحنون المحب صانع الخيرات الذي لا يغفل عن أحد. إن عنايته بنا فائقة وشاملة، وحكمته هي فوق إدراكنا البشري.
في حياة الرجاء نثق أن الله يعطينا باستمرار دون أن نطلب، وقبل أن نطلب فكم بالحري إذا طلبنا.
ونحن نثق أَيْضًا أن الله يعطينا ما ينفعنا، وليس حرفية ما نطلبه. لأنه ربما تكون بعض طلباتنا غير نافعة لنا فنتعب. لذلك في حياة الرجاء لا بد أن نثق بحكمة الله في تدبيره لحياتنا. وهناك أمور كثيرة لا ندريها، وهي معروفة ومكشوفة أمام الله. ربما الذي تطلبه يا أخي، لا يكون مناسبًا لك ولا نافعًا لك. وربما الوقت الذي تحدده لاستجابة طلبك، يعرف الله تمامًا أنه غير صالح، ويرى أن تأجيل الاستجابة أفضل.
لذلك تواضَع واترك لحكمة الله أن تتصرف! وانتظر في ثقة... إننا أحيانًا نضع حلولًا للأمور، واثقين أنها أفضل الحلول، أو أنها الوحيدة النافعة؟ وربما يكون في تدبير الله حل آخر لم يخطر لنا على بال، هو أفضل بما لا يقاس من كل تفكيرنا. فننتظر إذًا حل الله في رجاء.
أتذكر بهذه المناسبة أن إحدى الفتيات جاءت تشكو إليَّ من أن كل عريس يأتي إليها يمضي ولا يعود. فقلت لها: ربما أن الله يعد لك عريسًا أفضل من كل أولئك يسعدك بدلًا من الذين يمضون ولا يعودون.
في حياة الرجاء نؤمن أن الله قادر على كل شيء، وأنه باستمرار يعمل لأجلنا، وأنه ينقذنا من كل ضيق.
لقد اختبر داود النبي ذلك، فقال في أحد مزاميزه: "نَجَتْ أنْفُسُنا مِثْلَ العُصْفورِ مِنْ فَخِّ الصَّيّادينَ، الفَخُّ انْكَسَرَ ونَحْنُ نَجَوْنا. عَوْنُنا باِسْمِ الرَّبِّ، الَّذي صَنَعَ السَّماءَ والأرْضَ" (مز123).
لذلك فالإنسان الذي يرجو الرب، يكون دائمًا في اطمئنان. إنه ليس فقط يؤمن أن الله سيعمل في المستقبل، إنما يؤمن تمامًا أن الله يعمل الآن حتى إن كان لا يرى هذا العمل. ولكنه يثق تمامًا بعمل الله حاليًا.
إن الطائرة قد تبدو لمن يستخدمها لأول مرة، أنها واقفة في الجو! بينما تكون في سرعة أكثر من 800 كم في الساعة. ولكنها تبدو له كما لو كانت واقفة! وبعض المراوح الشديدة الحركة تبدو متوقفة، وهي في أقوى درجة من السرعة. وهكذا الله يعمل، وأنت لا تراه يعمل، لكن تؤمن بذلك. ويكون لك رجاء في نتيجة عمله الإلهي التي ستراها بعد حين.
على أن البعض ربما يفقد الرجاء بسبب ما يظن أنه تأخير في استجابة الله له! فربما يكون السبب فيما يظنه تأخيرًا، هو أن الله يعد له بديلًا أفضل مما يطلبه.
وربما يكون السبب أن ما نناله بسرعة لا نشعر بقيمته! وقد لا نشكر عليه! فإن (تأخرت) الاستجابة يزداد تعلقنا بما نطلبه ونشعر بقيمة تحقيقه. ولذلك نحرص على ما نلناه فلا نفقده بسرعة.
وربما يكون السبب فيما نظن أنه تأخير، هو أننا نطلب وقلوبنا بعيدة عن التوبة. فلا نستحق الاستجابة بسرعة. وإنما علينا قبل أن نطلب أن نرجع إلى الله لكي نستحق ما نحتاج إليه. كما يحسن بنا أن نعرف أن الضيقات هي مدرسة الصلاة. ولرفع القلب إلى الله ولذلك هي لفائدتنا سواء عرفنا أو لم نعرف.
ختامًا علينا أن نحيًا حياة الرجاء، ونثق بعمل الله لأجلنا سواء كنا نستحق أو لا نستحق.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نُشر في جريدة الأهرام، بتاريخ 2 مايو2010م
فرحًا مع الفرحين
فرحًا مع الفرحين[1]
يقول الرسول: "فَرَحًا مَعَ الْفَرِحِينَ".
فأي نوع من الفرح يقصد؟
لا يقصد أن تفرح مع الفرحين في لهوهم العالمي وعبثهم وفسادهم!
فعن هذا قال المرتل في المزمور الأول عن الرجل البار إنه: "فِي مَجْلِسِ الْمُسْتَهْزِئِينَ لَمْ يَجْلِسْ" (مز1:1) فالإنسان الروحي لا يشترك في الأفراح الماجنة التي تبعده عن الله. وإنما يشترك مع الفرحين فرحًا طاهرًا داخل محبة الله...
ويكون فرحه مع الناس فرحًا عمليًا وليس مجرد عاطفة بلا ثمر.
كما قيل عن السيد المسيح: "فِي مَا هُوَ قَدْ تَأَلَّمَ مُجَرَّبًا يَقْدِرُ أَنْ يُعِينَ الْمُجَرَّبِينَ" (عب2: 18). نعم، يعينهم، وليس مجرد أن يرثي لهم، أو أن يشفق عليهم وهذا هو المعنى العميق كعبارة "بُكَاءً مَعَ الْبَاكِينَ"! وهذا ما قصده السيد بمثل السامري الصالح في إشفاقه العملي (لو10).
وهذا ما فعله الرب مع يونان النبي في غمّه، ومع إيليا النبي أَيْضًا.
لم يكن الأمر مجرد إشفاق نظري وإنما يقول الكتاب: "أَعَدَّ الرَّبُّ الإِلَهُ يَقْطِينَةً فَارْتَفَعَتْ فَوْقَ يُونَانَ لِتَكُونَ ظِلًا عَلَى رَأْسِهِ لِيُخَلِّصَهُ مِنْ غَمِّهِ" (يون4: 6). ثم جذب الله يونان عمليًا للتصالح معه لما حزن يونان على اليقطينة حينما يبست (يون4: 7-11).
ولما هرب إيليا النبي من وجه إيزابل الملكة الشريرة، وطلب الموت لنفسه "وَإِذَا بِمَلاَكٍ قَدْ مَسَّهُ وَقَالَ: قُمْ وَكُلْ". فإذا أمامه كعكة وكوب ماء. فأكل وشرب، "ثُمَّ عَادَ مَلاَكُ الرَّبِّ ثَانِيَةً فَمَسَّهُ وَقَالَ: قُمْ وَكُلْ لأَنَّ الْمَسَافَةَ كَثِيرَةٌ عَلَيْكَ" (1مل19: 5، 7). ثم ظهر له الله، وكلمه وعزاه وبلّغه رسالة يقوم بها (1مل19: 13-18).
