حول موانع الزواج أيضًا (3)

حول موانع الزواج أيضًا (3)[1]
هذا هو المقال الرابع الذي أقدمه لك في موانع الزواج. وهو في نفس الوقت المقال الثالث في تحريم الزواج بأخت الزوجة وبامرأة الأخ.
تحريم الزواج بأخت الزوجة… وتحريم الزواج بامرأة الأخ؟
سأجيب هنا على الأسئلة التي وصلتني في هذا الموضوع، وعلى أية أسئلة تصل حوله في المستقبل.
هل منع الزواج بامرأة الأخ وبأخت الزوجة، كان سببه تحاشي الوقوع في جريمة قتل؟ وكان منعًا مدنيًا بأوامر من الملوك؟ وذلك حتى لا يقتل الأخ أخاه ليتزوج بامرأته، وحتى لا تدس الأخت السم لأختها فتقتلها لتتزوج بزوجها؟!
الجواب
إن الكتاب لم يذكر مطلقًا أن سبب المنع هو تحاشي القتل. وإنما ذكر أن المنع هو بسبب القرابة المحرمة، حفظًا للعفة في محيط الأسرة، كما أن المنع هو ديني بحت.
فأخت الزوجة تعتبر أختًا للزوج. وأخو الزوج يعتبر أخًا للزوجة، لأن الزواج جعل الزوجين واحدًا. فأقارب أحدهما أقارب للآخر. وهكذا بالمصاهرة ترتبط الأسرتان وتصبحان أسرة واحدة، تجمعهما قرابات.
وإذا نظر الإنسان إلى امرأة أخيه كأنها أخته، لا يمكن أن يشتهيها، ولا يفكر مطلقًا أن تكون له زوجة.
أما كونه يشتهيها، ويرغب في الزواج بها، ويقتل أخاه لكي يتزوجها، فهذا أسوأ ما يمكن أن تصل إليه العلاقات الأسرية، وأسوأ ما تصل إليه المشاعر البشرية. أما الدين فيسمو بروح الإنسان، ويمنع هذه المشاعر البشرية من أصلها، بوضع قوانين للقرابات المحرمة. وهذا ما فعله الوحي الإلهي في أول شريعة مكتوبة، أرسلها لنا الله على يد موسى النبي.
فوصف الزواج بامرأة الأخ أنه “نجاسة” (لا21:20) ومن يفعل ذلك يكون “قَدْ كَشَفَ عَوْرَةَ أَخِيهِ” (لا21:20) ولهذا قال في (لا16:18) “عَوْرَةَ امْرَأَةِ أَخِيكَ لاَ تَكْشِفْ. إِنَّهَا عَوْرَةُ أَخِيكَ”. وقد منعت القوانين الكنسية مثل هذا الزواج، أو هذه النجاسة. ونفس الوضع بالنسبة إلى الزواج بأخت الزوجة.
فإن كان بعض الأباطرة قد منعوا هذه الزيجات بسبب علماني يناسبهم، هو تحاشي الجريمة، فهذا شأنهم. ولكن الكتاب المقدس لم يذكر هذا.
وإن كانت قوانين الملوك تمنع ارتكاب الجريمة، فإن الوحي الإلهي قد منع الشهوة من أصلها التي تؤدي إلى الجريمة، وكذلك منعها القوانين الكنسية.
الرجل قد يسافر ويترك زوجته وأولاده في رعاية أخيه، وهو يضمن تمامًا أن أخاه لن ينظر إلى هذه الزوجة نظرة شهوانية. إنها أخته. لها كل مشاعر الأخوة. ومن ناحية أخرى: إن كانت هناك امرأة متزوجة ومرضت ولازمت الفراش، قد تطلب أختها لتعيش معها وترعاها في مرضها، دون أن يخطر ببالها، أنها ستشتهي هذا الزوج، إنه أخوها. ولا تفكر مطلقًا أن أختها سوف تدس لها السم أثناء مرضها، لكي تأخذ زوجها بعد موتها!!
وبهذا يحفظ الشرع الإلهي عفة الأسرة وسلامتها.
