تأملات في يوم خميس العهد

تأملات في يوم خميس العهد1
يوم خميس العهد من الأيام الهامة جدًا في الكنيسة.
وأهم أحداث هذا اليوم العظيم ثلاثة أمور.
١– غسل السيد المسيح لأرجل تلاميذه …
وتحتفل الكنيسة بهذا الحدث الهام، بصلاة اللقان ثم يغسل رئيس الكهنة: أو الكاهن الخديم، أرجل الشعب.
٢– تأسيس السيد المسيح لسر الإفخارستيا:
وتحتفل الكنيسة به، بأن تقيم القداس الإلهي لأول مرة خلال البصخة ويتناول غالبية الشعب عادة، مستعدين لذلك بالتوبة والاعتراف.
٣– اهتمام الرب بتلاميذه، وخطابه الوداعي لهم، وصلاته لأجلهم.
البعض يتكلم عن أسبوع الآلام، كما لو كانت اَلام المسيح محصورة في هذا الأسبوع! أو كما لو كانت اَلامه قاصرة على الصلب، أو على الآلام السابقة للصليب، مثل الجلد والضرب وحمل الصليب، والبصاق والإهانة والاستهزاء وعبارات التحدي الجارحة وشهادة الزور…
كلا، فإن الألم شمل حياة المسيح كلها.
لم يكن ألمه مجرد أسبوع، وإنما كان طول فترة خدمته وقبلها أيضًا، ومنذ ميلاده. بل إن الوحي الإلهي قد لخص حياة الرب بالجسد، في تلك العبارة العميقة المركزة، التي وصفه فيها بأنه: “رجل أوجاع ومختبر الحزن” (إش53: 3).
وقيل عنه أيضًا أنه “تألم مجربًا” (عب2: 18).
وأصبح عمق الحياة الروحية هو أن “نتألم معه” (رو8: 17).
أو ندخل في “شركة اَلامه” (في3: 10). فكل أَلَم من أجل البر، يعتبر شركة في اَلام المسيح.
وقيل عن المسيح أنه حزن واكتأب وبكى.
قيل إنه حزن واكتأب (مر14: 33). وقد قال في البستان “نفسي حزينة جدًا حتى الموت” (مت26: 38).
ويكفي ما قيل في أحزانه أن “أحزاننا حملها، وأوجاعنا تحملها” (اش53: 4). أي أن كل أحزان البشرية وأوجاعها قد وضعت على كتفيه، وصارت مشاعر في قلبه.
وقد ورد في الإنجيل أكثر من مرة أنه بكى. لقد بكى على أورشليم (لو19: 41). وهو يذكر ما سيصيبها من أعدائها، وبكى عليها أيضًا لأنها لم تعرف زمان افتقادها.
وكذلك بكى عند قبر لعازر، الذي قالت عنه أخته أنه قد أنتن لأن له أربعة أيام (يو11: 35، 39). بكى وهو يرى كيف أنه بالخطية دخل الموت إلى العالم، وملك على الإنسان الذي خلق على صورة الله… وأصبح ممكنًا أن هذا الإنسان ينتن…!!
ذاق المسيح الألم، حتى من يوم مولده.
ولد في يوم من أشد أيام الشتاء برودة، في مكان رطب هو مزود بقر، إذ لم يكن لأمه موضع في البيت (لو2: 7). وبذل هيرودس كل جهده وحيلته ليقتله، حتى أنه قتل كل أطفال بيت لحم، لعله يكون من بينهم! واضطرت العذراء أن تهرب به إلى مصر. ثم عادت “بعد أن مات الذين كانوا يطلبون نفس الصبي” (مت2: 20). وقضى المسيح فترة صباه وشبابه مجهولًا، في بيت نجار فقير دعي أبًا له، فلم يعرف العالم عن هذه الفترة شيئًا.
وعاش المسيح فقيرًا، يتحمل الضيق لأجلنا.
لم يمش مطلقًا في الطريق الرحب، بل عاش حياة كلها ألم، سواء من جهة الجسد، أو من جهة النفس.
لم يكن له بيت يسند فيه رأسه. ولم يكن له مال، حتى عندما طلبت منه الجزية، لم يكن له ما يعطيه.
جرب التعب، وجرب أيضًا الجوع والعطش.
وكمثال لتعبه، قيل إنه تعب من مشقة وطول الطريق، وقد مشى مسافات طويلة لكي يخلص المرأة السامرية. وقال الكتاب في ذلك “فإذ كان يسوع قد تعب هكذا من السفر، جلس على البئر. وكان نحو الساعة السادسة “في الظهر تمامًا” (يو4: 6).
وكما جرب المسيح التعب، جرب الجوع. وحينما نقول الجوع، لا نقصد الجوع العادي، كأن يتأخر إنسان ساعة عن موعد أكله، فيقال إنه جاع! كلا، بل حينما قيل عن المسيح إنه جاع على الجبل، كان المقصود آخر ما يمكن أن تحتمله الطاقة البشرية في الامتناع عن الأكل. لذلك حسنًا قيل إنه “جاع أخيرًا” (مت4: 2) أخيرًا، بعد صوم استمر أربعين يومًا.