إنها ليست مجرد مشاعر إنما معونة عملية.
يضرب لها القديس يعقوب الرسول مثلًا في حديثه عن الإيمان والأعمال: فيقول: "إِنْ كَانَ أَخٌ وَأُخْتٌ عُرْيَانَيْنِ وَمُعْتَازَيْنِ لِلْقُوتِ الْيَوْمِيِّ، فَقَالَ لَهُمَا أَحَدُكُمُ: امْضِيَا بِسَلاَمٍ، اسْتَدْفِئَا وَاشْبَعَا، وَلَكِنْ لَمْ تُعْطُوهُمَا حَاجَاتِ الْجَسَدِ، فَمَا الْمَنْفَعَةُ؟" (يع2: 15، 16) تصرفهما في هذا الإشفاق النظري، هو كالإيمان الذي بدون أعمال الذي قال عنه الرسول إنه: "مَيِّتٌ فِي ذَاتِهِ" (يع2: 17).
يقول القديس بولس الرسول عن التفاعل العاطفي مع التعابى.
"اُذْكُرُوا الْمُقَيَّدِينَ كَأَنَّكُمْ مُقَيَّدُونَ مَعَهُمْ، وَ(اذكروا) الْمُذَلِّينَ كَأَنَّكُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا فِي الْجَسَدِ" (عب13: 3).
إنه الشعور بأحاسيس الآخرين، والاشتراك معهم في مشاعرهم، كأن حالتهم هي حالتنا نحن تمامًا، وكأننا نعاني ما يعانونه، ألسنا جميعًا جسدًا واحدًا؟! وهكذا يقول الرسول أَيْضًا: "مَنْ يَضْعُفُ وَأَنَا لاَ أَضْعُفُ؟ مَنْ يَعْثُرُ وَأَنَا لاَ أَلْتَهِبُ؟" (2كو11: 29).
وتظهر المشاعر النبيلة لهذا القديس نحو أنسيمُس عبد فليمون.
فيرسل إلى سيّده فليمون قائلًا: "أَطْلُبُ إِلَيْكَ لأَجْلِ ابْنِي أُنِسِيمُسَ، الَّذِي وَلَدْتُهُ فِي قُيُودِي، الَّذِي كَانَ قَبْلًا غَيْرَ نَافِعٍ لَكَ، وَلَكِنَّهُ الآنَ نَافِعٌ لَكَ وَلِي... فَاقْبَلْهُ، الَّذِي هُوَ أَحْشَائِي... لاَ كَعَبْدٍ فِي مَا بَعْدُ، بَلْ أَفْضَلَ مِنْ عَبْدٍ: أَخًا مَحْبُوبًا... ثُمَّ إِنْ كَانَ قَدْ ظَلَمَكَ بِشَيْءٍ، أَوْ لَكَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَاحْسِبْ ذَلِكَ عَلَيَّ. أَنَا بُولُسَ كَتَبْتُ بِيَدِي. أَنَا أُوفِي" (فل10-19).
أنسيمُس هذا هو كشخصي، مشكلته مشكلتي، وديونه ديوني...
بل ما أجمل وأعمق شعور السيد المسيح نحو التعابى والمحتاجين.
إذ يقول: "بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هَؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ فَبِي فَعَلْتُمْ" (مت25: 40). ويفصل هذا الأمر فيقول: "جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي. عَطِشْتُ فَسَقَيْتُمُونِي. كُنْتُ غَرِيبًا فَآوَيْتُمُونِي. عُرْيَانًا فَكَسَوْتُمُونِي. مَرِيضَا فَزُرْتُمُونِي. مَحْبُوسًا فَأَتَيْتُمْ إِلَيَّ" (مت25: 35، 36).
لهذا فنحن نطوب كل القائمين بأمثال هذه الخدمات: مثل ذلك جمعيات الإسعاف التي تخف لنجدة وإنقاذ كل جريح ومريض، وكذلك جمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، وكل هذه الهيئات التي تقوم بأعمال الإغاثة، ومثلهم أَيْضًا جميع العاملين في الخدمات الاجتماعية، كالملاجئ، ولجان البر، والمشرفين على العناية بالفقراء، والمغتربين والمسنين، وأصحاب الأمراض المستعصية، وما أشبه... على أن يكون بروح التعاطف والحب وبمشاعر نبيلة حسّاسة.
نطبق أَيْضًا عبارة "فَرَحًا مَعَ الْفَرِحِينَ" على سكان السماء الذين ينتظروننا متى نكمل جهادنا وننضم إليهم.
أعني الملائكة وأرواح القديسين، الذين في شوق وحب ينتظرون اليوم الذي ننطلق فيه من الجسد، لنشترك جميعًا في الفرح، وكما قال الرسول: "فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الْخَلِيقَةِ تَئِنُّ وَتَتَمَخَّضُ مَعًا إِلَى الآنَ... نَحْنُ أَنْفُسُنَا أَيْضًا نَئِنُّ... مُتَوَقِّعِينَ التَّبَنِّيَ فِدَاءَ أَجْسَادِنَا" (رو8: 22، 23).
إن الأب الكاهن مثل عجيب في تطبيق قول الرسول: "فَرَحًا مَعَ الْفَرِحِينَ وَبُكَاءً مَعَ الْبَاكِينَ".
هكذا هو في مشاركته للناس، في زياراته وافتقاداته لهم، وفيما يؤديه من صلوات وطقوس. يصلي في جناز، مشاركًا الناس في مشاعرهم الحزينة، ويخرج منه إلى خطوبة أو زفاف، ليفرح مع أهل العرس في أفراحهم. فهو يهنئ أسرة، ويعزّي أخرى. وربما يحدث هذا في نفس اليوم..!
إن قلب الكاهن يشبه الزئبق في الترمومتر، يرتفع وينخفض، حسب الحرارة والبرودة. الزئبق هو هو، ولكنه يتغير حسب الفم الذي يوضع فيه، بما يتصف به من صحة أو مرض. إنه مثل صادق لتطبيق هذه الآية: "فَرَحًا مَعَ الْفَرِحِينَ وَبُكَاءً مَعَ الْبَاكِينَ".
إنه يندمج مع الناس في كل مشاعر حياتهم. وإن زار شخصًا واقعًا في مشكلة، يتفاهم معه قائلًا: هلم نبحث الأمر معًا: ماذا نعمل لكي نحل هذه المشكلة؟ ولا يقول له ماذا تعمل، بل ماذا نعمل؟ إنه شريك له في الشعور وفي العمل.
