تأملات في صلوات الأجبية

| الكتاب | تأملات في صلوات الأجبية – الجزء الثاني |
| المؤلف | مثلث الرحمات البابا شنوده الثالث |
| دار نشر | كنيسة السيدة العذراء بالزيتون/ رقم 1021 |
| الطبعة | سبتمبر 2014م |
| رقم الإيداع بدار الكتب | 4468/ 2014 |
طُرس البركة لقداسة البابا تواضروس الثاني
وإن مات فهو يتكلم بعد..
غزارة المعرفة وعمقها في حياة المتنيح قداسة البابا شنوده الثالث جعلته يترك لنا تُراثًا
ورغم أنه نُشر أكثر من 150 كتابًا بأحجام متنوعة وفي موضوعات عديدة تغطي مساحات كبيرة من المعارف المسيحية الروحية والكنسية والآبائية، والتي تُرجمت معظمها إلى العديد من اللغات، حتى صار اسمه معروفًا عالميًا أنه "مُعلم الأجيال".. إلا أنه ما زال يوجد الكثير مما لم يُنشر بعد. وننشر لكم بعضًا من ذلك التُراث الخالد والذي لم يُنشر من قبل..
ونقدم لكم كتاب:
تأملات في صلوات الأجبية - الجزء الثاني
وسوف تجد عزيزي القارئ متعة خاصة وأنت تستمع لصوت قداسته عبر الصفحات وبعد رحيله.. يُعلِّمنا ويروينا من فيض معرفته وروحياته وخبراته العميقة.
تقديري ومحبتي لكل من ساهم في إخراج هذه الكتب إلى النور.. خاصة مركز "معلِّم الأجيال لحفظ ونشر تُراث البابا شنوده الثالث" في كنيسة السيدة العذراء مريم بالزيتون بالقاهرة.
نفَّعنا الله ببركة صلواته لأجلنا كنيسةً وشعبًا وضعفي. ونعمته تشملنا جميعًا..
البابا تواضروس الثاني
بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية الـ 118
قداسة البابا شنوده الثالث في سطور
1- وُلِدَ في 3 أغسطس 1923م، باسم نظير جيد روفائيل. في قرية سَلاَّم بأسيوط.
2- حصل على ليسانس الآداب - قسم التاريخ - من كلية الآداب جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا).
3- التحق بالقوات المسلحة - مدرسة المشاة - وكان أول الخريجين من الضباط الاحتياط سنة 1947م.
4- تخرَّج في الكلية الإكليريكية "القسم المسائي" سنة 1949م، وكان الأول على الخريجين - فعُيِّنِ مُدرّسًا فيها.
5- عمِلَ مُدَرِسًا للغة الإنجليزية والعربية، في إحدى المدارس الأجنبية.
6- أتقَنَ الشعر منذ عام 1939م، وكتب كثيرًا من القصائد الشعرية.
7- في سنة 1949م: تَكَرَّسَ للخدمة في الكلية الإكليريكية وبيت مدارس الأحد في روض الفرج بشبرا، وتولى رئاسة تحرير مجلة مدارس الأحد.
8- صار راهبًا في دير العذراء الشهير بالسريان في 18 يوليو 1954م.
9- تمت سيامته بيد البابا كيرلس السادس، أول أسقف للتعليم والكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، باسم الأنبا شنوده في 30 سبتمبر 1962م.
10- بدأ الاجتماعات الروحية التعليمية منذ سنة 1962م، واستمر فيها حتى نياحته سنة 2012م.
11- أصدر مجلة الكرازة في يناير 1965م، واستمر في تحريرها حتى نياحته سنة 2012م (واستمرّ قداسة البابا المُعَظَّمْ تواضروس الثاني في إصدارها).
12- اختارته السماء بالقرعة الهيكلية وتمَّ تجليسه البابا الـ 117 للكنيسة القبطية الأرثوذكسية يوم 14 نوڤمبر 1971م.
13- نَمَتْ الكنيسة القبطية في عهده، داخل مصر وخارجها؛ في كل قارات العالم: أفريقيا
وآسيا وأوروبا وأستراليا والأمريكتين: الشمالية والجنوبية
14- حصل على تسع شهادات دكتوراه فخرية من كبرى جامعات أمريكا وأوروبا.
15- امتدت الكلية الإكليريكية في عهده، وأصبح لها 16 فرعًا في مصر وخارجها.
16- حصل على العديد من الجوائز مثل؛ جائزة أفضل واعظ ومعلم للدين المسيحي في العالم 1978م من مؤسسة Browning الأمريكية، وجائزة أوجوسبورج الألمانية للسلام. كما حصل على وسام الصليب الأكبر للقديس أغناطيوس من الكنيسة السريانية.
17- كتب أكثر من 150 كتابًا ونبذة في كثير من المجالات الكتابية والروحية، واللاهوتية والعقائدية وفي الخدمة والرعاية والتربية.
17- قامَ بسيامة بطريركين لكنيسة إريتريا و5 مطارنة و112 أسقفًا وأكثر من 2000 كاهن و1000 راهب.
18- قامَ برحلات رعوية ورسمية لكثير من بلدان العالم، وصلت إلى 104 رحلة.. فمثلاً زار الولايات المتحدة (57 زيارة)، والمملكة المتحدة (31 زيارة) وغيرها.
19- أحضر إلى مصر رفات القديس أثناسيوس الرسولي البطريرك الـ 20، في 10 مايو 1973م.
20- اهتم بخدمة المرأة؛ وقام بتشكيل لجنة المرأة، وسمح للمرأة بالدراسة بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، وقام بتعيينها مدرسًا بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية لتدريس علم اللاهوت، وسمح لها بعضوية المجلس الملي، وعضوية مجالس الكنائس.
21- جلس قداسة البابا شنوده الثالث على الكرسي المرقسي لمدة 40 سنة، و4 أشهر، و3 أيام، وبهذا يعتبر سابع الباباوات من حيث طول مدة الجلوس على الكرسي المرقسي. عاش 88 سنة و7 أشهر، و14 يوم.
