تأملات في عيد الصعود المجيد

تأملات في عيد الصعود المجيد1
تحتفل الكنيسة بعيد الصعود يوم الخميس المقبل، ونود أن نتأمل معًا في هذا العيد من معان روحية، حتى نحتفل به في عمق، وفي فهم لما يحويه من إيحاءات…
قضى المسيح مع تلاميذه أربعين يومًا بعد القيامة، وفي يوم الأربعين ودعهم ووعدهم بأنهم سينالون قوة متى حل الروح القدس عليهم (أع1: 8).
ولما قال هذا، ارتفع وهم ينظرون وأخذته سحابة عن أعينهم، وفيما كانوا يشخصون إلى السماء وهو منطلق وقف بهم ملاكان وقالا لهم “ما بالكم واقفين تنظرون إلى السماء… إن يسوع هذا الذي ارتفع عنكم إلى السماء، سيأتي هكذا كما رأيتموه…” (أع1: 9- 11)
فما الذي نتعلمه من هذا الصعود:
1 – لم يفارقنا المسيح في صعوده
كان السيد المسيح مع التلاميذ بالجسد… ثم صعد عنهم، ولكنه لم يفارقهم… بل إنه قال لهم “ها أنا معكم كل الأيام وإلى انقضاء الدهر” (مت28: 20).
بل قال لهم أيضًا “حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي، فهناك أكون في وسطهم” (مت18: 20).
إذًا هو معهم لم يفارقهم، وسفر الرؤيا يقدم لنا صورة مؤثرة للسيد المسيح وهو في وسط الكنائس السبع، وفي يمينه سبعة كواكب هم رعاة الكنائس” (رؤ2: 1).
إنما المسيح مع الكنيسة بمستوى أعلى من مستوى الحواس، وأعلى من مستوى المرئيات… لا نراه بالجسد ولكن نؤمن بوجوده معنا بالإيمان، والإيمان هو إيقان بأمور لا ترى… (عب11: 1).
في صعود المسيح اختفى عن أنظار التلاميذ… ولكنه لم يختف عن أرواحهم لأنه اختفاء وليس مفارقه… إنها عملية فطام للحواس، لكي تتغذى الروح بالإيمان، ولا تبقى تحت سيطرة الحواس.
قبل أن ينضج التلاميذ روحيًا… كان يسمح لهم أن يروا ويلمسوا، ويعيشوا معتمدين على حواس الجسد… أما بعد نضجوهم، وبعد حلول الروح عليهم، فليبصروا إذن بالإيمان.
وكأنه يقول “لستم في حاجة الآن أن تروني بالجسد. أنتم الآن في مرحلة نضوج، ترونني بالروح وفعلًا في هذا النضوج لم يشعر التلاميذ مطلقًا أن المسيح قد فارقهم، فليكن إذن هذا الفكر في قلوبنا.
معنى آخر نتأمله في عيد الصعود، وهو:
2 – جسد الصعود الممجد
صعد السيد المسيح إلى السماء بجسد ممجد، ارتفع منطلقًا إلى فوق لا يخضع مطلقًا لقوانين الجاذبية الأرضية.
إنه جسد ليست فيه ثقل المادة التي تجذب إلى أسفل… بل له طبيعة أخرى ممجدة يمكن أن تصعد إلى فوق.
حقًا إن السيد المسيح قد قام بجسد ممجد، أمكنه أن يخرج من القبر وهو مغلق، وأمكنه أن يدخل العلية على التلاميذ وأبوابها مغلقة (يو20: 16- 26) ولكن التلاميذ لم يتيقنوا من مجد جسده هذا، لأنهم ظنوه خيالًا، ثم لأنهم جسوه، ولأنه تنازل فأكل معهم (لو24: 37- 43).
أما في الصعود، فدخلوا في عمق الإيمان بهذا الجسد الممجد، الذي جذب أنظارهم إلى فوق، حتى قال لهم الملاكان “ما بالكم واقفين تنظرون إلى السماء” (أع1: 11).
والرسول يفرحنا ببشارته لنا، أننا سننال شبه هذا المجد الذي للمسيح إذ سنقوم من الأموات في “صورة جسد ممجد” (في3: 21).
ويشرح هذا الأمر بالتفصيل في إصحاح القيامة (1كو 15) كيف أن جسدنا المائت سيلبس عدم موت، والفاسد سيلبس عدم فساد، وسنخلع الجسد الترابي الحيواني، لنلبس جسدًا روحانيًا نورانيًا سماويًا… (1كو15: 43 – 50).
وفي صورة الصعود، أخذنا عربونًا للجسد الممجد المرتفع إلى السماء.