[1] جزء من مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نُشر في جريدة وطني، بتاريخ 13 سبتمبر 1998م
ونحن دائما فرحون
ونحن دائما فرحون[1]
ما أعجب السلام القلبي الذي كان يتمتع به الرسول القديس وسط ضيقاته الكثيرة وسوء معاملات الناس له هو وزملاؤه ومعاونوه!
إنه يسجل بعضًا من ذلك فيقول: "كَمُضِلِّينَ وَنَحْنُ صَادِقُونَ، كَمَائِتِينَ وَهَا نَحْنُ نَحْيَا، كَحَزَانَى وَنَحْنُ دَائِمًا فَرِحُونَ، كَأَنْ لاَ شَيْءَ لَنَا وَنَحْنُ نَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ" (2 كو6: 8-10). "مُكْتَئِبِينَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، لكِنْ غَيْرَ مُتَضَايِقِينَ... مُضْطَهَدِينَ، لكِنْ غَيْرَ مَتْرُوكِينَ" (2كو4: 8، 9).
ولم تكن متاعب قليلة، تلك التي تعرض لها بولس العجيب. وإنما كان "فِي الأَتْعَابِ أَكْثَرُ، فِي الضَّرَبَاتِ أَوْفَرُ" تحيط به الأخطار من كل ناحية: من اليهود، ومن الأمم، ومن أخوة كذبة (2كو11). وهو يقابل كل كذلك بالفرح والسرور، قائلًا: "لِذلِكَ أُسَرُّ بِالضَّعَفَاتِ وَالشَّتَائِمِ وَالضَّرُورَاتِ وَالاضْطِهَادَاتِ وَالضِّيقَاتِ لأَجْلِ الْمَسِيحِ. لأَنِّي حِينَمَا أَنَا ضَعِيفٌ فَحِينَئِذٍ أَنَا قَوِيٌّ" (2كو12: 10).
هذا الفرح العجيب هو ثمر للروح القدس الساكن في بولس. لأن من ثمار الروح "مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلاَمٌ" (غلا5: 22). هذا الفرح يعطيه الرب لكل العاملين معه، فهكذا وعدهم: "تَفْرَحُ قُلُوبُكُمْ، وَلاَ يَنْزِعُ أَحَدٌ فَرَحَكُمْ مِنْكُمْ" (يو16: 22). وقال لهم أَيْضًا: "سَلاَمًا أَتْرُكُ لَكُمْ. سَلاَمِي أُعْطِيكُمْ. لاَ تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ وَلاَ تَرْهَبْ" (يو14: 27). إن أهل العالم تقلقهم الضيقات وتزعجهم لأنهم لا يشعرون بوجود الله معهم. أما أولاد الله، فهم دائمًا فرحون... ولا ينزع أحد فرحهم منهم.
إن المتاعب تعصف خارجهم دون أن تقوى على الدخول إلى أعماقهم. إنهم كالسفن الكبيرة التي تمخر عباب المحيط. تضطرب الأمواج حولها، وهي سائرة في رصانة حول هدفها، طالما المياه ما تزال في الخارج.
احذروا يا إخوتي من أن تدخل المياه إلى أنفسكم "كُونُوا رَاسِخِينَ، غَيْرَ مُتَزَعْزِعِينَ، مُكْثِرِينَ فِي عَمَلِ الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، عَالِمِينَ أَنَّ تَعَبَكُمْ لَيْسَ بَاطِلاً فِي الرَّبِّ" (1كو15: 58).
[1] تأمل لقداسة البابا شنوده الثالث نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ نوفمبر 1965م
أسئلة عن الفرح
كيف أتخلص من الحزن؟[1]
سؤال:
انتقل والدي إلى السماء منذ سنتين، ومن وقت انتقاله تغيّرت وأصبحت إنسان آخر. كنتُ قبل ذلك إنسان مرح جدًا والآن حزني فاق كل فرح. كيف أتخلص من هذا الحزن لكي أعود إنسان مرح مرة أخرى مثلك يا سيدنا؟
الجواب:
عندما يفقد الشخص والده، يجب أن يعرف أنه انتقل إلى حياة أفضل، فلا يحزن عليه. وإلا ما تكون فائدة الصلاة التي نصليها من أجل الموتى. ونطلب من ربنا أن يفتح لهم أبواب السماء والرحمة لكي يتمتعوا؟!
أَيْضًا كل إنسان في الدنيا يأتي عليه وقت يفقد والديه، فهل يظل كل الناس حزانى في العالم؟! غير معقول!
كذلك ينبغي أن يكون فرحك بعلاقتك بربنا. وتذكر أن الكتاب يتكلم عن ثمار الروح في (غلا5: 23،22) يقول: "وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلاَمٌ". فلا بد أن نهتم بثمار الروح المحبة والفرح والسلام، فلا نفقد الفرح ويكفي عليك سنتيّ الحزن الماضتين واجعل الموت يعلمك الجدية وليس النكد.
الانفعال بالفرح والحزن[2]
سؤال:
هل انفعال الإنسان بالفرح أو الحزن هو من خصائص النفس البشرية؟ أم من خصائص الروح؟ أم الجسد في الإنسان؟
الجواب:
يوجد فرح روحي، وفرح نفسي. وحزن روحي، وحزن نفسي. يتوقف على الحالة. فالفرح الروحي هو الفرح الذي تفرح فيه الروح بنِعَم ربنا، وبالفضيلة، وبالبِرّ، وبالشَركة مع الله، وبالأوقات المقدسة التي تحيا فيها.
الفرح النفساني؛ مثل فرح طفل بلعبة، أو فرح شخص وجد ثروة، أو مال، أو كسب أمر مادي. هذا ليس فرح روحاني، بل فرح نفساني. مثل الغني الغبي عندما قال: "أَعْمَلُ هذَا: أَهْدِمُ مَخَازِنِي وَأَبْنِي أَعْظَمَ، وَأَجْمَعُ هُنَاكَ جَمِيعَ غَّلاَتِي وَخَيْرَاتِي وَأَقُولُ لِنَفْسِي: يَا نَفْسُ لَكِ خَيْرَاتٌ كَثِيرَةٌ، مَوْضُوعَةٌ لِسِنِينَ كَثِيرَةٍ. اِسْتَرِيحِي وَكُلِي وَاشْرَبِي وَافْرَحِي!" (لو12: 18، 19).
أَيْضًا من صفات الفرح النفساني أنه الفرح بالمادة. مثل سليمان الحكيم في سفر الجامعة الإصحاح الثاني عندما قال: "بَنَيْتُ لِنَفْسِي بُيُوتًا، غَرَسْتُ لِنَفْسِي كُرُومًا.. اتَّخَذْتُ لِنَفْسِي مُغَنِّينَ وَمُغَنِّيَاتٍ.. لَمْ أَمْنَعْ قَلْبِي مِنْ كُلِّ فَرَحٍ، فَإِذَا الْكُلُّ بَاطِلٌ وَقَبْضُ الرِّيحِ، وَلاَ مَنْفَعَةَ تَحْتَ الشَّمْسِ"، كل هذا كان فرح نفساني لم يكن فرح روحاني.