22- رقد في الرب في 17 مارس سنة 2012م، وكانت جنازة قداسته مهيبة وعظيمة، حضرها أكثر من اثنين ونصف مليون شخص. نيحَ الله نفسه في فردوس النعيم، ونَفَّعْنا بصلواته.
هذا الكتاب
هذا الكتاب
قدم لنا مُعلم الأجيال مثلث الرحمات والطوبى قداسة البابا المُعظم الأنبا شنوده الثالث الكثير من التأملات فى صلوات الأجبية (صلوات السواعي) ويسر مركز مُعلم الأجيال لحفظ ونشر تُراث قداسته أن ينشُر باقة من تأملات قداسته فى هذا الموضوع.
هذا الكتاب يقدم لك أايها القارئ العزيز تأملات.
+ عن... عمق ودسم صلاة الأجبية.
+ عن... كيفية الوقوف أمام الله وكيف نتناجى معه.
+ عن... صلوات المزامير والطلبات التى تُعلمنا الإتكال على الله فى تدابير كل أمور حياتنا الروحية والجسدية من توبة وطهارة وعمل الله فى الروح والجسد والفكر والنية...
+ عن صلوات التسبيح والتمجيد الدسمة العميقة وكيفية الإشتراك مع الملائكة فى تقديم العبادة الطاهرة النقية الواجبة لله من خلال الطلبات وصلوات التقديس والتسبيح لله.
+ عن صلوات التوبة والإنسحاق أمام الله واستمطار الرحمة والمعونة الإلهية.
+ عن صلوات رفع القلب والفكر للاستعداد للقاء العريس فى مجيئه الثانى المخوف المملوء مجدًا.
+ عن مشاعر الحب والإشتياق للوجود فى حضرة الله والتمتع بالعشرةالإلهية ومعاينة الأمجاد السمائية ونحن بعد فى الجسد.
+ عن مشاعر الرجاء الحى ومعاينة عربون النصرة وإكليل البر فى الحياة الأبدية للمثابرة فى الجهاد الموضوع أمامنا حتى نكمل أيامنا بسلام وفرح واذ نضع هذه الجواهر المقدسة بين يديك نطلب صلواتك أيها القارئ الحبيب ومؤازرتك لنا بمحاولة تجميع هذا التراث الفائق في قيمته، ونتمني لك لحظات مقدسة تعيشها مع كلمات أبينا الحبيب ونرتفع بها فى كل ساعة مقدسة من صلوات السواعى نرتفع فيها عن الأرض والأرضيات لنكون كالقيام فى السماء وإلى لقاء قريب مع الجواهر الثمينة لأبينا القديس البابا شنوده الثالث..ليعطنا الرب قوة وإرشاد لنكون مرضيين أمامه.
القمص بطرس بطرس جيد
مركز معلم الأجيال لحفظ
ونشر تراث البابا شنوده الثالث
الفصل الأول الشكر والتسبيح في الأجبية
الشكر والتسبيح في الأجبية[1]
تذخر صلوات الأجبية بعبارات كثيرة تتكلم عن الشكر. ولكن هل الشكر الموجود في الأجبية هو الشكر علي عناية الله بنا في الحياة اليومية فقط؟ وما مدى عنصر الخلاص والفداء في صلوات الأجبية؟
هذه النقطة أحب أن أوضحها لكم، لأن كثير من الناس تكون تأملاتهم في الأجبية مجرد تأملات روحية ولم يدخلوا في مبدأ الخلاص والفداء كما تقدمه الأجبية وكما نشكر عليه من خلال صلواتها، بالذات في صلاة الساعتين السادسة والتاسعة ومن له أذنان للسمع فليسمع.
صلاة الساعة السادسة والتاسعة مملوءة بالكلام عن الخلاص...
والخلاص بالفداء بصليب السيد المسيح. إن الكنيسة الأرثوذكسية تتميز بأنها في كل يوم تذكر صليب المسيح وموته وتسبحه وتشكره على هذا الأمر في صلوات يصليها كل الشعب.
مثال ذلك: في تحليل الساعة السادسة نصلي "نشكرك يا ملكنا ضابط الكل أبا ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح ونمجدك لأنك جعلت أوقات آلام ابنك الوحيد أوقات عزاء وصلاة".
نحن نشكر الرب على هذا الوقت الذي نذكر فيه آلام المسيح وفداءه ونقول في القطع: "نسجد لشخصك غير الفاسد أيها الصالح طالبين مغفرة خطايانا أيها المسيح إلهنا لأن بمشيئتك سررت أن تصعد على الصليب لتنجي الذين خلقتهم من عبودية العدو، نصرخ إليك ونشكرك لأنك ملأت الكل فرحًا أيها المخلص لما أتيت لتعين العالم". هنا نشكر الله على الخلاص ولا نشكره فقط لأنه سترنا وأعاننا...
نحن نشكره لأنه عندما صعد على الصليب في تلك الساعة أعطى خلاصًا للأرض كلها ونقول له: "صنعت خلاصًا في وسط الأرض كلها أيها المسيح إلهنا عندما بسطت يديك الطاهرتين على عود الصليب فلهذا كل الأمم تصرخ قائلة المجد لك يا رب".
لا نشكره فقط وإنما أيضًا نمجده على هذا الحب، وعلى هذا البذل، وعلى هذه التضحية، وعلى هذا الفداء، إنه شكر وتسبيح وتمجيد على الخلاص الذي تم على الصليب.
ثم ننظر إلى مزامير الأجبية في صلوات الساعة السادسة والساعة التاسعة ونرى عبارة الخلاص تتكرر مرات عديدة جدًا، ونحن نصلي ليس للخلاص الذي أُعطي لنا فقط، إنما الخلاص الذي أعطي لجميع الأمم.
في الساعة السادسة يقول: "لَتُعْرفَ في الأرْض طَريقُكَ، وفي جَميعِ الأممِ خَلاصُكَ. لْتَعْتَرَفْ لكَ الشَّعوبُ يَا اللَّهُ، فلْتَعْترفْ لكَ الشُّعوبُ كلُّها فلتعترف لك الشعوب كلّها... وتَهْدي الأممَ فِي الأرْضِ" (مز66)، هذه نبوءة قالها داود تخبرنا بأن الله سيهدي الأمم قبل الوقت، بينما كان بطرس الرسول لا يُدرك ما جاء عن المسيح في الكتب والأنبياء والمزامير، وكان يتعجب أن الأمم سيُقبلون!
