تأملات في نشيد الأناشيد – أين ترعى

الروحيون يقرأون هذا السفر، فيزدادون في محبة الله. أما الجسدانيون فيحتاجون في قراءته إلى مرشد لئلا يسيئوا فهمه، ويخرجوا من معناه السامي إلى معان عالمية…
نريد أن يكون تأملنا اليوم في سفر النشيد في قول الوحي الإلهي “أخبرني يا من تحبه نفسي، أين ترعى أين تربض عند الظهيرة؟” (نش1: 7).
أين ترعى…؟1
إنها صرخة نفس تبحث عن الله، تسعى وراءه، تريد أن تعرف طرقه. تذكرنا بقول داود النبي “عرّفني يا رب طرقك، فهّمني سبلك”…
سؤال يقف أمام الإنسان الذي يريد أن يكوّن علاقة بالله…. أين أجدك يا رب؟ أين أنت؟ ما هي الأمكنة التي أستطيع فيها أن أتمتع بك؟ ما هي الكتب التي تحدثني عنك؟ وما هي الأفواه التي أسمع منها عنك وعن سمائك وعن ملائكتك وعن كتبك وعن خلاصك العجيب؟ …
أين أجدك؟ هل في الصلاة أم في التأمل؟ أم في الكتب؟ أم في الهدوء والسكون؟ أم في المطانيات؟ أم في الكنيسة؟ أم في البرية؟ “أين ترعى؟ أين تربض عند الظهيرة؟”…
هذه النفس الباحثة عن الله، التي تريد أن تجده، هي التي تقول عن مشاعرها في سفر النشيد. “في الليل، على فراشي، طلبت من تحبه نفسي” (3: 1). “أنا نائمة، وقلبي مستيقظ” (5: 2). في الليل، ظلمة هذا العالم، بعيدًا عن نوره العجيب، كانت نفسي ما تزال تطلبه… نعم، أنا لست من الذين قال عنهم الكتاب إنهم “أحبوا الظلمة أكثر من النور”… كلا، بل أنا قد أسير في الظلمة وعلى الرغم من ذلك أحب النور. قد أخطئ- من ضعفي- ولكني ما أزال أحبك… أنا مثل بطرس الرسول الذي أنكر ثلاث مرات وسب ولعن وقال “لا أعرف الرجل”. ومع ذلك قال لك بعد هذا “أنت تعلم يا رب كل شيء، أنت تعرف أني أحبك” (يو21: 17). أنا نائمة، أو قد أبدو نائمة، ولكن…
على الرغم من نومي، قلبي مستيقظ: وعلى الرغم من نومي، أذكرك على فراشي. وعلى الرغم من نومي، فأنت “من تحبّه نفسي”…
هذا من الناحية الروحية، وحتى من الناحية الحرفية: ما أن أضع رأسي على فراشي، حتى أفكر فيك، وترتسم صورتك أمامي، كما قال الوحي عن كلماتك “لتكن… على قلبك، وقصها على أولادك، وتكلم بها حين تجلس في بيتك، وحين تنام، وحين تقوم” (تث6). نعم، حتى أنام، أنت ما تزال على قلبي. “على فراشي، طلبت من تحبه نفسي”.
إني أقوم، وأطوف في المدينة، في الأسواق، وفي الشوارع، أطلب من تحبه نفسي. طلبته فما وجدته” (نش3: 2).
رويدك، أين أنت ذاهبة أيتها النفس؟ “أنا أبحث عمن تحبه نفسي” وأين تبحثين؟ أبحث عنه “في المدينة، في الشوارع، في الأسواق”…!! أو حقًا ستجدينه هناك؟! ثم هل أنت التي تبحثين عنه، أم هو الذي يبحث عنك؟ هل تعرفين أين حبيبك أيتها الجميلة بين النساء؟ “هوذا آت، طافرًا على الجبال، قافزًا على التلال” (2: 8). إنه هو الذي يطلبك ويبحث عنك… نعم، كثيرًا ما نظن أننا نبحث عن الله، ويكون هو الذي يبحث عنا.
ثم أين تبحثين؟ في المدينة والشوارع والأسواق؟! إنه ليس هناك. لذلك حسنًا قلت “طلبته فما وجدته”. إنك لن تجدينه خارج نفسك، في المدينة والشوارع والأسواق”. إنه داخل قلبك.
الشوارع، الأسواق، ضجيجها، في صخب المدينة، ليست المكان اللائق الذي تتوقين إليه لبث أشواقك. أدخلي إذًا داخل نفسك، وكلّمي الله هناك. أتسالينه “أين ترعى؟ أين تربض عند الظهيرة؟” سيقول لك.
عند الظهيرة، في وقت الحرارة، أنا أرعى داخلك. أرعى أحاسيسك ومشاعرك، ونبضات قلبك، وخطرات فكرك، وحواسك، ونزعاتك، وغرائزك. أرعاك أنت.
حقًا قال الكتاب “الرب يرعاني، فلا يعوزني شيء”… يرعاني من الداخل قبل كل شيء. لأنه إن صلح الداخل، فلا خوف من الخارج. “يُسقط عن يسارك ألوف، وعن يمينك ربوات، وأما أنت فلا يقتربون إليك” (مز90). تنزل الأمطار، وتهب الرياح، وتصدم ذلك البيت، فلا يسقط (مت8) لأن أساسه متين. لأن الله يرعاه من الداخل، فلا تقوى عليه الأسباب الخارجية.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – نشر في مجلة الكرازة السنة الخامسة – العدد السابع 16-11-1974م