ومازال هذا هو أملنا، في أن يعتقنا الله من المادة وتأثيرها. ولا يكون جسدنا ماديًا إلى الأبد، إنما سنلبس الجسد الروحاني، بافتداء أجسادنا (رو8: 23).
ولكن ما هو الطريق الموصل إلى المجد الذي ستناله أجسادنا الطريق الموصل إلى مجد أجسادنا، هو الموت أولًا، ثم القيامة… ولهذا لا نخاف الموت. بالموت نتخلص من مادية الجسد، وبالقيامة نلبس روحانية الجسد الممجد.
إن بقينا في هذا الجسد، سنبقى في المادة. ولكن إن خلعنا هذه المادة بالموت، سنؤهل إلى روحانية الجسد في الأبدية. من منا إذًا يشتهي أن يبقى في التراب، دون أن يتغير إلى المجد؟!
معنى آخر نفهمه من الصعود
3 – انتهاء عبارة أخلى ذاته
في الصعود المجيد، انتهت عبارة “أخلى ذاته” التي قيلت عن السيد المسيح (في2: 7) إنه الآن في مجد…
كل ما تعرض له جسد بشريته من إهانات وآلام وضعفات، قد زالت مدته إذ قد صعد المسيح على السحاب، وجلس عن يمين أبيه (أع7: 55).
وهكذا رآه الشهيد اسطفانوس. أو كما قال عنه بولس الرسول “جلس في يمين العظمة في الأعالي” (عب1: 3) و”جلس في يمين عرش العظمة في السموات” (عب8: 1).
فما معنى صعوده إلى السماء؟ وما معنى جلوسه عن يمين الله أو عن يمين أبيه؟
الله لا يصعد ولا ينزل، لأنه موجود في كل مكان. ولكن الصعود هنا خاص بالناسوت كما يقال في القداس الغريغوري “وعند صعودك إلى السموات جسديًا”.
والله ليس له يمين ولا شمال، لأنه غير محدود. ولكن اليمين هنا يرمز إلى القوة، ويرمز إلى البر…
فعبارة جلس عن يمين أبيه، أي أنه جلس في عظمة أبيه، في عرش أبيه فلا يظهر بعد في ضعف، كما جاء في مجيئه الأول، يمكن أن يهينوه ويصلبوه إنما حينما يأتي ثانية، سيأتي في مجد عظيم، وحوله ملائكته (مت25: 31) وسيأتي “في ربوات قديسيه” (يه 14).
وقبل مجيئه الثاني، رآه شاول الطرسوسي في مجد (أع9: 3).
وكذلك رآه يوحنا “ووجهه كالشمس وهي تضيء في قوتها” (رؤ1: 16).
وعبارة “جلس” تعني الاستقرار والاستمرار، فهو في مجده إلى الأبد.
إنه لا يأتي في مجيئه الثاني ليحمل خطايا العالم (يو1: 29) ويُجعل خطية لأجلنا (2كو5: 21) كما حدث في مجيئه الأول، إنما يأتي برًا مطلقًا، يقود جيش الأبرار أو جيش الغالبين…
وكما صعد على سحاب السماء، سيأتي أيضًا على سحاب السماء.
والسحاب منذ العهد القديم يرمز إلى مجد الله وإلى الحلول الإلهي.
وهذا واضح في رحلات خيمة الاجتماع وفي استقرارها. وواضح في تدشين هيكل سليمان (عدد9: 20- 22) (خر40: 34) (1مل8: 10، 11) وكان هذا هو أيضًا ما يحدث في مجد الله على تابوت العهد.
ومجد المسيح في صعوده وفي مجيئه له معنى روحي…
4 – فوائد لإحساسنا بمجد الله
إيماننا بمجد الله، يغرس في نفوسنا مخافة الله وخشيته وهيبته.
وهذه المخافة هي بدء الحكمة، وبدء الطريق الروحي. لأن الذين لا توجد فيهم مخافة الله، قد يقودهم هذا إلى الاستهتار واللامبالاة، فيخطئون دون حياء…
إن اليهود استغلوا محبة الله وطول أناته استغلالًا خاطئًا. ووداعة المسيح استغلوها لإهانته وصلبه. وكان لابد أن يعرف الكل مجد الرب ليؤمنوا. وظهر هذا المجد في الصعود وفي رؤى كثيرة.
مجد الله يقود إلى الخشية. وهذه تقود إلى حياة الحرص والتدقيق، وإلى النقاوة والتوبة.
وكما نرى المسيح الوديع، الداخل إلى أورشليم على جحش ابن أتان، نراه أيضًا على السحاب، حتى نفكر فيه كما ينبغي.
إن الله المحب الرحيم الشفوق الذي يكلم إيليا النبي بصوت منخفض خفيف، هو نفسه الله الجالس فوق الشاروبيم، الماشي على أجنحة الرياح، الذي تغطي الملائكة وجوهها من هيبة مجده.