ولكن داود بروح الله تنبأ عن هذا الخلاص للأمم وقال: "لْتَعْتَرَفْ لكَ الشَّعوبُ يَا اللَّهُ، فلْتَعْترفْ لكَ الشُّعوبُ كلُّها. لتَفْرَح الأمَمُ وتَبْتهجُ، لأنَّكَ تدِينُ الشَّعوبَ بالِاسْتِقامَةِ وتَهْدي الأممَ في الأرْض. فلْتَعْتَرفْ لَكَ الشُّعوبُ يَا اللَّهُ، فلْتَعْتَرفْ لَكَ الشُّعوبُ جَميعًا" (مز66).
الخلاص أُعطي لجميع الأمم... وكيف كان هذا الخلاص؟!
أول مزامير الساعة السادسة "اللَّهُمَّ باِسْمِكَ خَلِّصْني.." واستجاب له الله يقول: "هُوَذا اللَّهُ عَوْني والرَّبُّ ناصرُ نَفْسي... يَردُّ الشُّرورَ عَلَي أعْدائي.. وأعْتَرفُ لاِسْمِكَ يا رَبُّ فإنَّهُ صالِحٌ. لأنَّكَ مِنْ جَميعِ الشَّدائِدِ نَجَّيْتني وبأَعْدائي نَظَرتْ عَيْناي" (مزمور53)، هذا هو الخلاص.
وهنا نجده في أول المزمور يصلي ثم يلاقي الاستجابة بعدها. فالأجبية ليست Monologue بمعنى أنها ليست حديث من جانب واحد، ولكن Dialogue أي حديث بين اثنين. ثم يقول داود في (مزمور56) من مزامير الساعة السادسة: "أصْرُخُ إلَي اللَّهِ العَلي، الإلَه المحسِن إلَيَّ. أرْسَل مِنَ السَّماءِ فَخلَّصني.." أي الخلاص الذي ناله.
أي أن ربنا أرسل من السماء فخلصني وبعد ذلك يقول: ".. أرْسَلَ اللَّهُ رَحْمَتَهُ وحقَّهُ. وخَلَّصَ نَفْسي مِنْ بَينِ الأشْبالِ إذْ نِمْتُ مُضْطَربًا" (مزمور56) متى خلَّصه؟! ومتى خلَّص نفسه من بين الأشبال؟! على الصليب.
لكن الإنسان السطحي لا يفهم هذا الكلام، ولذلك قال السيد المسيح: "تَضِلُّونَ إِذْ لاَ تَعْرِفُونَ الْكُتُبَ..." (مت22: 29)، الكتب بدءًا من موسى والأنبياء والمزامير. لذلك بدأ يعرفهم بالكلام الموجود عنه في الكتب عن هذا الخلاص الموعود.
إذًا موضوع الأجبية ليست كلها حزن ودموع كما يقول البعض. فعندما يتذكر داود خلاص الرب في الساعة السادسة، انظروا ماذا يقول: "أُسبِّحُ وأُرتِّلُ في تَمْجيدي. اسْتَيقِظي يا نَفْسي اسْتَيقِظْ أيُّها المزْمارُ والقيثارَةُ. أَنا أسْتَيقِظُ مُبَكِّرًا. أعْتَرفُ لَكَ في الشُّعوبِ يَا رَبُّ، وأرتِّلُ لَكَ في الأمَمِ" (مز56) لماذا؟! من أجل هذا الخلاص العجيب، " لأنَّ رحْمتَكَ قَدْ عَظُمَت إلَى السَّمَواتِ وإلَى السَّحابِ عَدْلكَ".
هذا الخلاص الذي فرح به داود... هل تعتقدون أن الأجبية مملوءة بالدموع؟! بالعكس الأجبية مليئة بالفرح والتهليل. بماذا؟ بخلاص الرب. "تبتهج روحي بالله مخلصي" (لو1: 47)
لا نقول نشكر فقط لأنه سترنا وأعاننا! بل نحن نشكر من أجل هذا الخلاص يقول: "أعترف لك يا رب، أرتل لك بالمزمار والقيثارة".
نحن ككنيسة أرثوذوكسية مقدسة تعلمنا من آبائنا الرسل، ومن القديسين كيف رُتبت هذه المزامير خصيصًا من أجل تذكر الخلاص؟ انتقوها بحكمة بالروح القدس لكي تروي لنا عن الخلاص الموجود خصوصًا في صلاة الساعة السادسة.
ويتحدث عن الخلاص فيقول: " عَلَى الصَّخْرةِ رَفَعْتني وأرْشَدْتَني. صِرْتَ رَجائي وبُرْجًا حَصينًا في وَجْه العَدوِّ... أَعْطَيْتَ ميراثًا لخائِفي اِسْمِكَ" (مز60)، نحن لم نأخذ ميراثًا إلّا على الصليب، لم يكن لنا ميراثا أبدًا، لكن على الصليب أخذنا ميراثًا ثم يقول: "رَحْمتُهُ وحَقُّه مَنْ يَبتَغِيْهُما" (مز60)، الرحمة والحق تلاقيا على الصليب، الرحمة في الفداء والحق في وفاء العدل الإلهي.
ويعود فيتكلم عن الفرح بالخلاص. يقول: "شَفَتايَ تُسبِّحانِكَ. لذلِكَ أُباركُكَ في حَياتِي، وباسْمِكَ أرْفَع يَدِي. فتَشَبعُ نَفْسِي كَما مِنْ شَحْمٍ ودَسَمٍ، بشِفاهِ الابْتِهاجِ نُبارِكُ اسْمَكَ". بالفرح أبارك اسمك "لأنَّكَ صِرْتَ لي عَونًا"، أما الذين طلبوا نفسي للهلاك فيدخلون إلى أسافل الأرض" (مز62)، لأن الرب أمسك هذا الشيطان وقيّده، أدخله إلى أسافل الأرض ولو إلى حين، إلى أن يُفك من قيده في أواخر الزمان. وعندما يُفتح باب الخلاص أمام الإنسان بالصليب، ويُفتح باب الفردوس، حينئذ يغني المرتل ويقول: "مَساكِنُكَ مَحْبوبةٌ" (مز83) فكل آية في المزامير لها معاني كثيرة. نحن لا نفهم كلام الله في معنى واحد. فممكن "مَساكِنُكَ مَحْبوبةٌ" (مز83) يقصد بها بيت الله، وممكن إشارة إلى المساكن الأبدية التي تشتاق وتذوب نفسي للدخول إليها، لأن باب الخلاص فُتح.
