جـــاهــــــــــــــــــــد مـــــــع الله

نود بمناسبة الصوم الكبير أن نتحدث عن الصلح مع الله. وفي ذلك يقول بولس الرسول: “نسعى كسفراء عن المسيح، كأن الله يعظ بنا. نطلب عن المسيح، تصالحوا مع الله” (2كو5: 20)
كيف يكون هذا الصلح. ما هو دورك فيه؟ وما هو دور الله؟ عليك أن تبذل كل جهدك، وأيضا…
جـــاهــــــــــــــــــــد مـــــــع الله1
الله يريد أن يصالحك
إن الله نفسه يريد أن يصطلح معك
إنه يريد هذا الصلح، ويسعى إليه، ويبحث عنه، بكل قوته، وبكل نعمته وفعل روحه القدوس. فعلى الأقل، من ناحيتك أنت، ينبغي أن تستجيب…
إن الله يعاتب الإنسان: “هلم نتحاجج، يقول الرب” (أش1: 18). ويقول أيضًا “ارجعوا إلي، أرجع إليكم” (مل3: 7). بل هو واقف على الباب يقرع، ينتظر من يفتح له. ويقول: “من يقبل إلي، لا أخرجه خارجاً” (يو6: 37)، بل إن الله يقول في عتابه للإنسان:” طول النهار بسطت يدي إلى شعب معاند ومقاوم” (رو10: 21)
تصور أن الله يمد يده إليك طول النهار، طول العمر، يريد أن يصطلح معك، يريد أن يغسلك فتبيض أكثر من الثلج، يريد أن يسكن في قلبك، وأن تسكن في قلبه، ويقيم معك عهدًا وعلاقة…
مالك السماوات والأرض، وخالق السماوات والأرض، القادر على كل شيء الذي فيه كل الكمالات، القدوس الذي لا حدود لقداسته، يقول: “لذتي في بني آدم” (أم8: 31). ينظر إلى قلبك ويقول: “هذا هو موضع راحتي إلى الأبد. هنا أسكن لأني اشتهيته” (مز132). الروح يخاطب نفسك قائلًا: “اسمعي يا ابنتي، وانظري، وأميلي سمعك، وإنسي شعبك وبيت أبيك. فإن الرب قد اشتهى حسنك. لأنه ربك وله تسجدين” (مز45: 10، 11).
من أجل هذا الصلح، أرسل الله الأنبياء والرسل والرعاة والكهنة والمعلمين والوعاظ، ينادون جميعًا: “اصطلحوا مع الله”… ولأجل هذا الصلح يرسل نعمته وروحه القدوس.
إنه يريد أن يصالحك، ليصلحك، بأي شرط، وبأية طريقة… لا مانع من أن يرسل إليك التجارب والضيقات، والأمراض، إن كان هذا يرجعك إليه.
وهو يفعل هذا كله، من أجلك أنت، لكي لا تهلك…
إنه يريد لك الخلاص. “يريد أن الجميع يخلصون، وإلى معرفة الحق يقبلون” (1تي2: 4). “لا يشاء موت الخاطئ، مثلما يرجع ويحيا” (حز18: 23). إنه يقيم فرحاً في السماء، إن استطعت أن تصل إلى التوبة.
إنه يحرص عليك، ويعرف أنك إن ابتعدت عنه ستضيع. لذلك يقربك إليه، لكي لا تضيع…
يعرف إنك إذا بعدت عنه، ستفقد مثالياتك، وتفقد صورتك الإلهية، وتعود تراباً ومخلوقاً أرضياً كما كنت، وتضيع…. تصبح إنساناً غريباً عن الملكوت، وتفقد ثوب العرس، وتفقد قدسيتك وطهارتك وإيمانك… لذلك فإن الله، من فرط محبته، يحرص عليك حتى الكتاب المقدس، أوحى به الله من أجلك… إنه يحكي قصة الله مع البشر، قصة سقوطهم وخلاصهم.
الكتاب المقدس، ليس هو قصة الله مع الملائكة، وليس هو قصته مع الطبيعة، ولكنه قصة الله مع الناس…
أورشليم السمائية، مكان الملكوت الأبدي، يسميها الكتاب “مسكن الله مع الناس” (رؤ21: 3). إنه اهتمام إلهي بك، وفرصة للصلح، تناسبها فترة الصوم الكبير المقدسة. فما الذي يمنعك.
عقبات تعوق المصالحة
أحياناً يكون السبب هو الغفلة. إنسان لا يحس ما هو فيه، لا يدري بالتغير الذي وصل إليه. لا يفكر في الله، مشغول بأشياء أخرى.
