تحية للقديس مار مرقس في عيد استشهاده

تحية للقديس مار مرقس في عيد استشهاده1
عيد القديس وصورته
تحتفل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بعيدين للقديس العظيم مار مرقس الرسول كاروز الديار المصرية: أحدهما في يوم 30 برمودة. ويوافق يوم 8 مايو (بعد ثلاثة أيام). وهو عيد استشهاد القديس وعيده الثاني يوافق يوم 30 بابه (حوالي 10 نوفمبر). وفيه تحتفل الكنيسة بتذكار تكريس كنيسة القديس مارمرقس، وظهور رأسه بمدينة الإسكندرية.
وقد استشهد القديس في عام 68م وكان عمره حوالي54 سنة، لأنه كان شابًا صغيرًا وقت صلب المسيح غالبًا أقل من العشرين في عمره. وقد كتب إنجيله قبل استشهاده بسنوات، ويقول البعض إن ذلك كان قبل مجيئه إلى مصر. فيكون إذن قد كتب الإنجيل في الأربعينات من عمره. وهكذا تكون الصورة التي يظهر فيها بلحية بيضاء طويلة هي صورة لا تدل على الواقع مطلقًا والأصح هي صورة مارمرقس بلحية سوداء. وذلك لأن كثيرًا من العلماء يقولون إن إنجيل مارمرقس هو أول الأناجيل في تاريخ كتابته. وهذا يدل على أنه كتب في تاريخ مبكر، وربما قبل الأربعينات من سن مار مرقس الرسول.
نشأة القديس
وقد نشأ مارمرقس في أسرة متدينة وكانت أمه إحدى المريمات القديسات وصار بيتها أول كنيسة في العالم اجتمع فيها المؤمنون أيام الرسل (أع12: 12). وفي هذا البيت المقدس غسل السيد المسيح أرجل تلاميذه القديسين، واحتفل معهم بالفصح، وسلمهم سر الإفخارستيا، وتحدث معهم عن الروح القدس (يو13: 16) كل ذلك كان في علية هذا البيت، التي عرفت باسم علية صهيون.
وفي هذه العلية كان التلاميذ يجتمعون وفيها حل عليهم الروح القدس (أع2) في هذا الجو الروحي نشأ القديس مارمرقس في بيت متدين، ورأى السيد المسيح في بيته. ولذلك سمي “ناظر الإله” “ثيئوريموس”.
ولما كبر هذا القديس خدم مع إثنين من كبار القديسين هما القديس بولس الرسول والقديس بطرس الرسول.
وهو يمت بصلة القرابة للقديس بطرس إذ كان أبوه “أرسطو بولس” هو ابن عم زوجة بطرس الرسول. وبسبب فارق السن كان القديس بطرس يدعوه ابنه. وكان القديس مرقس يمت بصلة القرابة للقديس برنابا الرسول.
وفي ذلك يقول القديس بولس الرسول لأهل كولوسي “يسلم عليكم أرسترخس المأسور معي ومرقس ابن أخت برنابا” (كو4: 10).
ومادام خاله برنابا كان لاويًا (أع4: 36). لذلك يرجح أن القديس مارمرقس كان أيضًا من سبط لاوي.
والقديس مارمرقس كان له اسمان اسم يهودي هو يوحنا “أي الله حنان” واسم روماني هو مرقس ومعناه “مطرقة”. وفي التسبحة نقول إنه المطرقة التي حطمت الأوثان. وقد ورد هذان الاسمان معًا في حادثة خروج القديس بطرس من السجن، إذ قيل عنه “ثم جاء وهو منتبه إلى بيت مريم أم يوحنا الملقب مرقس، حيث كان كثيرون مجتمعين وهم يصلون” (أع12: 12). على أن مار مرقس لم يولد في فلسطين، وإنما ولد في ليبيا في مدينة أدرنه “أدرنا بوليس” حينما كانت أسرته هناك في إقليم برقة.
وبهذا نقول إن مار مرقس رسول أفريقي، حسب المولد، وحسب الكرازة.
وظلت الخمس المدن الغربية في ليبيا وفي شمال أفريقيا مرتبطة بكاروزها مار مرقس. ولما استقر في مصر كان يذهب إليها ويفتقدها. ولعل مدينة مصراتا في ليبيا أصلها “من مصر أتى” عن مار مرقس.