ثم يرتل ويقول مزمور: "رَضِيتَ يا رَبُّ عَلَي أرْضِكَ، رَدَدْت سَبْي يَعْقوبَ" (مزمور84) متى يحدث ذلك؟ متى رضيَ الرب على أرضه؟ وردّ سبي يعقوب، وغفر آثام شعبه؟ وستر جميع خطاياهم؟ متي حللت كل رجزك، ورجعت عن سخط غضبك؟!!
في نفس المزمور يقول: "الرَّحْمةُ والحَقَّ تَلاقيا، البرُّ والسَّلامُ تلاثَما. الحَقُّ مِنَ الأرْضِ أشْرَقَ، والبرُّ مِنَ السَّماءِ اطَّلعَ" (مز84). هذا هو الخلاص الذي صنعه الرب، من أجل ذلك قال داود في المزمور: "أرِنا يا رَبُّ رَحْمَتَك واعْطِنا خَلاصَكَ" (مز84)، وقال أيضًا: "لأنَّ خَلاصَهُ قَريبٌ مِنْ جَميعِ خائِفيه"، وقال: "لِيسْكُن المجْدُ في أرْضِنا.."، "صنعت خلاصًا في وسط الأرض كلها" (من قطع الساعة السادسة).
كلمة "خلاص" يرددها المصلي مرات عديدة في صلاة الساعة السادسة، الخلاص الذي صنعه الرب.
في نهاية المزمور 85، يشكر الرب علي هذا الخلاص، ويقول: "أعْتَرفُ لَكَ أيُّها الرَّبُّ إلَهي مِنْ كُلِّ قَلْبي، وأُمجِّدُ اِسْمَكَ إلَي الأبدِ. لأنَّ رَحْمتَكَ عَظيمَةٌ عَلَي، وقَدْ نَجَّيتَ نَفْسي مِنَ الجَحيمِ السُّفلي" (مز85).
سترنا، وأعاننا، وحفظنا، وقبلنا بماذا؟ إليه بالخلاص، نجيت نفسي من الجحيم السفلي، على الصليب، نجيت نفسي، على الصليب، "أعْتَرفُ لَكَ أيُّها الرَّبُّ إلَهي مِنْ كُلِّ قَلْبي".
+ صلوات الأجبية عميقة، لأن المزامير قيلت بروح الله، بالوحي الإلهي، تكلم داود بالروح "لأنَّ رَحْمتَكَ عَظيمَةٌ عَلَي، وقَدْ نَجَّيتَ نَفْسي مِنَ الجَحيمِ السُّفلي". (مز85). هذه فكرة عن الخلاص.
وعندما نشكر ربنا على هذا الخلاص نتذكر السيدة العذراء مريم، الباب الذي في المشرق الذي خرج منه المسيح ووهب خلاصًا للعالم فنقول في المزمور 86: "صِهْيون الأمّ فتَقولُ: إنَّ إنْسانًا وإنْسانًا وُلِدَ فيها، والعَلي هُوَ الَّذي أسَّسَها إلَي الأبَد"، صهيون ترمز إلى الكنيسة، وترمز للمدينة المقدسة وترمز للعذراء مريم، كما قال الآباء الذين أطلقوا اسم مدينة الله على العذراء.
إذا كان هذا الخلاص قد تم، فصهيون الأم تقول: "إنَّ إنْسانًا وإنْسانًا وُلِدَ فيها، والعَلي هُوَ الَّذي أسَّسَها إلَي الأبَد ".
ماذا حدث؟!
إنسانًا وإنسانًا صار فيها وهو العلي الذي أسسها إلى الأبد. ثم يقول المرنم "الرَّبُّ يُحَدِّثُ في كُتُب الشُّعوبِ والرُّؤَساءِ..." ربنا حدَّث، أين حدّث؟ حدّث، في الناموس والأنبياء والمزامير... ثم يقول: ".. أُولَئِكَ الَّذينَ وُلِدوا فيها. لأنَّ سُكْنَى الْفَرِحِينَ جَميعُهُم فِيْكَ الليلويا" (مز86)، دخلنا في الفرح بهذا الخلاص، كم مرة قال فرح؟! كم مرة قال خلاص؟!
وعندما تذكّر المرنم هذا الخلاص الذي تم بواسطة الرب قال: "أعْمالٌ مَجيدةٌ قَدْ قيلَتْ عَنْكِ يا مدينَةَ اللَّهِ" (مز86) طبعًا لا يوجد أعمال مجيدة أكثر من هذا، أن ربنا يسفك دمه من أجلنا... "يُحِبُّ الرَّبُّ أبْوابَ صِهْيونَ، أفْضَلُ مِنْ جَميعِ مَساكنِ يَعْقوبَ" (مز86)، لأنها المدينة المقدسة التي أعطتنا مكانًا للخلاص.
في مزمور الساكن في ستر العلي. هناك الكثير عن ستر الله اليومي لك. ولكن انظر الكلام عن الخلاص يقول آية جميلة جدًا "تَطأُ الأفْعَى ومَلِكَ الحيّات، وتَسْحقُ الأسَدَ والتِّنّينَ" (مز90). متى وطأ السيد المسيح الأفعى وملك الحيات؟ على الصليب، ومتى سحق الأسد والتنين؟ على الصليب. نسل المرأة سحق رأس الحية.