موضوع المصالحة لا يطرأ على ذهنه مطلقًا، لأن علاقته بالله ليست موضع تفكيره أو اهتمامه. إنه لا يشعر إطلاقًا بوجود الله حتى يصالحه!
إذن لكي تصطلح مع الله، أعط فرصة لنفسك للتفكير في الله. حاول أن يتردد اسم الله على فكرك، على لسانك، يتردد في مشاعرك، يشغلك بعض الوقت… اهرب ولو قليلًا من مشغولياتك، لكي تفكر في الله.
وثق أنك إذا فكرت في الله، ستفكر في مصالحته…
إن المشغوليات كثيراً ماتتيه الإنسان عن الله، وعن نفسه. ولذلك فإن الكتاب يقول عن الصوم: “قدسوا صومًا، نادوا باعتكاف”. لأن الاعتكاف يعطي الإنسان فرصة للتفكير في الله. اعتكف إذن، على قدر إمكانياتك. ولكن ليكن اعتكافك روحيًا.
ربما من العقبات التي تعوق المصالحة مع الله، محبة العالم أو محبة الخطية. إنسان يقول: أريد أن أصطلح مع الله، ولكنني لا أستطيع…
يرى أنه طالما تكون هذه الخطية موجودة أمامه، فلن يصطلح مع الله. وهذا يضع الله في كفة، والخطية في كفة أخرى. وترجح كفة الخطية.
وكأنه يقول لله: لو أنك يا رب رضيت أن أحبك، واحتفظ بهذه الخطية، فإن هذا يكون أفضل حل!!
نصيحتي لك في هذه الحالة، أن تجاهد مع الله لكيما ينجيك من هذه الخطية…
الصراع مع الله
قل له: إني أريد يا رب أن أعيش معك، فنجني من هذه العقبة. خلصني منها، أعطني قوة.
اسكب نفسك أمام الله. حتى لو كنت تحب الخطية من أعماقك، فمن أعماقك أيضًا أطلب من الرب أن يخلصك منها.
صارح الرب. قل له: أريد يا رب أن أترك هذه الخطية، ولكني أحبها. أريد أن أتخلص منها، ولكن قلبي منشغل بها إلى التمام.
قلبي يحبها. ولكنك قادر يا رب أن تغير القلب.
أنت قادر أن تجعلني أكره هذه الخطية التي أحبها.
اسكب نفسك أمام الله، وخذ منه قوة على الخطية.
قل له: يا رب إنك خلصت قديسين، ربما كانت حياتهم الأولى أسوأ من حالتي بكثير. خلصت موسى الأسود، وأوغسطينوس، ومريم القبطية، وأريانوس والي أنصنا. خلصني أنا أيضا مثلهم.
اعتبرني من الحالات المعقدة التي عالجتها حكمتك الإلهية
“أنا مشكلة قائمة أمام لاهوتك القادر على كل شيء. اجعلني مادة لعمل روحك القدوس”. جاهد هكذا أمام الله، لكي يخلصك من محبة الخطية ونصيحة أقولها أيها الابن المبارك، في طريق توبتك:
إنك لن تستطيع أن تنتصر على الخطية بمجهودك البشرى وحده
إن الكتاب يقول عن الخطية إنها: “طرحت كثيرين جرحى، وكل قتلاها أقوياء” (أم7: 26). فإن كان كل قتلاها أقوياء، فلا ينفع معها إذن سوى الله.. تذكر أن يشوع بكل جيشه لم يقدر على عماليق بدون ذراعي موسى المرفوعتين إلى الله… صارع إذن مع الله، وقل له: إن كنت أنا يا رب لا أملك قوة، فعندك كل القوة.
إن كنت لا أريد الحياة معك، فيكفي أنك تريد الحياة معي. إن لم أكن أنا جادًا في أمر خلاص نفسي. فإنك أنت جاد جدًا في تخليص هذه النفس.
إن كان خلاص نفسي لا تقوى عليه إرادتي، فلا شك أنه تقوى عليه نعمتك... إن كان جهادي لا يقدر، فربما تقدر صلاتي.
أيها الابن المبارك الذي تجاهد من أجل خلاص نفسك:
كن باستمرار صديقًا للروح القدس، شريكًا للروح القدس. أشرك الروح معك باستمرار في حياتك، وفي جهادك. إن الكتاب يعلمنا أنه لا يستطيع أحد أن يقول إن المسيح رب إلا بالروح القدس. وإننا لسنا المتكلمين، بل روح الله. وإننا لسنا نصلي، بل الروح يتشفع فينا بأنات لا ينطق بها.
