تأمل الاية 3 -رومية ص12 -يرتئى فوق ما ينبغى

يتأمل قداسة البابا شنوده الثالث في قول الرسول بولس: “أن لا يرتئي أحد فوق ما ينبغي أن يرتئي بل يرتئي إلى التعقل كما قسم الله لكل واحد مقدارًا من الإيمان.”
ويشرح أن هذه الآية تدعو إلى الاتزان والاتضاع في الفكر والسلوك، وعدم تجاوز الإنسان لقياسه الروحي أو لقدراته التي منحه الله إياها.
أولًا – التجديد والتمييز الروحي:
يبدأ القديس بولس الحديث بضرورة تجديد الذهن حتى يختبر الإنسان إرادة الله الصالحة المرضية الكاملة. والإنسان الروحي لا يسير بحسب إرادته الخاصة ولا إرادة الناس، بل يخضع فكره ومشيئته لإرادة الله. فطريق الله هادئ وبسيط، لا يعرف الاندفاع أو التسرع.
ثانيًا – الفرق بين إرادة الله وسماحه:
يشدد البابا على أن ليس كل ما يحدث في الحياة هو إرادة الله، بل هناك أمور يسمح بها الله دون أن تكون صالحة في نظره. لذلك على المؤمن أن يميّز ويفحص بدقة قبل أن ينسب الأمور لله.
ثالثًا – معنى “يرتئي فوق ما ينبغي”:
يحذر البابا من الكبرياء الروحي والطموح الزائد، سواء في طلب المواهب أو في محاولة بلوغ درجات روحية تفوق القامة الحقيقية للإنسان. فالسير في الحياة الروحية يحتاج صبرًا وهدوءًا ونموًا تدريجيًا، لا قفزات متهورة.
رابعًا – أمثلة من الكتاب والتاريخ:
استشهد البابا بسقوط آدم وحواء حين أرادا أن “يصيرا مثل الله”، وببناء برج بابل كصورة للغرور البشري، كما أشار إلى تلميذ القديس باخوميوس الذي أراد الاستشهاد دون دعوة من الله فسقط. كل هذه الأمثلة تبرز خطر تجاوز الإنسان لحدوده الروحية والعقلية.
خامسًا – الاتضاع في الإصلاح والخدمة:
ينبه البابا إلى أن بعض الناس يندفعون لإصلاح الكل دون أن يبدأوا بأنفسهم، فيرتؤون فوق ما ينبغي. الإصلاح الحقيقي عمل هادئ بتعقل، بعيد عن الغرور والحكم على الآخرين.
سادسًا – التواضع أمام المرشدين الروحيين:
من يرتئي فوق ما ينبغي يصعب عليه الطاعة أو قبول المشورة، بينما المتعقل يعرف حدوده ويحترم الإرشاد الروحي ويعتمد على نعمة الله لا على فهمه الذاتي.
الرسالة الختامية:
يدعو البابا كل إنسان أن يسلك في التعقل، ويقبل القامة التي قسمها الله له في الإيمان، فينمو باتضاع وثبات، دون اندفاع أو غرور، متمسكًا بقول الكتاب: “على فهمك لا تعتمد.”