معروف أن الشيطان سُمَّي بالحية في سفر التكوين... تطأ الأفعى وملك الحيات وتسحق الأسد والتنين (مز90) هذا هو الخلاص الذي تم على الصليب. لذلك يقول: "لأنَّهُ تَعلَّقَ (اتكل) بي فَأنجّيه، أُرفِّعُهُ (أستره) لأنَّهُ عَرفَ اسْمي..." (مز90).
وفي عبارة "صنعت خلاصًا في وسط الأرض كلها، عندما بسطت يديك الطاهرتين على عود الصليب..."، عندما بدأ السيد المسيح بسفك دمه بدأ هذا الخلاص، وبدأ الرب يملك، لكن متى ملك؟ عندما مات. لذلك في آخر مزمور في الساعة السادسة يقول: "الرَّبُّ قَدْ مَلكَ..." (مز92).
وأول مزمور في الساعة التاسعة يقول: "الرَّبَّ قَدْ مَلَكَ عَلَي خَشَبَةٍ" (مز95) نلاحظ من خلال العبارتين أن الرب قد ملك عندما سفك دمه على الصليب وتم المُلك فعلًا عندما مات، لذلك قال: "الرَّبَّ قَدْ مَلَكَ عَلَي خَشَبَةٍ"، هكذا بدأنا في أخذ هذا الخلاص، ملك الله على خشبة... ملك الله على الصليب... بسفك دمه وبذل ذاته.
الأجبية مليئة بالكلام عن الخلاص.
+ أتأمل معكم فى المزمور الأخير في الساعة السادسة...
"الرَّبُّ قَدْ مَلكَ، وَلَبِسَ الجَلالَ. لَبِسَ الرَّبُّ القُوَّةَ وتَمنْطَقَ بِها" (مز92)، الرب على الصليب ملك ولبس الجلال، لبس الرب القوة وتمنطق بها الرب، على الصليب، ملك ولبس الجلال، لأنه حطّم الشيطان الذي استعبد الإنسان على مدى آلاف السنين... حطّمه السيد المسيح على الصليب بدمه فلبس الجلال وصار ملكًا... ملكًا على الأرض كلها... كيف ملك؟! لأنه اشترانا بدمه، دمه المسفوك... وطالما اشترانا بدمه صرنا مِلكًا له بهذا الدم الذي سُفك على الصليب وذلك في الساعة السادسة وفي اليوم السادس، فإن الرب قد ملك ولبس الجلال، قال الرب: "مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هذَا الْعَالَمِ" (يو18: 36).
الله لم يطلب عرش مثل بيلاطس ولا قيصر، بل فضَّل عرشًا آخر هو الصليب!
"الرَّبُّ قَدْ مَلكَ، وَلَبِسَ الجَلالَ. لَبِسَ الرَّبُّ القُوَّةَ وتَمنْطَقَ بِها" (مز92)، هل يوجد قوة أكثر من هذا؟
إنه حطم كل تعب الشيطان من آدم إلى آخر الدهور. هل يوجد قوة أكثر من هذا؟ إنه أمسك هذه الحية القديمة، وقيدها، إنه أعطى خلاصًا للأرض كلها، ثم يقول كيف لبس الرب الجلال ولبس القوة، "لأنَّهُ ثَبتَ المسْكونَة فَلَن تَتَزعْزَعَ"، لأنها كانت متزعزعة لرئيس هذا العالم. هذا الشيطان الذي يحاول أن يزعزع ملكوت الله، لقد قال السيد المسيح: "رَأَيْتُ الشَّيْطَانَ سَاقِطًا مِثْلَ الْبَرْقِ مِنَ السَّمَاءِ.." (لو10: 18)، وقال أيضًا: "رَئِيسَ هذَا الْعَالَمِ قَدْ دِينَ.." (يو16: 11) نعم صنعت خلاصًا في وسط الأرض كلها، لقد ثبّت الرب المسكونة فلن تتزعزع، أعطى خلاصًا لكل الناس.
ثم قال: "كُرْسِيُّكَ ثابتٌ مُنْذُ البَدءِ وأنْتَ هُوَ مُنْذُ الأزَل" (مز92)، هذا المُلك ملكًا لك يا رب منذ الأزل وليس مُلكًا أخذته في هذا الوقت. أخذته منذ الأزل، منذ أول ما خلقتنا وقبل خلقتنا أيضًا، قبل ما يكون هناك كون على الإطلاق، منذ الأزل وأنت كرسيك ثابت... جاء الشيطان في يوم من الأيام يزعزع ملكوتك ولكنك أنت الذي ثبَّت المسكونة فلن تتزعزع. ثم قال: "رَفَعتِ الأنْهارُ يا رَبُّ، رَفَعتِ الأنْهارُ صَوتَها. تَرفَعُ الأنْهارُ صَوتَها، مِنْ صَوتِ مِياهٍ كَثيرةٍ" (مز92)، الأنهار هم الرسل الذين امتلئوا من الروح القدس الذي فاض كأنهار ماء حي في داخل قلوبهم، ولذلك يقول الآباء إن السيد المسيح عندما بدأ يملك على الأرض والتلاميذ بدأوا ينشرون الكرازة، هاجت الدنيا وماجت عليهم، المياه الكثيرة المالحة، المياه الصعبة هاجت على المياه العذبة التي في الرسل، فماذا فعلت الأنهار المملؤة بالماء الحي الذي يروي الناس (أي الرسل)؟
رفعت الأنهار صوتها.. رفعوا صوت إلى الله: "أنقذني يا رب.."، رفعت الأنهار صوتها من صوت مياه كثيرة، التي هي الكتبة والفريسيون وشيوخ الشعب ورؤساء الكهنة والصدقيون الذين قاموا عليهم وقالوا لهم: "امتنعوا عن الكلام باسم المسيح وإلا نجلدكم ونلقيكم في السجون"، فاجتمعوا كلهم في بيت مريم أم يوحنا الملقب مرقس وفي العلية "رفعوا صوتًا إلى الله من صوت مياه كثيرة، فتزعزع أرجاء المكان من صلواتهم. "عَجيبَةٌ هِي أَهْوَالِ البَحْر" البحر الذي يريد جرف هذه الأنهار كلها، "ولكن الساكن في الأعالي هو أقدر.."، "لبَيْتِكَ ينْبَغي التَّقديسُ يا رَبُّ"، لكنسيتك ينبغي التقديس تحفظها من هذه المياه الكثيرة، تحفظها من أهوال البحر، وتبقى أنت كما أنت ملكًا على الكل "الرَّبُّ قَدْ مَلكَ، وَلَبِسَ الجَلالَ" هذا كلام عن الخلاص وفرحنا بالخلاص.