ونحن يعوزنا في قصة الصعود أن ندرك شيئًا من مجد الله ونخافه، حتى ننسحق أمامه ونتضع، لأننا تراب ورماد…
ولهذا فإننا في صلواتنا نرفع أبصارنا إلى السماء، ونصلي إلى أبينا “الذي في السموات” مع أنه في كل مكان. ولكن عبارة “الذي في السموات” تذكرنا بمجده، وتذكرنا بالمسيح الذي صعد إلى السماء.
وهكذا نذكر الله القوي العلي، الذي السماء هي كرسيه، والأرض موطئ قدميه (مت5: 34، 35). وانسحاقنا في الصلاة، أمام عظمة الله، يفيدنا كثيرًا.
ونحن في صعود الرب إلى السماء نقول له: ليست الأرض هي الموضع الذي تسند فيه رأسك، ولكنها موطئ قدميك. بل إنه تواضع منك يا رب أن تجعلها موطئًا لقدميك!
حقًا هذه الأرض لا تستحق أن تطأها بقدميك. ونحن من تراب هذه الأرض فمن نحن إذًا أمامك؟ لا شيء…
وإذ نتضع هكذا قدامه، يمكن أن نرتفع إليه لأن “من يتضع يرتفع” (مت3: 12)
من فوائد مجد المسيح في صعوده، إنه كان ردًا على من اعثروا به في صلبه!
أولئك الذين كانوا يسخرون قائلين: إن كان هذا ابن الله، فلينزل من على الصليب فنؤمن به (مت27: 40- 43).
وكان صعوده أيضًا تقوية لإيمان تلاميذه الذين خانوا في وقت صلبه وأثناء القبض عليه. ومجد المسيح في صعوده كان ردًا على اليهود الذين يرون الصليب عثرة، وعلى اليونانيين الذين يرونه جهالة. أما نحن الذين نؤمن بالصعود، فنرى فيه قوة الله (1كو1: 23).
وكان هذا الصعود تأكيدًا للمجد الذي رأوه للمسيح على جبل التجلي، ونسوه:
إذن نحن نؤمن، ليس فقط بالمسيح الذي ولد في مذود بقر، إنما أيضًا بالمسيح الذي صعد على السحاب إلى السماء. ولا نؤمن فقط بيسوع المصلوب، إنما أيضًا نؤمن به وهو جالس على يمين أبيه، في عرش العظمة في الأعالي.
وبهذا نأخذ عن المسيح فكرة متكاملة الميلاد والصلب، تكملهما أمجاد التجلي والقيامة والصعود…
وإذ نذكر مجده في الصعود إنما نذكر قوله لنيقوديموس: “ليس أحد صعد إلى السماء، إلا الذي نزل من السماء، ابن الله الذي هو في السماء” (يو3: 13).
إذًا فالسماء ليست جديدة عليه في صعوده، إنما هي موطنه الأصلي. وبالمثل جلوسه عن يمين الآب.
ولهذا فإنه قال لتلاميذه: “من عند الآب خرجت وأتيت إلى العالم. وأيضًا اترك العالم وأرجع إلى الآب” (يو16: 28).
وبهذا أدرك الكل تواضع تجسده وإخلائه لذاته، في ظل عظمته الحقيقية وبنوته لله.
معنى آخر نفهمه من الصعود وهو
5 – الصعود عملية فطام للتلاميذ.
كان التلاميذ يعيشون مع الرب في اتكال كامل عليه. هو يعمل كل شيء، وهم لا يعملون شيئًا. مجرد متفرجين.
كان هو الذي يعظ، وهو الذي يخدم ويجذب الناس إلى الملكوت. وهو الذي يعمل المعجزات، ويحل مشاكل الناس ويجيب على أسئلتهم. وهو الذي يواجه دسائس المعترضين ونقدهم.
أما التلاميذ فكانوا يتأملون عمله.
وتلمذتهم هي مجرد سير وراءه والتعليم منه.
أما في صعوده، فقد ترك لهم أن يكرزوا ويعلموا ويعمدوا الناس، ويحملوا الصليب ويتألموا من أجله…
كان الصعود إعلانًا لانتهاء فترة التدريب، وإعلانًا لبدء الخدمة.
ولذلك قال لهم قبيل صعوده: “تنالون قوة متى حل الروح القدس عليكم، وتكونون لي شهودًا (أع1: 8) وقال لهم “اذهبوا واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها” (مر16: 15) وقال أيضًا “اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم وعلموهم جميع ما أوصيتكم به” (مت28: 19، 20).
وفطام المسيح لتلاميذه، لم يكن يعني مطلقًا التخلي عنهم، بل الإعلان عن نموهم ونضوجهم وحملهم للمسئولية.
