تأمل مقاييس خاطئة

تأمل…
مقاييس خاطئة1
في القوة والضعف، والنصرة والهزيمة
احتفلنا منذ أيام بعيد الصليب، وقبله بعيد الشهداء. ومن العيدين نخرج بمعنى جميل عن القوة، وبمقاييس أخرى غير ما يعرفه الناس…
أيهما كان أقوى: المسيح المصلوب، أم اليهود الذين صلبوه؟
لقد أهين السيد المسيح وضرب وعلقوه على خشبه. ولكنه كان قويًا في صلبه، استطاع أن يقهر الخطية والشيطان. وكان أقوى من صالبيه الذين غلبتهم خطايا الظلم والمجد الباطل والقسوة والشهادة بالزور… إلخ.
أيهما كان أقوى: قايين أم هابيل؟ استطاع قايين أن يطرح هابيل أرضًا ويقتله. ومع ذلك لم يكن قايين قويًا! لقد غلبته خطايا الحسد والقسوة والكراهية… أما هابيل المقتول فكان أسمى بكثير…
كثيرًا ما يحسب الإنسان أنه منتصر، ويزهو بذلك في خيلاء واعجاب بنفسه. ويكون في حقيقة أمره مهزومًا: مهزومًا من نفسه التي لم يستطع الانتصار على أهوائها، ومهزومًا من خطايا أخرى، ومن مقاييسه الخاطئة التي بواسطتها يتخيل النصرة حيث توجد الهزيمة…!!
وذلك الذي يلطمك على خدك الأيمن فتدير له الآخر: هل يظن أنه قد انتصر عليك؟! كلا، لقد هزمه غضبه وغيظه، فسقط بضربك. كذلك الذي يشتمك ويهينك. مسكين أن يظن أنه أقوى منك! لقد هزمه لسانه وقلبه…
كل إنسان في الدنيا يمكنه أن يغضب وأن يشتم وأن يعتدى على الآخرين. ولكن الشخص القوي هو الذي يستطيع أن يضبط لسانه أو أن يحتمل.
إن الذي يحتمل هو الأقوى. لذلك قال الرسول: “يجب علينا نحن الأقوياء أن نحتمل ضعف الضعفاء” (رو15: 1).
هل يظن هيرودس أنه كان أقوى من يوحنا المعمدان، لأنه قدم رأس يوحنا على طبق؟ كلا، بلا شك. لقد كان المقتول أقوى. وظل هيرودس يخشى يوحنا حتى بعد مقتله. ولما ظهر المسيح ظن هيرودس أنه يوحنا قد قام من الأموات…
ما أعجب مقاييس الناس! يظنون القوة حيث يوجد الضعف! والنصرة حيث توجد الهزيمة… مقاييس خاطئة…
انتصر يا أخي على نفسك. فقاهر نفسه خير من قاهر مدينة.
- مقال لنيافة الأنبا شنوده أسقف التعليم – مجلة الكرازة السنة الأولى– العدد الثامن- أكتوبر 1965