ونقول للرب في صلاة الساعة السادسة: "قتلت الخطية بالخشبة، أحييت الميت بموتك الذي هو الإنسان الذي خلقته بيديك، الذي مات بالخطية"، ويتكلم عن الخلاص ويشرح فيه ويقول: "صنعت خلاصًا في وسط الأرض كلها". نشكره ونقول له: "نصرخ إليك ونشكرك لأنك ملأت الكل فرحًا أيها المخلص لما أتيت لتعين العالم يا رب المجد لك"...
ندخل في صلاة الساعة التاسعة ونرى العبارات الآتية، هي التي تكتسح الموقف كله "سبحوا الرب، الرب قد ملك، تتهلل الأرض، تفرح" (مز95،96). إلى آخره، أول الساعة التاسعة فرح بالخلاص وتبشير به ونلاحظ ذلك في قوله: "بَشِّروا مِنْ يَومٍ إلَي يَومٍ بِخَلاصِهِ.." (مز95)، "سَبِّحوا الرَّبَّ تَسْبيحًا جَديدًا، سَبِّحي الرَّبَّ يا كُلَّ الأرْضِ، سَبِّحوا الرَّبَّ وبارِكوا اِسْمَهُ" (مز95).
هل يوجد شكر أكثر من هذا عندما تسبح الرب، ترتل، تبارك اسمه تبشر من يوم إلى يوم بخلاصه، تحدث في الأمم بمجده وفي جميع الشعوب بعجائبه!!
ثم يدخل أيضًا في تسبيح الرب من أجل هذا الخلاص فيقول: "قَدِّموا للرَّبِّ يا جَميعَ قَبائِل الأممِ، قَدِّموا للرَّبِّ مَجْدًا وكَرامَةً. قَدِّموا للرَّبِّ مَجْدًا لاسْمِهِ، احْملوا الذَّبائِحَ وادْخُلوا دِيارَهُ. اسْجُدوا للرَّبِّ في دِيارهِ المقَدَّسةِ، فَلْتَتَزَلْزَل الأرْضُ كُلُّها أمامِ وجْهِهِ. قولوا بَيْنَ الأممِ إنَّ الرَّبَّ قَدْ مَلَكَ عَلَي خَشَبَةٍ" (مز95).
يُنادى به في كل الأمم إن الرب قد ملك على خشبة، وأيضًا ثبت المسكونة فلن تتزعزع، هذا الرابط بين آخر مزمور في الساعة السادسة، وأول مزمور في الساعة التاسعة. هو احتفال بالرب كملك نحتفل بأعماله العجيبة، نحتفل بالرب كمحب للفداء، كذبيحة، كخلاص، ثم نقول: "فلتفرح السماوات ولتبتهج الأرض" (مز95).
"تفرح السماء كلها لأنه إذا كانت السماء تفرح بخاطئ واحد يتوب فكم بالأولى تفرح السماء بخلاص البشرية جمعاء، كل من يؤمن ويتوب ويمارس الأسرار المقدسة، "فلْتَفْرَح السَّمَوات ولتَبْتَهِج الأرْضُ. وليَعج البَحْر وجَميع مِلْئِهِ. تَفْرحُ الودْيانُ وكُلُّ ما فيها" حتى الطبيعة تشترك معنا، الأرض والبحر والدنيا كلها "حينَئذٍ يبْتَهجُ كُلُّ شَجَرِ الغابِ. أمامَ وَجْهِ الرَّبِّ لأنَّهُ يأتي لِيَدينَ الأرْضَ" (مز95)، هذا هو الفرح بربنا. الأجبية المملوءة بالفرح وبالتهليل "صَوْتُ التَّهْليلِ والخَلاصِ في مَساكِنِ الأبْرارِ" (مز118) الذين خلصهم المسيح بدمه، بكاء حين يجب البكاء، ودموع حين يجب الدموع، وفرح حين يجب الفرح، نعطي لكل ساعة ما يناسبها، نعطي لخطايانا دموعًا، ونعطي لفرحنا تهليلًا، ونعطي للخلاص فرحًا وتهليلًا.
فلا يوجد بكاء مستمر، ولا فرح مستمر، فعندما نخطئ نبكي، نلنا الخلاص نفرح، مشاعر منسقة مرتبة بحكمة إلهية.
المزمور الذي يليه "- الرَّبُ قَدْ مَلَكَ فلْتَتَهلَّل الأرْضُ، ولْتَفْرح الجَزائِرُ الكَثيرةُ"، "الرب قد ملك" (مز96) ما دام الرب قد ملك وأعطى الخلاص وملك على خشبة فلتفرح فلتهلل الأرض ولتفرح الجزائر الكثيرة (مز96)، الجزائر المسكينة التي كانت وسط البحر الهائج تحيط بها المياه الكثيرة من كل جانب، فلتفرح هذه الجزائر الكثيرة لأن جسرًا كبيرًا قد وصل إليها من الله لن تبق خائفة، لن تبق المياه تحيط بها من كل جهة، لتفرح الجزائر الكثيرة، ثم يتكلم الرب على دينونته التي يدين بها كل من يرفض هذا الإيمان ثم يرجع داود في نفس المزمور يقول: "اسْجُدوا للَّهِ يا جَميعَ ملائِكتِهِ. سَمعَتْ صهْيونُ فَفَرحَتْ، وتَهلَّلَت بناتُ يَهوذا مِنْ أجْل أحْكامِكَ يا رَب" (مز96) عبارة كلها فرح سمعت صهيون ففرحت وتهللت بنات يهوذا ثم يقول "نورٌ أشْرقَ للصَّدّيقيَن. وفَرحٌ للمُسْتَقيمي القُلوبِ. افْرَحوا أيُّها الصِّدّيقون بالرَّبِّ.." (مز96)، لاحظوا أنها نفس النبوءة التي قيلت في ميلاد السيد المسيح كمخلّص "نورٌ أشْرقَ للصَّدّيقيَن. وفَرحٌ للمُسْتَقيمي القُلوبِ. افْرَحوا أيُّها الصِّدّيقون بالرَّبِّ" (مز96).