الفرح الروحاني، هو الذي تفرح فيه الروح بالرب، الموجود في (فيلبي4:4) "اِفْرَحُوا فِي الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، وَأَقُولُ أَيْضًا: افْرَحُوا".
فالفرح في الرب هو الفرح الروحاني.
السلام والكآبة[3]
سؤال:
هل يمكن أن يوجد سلام وتوجد كآبة وحزن في نفس الوقت؟
الجواب:
الحالة الوحيدة التي يوجد فيها سلام مع كآبة هي حالة التوبة التي يحزن فيها الإنسان على خطاياه، وفي كآبته على خطاياه يكون قلبه مملوءًا بالسلام الداخلي. لكن الكآبة التي هي مرض نفساني لا يمكن أن يكون معها سلام داخلي.
عندما يبكي إنسان على خطاياه يشعر بسلام، لكن إنسان زهقان تعبان ويائس من الحياة وكئيب، وكل شيء بالنسبة له سبب تعب وحزن واضطراب وقلق وضيق.. هذا لا يمكن أن يكون عنده سلام داخلي أبدًا...
نطلب لكم جميعًا سعادة حقيقية.
_____*_______*_______*______
الفرح في التوبة[4]
سؤال:
كيف يرتبط الإنسان الروحي بالشعور بالفرح والنصرة في المسيح مع الشعور بالانسحاق والحزن على الخطايا؟
الجواب:
الحزن على الخطايا لا يستمر طول العمر طبعًا، وإلا تصبح الحياة كلها كآبة.
لكن فيما تشعر بأنك خاطئ ومُنسحق اشكر ربنا الذي أعطاك المغفرة.. وحمل خطاياك، واخلط بين الاثنين، قل: أنا خاطئ لكن أنا فرحان إنك يا رب غفرت خطيتي.
_____*_______*_______*______
دوام الفرح[5]
سؤال:
عندما أدخل الكنيسة وأحضر قداس أشعُر بفرح ومتعة، ولكن عندما أخرج من الكنيسة أفقد هذا الإحساس. ماذا أفعل لكي يكون إحساسي وشعوري كما هو داخل الكنيسة كذلك خارجها؟
الجواب:
قبل أن تخرج من الكنيسة اجعل في قلبك وفكرك صلاة مُعينة أو تأمُلاً روحيًا، ولا تنشغل بشيء آخر يضيع منك الإحساس الروحي، وإلا تكون مثلما قيل في مثل الزارع عن البذار التي وقعت وخطفها الطير (لو8). لا تسمح لشيء أن يخطف الإحساس الروحي، وباستمرار اجعل قلبك مع ربنا، وذلك إنك قبل الخروج من الكنيسة تُمهد لهذا الفكر عندك، وعندما تقابل أحد في الطريق لا تكلمه كلامًا يفقدك الشعور الروحي.
منذ زمان كان الدخول إلى الهيكل بالصلوات، كانت هناك مزامير اسمها مزامير الصعود، يتلونها وهم صاعدون الجبل للصلاة في الهيكل. كثير منها موجود في صلاة الغروب، لذلك مزامير الغروب سموها مزامير المصاعد يعني يقولوها وهم صاعدون، كذلك ينبغي ساعة الخروج يكون أَيْضًا الفكر الروحي موجود عندك، وإن قلت مزمور "خبأت كلامك في قلبي"، أي لن أسمح أن هذا الشعور يضيع مني وإنما خبأته في قلبي.
وهذه مشكلة بعض الناس الذين أحيانًا يأتون إلى الكنيسة مع بعضهم البعض، ثم يخرجون يتسامروا ويتكلموا في أي أمور أو أخبار تضيع منهم الفكر الروحي.
_____*_______*_______*______
ضياع مشاعر الفرح[6]
سؤال:
من فضلك صلي لي لأني كرهت نفسي، وعيشتي، وحياتي كلها.. وضاعت مني كل الأحاسيس الحلوة والسيئة! وأصبحت كلها بدون طعم، ولا لون، ولا رائحة.
الجواب:
لا يا ابنتي...
ربما تكون فترة طارئة مرت عليكِ لأسباب معينة، وربنا قادر أن يُرجِع إليكِ السلام القلبي والفرح.
ونصيحتي لكِ لا تُفكري فقط في النقط السوداء التي مرت عليكِ في حياتك، لكن ابحثي عن النقط البيضاء في الحياة وتذكريها واشكري ربنا عليها.
غير معقول أن تكون حياتك كلها كانت قاتمة!! لا بد أن تكون فيها أشياء كثيرة حسنة صنعها ربنا معك.
إذا كان داود النبي وهو من أكثر الناس الذين بكوا قال لربنا: "دموعي في زقٍ عندك" (مز56: 8). وقال له: "أنصت إلى دموعي"، "لاَ تَسْكُتْ عَنْ دُمُوعِي"... هو نفسه داود قال: "بَارِكِي يَا نَفْسِي الرَّبَّ، وَلاَ تَنْسَيْ كُلَّ حَسَنَاتِهِ" (مز103: 2).
إنه على الرغم من حياة البكاء التي عاش فيها، كان يتذكر كثيرًا من الحسنات في حياته محتاج أن يشكر ربنا عليها.
فعلى الأقل اشكري ربنا أنك تأتين إلى الاجتماع، وتقدمين أسئلة، غيرك ييأس ولا يدخل الكنيسة نهائيًا!! هذه من النقاط البيضاء عندك...
إن شاء الله ربنا ينزع منك النقط السوداء، ويفرحك في حياتك، (ولا تظلي متعبة طول الوقت).
_____*_______*_______*______
إحساس باليأس الشديد[7]
سؤال:
أنا تعبانة جدًا ودائمًا في حزن شديد وأصبحت لا أذهب للكنيسة ولا الاعتراف ولا أتقدم للتناول. وعندي إحساس باليأس الشديد وحاولت كثيرًا الانتحار، ماذا أفعل؟
الجواب:
النساء هكذا دائمًا، الرجل إذا وقع في مشكلة يفكر كيف يخرج من المشكلة، لكن البنت إذا وقعت في مشكلة تظل تبكي على المشكلة أو تيأس أو تتعب.. إلى آخره.
أريد أن أقول لك: يا ابنتي هل اليأس يحل لكِ المشكلة؟ هل التعب والحزن والبكاء يحل لك المشكلة؟ هل الانتحار يحل لك المشكلة؟
تعقّلي، وكوني كالرجل، أي اسلكي بعقلية الرجل وإذا وقعتِ في مشكلة لا تجعليها تسيطر عليكِ وتتعبك وتحبطك، وتبكيكِ.. وتكون مصدر نكد لكِ ولمن حولك، وإنما فكري كيف تخرجين منها، وإن لم تعرفي استشيري أشخاص أكبر منك، أو صلي واتركيها لربنا، وبالوقت ستحل.. وربنا عنده حلول كثيرة.