وكانت أسرته غنية فثقفته بالثقافتين اليونانية واللاتينية… وقد كتب وكرز بهما واشترك مع القديس بولس الرسول في تأسيس كنيسة رومه. ويقال إنه كتب إنجيله للرومان باللاتينية…
كرازة مار مرقس
اعتدنا أن نطلق على القديس مارمرقس لقب “كاروز الديار المصرية” وحقًا إنه لكذلك، غير أن خدمته لم تكن قاصرة على مصر، ولا على الخمس المدن الغربية في ليبيا وما غربها… إنما كانت للقديس مار مرقس في كرازته صفة مسكونية، تظهر أولًا في إنجيله، وأيضًا في البلاد العديدة التي خدمها… لقد كرز مع القديس بطرس في اليهودية، في أورشليم وبيت عنيا وفي جهات أخرى. وكرز أيضًا في أنطاكية في الرحلة التي صحب فيها القديسين بولس وبرنابا (أع11: 27- 30) إذ “أخذا معهما يوحنا الملقب مرقس” (أع12: 25). وانحدر معهما إلى سلوكية… وكما كرز في أنطاكية، كرز أيضًا في قبرص، وفي آسيا.
وهناك تقليد في لبنان أن القديس مارمرقس قد بشر بلادهم وبخاصة جبيل… وقد ورد خبر ذلك في “تاريخ الكنيسة السريانية الأنطاكية”. (ج1: 156، ج3 ص298) كما ورد ذلك أيضًا في كتاب “مدينة الله أنطاكية العظمى” للدكتور أسد رستم… وبالغ البعض حتى قالوا “وجبيل تفتخر بأول أساقفتها يوحنا مرقس” وقد يكون مارمرقس قد بشر هذه المناطق، ولكنه لم يكن أسقفًا لها فأسقفيته هي مصر وكل تخومها…
والمعروف أن القديس مارمرقس قد كرز أيضًا في رومه مع القديس بولس الرسول.
ولا يختلف أحد في هذا، إنما أخوتنا الكاثوليك يرون أنه خدم مع القديس بطرس وليس بولس. ولا شك أن مؤسس كنيسة رومه هو القديس بولس الرسول… وقد أفردنا فصلًا خاصًا بهذا الموضوع في كتابنا “مار مرقس الرسول” الذي أعدنا طبعه في مناسبة عيده.
ومن مساهمة مار مرقس في تبشير رومه أنه أرسل لأهلها إنجيله…
وفي كرازته في إيطاليا، كرز في البندقية وأكويلا. وأهل البندقية يعتبرونه شفيعهم..
ويعتبرونه أيضًا بطل بلادهم. وقد اتخذوا أسد مار مرقس رمزًا لهم. وأقاموا تمثالًا لهذا الأسد المجنح في ساحة مار مرقس بمدينتهم. أما أهل أكويلا “وهي من أعمال البندقية” فيقولون إن مار مرقس بشر بإنجيله في بلدهم، وأن فيها آثارًا عظيمة جعلت اسمه مخلدًا…
وقد بشر مار مرقس في كولوسي أيضًا وفي مناطق خدمة القديس بولس الرسول لقد كان مارمرقس- بالإضافة إلى رعايته لمصر من أعظم مساعدي بولس الرسول في الخدمة…
كانت مصر هي مركز خدمته وأسقفيته مع امتدادها غربًا في ليبيا، وجنوبًا حتى النوبة. وكانت توجد في النوبة قرية تسمى “مرقسة” غرقت عند تحويل مجرى النيل بعد تشييد السد العالي…
ولكن الطاقات الروحية والرعوية لمار مرقس كانت أكبر من مصر وليبيا والنوبة… فكرز أيضًا خارج هذا النطاق مع بولس الرسول، ومع خاله برنابا، ومع بطرس الرسول في اليهودية في أوائل خدمته. وامتدت كرازته إلى القارات التي كانت معروفة وقتذاك: آسيا وأوروبا وأفريقيا. وكرز بالإنجيل للخليقة كلها…
مدرسة الإسكندرية اللاهوتية
وتعرف أيضًا باسم المدرسة الإكليريكية إنها بحق مدرسة مار مرقس. وكان أساتذتها علماء الكنيسة، كما خلفوا مار مرقس على كرسيه.