المزمور 97 "سَبِّحوا الرَّبَّ تَسْبيحًا جَديدًا، لأنَّ الرَّبَّ قّدْ صَنَع أعْمالًا عَجيبَةً.." (مز97) الأعمال العجيبة التي عملها الرب هي الخلاص، يقول: "أعْلنَ الرَّبُّ خَلاصَهُ، وكَشَفَ قُدّامَ الأممِ عَدْلهُ.." (مز97) أعلن خلاصه، كيف تنازل عن ثمن الخطية؟ هل قال: اذهبوا مغفورة لكم خطاياكم؟ أبدًا لم يتنازل، لكنه خلّصنا بعدله وليس برحمته فقط، لأن الرحمة والعدل تلاقيا معًا، أعلن الرب خلاصه وكشف قدام الأمم عدله (مز97)، كيف كشف قدام الأمم عدله؟ عندما دفع ثمن الخطية واستوفى العدل الإلهي على الصليب فكشف قدام الأمم عدله، ذكر رحمته ليعقوب هذا المزمور فيه يعطينا جمال وتناسق.
عدله ورحمته سائرين معًا، يتوازنون في تنسيق إلهي عجيب وضعه الروح القدس الناطق في الأنبياء، أعلن الرب خلاصه، خلاصه بالعدل أم بالرحمة؟ بالاثنين معًا، "أعْلنَ الرَّبُّ خَلاصَهُ، وكَشَفَ قُدّامَ الأممِ عَدْلهُ. ذَكَرَ رَحْمتَهُ ليَعْقوبَ وحقَّهُ لبَيْتِ إسْرائيلَ. نَظَرَتْ أَقاصي الأرْضِ جَميعًا خَلاصَ إلَهِنا..." (مز97). نظرته على خشبة، على الصليب.
في هذه الصلوات السبع التي بالأجبية نتذكر خلاص الرب نذكره كل يوم في فكرنا. متى؟ وسط مشاغل العالم في النهار نترك مشاغل العالم إلى حين ونذكر خلاص الرب ونقول فلتفرح الأرض فلتتهلل الأرض، تفرح الجزائر الكثيرة، لأن الرب صنع خلاصا، ملك على خشبة. إذًا كيف نقابل هذا العمل؟! يقول المرنم: "هَلِّلُوا للرَّبِّ يا كُلَّ الأرْضِ، سَبِّحوا وهَلِّلُوا ورَتِّلوا. رَتِّلوا للرَّبِّ بالقيثارَةِ، بالقيثارَةِ وصَوتِ المزْمارِ، بأبْواقٍ خافِقَةٍ وصَوْتِ بوقِ القَرْن، هَلِّلُوا أمامَ الرَّبِّ الملِكِ" (مز97)، أمام الرب الملك الذي ملك على خشبة املأوا الدنيا فرحًا لأن الرب ملك على خشبة.
ويقول أيضًا: "هَلِّلُوا أمامَ الرَّبِّ الملِكِ. فَلْيعج البَحْرُ وكُلُّ مِلئِهِ. المسْكونَة وكُلُّ السّاكِنينَ فيها، تُصفِّقُ جَميعُ الأنْهارِ، الجِبالُ تَبْتهجُ أمامَ وَجْه الرَّبِّ" (مز97). يصور المرنم إنسانًا يملأ الفرح قلبه ولم يستطع أن يحمل الفرح بداخله لأنه مالئ قلبه يقول: سبحوا معي وافرحوا يا أيتها الجبال، افرحي أيتها الأشجار، افرحي أيتها الأنهار، افرحي أيتها الأرض كلها. أنا أريد أن كل شجرة ترقص أمامي، أريد السحاب يرقص، أريد الجبال ترقص، أريد الأرض تتهلل وتفرح بالرب لأنه صنع خلاصًا في الأرض كلها.
وفي (المزمور98): "الرَّبُّ قَدْ مَلَكَ فَلْتَرتَعِد الشُّعوبُ، الجالِسُ عَلَي الشّاروبيم فَلْتَتَزَلْزل الأرْضُ. عَظيمٌ هُوَ الرَّبُّ في صِهْيونَ، ومُتَعالٍ عَلَى كُلِّ الشُّعوبِ.." (مز98)، أيتها الشعوب البعيدة عن الخلاص ارتعدي أمام الرب، لأن الرب قد ملك، ويقول: "عَظيمٌ هُوَ الرَّبُّ في صِهْيونَ" (مز98) أيتها الشعوب كلها التفتي إلى صهيون حيث الخلاص، "عَظيمٌ هُوَ الرَّبُّ في صِهْيونَ، ومُتَعالٍ عَلَى كُلِّ الشُّعوبِ.. فَلْيَعْتَرفوا لاِسْمِهِ العَظيم، لأنَّهُ مرْهوبٌ وقُدّوسٌ... واسْجُدوا لموْطِئ قَدَمَيْه فإنَّه قُدّوسٌ هُوَ" (مز98).
ماذا تعني عبارة قدوس التي وردت كثيرًا في قصة الخلاص؟
عبارة قدوس التي وردت كثيرًا في قصة الخلاص أننا عندما نرى الرب عُلّق على خشبة نقول: هذا هو القدوس، ولأنه قدوس ليست له خطية يموت عنها، ولكنه قدوس مات عن خطايا العالم، ولا يموت، ولذلك نحن في صلاة الساعة السادسة في البصخة المقدسة نرتل باللحن الكبير الحزايني (أجيوس) بالثلاثة تقديسات قدوس قدوس قدوس... لأن الذي صُلب قدوس ليست له خطية ولكنه حامل خطايا العالم كله، فكلما رأينا السيد المسيح على الصليب نقول قدوس... لا تعتقد أيها العالم أنه صلب من أجل خطية، فلترتعب الشعوب، اسجدوا للرب فإنه قدّوس، إذًا أين الخلاص في هذا المزمور؟!