لكن اليأس والتعب ... لن يفيدك.
تقول: لا أحس بطعم الحياة بل دائمًا في بكاء شديد وحزن لا نهاية له.
إن شاء الله تكونين بخير، وربنا يمسح كل دمعة من عينيكِ، ويعطيكِ حياة البهجة والسرور والفرح، وعيشي فرحة، لأن من ثمار الروح "مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلاَمٌ"، فمن ثمار الروح "الفرح والسلام"، والرسول يقول: "اِفْرَحُوا فِي الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، وَأَقُولُ أَيْضًا: افْرَحُوا" لذلك كوني دائمًا فرحة ومسرورة، وإن كان هناك ما يتعبك ممكن أن ترسلي إليَّ، والرب قادر أن يهبك السلام الداخلي والفرح به.
_____*_______*_______*______
بكآبة الوجه يصلح القلب[8]
سؤال:
ما معنى آية: "اَلْحُزْنُ خَيْرٌ مِنَ الضَّحِكِ، لأَنَّهُ بِكَآبَةِ الْوَجْهِ يُصْلَحُ الْقَلْبُ" (جا7: 3)؟
الجواب:
طبعًا كآبة الوجه في وقت التوبة، ومحاسبة النفس، ولوم النفس، وفي وقت الانسحاق.
لكن لا تعش طول حياتك كئيبًا وتجلب الكآبة لمن يراك. وتقول: بِكَآبَةِ الْوَجْهِ يُصْلَحُ الْقَلْبُ. لكن ضع إلى جانبها آية "اِفْرَحُوا فِي الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، وَأَقُولُ أَيْضًا: افْرَحُوا"، وآية "أَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلاَمٌ" (غلا5: 22). وآيات أخرى كثيرة عن الفرح.
إن الإنسان الحكيم ينتبه إلى قول الجامعة: "لِكُلِّ شَيْءٍ زَمَانٌ، وَلِكُلِّ أَمْرٍ تَحْتَ السَّمَاوَاتِ وَقْتٌ. لِلْبُكَاءِ وَقْتٌ وَلِلضَّحْكِ وَقْتٌ" (جا3: 1، 4). فلا يجعل حياته كلها ضحكًا ولا يجعل حياته كلها كآبة. في أوقات تكتئب أمام الله وتبلل فراشك بدموعك. وفي أوقات تفرح بالرب وبخلاصه "وَتَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ مُخَلِّصِي" (لو1: 47). ويكون من ثمر الروح محبة وفرح وسلام. لذا افهم كل آية في موضعها.
_____*_______*_______*______
الحزن المقدس[9]
سؤال:
"اَلْحُزْنُ خَيْرٌ مِنَ الضَّحِكِ، لأَنَّهُ بِكَآبَةِ الْوَجْهِ يُصْلَحُ الْقَلْبُ" (جا7: 3) ما نوعية هذا الحزن وكيف تكون الكآبة التي بها يُصلح القلب؟ كيف أستطيع أن أطبق هذه الآية في حياتي الروحية؟
الجواب:
أريد أن أوضح ملاحظتين على الأقل في الحزن وكآبة الوجه...
أول ملاحظة: أن الحزن المقدس يكون طبيعيًا وليس مصطنعًا.
ثانيًا: كآبة الوجه هذه تكون بينك وبين الله وليست بينك وبين الناس.
أولًا: لا تصطنع الحزن، لا تتظاهر به، ولا ترغم نفسك عليه. لأن الحزن مجرد مظهر لشعور القلب من الداخل، وشعور القلب من الداخل إما إنسان حزين على خطاياه وتقصيره. وإما إنسان حزين على خطايا وضياع العالم. نتيجة لقلب حساس من الداخل حزينًا على الضياع الموجود.
ولنفرض أن إنسانًا ليس لديه هذه الحساسية لا من جهة نفسه ولا من جهة الناس، وإذا اصطنعها ستكون بلا معنى. فلا تأخذ المظاهر من الخارج إنما خذ القلب من الداخل أولًا. ليكن لك القلب الحساس الذي يفكر في عمق الضياع الموجود في العالم، والخطية الموجودة في قلبه ويحزن أنه أحزن قلب الله.. إلى آخره.
ثانيًا: نحن لا نريد أن نعطي الناس فكرة عن أن الذي يسير مع الله يعيش كئيبًا. وتجد من أول معرفة طريق ربنا، يبدأ الحزن والنكد فوق رأسه وحالته تعبانة، وينفر الناس من المسيحية من أجل هذا.
وربما إنسان يكون قلبه حزين على خطاياه ويقابل الناس ببشاشة وبفرح، ويعطي فكرة للناس أن الحياة الروحية تملأ القلب بالفرح. والكتاب يقول: "اِفْرَحُوا فِي الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، وَأَقُولُ أَيْضًا: افْرَحُوا". ويقول: "أَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلاَمٌ".
القديس أرسانيوس كان مشهورًا بالدموع جدًا لدرجة من كثرة دموعه تساقطت رموش عينيه، ومن كثرة دموعه صار له مثل أخدودين على خده. ومع ذلك حينما كان يقابل الناس كان بشوشًا.
ما ذنب الناس أن تقابلهم عابسًا حزينًا وباكيًا، وتحزنهم معك.
كلمة لطيفة قالها أحد الروحيين.. قال: "ما أنبل القلب الحزين الذي يستطيع أن يغني أغنية مع القلوب الفرحة" لأن الكتاب يقول: "فرحًا مع الفرحين".
فلا نأخذ الآيات بحرفيتها إنما بروحها.
بينك وبين ربنا اغلق مخدعك، اغلق بابك وابكِ أمام الله كما تشاء. وإن قابلت الناس كن فرحًا ومبتهجًا وبشوشًا، واجعل الحزن المقدس يعطيك سلامًا. لأن الذي يفقد سلامه لا يستفيد من الناحية الروحية ولا من الناحية النفسية لأن الكآبة مرض.
أما الحزن المقدس: لا يفقد الإنسان الفرح بل يعطيه فرح وسلام.
لكن بكآبة الوجه يُصلح القلب لا تعني النكد والعبوس المستمر، وإنسان يكلمك كلمة لطيفة بوجه بشوش تكشّر في وجهه، وتظن أنك صرت قديسًا، وتُحزن "تعكنن على الناس" وتقول: هذه القداسة أنه بكآبة الوجه يُصلح القلب..!
بالعكس، بل املأ الدنيا فرحًا وسلامًا واجعل كآبتك بينك وبين الله في مخدعك الخاص. وافرح بالرب أَيْضًا.