أول ناظر لها “القديس يسطس” خلف مار مرقس وصار السادس على الكرسي المرقسي. وتولى النظارة بعده أومانيوس، وصار السابع على الكرسي المرقسي وتولى إدارة المدرسة بعده مرليانوس، وصار الثامن على الكرسي المرقسي.
وكان يوليانوس (البطريرك 11) من تلاميذ هذه المدرسة. وفي عهد البابا ديمتريوس الكرام (12) تبن ياروكلاس مديرًا للمدرسة بعد أوريجانوس وصار البابا الثالث عشر. وفي عهده عين القديس ديونسيوس للتدريس في المدرسة اللاهوتية، وصار هو أيضًا البابا الرابع عشر.
وهكذا تتابع على الكرسي المرقسي أساتذة ومديرو هذه المدرسة اللاهوتية الإكليريكية خلال القرون الثلاثة الأولى للمسيحية.
وتخرج في هذه المدرسة أيضًا البابا بطرس السابع عشر في عداد البطاركة والبابا أرشيلاوس “الثامن عشر”، والبابا أثناسيوس “العشرون” والبابا تيموثاؤس “الثاني والعشرون” وعُرف بابوات الإسكندرية بعلمهم، ولقب بابا الإسكندرية بقاضي المسكونة وبخاصة لأن هذه المدرسة قصدها كثيرون من بلاد عديدة. وتتلمذوا على أساتذتها. فلما صاروا أساقفة في بلادهم، وكانوا ينظرون إلى بابا الإسكندرية كأستاذ لهم، وقد تتلمذوا على يديه حينما كان أستاذًا للإكليريكية وكثيرون من قادة الكنائس وبطاركتها لم يتتلمذوا على أساتذة مدرسة الإسكندرية اللاهوتية الإكليريكية. ولكنهم تتلمذوا على كتبهم فاعتبروا أنفسهم تلاميذ لهم.
ونحن ندين لمارمرقس الرسول بتأسيس الكلية الإكليريكية، وبكل ما أنجبته من أساتذة ومن بطاركة وأساقفة وبكل ما قدمته للعالم من كنوز العلم.
ونرى أنه بفضل مارمرقس، وبفضل هذه المدرسة تبوأ الكرسي المرقسي مكانة كبيرة في المجامع المسكونية، وفي الدفاع عن الإيمان المسيحي، وبتزويد العلم بمجموعة نادرة من كتب اللاهوت وتفسيرات الكتاب المقدس… ونشهد أن مارمرقس كان حكيمًا وبعيد النظر جدًا في تأسيس هذه المدرسة اللاهوتية في الإسكندرية…
قداس مارمرقس
ويدخل في العلم أيضًا – من جهة الطقس – القداس الذي وضعه القديس مار مرقس الرسول.
وهو أقدم قداسات الكنيسة. وضعه القديس بالغة اليونانية، ثم ترجم إلى القبطية. وسلمه إلى القديس أنيانوس ليصلي به. وكانوا يستلمونه شفاهًا.
ثم دونه البابا أثناسيوس سنة 330م وسلمه للقديس أفرومنتيوس أول أسقف رسمه البابا أثناسيوس لأثيوبيا.
ثم أضاف عليه البابا كيرلس الكبير (24) إضافات كثيرة، فنسب إليه، وصار يعرف باسم القداس الكيرلسي.
