تاريخ الرهبنة في الكنيسة

يشرح قداسة البابا شنوده الثالث أن الرهبنة بدأت رسميًا بالقديس الأنبا أنطونيوس، الذي يُدعى “أب جميع الرهبان”، لكنه يؤكد أن جذورها تمتد إلى ما قبل ذلك في العهد القديم، من خلال أنبياء وقديسين عاشوا حياة النسك والبتولية مثل يوحنا المعمدان وإيليا النبي وحنة النبية. فهذه الحياة النسكية — حياة الصلاة، الصوم، الوحدة، والتأمل — كانت موجودة منذ القدم، حتى تجمعت وتبلورت في حياة القديس أنطونيوس.
ثانيًا: المعنى اللغوي للرهبنة
يوضح البابا أن كلمة “راهب” بالعربية ليست دقيقة في الأصل، فالكلمة اليونانية Monachos تعني “المتوحد”، بينما بالعربية ربما جاءت من “يرهب الله” أي يتقيه. ويشير إلى أن الرهبنة في أصلها حياة وحدة وعبادة وليست خوفًا بل محبة لله.
ثالثًا: أنواع الرهبنة وتطورها
يفرّق بين “الرهبنة” كحياة انفرادية عاشها القديس أنطونيوس في الجبال والمغارات، وبين “الديرية” أي الحياة المشتركة التي أسسها القديس الأنبا باخوميوس، الذي وضع أول نظام رهباني منظم في العالم. كما يشير إلى أن قوانين باخوميوس أصبحت مرجعًا لكل القوانين الرهبانية لاحقًا، وتبعته نظم القديس باسيليوس الكبير وغيرها.
رابعًا: انتقال الرهبنة إلى العالم
انتشرت الحياة الرهبانية من مصر إلى الغرب بفضل كتابات القديس أثناسيوس الرسولي عن حياة أنطونيوس (Vita Antonii)، وأعمال بلاديوس وروفينوس ويوحنا كاسيان، الذين نقلوا خبرات الرهبان المصريين إلى أوروبا، فكانت مصر المنبع الأول للرهبنة العالمية.
خامسًا: مراكز الرهبنة في مصر
يوضح البابا أن أهم مناطق الرهبنة كانت في:
-
الصحراء الشرقية (رهبنة الأنبا أنطونيوس والأنبا بولا).
-
وادي النطرون (رهبنة الأنبا مكاريوس وأبنائه الروحيين مثل الأنبا بيشوي والأنبا يوحنا القصير).
-
الصعيد (رهبنة الأنبا باخوميوس في إسنا، والأنبا شنوده رئيس المتوحدين في سوهاج).
ويذكر أن عدد الأديرة ازداد حتى صار بالمئات، حتى إن التسبيح لم يكن ينقطع من أسوان إلى إسنا كما وصف يوحنا كاسيان.
سادسًا: الرهبنة النسائية
تحدث عن نشأة بيوت العذارى التي كانت نواة لرهبنة الراهبات، وذكر نماذج مثل القديسات مارينا، بيلاجيا، دمiana، وميلانيا، وباولا، مشيرًا إلى دورهن في نشر حياة التكريس والزهد.
سابعًا: العلاقة بين الرهبنة والكهنوت
أكد أن الرهبنة في بدايتها كانت بعيدة تمامًا عن الكهنوت، وأن الرهبان لم يكونوا يُرسمون قسوسًا أو بطاركة، بل كان يُستدعى كهنة من الخارج لخدمة الأديرة. ثم تطورت الأمور تدريجيًا حتى صار يُختار من الرهبان أساقفة وبطاركة لخدمتهم الروحية، مع بقاء الرهبنة كحياة صلاة ووحدة في الأساس.
ثامنًا: الأثر اللاهوتي والثقافي للرهبنة
بعد إغلاق مدرسة الإسكندرية، صارت الأديرة مراكز العلم والنسخ اللاهوتي، وانتشر الرهبان الناسخون الذين حفظوا الكتب المقدسة والتراث الكنسي، فكانت الرهبنة منبع العلم والإيمان في الكنيسة القبطية.