_____*_______*_______*______
مظاهر الفرح[10]
سؤال:
"اِفْرَحُوا فِي الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، وَأَقُولُ أَيْضًا: افْرَحُوا" (في4:4) ما معنى افرحوا في الرب؟ هل هو فرح ظاهري أم أن أي فرح داخلي له مظاهر خارجية؟ لقد رأيت أشخاصًا فرحين وهم يرتلون، فهل هذا تنفيذ لما قاله بولس الرسول؟
الجواب:
الفرح بالرب يعني فرح بسكنى الله فيك، فرح بعمل الله معك. فرح بعشرتك مع الله، فرح بالتوبة والخلاص، فرح في الرجاء الموضوع أمامنا لأنه يقول: "فَرِحِينَ فِي الرَّجَاءِ".
تفرح في الرب أي تفرح بكل عمل من أعمال الرب فيك، وكل عمل معك وكل عِشرة وكل حب. الفرح لا بد أن يكون في القلب من الداخل قبل أن يظهر في الخارج. فلا بد أن قلبك يكون مملوءًا بالفرح.
وفرح كما يقول الكتاب: "لاَ يُنْطَقُ بِهِ وَمَجِيدٍ" (1بط1: 8)، غير فرح العالم. كما فرح التلاميذ عندما رأوا الرب، فرح يملأ كل القلب والفكر، ويظهر في الحياة.
ومن ثمار هذا الفرح السلام الداخلي العميق والهدوء القلبي.
ومن ثمار هذا الفرح التخلص من كل أنواع القلق والاضطراب والحيرة والحزن والكآبة والتشتت والضيق النفسي والحسر النفسي واليأس. إنسان فَرِح، سعيد بالرب باستمرار. فرحًا في الرب.
قد يظهر أَيْضًا على شكله من الخارج أنه "مبسوط"، وقد يظهر هذا الفرح في كلامه، وقد يظهر الفرح في تصرفاته وفي سلوكه اليومي، وفي سلوكه مع الآخرين، وفي إيمانه وفي رجائه. الفرح، لا يقدر الإنسان أن يخفيه.
_____*_______*_______*______
الحياة بدون فرح[11]
سؤال:
ما معنى الحياة إذا خلت من أي فرح وأصبحت كلها أحزان؟
الجواب:
الحياة لا تخلو من الفرح، لكن القلب المتعب من الداخل، لا يرى الفرح في الحياة. فالعيب في القلب وليس في الحياة. الإنسان الذي قلبه من الداخل سعيد كل شيء في الدنيا يفرّحه، بولس الرسول كان يغني ويرتل ويسبح وهو في السجن الداخلي ورجلاهُ مربوطتان بمقطرة.. فرحان!
كان هناك شهداء يغنون وهم ذاهبون إلى الاستشهاد!
الإنسان المستريح من الداخل لا يتعبه أي شيء خارجي أبدًا. بولس الرسول كذلك يقول: "كَحَزَانَى وَنَحْنُ دَائِمًا فَرِحُونَ، كَفُقَرَاءَ وَنَحْنُ نُغْنِي كَثِيرِينَ، كَأَنْ لاَ شَيْءَ لَنَا وَنَحْنُ نَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ" (2كو6: 10)، من الخارج يقول الناس عنا: مساكين وتعبانين. ولكن نحن دائمًا فرحين لذلك يقول: "اِفْرَحُوا فِي الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ وَأَقُولُ أَيْضًا افْرَحُوا" (في4:4).
أريد من صاحبة السؤال أن تفرح، ولا تظل حزينة هكذا.
علاجها أن تضحك كل يوم ولو نصف ساعة ولو بلا سبب. لماذا؟
لأنه كما يقول المثل: "الشخص المتفائل عندما يرى وردة ينظر إلى الوردة ولا ينظر إلى الشوك، أما المتشائم ينظر للأشواك ولا ينظر الوردة، والشخص الواقعي يرى الوردة وأشواكها".
فالحياة فيها أشياء كثيرة مفرحة... ولكنك لا تَرينها من أجل أن قلبك تعبان من الداخل.. نصيحتي لكِ غيّري أسلوبك في النظر إلى الحياة، وإلا ستتعقدين نفسيًا وتتعبين.
إن مَن يصابون بالاكتئاب وبعض الأمراض النفسية يرجع سببها إلى هذه النظرة الخاطئة. لذلك أول نصيحة هي تغيير أسلوب النظر إلى الحياة.
ثانيًا: البحث عن النقاط البيضاء الطيبة في كل شيء يحدث. وعدم طلب ما هو غير ممكن لأن الإنسان عندما يطلب أمورًا غير ممكنة يتعب.
ثالثًا: الثقة في رعاية ربنا وفي جمال الحياة وفي الهدف الطيب.
رابعًا: الانشغال بعمل مفيد بدلًا من التفكير في الأحزان، الإنسان المشغول دائمًا بالعمل والإنتاج والخدمة غير متفرغ للتفكير في الحزن...
بعض المرضى بأمراض نفسية أحيانًا تكون الأعراض أنه يغلق على نفسه ويفكر. لذلك في مستشفيات الأمراض النفسية يشغلون المرضى بالعمل، حتى لا يفكر في أتعابه.
لذا عندما يعمل وينتج الإنسان يشعر أن الحياة لها طعم، فيفرح ويزول سبب الاكتئاب.
_____*_______*_______*______
يشعر دائمًا بالحزن[12]
سؤال:
أكتب رسالتي هذه - وهي ثالث مرة - وأنا في حيرة شديدة من أمري. إنني أشعر بالعذاب، لأنني عندما أذهب إلى أي مكان فيه فرح أشعر أن الفرح تحول إلى حزن ونكد. وأشعر أنه لا بد من وجود المشاكل أثناء وجودي أو بعد خروجي، وأنا شاب أبلغ من العمر 23 عامًا وأشعر بالحزن والخوف واليأس، وليس لي إنسان غيرك في الدنيا ممكن أن أشرح له مشاكلي الشخصية.
الجواب:
يا ابني، عندما تذهب إلى مكان فرح لماذا تكون في نكد؟ وإذا كنت خائف على أقاربك من أن تنكّد عليهم.. لا تذهب.
لكن إذا كنت خائف على نفسك فلن يحدث لك شيء. ولا داعي من النظرة السوداء!
يوجد أشخاص في حياتهم نظرة سوداوية، يتشاءمون باستمرار، النور أمامهم ظلام، والفرح أمامهم حزن. والبهجة أمامهم ممكن أن تنقلب لضيقة، والضيقة ممكن أن تنقلب ليأس، واليأس ممكن أن ينقلب إلى جنون، والدنيا باستمرار في نظرهم لونها أسود.
أنت شاب يا حبيبي، في الثالثة والعشرين من عمرك ما زلت في مُقتَبَل الحياة. يا ليتك تكون مبتسمًا للحياة أكثر.