أما إذا شعر الأخ أنه يمكن أن يتزوج امرأة أخيه بعد وفاته، أو إذا شعرت الأخت أنه يمكنها أن تتزوج بزوج أختها إذا ماتت، ماذا تكون المشاعر حينئذ في محيط الأسرة؟! إنها نجاسة كما قال الكتاب.
هل حقًا كان بعض الملوك المسيحيين يُصرحون بالزواج بأخت الزوجة، إذا ثبت أن موتها لم يكن جنائيًا؟ أي إذا ثبت أنها لم تقتل أختها لتتزوج بزوجها؟!
الجواب: تصريح الملوك هو تصريح مدني، وليس تصريحًا كنسيًا. والتصريح المدني بدون التصريح الكنسي، لا يعتد به من الناحية الدينية. ونحن لسنا هنا بصدد الكلام عن الزواج المدني، حتى نعطي الأهمية لتصاريح الملوك بالزواج.
إن القانون الكنسي صريح في منع الزواج بأخت الزوجة:
وقد أوردنا في العدد الماضي عشر نقاط في إثبات هذا الأمر. أما من الناحية المدنية، فهناك بلاد مسيحية تسمح قوانينها المدنية بالطلاق لأسباب لا تقرها الكنيسة. وتصرح أيضًا بالزواج بعد ذلك مخالفة للقوانين الكنسية! لنترك إذًا أمثال هذه التصاريح جانبًا، ولنتحدث عن رأي الدين.
هل القرابة تنتهي بموت أحد الزوجين، فتزول الموانع التي كانت تمنع الزواج بأخت الزوجة أو بأخي الزوج؟
الجواب
إن القرابة لا تزول بموت أحد الزوجين. والأدلة كثيرة:
أليس محرمًا أن يتزوج إنسان بامرأة أبيه (لا8:18) (لا11:20). فهل موت الأب أنهى القرابة فأصبحت زوجته محاللة له؟!! أليس من أجل هذا السبب أمر سليمان الحكيم بقتل أخيه أدونيا، حينما أراد أن يتزوج أبيشج الشونمية (1مل24،21:2) على الرغم من أن أباه داود لم يعرفها حتى موته (1مل4:1).
كذلك أليس محرمًا أن يتزوج إنسان بحماته (لا17:18). هل يجرؤ أن يقول إن القرابة المحرمة انتهت بموت ابنتها؟! وبنفس الوضع أليس محرمًا أن يتزوج إنسان بامرأة خاله، أو بامرأة عمه (لا20:20) بعد وفاة الخال والعم؟
أليس محرمًا أيضًا أن يتزوج إنسان بكنته (امرأة ابنه) (لا15:18و12:20) أيجرؤ أن يقول إن موت ابنه قد أنهى القرابة؟!
حقًا إن محارم القرابة، إنما تحفظ عفة الأسرة.
لماذا الاستثناء في الزواج بامرأة الأخ، إذا مات بدون نسل؟ (تث25).
الجواب
ذكر الكتاب سببًا هامًا، هو إقامة نسل لهذا الأخ، فينسب إليه الابن البكر. كما أن ميراثه يحفظ. وكل هذا غير موجود حاليًا على الإطلاق، وانتهى بانتهاء حفظ نصيب الأسباط، وحفظ الأنساب في العهد القديم.
ذكرتم أن القديس باسيليوس الكبير منع الزواج بأخت الزوجة في كثير من قوانينه، فما هي الأسباب التي قدمها؟
الجواب
أود أن أذكر من بين ذلك سببين: أنه لا يجوز للأخت أن تصعد على فراش أختها. كما أن أخت الأم “الخالة” التي هي بمثابة أم، لا يليق مطلقًا أن تتحول إلى امرأة أب.
وكم أود أن أترجم لكم رسالة القديس باسيليوس إلى ديودورس أسقف طرسوس، وأنشرها. فهي حافلة بالمعاني العميقة في هذا الموضوع…
هل الأخ هو أفضل من يتزوج بامرأة أخيه، لكي يرعى أبناء أخيه؟
الجواب
إن كان الأخ المتوفي له أولاد، يحرّم على أخيه أن يتزوج بامرأته. فقد سمح الله بالاستثناء فقط في حالة عدم وجود نسل، لكي يقام نسل للمتوفي.