إن الحياة الروحية ليست اعتمادًا على الذات، ولا انتصارًا من ذراع بشري، لكنها شركة مع الروح القدس.
مشكلتنا الكبرى أيها الأحباء، أننا نعتمد على عقلنا البشري أكثر مما يجب. نلقي اعتمادنا كله على ذكائنا ومقدراتنا، ولا نعتمد إطلاقًا على عمل الروح القدس فينا…
لذلك يجب في فترة الصوم هذه، أن يتمسك كل منا بالرب، ويجاهد مع الله قبل أن يجاهد مع إرادته. أصرخ إلى الله، وقل:
أنا الذي سأقرع على بابك هذه المرة. وسأظل حتى ترفع الحجر من فم القبر، وتقول للعازر هلم خارجًا. نعم، إن كنت أنا ميتًا بالخطية، فأنت يا رب قادر على إقامة الموتى…
اعتبرني ميتًا وأقمني. وأنشد في أذني أنشودتك المحببة إلى نفسي: “ابني هذا كان ميتًا فعاش، وكان ضالًا فوجد”. نعم يا رب، لأن الميت ليست له إرادة يقوم بها، لابد أن يقام بقوة من فوق، قوة خارجة عنه، لا دخل له فيها… هكذا معي.
أمثلة من إقامة الموتى
لقد أقام المسيح كثيرين. ولكن الكتاب قدم لنا ثلاثة أمثلة فقط، لكل منها دلالة خاصة.
1– مثال ابنة يايرس. كانت داخل البيت. وقال الرب عنها إنها نائمة. تمثل الذين قد ماتوا وهم داخل الكنيسة!
مثل إنسان يحضر اجتماعات الكنيسة، ويمارس كل أنشطتها، وربما يواظب على الاعتراف، والقراءات الروحية، والصلوات.. وهو ميت..، لا يشعر بروح في عبادته، كما قال الرب: “هذ الشعب يعبدني بشفتيه، وقلبه مبتعد عني بعيدًا” له صورة التقوى “له اسم أنه حي وهو ميت” مثل ملاك كنيسة ساردس (رؤ3: 1). كان ملاكًا لكنيسة، ومع ذلك كان ميتًا!! هذا النوع أقامه الله، واعتبره مجرد نائم
2– نوع آخر يمثله ابن أرملة نايين. وضعوه في صندوق، وخرج من المنزل إلى الطريق. يمثل الذين تركوا الكنيسة…
تركوا نشاطها وأسرارها الإلهية ووسائط النعمة. ولكنهم لم يوضعوا في القبر بعد، لم يدفنوا… هذا النوع أيضًا أقامه المسيح، ورده إلى أمه، أي إلى الكنيسة التي خرج منها.
3– النوع الثالث يمثله لعازر، الذي مات ودفن في القبر أربعة أيام، حتى قيل إنه أنتن، وبكى عليه إخوته… وبكى الرب أيضًا.
هذا النوع ليس في بيت الرب، ولا في الطريق، لكنه مدفون في القبر. قد ترك الكنيسة، وترك وسائط النعمة، وعاش في الخطية زمنًا طويلًا حتى أنتن، وربما ترك حياة الإيمان كلها. وأصبحت قيامته في نظر الناس أمرًا مستحيلًا…
هذا الشخص الذي بكته الكنيسة، بكاه قديسو التأمل ممثلين في مريم، وقديسو الخدمة ممثلين في مرثا، هذا أيضًا أقامه المسيح.
إن قصة إقامة لعازر من الموت، تعلمنا عدم اليأس.
تعلمنا أننا حتى إن دخلنا القبر، سنخرج منه يومًا إلى الحياة.
قد يأتيك فكر إن حالتك قد ساءت جدًا. وأنك تدهورت إلى أسوأ حالة. كانت الخطية قديمًا تجرى وراءك، فأصبحت أنت الذي تجري وراءها. كنت تخطئ وضميرك يوبخك، فأصبحت تخطئ ولا يتعبك ضميرك. كنت تعيش في الخطية، ومع ذلك تتأثر من الوسائط الروحية. فأصبحت لا تتأثر بشيء من وسائط النعمة…
على الرغم من كل هذا، لا تيأس. فالرب سيقيمك
إن الله قادر أن يقيمك، ولكنه يريدك أن تظهر محبتك له. قل له كما قال داود النبي: “من كل قلبي طلبتك”.
إنه مستعد أن ينتشلك من عمق الخطية، ولكنه يسألك نفس السؤال الذي قاله لكثيرين.
أتريد أن تبرأ؟
قل: نعم يا رب، أريد…
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السادسة (العدد الثالث عشر) 28-3-1975م