لا يصح أبدًا أن تنحصر في نظرة "الصورة السوداء" باستمرار. أنا دائمًا أكلمكم عن الرجاء وعن الفرح بربنا، وباستمرار أقول لكم إن كل مشكلة لها حل، وإن الله يتدخّل في كل الأمور، وإن الإنسان يكون فرحان بربنا. لا يصح أبدًا أن يكون عند الشخص هذه الفكرة السوداء في حياته، لأنها تتعب.. تتعب نفسيًا، وصحيًا، وتتعب من الناحية الروحية أَيْضًا من ناحية الصلة بربنا. بل تتعب عقليًا وتجلب الأمراض..
كن سعيدًا، نحن وسط كل الضيقات لا يمكن أن يفارق الفرح قلوبنا أبدًا. ونشعر باستمرار أنه وسط الضيقة يجلب الله الفرح.
ليكن لك صدر واسع، فرحان بربنا..
صدقوني في فضائل عند أهل العالم، غير موجودة عند المتدينين بالكنيسة.
ومن ضمن هذه الفضائل أنهم بشوشين فرحين، وسط كل تعب يأتي يتذكر ربنا ويكون عنده رجاء، ولا يسدّ الدنيا أمام وجه.
يوجد شيطان اسمه شيطان الكآبة، يحب يعكنن على الإنسان لكي يفقده فرحه، لكن الفرح ثمرة من ثمار الروح القدس. الروح القدس يعطي محبة وفرح وسلام.
_____*_______*_______*______
الفرح... والانسحاق[13]
سؤال:
ما رأيكم في الواعظ الذي يقود الناس من التوبة مباشرة إلى الفرح. ويقول لهم إن الكآبة على الخطية والدموع، هي صغر نفس، وحرب من الشيطان يجب انتهاره عليها. وأن التفكير في النفس وخطاياها نوع من الأنانية. والوضع السليم هو الفرح بدم المسيح الذي طهرنا من الخطية.
الجواب:
هذا الفرح السريع ليس تعليمًا كتابيًا، وليس هو تعليمًا كنسيًا وله خطورته الروحية في حياة التوبة.
وسوف نشرح هذا بالتفصيل بمشيئة الرب. إنما نقول الآن إن التائب ينبغي أن يشعر بالخزي والعار بسبب خطيته. ويبكي على سقوطه بمرارة قلب مثلما قيل عن القديس بطرس الرسول بعد إنكاره للسيد المسيح إنه:
"خَرَجَ إِلَى خَارِجٍ وَبَكَى بُكَاءً مُرًّا" (مت26: 75).
وقصص التوبة كثيرة جدًا في مجال الانسحاق والحزن والبكاء. والقديسون لم يلجأوا إطلاقًا إلى حياة الفرح بعد التوبة مباشرة. ومثال ذلك داود النبي الذي بكى كثيرًا على خطيته، بعد أن سمع مغفرتها من فم ناثان النبي الذي قال له: "الرَّبُّ أَيْضًا قَدْ نَقَلَ عَنْكَ خَطِيَّتَكَ. لاَ تَمُوتُ" (2صم12: 13). ولكنه قال بعد ذلك: "وَخَطِيَّتِي أَمَامِي دَائِمًا" (مز50).
على الرغم من أن الرب قد نقلها عنه، ليحملها عنه السيد المسيح... بل إنه قال في المزمور السادس: "أُعَوِّمُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ سَرِيرِي بِدُمُوعِي. أُذَوِّبُ فِرَاشِي" (مز6).
هل كان داود لا يدرك الروحيات السليمة، وكذلك بطرس الرسول؟! وهل الفرح بالمغفرة يمنع الندم والبكاء والدموع؟! هل دم المسيح الذي يمحو خطايانا، يمنعنا من الانسحاق بسببها؟! حاشا ليس هذا تعليم الكتاب.
إن دم المسيح يرمز إليه دم خروف الفصح.
هذا الذي نجى الأبكار من الموت، بقول الرب: "فَأَرَى الدَّمَ وَأَعْبُرُ عَنْكُمْ" (خر12: 13). ورمز الفصح قد ذبح لأجلنا (1كو5: 7).
فهل فرح الشعب بالدم، دم خروف الفصح، الذي أنقذهم من الموت، هل هذا الفرح منعهم من الندم والانسحاق والشعور بالمرارة؟! هوذا الرب يأمر من جهة خروف الفصح: "عَلَى أَعْشَابٍ مُرَّةٍ يَأْكُلُونَهُ" (خر12: 8).
ذلك لكي تتذكروا الخطية التي أوصلتكم إلى أرض العبودية.
ونحن أَيْضًا في وسط فرحنا بدم المسيح الذي طهرنا من كل خطية، نأكل الفصح على أعشاب مرّة. ونحتفل بصلب المسيح في أسبوع الآلام، وقد كسونا الكنيسة بالسواد، وجلسنا بالألحان الحزينة نذكر قصة الخلاص والدم.
فهل الخلاص بالدم، نحتفل به بمظاهر الفرح؟!
أم أننا نطيع الرسول القديس في قوله: "فَلْنَخْرُجْ إِذًا إِلَيْهِ خَارِجَ الْمَحَلَّةِ حَامِلِينَ عَارَهُ" (عب13:13). وهكذا نقضي أسبوعًا خارج المحلة، متذكرين خطايانا التي تسببت في صلب المسيح.
هل تذكُّرنا خطايانا أنانية منا وانحصارًا في أنفسنا؟!
كلا، بل العكس هو الصحيح. إنها أنانية منا حينما ننحصر في الفرح بخلاصنا، وننسى الدم الكريم الذي سُفك لأجلنا!!
ننسى ما قاساه المسيح من إهانات ولطم وشتم وتعيير وتحدّيات، نقول له في ذلك في القداس: "لم ترد وجهك عن خزي البصاق"... هل في تذكرنا لآلام المسيح، ننحصر في أنفسنا ونتهلل في فرح، أم نتناول الفصح على أعشاب مُرّة؟!
إن دعوتنا للناس بالفرح، ونسيان خطايانا، وعدم الانسحاق بسببها هو ضد طقوس الكنيسة وصلواتها.
ماذا يفعل الذي يتلقى هذا التعليم، حينما يصلي بالأجبية ويقول في صلاة النوم: "هوذا أنا عتيد أن أقف أمام الديان العادل مرعوب ومرتعد من أجل كثرة ذنوبي"... أو حينما يقول في صلاة نصف الليل: "أعطني يا رب ينابيع دموع كثيرة، كما أعطيت في القديم للمرأة الخاطئة. واجعلني مستحقًا أن أبل قدميك اللتين أعتقتاني من طريق الضلالة". أو حينما يقول في المزمور السادس في صلاة باكر "تعبت في تنهدي. أعوّم في كل ليلة سريري، وبدموعي أبل فراشي"... وحينما يردد في كل صلاة، ما يقوله في المزمور الخمسين "خطيتي أمامي في كل حين"، "لك وحدك أخطأت، والشر قدامك صنعت"...
هل يثور على الأجبية، بسبب الوعظ الذي يسمعه في الكنيسة؟!