وإن كنت ترى أن الأخ هو خير من يرعى أبناء أخيه، فليقم برعايتهم دون أن يأخذ أمهم زوجة له. فقد حرم الله هذا الزواج، على الرغم مما يقال عن صلاحية الأخ لرعاية أبناء أخيه، لأن الله يهمه عفة الأسرة وقدسية الزواج قبل كل شيء.
وهنا أُبدي ملاحظة وهي: أن الأخ الذي كان يُخشى منه أن يقتل أخاه ليأخذ زوجته “حسب ما تزعمه قوانين الملوك!!” هل يمكن أن يؤتمن على رعاية أولاد أخيه؟! أما الأخ البار الذي يمكنه أن يرعى أولاد أخيه، فهو الذي لا يصعد على فراش أخيه.
ذكرتم أن الزواج الذي يسبب تشويشًا في القرابات والأنساب، يعتبر ممنوعًا، فهل الزواج بأخت الزوجة أو بأخي الزوج ينتج عنه تشويش في القرابات؟ وكيف؟
الجواب
نعم هذه الزيجات المحرمة تنتج تشويشًا في القرابات، نذكر منها:
1- شخص تزوج بامرأة أخيه، وكانت قد أنجبت من أخيه ابنًا. ثم أنجب هو منها بنتًا. فيكون الابن والبنت أخوان من جهة الأم، وأولاد عم من جهة الأبوين.
2- شخص تزوج بأخت زوجته المتوفاة، وكان له نسل من تلك المتوفاة. ثم أنجب من أختها نسلًا. فيكون الأولاد أولاد خالة من جهة أم كل منهما، ويكونان إخوة من جهة الأب.
هل تحريم هذه الزيجات مرتبط بعصر من العصور؟
الجواب
هذه الزيجات محرمة على مدى الأجيال والعصور. فقد حُرّم الزواج بامرأة الأخ في شريعة موسى النبي قبل الميلاد بخمسة عشر قرنًا. ثم تجدد هذا الحرم في عصر الرسل، وفي القرن الرابع، وفي القرن 13 في قوانين كيرلس بن لقلق.
وفي أواخر القرن 19 نشر تحريمها في مؤلف عن الأحوال الشخصية للقمص فيلوثاؤس إبراهيم أستاذ أستاذنا حبيب جرجس. وكان هذا الرجل عالمًا لاهوتيًا كبيرًا، وأول معلّم للاهوت في الإكليريكية في عصرها الحديث. وقد ورد في مؤلفه تحريم الزواج بأخت الزوجة وبكل محارمها: بأختها وأمها وخالتها وزوجة خالها، وعمتها وزوجة عمها.. إلخ
وقد ورد تحريم هذه الزيجة في لائحة سنة 1938م.
فعلى الرغم من التسهيلات التي وضعتها هذه اللائحة في باب الطلاق كمثال، مما لا نوافق عليه إطلاقًا، إلا أن روح التسهيل لم يستطع أن يشمل مثل هذه الزيجة المحرمة، بل حرمته هذه اللائحة واعتمدت على القوانين التي أوردتها مجموعة القمص فيلوثاؤس إبراهيم. وهذا نفس ما تدرسه الكلية الاكليريكية.
وأذكر هنا أن أحد الآباء صرح منذ سنوات لرجل أن يأخذ امرأة أخيه. ثم أتعبه ضميره، فرفع قضية فحكمت له المحكمة ببطلان الزواج، لأنه من القرابات المحرمة، وتحت يدي رقم هذه القضية وحكم المحكمة فيها.
هنا وأود أن أختم حديثي معكم في هذا الموضوع، ومع ذلك سأتركه مفتوحًا لأي سؤال يصلني، ونحن نقف إلى جوار قوانين الكنيسة، وقبلها تعليم الكتاب.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 23-8-1987م