ولما قيل إنه عطش على الصليب، كان المقصود به عطشًا لا يحتمل، بعد أن تصفى تقريبًا ما في جسده من دم ومن ماء…
أما عطشه وجوعه عند بئر السامرة، فلم يقل الكتاب وقتذاك أنه شرب ماء. ومن جهة الطعام، لم يأكل وقال: “طعامي أن أفعل مشيئة الذي أرسلني” (يو4: 34). ولم يقل الكتاب في تلك المناسبة أنه جاع أو عطش. إنه جوع عادي، وعطش عادي، يعبر الكتاب عنهما…
وفي خدمة المسيح، جابه ألم آخر، هو ألم الرفض:
“إلى خاصته جاء، وخاصته لم تقبله” (يو1: 11).
“كان نورًا للعالم، وهذا النور أضاء في الظلمة، والظلمة لم تدركه” (يو1: 5). إنه أمر مؤلم حقًا، أن النور جاء إلى العالم، ولكن أحب الناس الظلمة أكثر من النور، لأن أعمالهم كانت شريرة” (يو3: 19). وتحققت في الرب نبوءة المزمور “رفضوني أنا الحبيب مثل الميت المرذول” (مز37: 2).
عاش يعامل الناس بالحب، ولا يجد حبًا مقابل حبه.
لم يجد محبة تماثل محبته، ولا معاملة طيبة تماثل معاملته الطيبة للناس. والعبارة التي قيلت عنه أنه “لم يجد موضعًا يسند فيه رأسه” (مت8: 20). كما نفهمها من الناحية المادية، الحرفية، نفهمها أيضًا من الناحية العاطفية كذلك. فقد عاش الرب وسط أشخاص جاحدين، ناكرين للجميل، ناكرين للحب.
ذهب مرة إلى بلدته بيت لحم، فرفض أهلها أن يقبلوه.
لم يؤمنوا به، بل قابلوه باستهزاء وباحتقار قائلين “أليس هذا هو ابن النجار؟؟ من أين لهذا هذه الحكمة والقوات؟؟ فكانوا يعثرون به” (مت13: 54- ٥٨)، حتى قال لهم الرب: ليس نبي بلا كرامة إلا في وطنه وفي بيته.
وذهب إلى إحدى قرى السامرة، فأغلقت أبوابها في وجهه.
حتى غضب تلميذاه لهذا الأمر، أما هو فاحتمل السامرة بحب كبير وصبر طويل إلى أن تمكن من دخولها فيما بعد والعمل على خلاصها. ولما رأى ثمار تعبه في السامرة، قال لتلاميذه: “أنا أرسلتكم لتحصدوا ما لم تتعبوا فيه” (يو4: 38). نعم إن العمل على خلاص النفس يحتاج إلى تعب وإلى احتمال…
أحيانًا كان يرى أبواب القلوب مغلقة، فيقف ويقرع:
وقد يطول به الوقوف، حتى “يمتلئ رأسه من الطل، وقصصه من ندى الليل”(نش5: 2). وهو لا يمل الانتظار، ولا يخجل منه…
والرب بهذا يعطينا درسًا أن كسب محبة الناس يحتاج منا إلى احتمال وطول بال. فأحيانًا تكون القلوب صلبة وشديدة، ولا يمكن دخولها بسرعة ولا بسهولة… فإن تعبت في دخول قلوب الناس، فلا تتضايق. هكذا حدث للمسيح منبع الحب. وإن دخلت قلبًا، ولم تجد فيه محبة مثل محبتك، فلا تحزن. فهكذا حدث للمسيح قبلاً، ولم يعامل الناس بمثل معاملتهم.
بل كان وسط الكل “يجول يصنع خيرًا” (أع10: 38).
“يكرز ببشارة الملكوت، ويشفي كل مرض وكل ضعف في الشعب” (مت4: 23). مَن مِن الناس لم يأخذ من محبة المسيح ومن تعبه؟! الكل أخذوا… حتى الذين رفضوه، حتى الذين صاحوا فيما بعد أصلبه أصلبه…
كان يوزع محبته على الكل، فيلاقي انتقادًا من معلمي الشعب.
إن أشفق على عشار لكي يخلص نفسه، انتقدوه قائلين: “إنه دخل ليبيت عند رجل خاطئ” (لو19: 7). فيجيب المسيح: “اليوم حصل خلاص لهذا البيت، إذ هو أيضًا ابن لإبراهيم”.
ويحتمل الرب هؤلاء المنتقدين، ويعمل على إقناعهم ليكسبهم.
كم من مرة فعل خيرًا، فانتقدوه على فعل الخير، من زاوية معينة، كما حدث في الحب الذي بذله نحو العشارين ليخلصهم. أو نحو السامريين المرذولين منهم… واضطر أن يقول لهم مثل الفريسي والعشار (9:18- 14). ومثل السامري الصالح (لو10: 30- 35).
وبالمثل أشفق على تلك المرأة الخاطئة التي بللت قدميه بدموعها، فانتقده سمعان الفريسي قائلًا في قلبه “لو كان هذا الإنسان نبيًا، لعلم من هذه المرأة وما حالها، إنها لخاطئة” (لو7: 39). فشرح لهذا الفريسي كيف أن الذي يغفر له الكثير يحب كثيرًا…
وبنفس القلب الشفوق الحنون الطيب، أشفق على المرأة الزانية التي ضبطت في ذات الفعل، وأنقذها من القساة المشتكين عليها طالبين رجمها، وهم يعرفون شفقته على الخطاة، إنما فعلوا ذلك “ليجربوه، لكي يكون لهم ما يشتكون به عليه” (يو8: 6)
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 10-4-1988م