أم يثور على هذا الوعظ، ويعتبره ضد صلاة الأجبية. أم أن هذا الوعظ يحطم عنده الأجبية بطريقة غير مباشرة، حينما يقول له إن تذكار الخطايا عبارة عن حرب من الشيطان وصغر نفس؟!
وهل بهذا الوعظ يحتقر دموع القديسين في توبتهم؟
ويقول إنهم بعيدون عن حياة الفرح بالرب، وإنهم أنانيون منحصرون في خطاياهم؟! وماذا يقول حينما يقرأ بستان الرهبان، ويرى وصية من الآباء تتكرر باستمرار وهي "ادخل إلى قلايتك، وابك على خطاياك"... هل كل هؤلاء الآباء ضلوا الطريق إلى حياة الفرح بالرب.
وماذا عن دموع القديس أرسانيوس؟
هل ندينه؟ هل ترك حياة الفرح؟ ألم يطوّبه البابا القديس ثاؤفيلس لأنه استعد لساعة الموت كل أيام حياته.
ومن جهة نسيان الخطايا، ماذا عن قول القديس أنطونيوس الكبير:
"إن ذكرنا خطايانا، ينساها لنا الله.
وإن نسينا خطايانا، يذكرها لنا الله".
هل يدعونا القديس أنطونيوس إلى صغر النفس، وإلى الانحصار حول أنفسنا؟! ثم ماذا عن حياة الانسحاق والدموع في صلوات نحميا (نح1: 4) وعزرا (عز9: 5-7) ودانيال (دا9: 3-8) وما ورد عن ذلك بعمق في سفر يوئيل النبي (يوء2: 12-17).
بل ماذا عن عظة السيد المسيح على الجبل وقوله: "طُوبَى لِلْحَزَانَى، لأَنَّهُمْ يَتَعَزَّوْنَ" (مت5: 4).
وماذا عن تذكارنا للخطية منذ آدم في القداس الإلهي وقولنا: "غرسٌ واحد نهيتني أن آكل منه"، "أنا اختطفت لي قضية الموت"... هل هذا التذكار خاطئ. وماذا عن قول الأب الكاهن في تقديم الحمل: "عن خطاياي وجهالات شعبك" وقوله في صلاة الاستعداد: "أنت تعلم يا رب أني غير مستحق ولا مستعد ولا مستوجب. وليس لي وجه أن أقف وأفتح فاي... بل ككثرة رأفاتك اغفر لي أنا الخاطئ".
هل نعلّم أولادنا إذًا أن هذا صغر نفس من الآباء الكهنة!!
وماذا عن صلواتنا في الساعة السادسة وفي التاسعة وفي الغروب... وعبارة العشار: "ارحمني يا رب فإني خاطئ" وقولنا "أخطأت يا أبتاه إلى السموات وقدامك ولست مستحقًا أن أدعى لك ابنًا "وعبارة" اذكرني يا رب متى جئت في ملكوتك".
وكل العبارات التي نذكر فيها خطايانا ونطلب الرحمة.
وماذا عن المطانيات، وكيرياليصون 41 مرة، والتذلل في الصوم؟!
وماذا عن حياة المسوح والرماد المذكور في الكتاب المقدس؟ هل كل هذا ضد حياة الفرح؟! وهل فيه صغر نفس؟ وهل هو محاربة من الشيطان لنا؟ وهل يجب أن ننسى خطايانا وننشغل بالدم ونفرح؟! أريد أن أسأل:
إلى أية نهاية يقودنا هذا التعليم؟!
إن الحزن على الخطايا، ليس تفكيرًا في النفس، إنما هو تفكير في الله الذي أحزناه بخطايانا، وبها انفصلنا عنه وعن عمل روحه القدوس.
وتركيزنا على دم المسيح، لا شك يحمل تركيزًا على السبب في سفك هذا الدم، وهو خطايانا. تركيزنا في الصليب، يعني أَيْضًا ما حمله الرب على الصليب. "كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ، وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا" (إش53: 6). وهكذا حمل كل لعنات الناموس. والذي بلا خطية حُسب خطية لأجلنا...
هل تقول: ينبغي أن أفرح لأن الله يحبني؟
وماذا إذًا إن كنت لا تحبه، كما أحبك؟!
وهل في كل هذا التعليم ننسى عدل الله؟ وننسى قداسة الله.. وننسى أن القديس بولس أحزن أهل كورنثوس، وأحزن خاطئ كورنثوس، لكي يقودهم الحزن إلى التوبة.
ولا بد للخاطئ أن يذكر خطاياه، لكي يحترس، ويتوب، ولا يعود يخطئ مرة أخرى. يتذكر ضعفه. وفيما يفرح بالرب، لا ينسى ضعفاته... ولا ينسى خطاياه. بل كلما يذكر خطاياه، تزداد محبته لله بالأكثر، الذي غفر له تلك الخطايا. مثل المرأة الخاطئة التي أحبت كثيرًا، إذ غفر لها الكثير (لو7: 42، 43، 47).
من له أذنان للسمع فليسمع.
________________________________________________________________
[1] سؤال أجاب عنه قداسة البابا في عظة "إلى متى يا رب تنساني؟"، بتاريخ 25 فبراير2004م
[2] سؤال أجاب عنه قداسة البابا شنوده في عظة "إبراهيم أبو الآباء"، بتاريخ 10 يوليو 1996م
[3] سؤال أجاب عنه قداسة البابا في عظة "آمين تعال أيها الرب يسوع"، بتاريخ 28 سبتمبر1979م
[4] سؤال أجاب عنه قداسة البابا شنوده في عظة "التواضع والكبرياء"، بتاريخ 8 فبراير2006م
[5] سؤال أجاب عنه قداسة البابا في عظة "الصلاة لأجل الوحدة"، بتاريخ 5 فبراير 2003م
[6] سؤال أجاب عنه قداسة البابا في عظة "ثوب عتيق"، بتاريخ 1 ديسمبر 2004م
[7]سؤال أجاب عنه قداسة البابا في عظة "الوسائط الروحية القراءة والسمع"، بتاريخ 9 ديسمبر1987م
[8]سؤال أجاب عنه قداسة البابا شنوده الثالث في عظة "العقل"، بتاريخ 17 أبريل1991م
[9] سؤال أجاب عنه قداسة البابا في عظة "اللقاء مع الله"، بتاريخ 19 مارس1976م
[10] سؤال أجاب عنه قداسة البابا في عظة "الثبات في الله" بتاريخ 15 أكتوبر1976م
[11] سؤال أجاب عنه قداسة البابا في عظة "خرج وهو لا يعلم"، بتاريخ 26 سبتمبر1980م
[12] سؤال أجاب عنه قداسة البابا شنوده الثالث في عظة "الله في الكنيسة"، بتاريخ: 2 سبتمبر1977م
[13] سؤال وجواب لقداسة البابا شنوده الثالث، نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 16 أغسطس1991م