كالأب الذي يعلم ابنه العوم، ويتركه حينًا ليسبح وحده، وهو يرقبه ويتدخل لحمايته وقت اللزوم، وكالنسر الذي يعلم فراخه الطيران. يتركهم يطيرون وهو يرقبهم ويتدخل ليحملهم على جناحيه.
المسيح قضى مع تلاميذه أربعين يومًا يحدثهم عن الأمور المختصة بالملكوت…
ولكنه لم يمد الأربعين يومًا… هذه تكفي. الآن يصعد ويتركهم ليخدموا.
ليس مفاجأة، وإنما أمامهم عشرة أيام أخرى يمهدون فيها أنفسهم، وينتظرون حلول الروح عليهم.
بالأربعين يومًا انتهت فترة الإعداد للخدمة، وانتهت فترة الإيمان بالحواس.
اخدموا إذن، وليقل كل واحد…أنا شاعر يا رب أنك معي، وشاعر أن كلمتك في فمي. أنا سأخدم ولكن ليس ببشريتي، إنما بروحك، تعطيني أنت ما أتكلم به وأنا سأعمل المعجزات ولكن بقوتك أنت.
هناك درس في الصعود هو…
6 – ارتفاعنا مع المسيح
هذه عبر عنها السيد بقوله… “وأنا إن ارتفعت عن الأرض أجذب إليّ الجميع” (يو13: 23).
وقد ارتفع المسيح في صلبه، فجذب الناس إلى شركة آلامه. وارتفع في صعوده، فجذب الكل إلى شركة مجده، وبقي على التلاميذ أن يعملوا ويدخلوا في شركة الآلام، ليستحقوا كذلك شركة المجد.
ولقد وعد في ارتفاعه، أنه ماض لكي يعد لنا مكانًا.
وقال “وإن مضيت وأعددت لكم مكانًا، آتي أيضًا وآخذكم إليّ، حتى حيث أكون أنا تكونون أنتم أيضًا” (يو14: 3).
في مجيئه الثاني سيختطف الكنيسة التي على الأرض ويجمع الراقدين لكي يقوموا ويصعدوا معه على السحاب… ولقد لخص بولس الرسول هذا المجد العتيد أن نناله بقوله: وهكذا نكون مع الرب في كل حين.
وهكذا كان الرب باكورة الصاعدين صعد إلى السماء، وسيصعدنا معه.
وقال لتلاميذه “ستكونون معي” ليس على الأرض، إنما في السماء. إنما على الأرض أعدوا أنفسكم لتكونوا في السماء.
كنت معكم لما أخليت ذاتي. وستكونون معي لما دخلت في مجدي.
من يدرك هذه الحقيقة، وأنه سيكون مع الرب في صورة جسد مجده، لابد إنه سيحترم نفسه، ولا يذلها بالخطية بل يعدها لترث الملكوت.
هذا المجد مع الرب في السحاب وفي السماء، لا يرثه الملتصقون بالتراب وبالمادة وبالأرض، والمحبون للعالم.
7 – نصائح في عيد الصعود
أ – في الصعود، لابد أن تصعد أفكارنا إلى فوق. ونتأمل في السماء التي صعد إليها المسيح…
وفي الجلوس عن يمين الآب. وفي تأملنا في السماء، نتذكر قول الرب “حيث يكون كنزك، هناك يكون قلبك أيضًا”.
فليكن كنزك إذًا هو السماء، وليت كل إنسان يدرب نفسه على بركة الصعود في حياته.
يصعد من المستوى المادي إلى المستوى الروحي. وتصعد رغباته وشهواته من مستوى الجسد إلى محبة الله.
ب – في الصعود نتأمل فضيلة انتظار الرب، كما انتظر التلاميذ.
لأن المسيح صعد إلى السماء، ووعد التلاميذ بحلول الروح القدس وبقوا منتظرين عشرة أيام. لا يرون الرب معهم، ولا الروح حل عليهم. ولكنهم كانوا مؤمنين بالوعد الإلهي والإنسان الروحي ينتظر في الإيمان.
لا شك أن الرب كان مع التلاميذ، والروح كان معهم، ولكنهم لم يروا بعد عمله الظاهر معهم الذي تم يوم الخمسين، ولا الثبات الدائم الذي نالوه.
انتظر الرب. تقو وليتشدد قلبك وانتظر الرب (مز37: 14)
انتظر عمل الروح فيك.
وثق أن العشرة أيام التي انتظرها التلاميذ كانت لخيرهم. كانت فترة مقدسة لإعداد القلب لحلول الروح فيه.
لعلني أستطيع في العددين المقبلين أن أكلمك بنعمة الرب عن الروح القدس وعمله فيك وحلوله.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 19-5-1985م