ويقول قاموس أكسفورد أنه في سنة 1928 اكتشفت قصاصات من هذا القداس في بردي استراسبورج ترجع إلى القرنين الرابع والخامس في الطقس القبطي، مكتوب عليها القداس القبطي للقديس مرقس أو للقديس كيرلس. وصيغة أخرى منه باللغة الأثيوبية… وتوجد ثلاث مخطوطات في مكتبة الفاتيكان لهذا القداس…
مار مرقس ومصر
جاء مار مرقس إلى مصر، ولم تكن فيها كنيسة إنما كانت تزدحم بعبادات كثيرة: مصرية ويونانية، ورومانية، وشرقية كما تزدحم بفلسفات تنشرها مدرسة الإسكندرية الزاخرة بالمخطوطات ودخل مارمرقس الإسكندرية بحذاء ممزق من كثرة السير. وكان أول من آمن على يديه أنيانوس وأهل بيته
ثم أسس كنيسة في بوكاليا وازداد عدد المؤمنين يومًا بعد يوم. وكان مارمرقس يكرز في الإسكندرية ويسافر لافتقاد أبنائه في ليبيا، ويسافر أيضًا ليساعد بولس الرسول. وهكذا احتاجت خدمة مصر إلى رعاية أكثر.
فلكثرة أسفار القديس مار مرقس رسم أسقفًا عامًا يعاونه في خدمته هو القديس أنيانوس الذي صار أول من خلف مار مرقس وجلس على كرسيه كما رسم معه ثلاثة من القسوس أحدهما القديس يسطس الذي تسلم الكلية الإكليريكية وصار السادس في عداد بطاركة الكرسي المرقسي. وجاهد القديس مار مرقس في نشر الإيمان، حتى نال إكليل الشهادة في يوم30 برمودة سنة 68م.
وهكذا كان رسولًا، وشهيدًا، وكاروزً وعالمًا ومعلمًا وأحد الإنجيليين الأربعة، بل أولهم حسب تاريخ الأناجيل.
وإنجيل وأسد مار مرقس
يعتبر إنجيل مارمرقس أقدم الأناجيل كما أنه إنجيل مركز جدًا، وهو أقل الأناجيل في عدد إصحاحاته: إذ يشمل 16 إصحاحًا، فقط بينما إنجيل يوحنا 21، وإنجيل لوقا 24، وإنجيل متى 28.
كتب إنجيله للرومان المعتزين بقوتهم. فشرح لهم لاهوت المسيح وقوته وملكه. لذلك يبدأ من الآية الأولى ببنوة المسيح لله. ومن الإصحاح الأول وتحدث عن عظمة المسيح ومعجزاته وقوة تعليمه، وتأثيره على الناس، وازدحامهم حوله، بل أيضًا خدمة الملائكة له، وسلطانه على الشياطين.
حتى أن شفاء حماة سمعان بطرس من الحمى، المعجزة التي وردت في الإصحاح الأول في هذا الإنجيل. من عمق التركيز… وعلماء الكتاب يقولون ان أنسب إنجيل لتعليم الشباب هو إنجيل مار مرقس. ويرمز لهذا الإنجيل بالأسد، كما يقال على الأربعة الحيوانات “الأول شبه أسد” (رؤ4: 7). ويناسب الأسد أيضًا ما ورد في أول الإنجيل “صوت صارخ في البرية” (مر1: 3). ويناسبه أيضًا تقديم المسيح للرومان كملك وكابن لله، والأسد هو ملك… كذلك يناسب ذلك أول معجزة أجراها الله على يد مار مرقس، إذ بصلاته نجاه الرب ونجا والده من أسد ولبؤة. وأسد مار مرقس يبدو هادئًا وديعًا إلى جواره، بلا وحشيته…
رأس مارمرقس وجسده
رأس مار مرقس حفظت في الإسكندرية. وأخذت جولة كبيرة في مناطق متعددة، إذ كان المؤمنون يحرصون عليها من السرقة أو الخطف، كما حدث لجسده الذي أخذه بحارة من البندقية في سفينة وهربوا به…
رأس القديس محفوظة في الكنيسة المرقسية بالإسكندرية، ورفات من جسده محفوظ في الكاتدرائية المرقسية الكبرى بدير الأنبا رويس بالقاهرة. ونحن إذ نكرم القديس، لا نكرمه فقط بالتبارك من رأسه ورفاته، وإنما نكرمه بالأكثر بتذكر عمله الرسولي الرعوي والكرازي، والسير في طريقه.
ما أكثر الكنائس التي بنيت على اسم هذا القديس في السنوات الأخيرة، ولا سيما في بلاد المهجر، إذ يفتخر كل قبطي فيها بأنه من أبناء مار مرقس. لتكن بركته وشفاعته معنا جميعًا.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 5-5-1985م





