حبيب جرجس

على هذه الصفحة سنلتقي بك أيها القارئ العزيز في كل عدد من أعداد المجلة، لنحدثك عن أحد الكارزين. ونود أن نبدأ بعصرنا الحديث، عرفانًا بجميل من خدمونا فيه. وحتى لا يظن أحد أن الكرازة وقفت منذ قرون…
وأول كارز في هذا الجيل هو بلا شك:
حَــــبـــــيــــــب جـــــرجـــــــــس1
كاد العصر الذي نشأ فيه أن يكون خاليًا من التعليم على الإطلاق، حتى أنه عندما افتتحت الإكليريكية لم يجدوا لها مدرسًا للدين، فبقي الطلبة أكثر من ثلاث سنوات لا يدرسون الدين. ولم يكن هناك وعاظ، وكانت الطوائف قد بدأت تغزو الكنيسة.
” كانت الأرض خربة وخاوية، وعلى وجه الغمر ظلمة … ثم قال الله ليكن نور… فكان نور “. وكان النور هو حبيب جرجس… بدأ نورًا خافتًا، ثم ما لبث أن اشتعل وتوهج، وملأ الكرازة كلها…
كان أول طالب التحق بالكلية الإكليريكية. التحق معه أحد عشر آخرون ولم يستمر منهم سوى واحد فقط… ولم يجد من يعلمه الدين، فانكب على مكتبة البطريركية يلتهم المعرفة من كتبها التهامًا. وكان يسترشد بالعلامة القمص فيلوثيئوس إبراهيم الذي كان شيخًا مهدمًا في تلك الأيام، لما عينوه للتدريس بالإكليريكية لم يقم بعمله سوى أسبوعين ثم أغمى عليه وحمل إلى بيته ولم يرجع للكلية مرة أخرى…
وعين حبيب جرجس مدرسًا للدين بالكلية الإكليريكية وهو مازال طالبًا بالسنة النهائية. ولم يكن هناك تخصص في علوم الدين وقتذاك، فقام بتدريس كل شيء، حتى أوجد هو هذا التخصص فيما بعد عندما أعد مدرسين لشتى العلوم الدينية…
وكان حبيب جرجس يؤمن بالعمل الإيجابي. لم يضيع وقته وجهده في انتقاد الضعف الموجود في أيامه، وإنما بدأ يعمل ويبني. حفر أساسًا ووضع حجرين أساسيين فيه هما الكلية الإكليريكية ومدارس الأحد. وظل البناء ينمو، وهو ينشد ” أما شعبك فليكن بالبركة ألوف ألوف وربوات ربوات، يصنعون مشيئتك…”
طاف أقاليم الكرازة كلها يعظ ويبشر، وينشر النور في كل مكان. وأخرج مئات الوعاظ من تلاميذه يعظون ويكرزون… وجمع بنفسه التبرعات التي أسس بها الكلية الإكليريكية وأوقف عليها الأوقاف… وبنى مدرسة للعرفاء لتخريج مرتلين للكنيسة…
ولم يكتف حبيب جرجس بعمل التدريس والوعظ وتأسيس المعاهد وانأم كان له نشاط واسع في التأليف… وضع كتبًا روحية مثل: سر التقوى، ونظرات روحية، وعزاء المؤمنين، وروح التضرعات. وكتبًا لاهوتية مثل خلاصة الأصول الإيمانية، والصخرة الأرثوذكسية، وأسرار الكنيسة السبعة. وكتبًا طقسية ثم الخولاجي المقدس وثلاث كتب للترانيم وأخذ على عاتقه أيضًا وضع كتب للتعليم الديني في المدارس في كل المراحل التعليمية، فوضع كتب ” المبادئ المسيحية الأرثوذكسية” (8 أجزاء) والكنز الأنفس في التاريخ الأقدس (3 أجزاء). وعمل في ميدان النشر، فنشر كتاب ” سلم السماء ” وكتاب ” برلام ويواصف” وسيرة القديسين أنطونيوس وبولا. وكان عضوًا عاملًا في لجنة التاريخ القبطي. وقد اشترك في وضع كتاب مارمرقس، كما وضع كتابًا عن الكلية الإكليريكية. وفي ميدان الاصلاح وضع كتابًا نافعًا بنائيًا أسماه ” الوسائل العملية للإصلاحات القبطية”. واشتغل في ميدان الصحافة وأصدر مجلة ” الكرمة ” التي نالت مركزًا كبيرًا بين المحلات القبطية واستمرت 17 عامًا.
وكان حبيب جرجس رجلًا روحيًا عميقًا، عف اللسان، هادئ القلب، يمتاز بروح الأبوة الصادقة. وكان يشجع العاملين بكل ما عنده من قوة ويسهل لهم السبل. وكان محبوبًا من الجميع. نال ثقة قداسة البابا كيرلس الخامس وكان شماسه الخاص، كما نال ثقة خلفائه من الآباء البطاركة، وتمتع بمحبة وتأييد أحبار الكنيسة جميعًا من مطارنة وأساقفة. وفي نفس الوقت كان عضوًا نشيطًا بالمجلس الملي العام. وفي بعض الدورات كان يحصل على أكبر عدد من أصوات الناخبين.
بهذه المحبة والثقة، وبهذا النشاط والتفاني، وبهذه الروح الوديعة الهادئة، كان يعمل عمله البنائي دون أن يجرح شعور أحد. وقد قيل في يوم تأبينه:
يـــا قـــويـــًا لـيــس فــي طــبــعـــه ضــــعـــــف ووديــــــعـــــــًا لــــيــــس فـــي ذاتــــــه عـــــنــــــفُ
يـــــا حــــكـــيـــمـــــًا أدَّب الـــــنـــــــاس وفـــــــــــــي زجـــــره حــــــبٌ وفـــــي صـــوتــــه عــطـــفُ
لـــــــــك أســــلــــــــوب نــــــزيـــــــه “طــــــــــاهــــــــــر” ولــــســــــــان أبــــيـــــــض الألــــفــــــاظ عـــــــــفُّ
- مقال لنيافة الأنبا شنوده أسقف التعليم – مجلة الكرازة السنة الأولى– العدد الأول- يناير 1965



