تاريخ البدع والهرطقات التي قامت في العصور الأولى
تتناول هذه المحاضرة شرحًا لتاريخ البدع والهرطقات التي ظهرت في القرون الأولى للمسيحية، وكيف تصدت الكنيسة لها بحكمة الآباء وتعليمهم المستقيم، لحماية الإيمان الأرثوذكسي السليم من الانحرافات الفكرية والعقائدية التي حاولت أن تمسّ جوهر شخص المسيح وتعاليمه.
📜 البدعة الأولى: المتهودون (الابيونيون):
بدأت الهرطقات منذ العصر الرسولي بحركة التهوّد، وهي بدعة حاول أصحابها إدخال الناموس اليهودي إلى الإيمان المسيحي، فاشترطوا الختان وحفظ السبت ورفضوا خلاص الأمم ما لم يلتزموا بالشريعة الموسوية. واجه القديس بولس الرسول هذه الحركة بقوة في رسائله، مؤكدًا أن الخلاص بالنعمة لا بالنّاموس.
📖 انحرافهم في الإيمان بالمسيح:
لم يكتفِ المتهودون بالتمسك بالناموس، بل أنكروا لاهوت السيد المسيح وولادته من العذراء مريم، واعتبروه إنسانًا فقط لا إلهًا متجسدًا. وقد سماهم التاريخ “الابيونيين” أي “الفقراء”، لأن فكرهم كان فقيرًا من حيث الفهم الروحي واللاهوتي.
🔥 موقف الكنيسة من الابيونيين:
رفضت الكنيسة هذه البدعة وقطعت أصحابها من الشركة، لأنهم أنكروا التجسد الإلهي الكامل، ونفوا وجود المسيح السابق قبل ميلاده بالجسد، مخالفين بذلك العقيدة المسيحية. وقد كتب عنهم الآباء مثل يوسابيوس، يوستينوس، إيريناوس، وجيروم، الذين أوضحوا ضلال فكرهم.
⛪ بدعة النيقولاويين:
ظهرت أيضًا بدعة النيقولاويين الذين نسبوا أنفسهم إلى أحد الشمامسة السبعة نيقولاوس، وقد وُجد خلاف حول مصدر انحرافهم. فالبعض رأى أن نيقولاوس نفسه سقط، بينما رأى القديس أكليمندس الإسكندري أن أتباعه هم الذين انحرفوا في حياتهم وسلوكهم، مبيحين الفسق وما ذُبح للأوثان. وقد ذمّهم السيد المسيح في سفر الرؤيا قائلاً: “أبغض أعمال النيقولاويين التي أبغضها أنا أيضًا”.
📖 بدعة أبوليناريوس:
ثم ظهرت هرطقة أبوليناريوس في القرن الرابع، الذي كان أسقفًا ومدافعًا عن الإيمان ضد الأريوسية، لكنه أخطأ عندما قال إن المسيح لم تكن له نفس بشرية، بل إن لاهوته حلّ محلها. وبذلك أنكر كمال ناسوت المسيح. فحكمت الكنيسة بحرمه لأنه إن لم يأخذ المسيح طبيعتنا البشرية الكاملة، فلا يكون قد خلّصها بالكامل.
🕊 التعليم الروحي:
تؤكد قداسة البابا شنوده الثالث أن الدفاع عن الإيمان يجب أن يكون على أساس علم روحي ولاهوتي سليم، لأن بعض من حاولوا مقاومة الهرطقات وقعوا هم أنفسهم في هرطقات جديدة. لذلك على المؤمن أن يدرس العقيدة بعمق، ويعيشها بروح التقوى والإيمان، ليحافظ على نقاوة التعليم الأرثوذكسي الذي سُلِّم مرة للقديسين.