في آخر المزمور يقول: "أيُّها الرَّبُّ إلهُنا أنْتَ اِسْتَجبْتَ لَهُم، صِرْتَ لَهُم يا اللَّهُ غَفورًا ومنْتَقمًا عَلَى جَميعِ أعْمالِهِم" (مز98). متى صار الرب غفورًا؟ على الصليب صار الرب غفورًا لأن خطايانا لم تغتفر إلا على الصليب بعد ذلك يأتي في المزمور التاسع والتسعون ويقول: "هَلِّلُوا للرَّبِّ يا كُلّ الأرْضِ. اعْبدوا الرَّبَّ بالفَرَحِ، ادْخُلوا أمامَهُ بالتَّهْليل.."، كم مرة جاء الفرح والتهليل، في الساعة السادسة والتاسعة لئلا يعتقد الناس أننا نبكي بجوار الصليب.
بجوار الصليب نبكي على خطايانا، ولكن نفرح بالخلاص العظيم، ونعبد الرب بفرح وندخل أمامه بالتهليل ونأكل من الفصح على أعشاب مرة.
مسكين هو الإنسان الذي يرى الخلاص في الصليب، ويكون لديه شعور الفرح ولكن دون الشعور بالتبكيت على الخطية كأنه أكل من الفصح ولكن ليس على أعشاب مرة... نعم بفرحٍ ولكن على أعشاب مرة لأن خطايانا هي التي تسببت في أن يصعد الرب على خشبة وأن يحمل خطايا العالم كله، وأن يشرب الكأس مُرًّا وصعبًا، "هَلِّلُوا للرَّبِّ يا كُلّ الأرْضِ. اعْبدوا الرَّبَّ بالفَرَحِ، ادْخُلوا أمامَهُ بالتَّهْليلِ. اعْلَموا أنَّ الرَّبَّ هُوَ إلَهنا. هُوَ صَنَعَنا وَلَيْسَّ نَحْنُ، وَنَحْنُ شَعْبُهُ وغَنَمُ رعيَّتِهِ، ادْخُلوا أبْوابَهُ بالاعْتِراف، ودِيارَه بالتَّسابيحِ..." (مز99).
آلام الرب وموته هذه نصف الحقيقة أما النصف الثاني أن هذا الذي على خشبة أصبح الآن على يمين الآب في السماوات وهو كاهن إلى الأبد على طقس ملكي صادق، وقدم نفسه ذبيحة عن العالم كله كرئيس كهنة، كما يقول معلمنا بولس الرسول للعبرانيين. هذا الكلام إلى جوار المزمور الذي يقول: "الرَّب قَدْ مَلَكَ عَلَى خَشَبَةٍ" (مز95).
الكنيسة ترتب مزمور ثاني يوضع بجواره لكي يكمل فهم المؤمنين للحقيقة فإذا به يقول: "قالَ الرَّبُّ لِرَبّي اِجْلسْ عَنْ يَميني، حَتَّى أَضع أعْدائِكَ عِنْدَ مَوْطئ قَدَميْكَ. عَصا قُوَّة يُرْسلُ لَكَ الرَّبُّ مِنْ صِهْيون... مَعَكَ الرِّياسَةُ في يَومِ قُوَّتِكَ في بَهاءِ القدّيسينَ. مِن البَطْنِ قَبْل كَوْكبِ الصُّبْح وَلدتكَ" (مز109).
هذا المزمور عن لاهوت السيد المسيح، ابن الله الجالس عن يمين الآب، الجالس عن يمين العظمة، "مَعَكَ الرِّياسَةُ في يَومِ قُوَّتِكَ"، ونحن نرتل بهذا الكلام كثيرًا في الكنيسة، وفي طقس الكنيسة حينما تصلي المزامير في القداس الإلهي يُعطَى هذا المزمور لرئيس الكهنة، أو لأقدم الكهنة الحاضرين ليصليه لأنه مزمور يتحدث عن المسيح كرئيس كهنة أعظم قدَّم ذاته عنا ومعه الرئاسة في يوم قوته، وذلك عن يمين الآب في السماوات:
"قالَ الرَّبُّ لِرَبّي اِجْلسْ عَنْ يَميني" (مز109).
فالأجبية تحتوي كلام عن اللاهوت ليس مجرد معلومات لاهوتية..
ثم يرجع ويسبح الرب يقول: "أعْتَرفُ لَكَ يا رَبُّ مِنْ كُلِّ قَلبي، في مَجْلسِ المسْتَقيمينَ وفي مَجْمَعِهِم. عَظيمةٌ هِي أعْمالُ الرَّبِّ.." (مز110)، ما هي أعمال الرب العظيمة التي قالها في المزمور؟! يقول آخر المزمور، "أرْسَلَ خَلاصًا لشَعْبهِ" لذلك فهم يسبحونه، فهم يسبحون من أجل الخلاص وليس فقط من أجل العناية اليومية، "كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَعْمَلُوا هذِهِ وَلاَ تَتْرُكُوا تِلْكَ" (مت23: 23)، "أرْسَلَ خَلاصًا لشَعْبهِ، أمَرَ بعهْدِهِ إلَى الأبدِ" (مز110). عهده إلى الأبد، ما معناها في المزمور، يا أبانا المبارك داود فسّر لنا هذه الكلمة ما معنى أعطى عهدًا لشعبه؟ خلاصًا لشعبه فهمناها وأمر بعهده. ما هو عهده؟! عهده هو عهد خميس العهد يقول المزمور: "أعْطَي طعامًا لأتْقِيائِهِ" (مز110)، أعطى طعامًا لأتقيائه هذا هو الجسد الذي بُذل عنكم يعُطى طعامًا لكم، وهنا ربط المزمور بين السيد المسيح المعلق على الصليب والسيد المسيح في سر الإفخارستيا، أعطى طعامًا لأتقيائه هذا الطعام هو خبز، هذا كما قال الرب: هو جسدي الذي يُكسر عنكم... وهو الخبز الحي النازل من السماء الذي كل من يأكل منه يحيا إلى الأبد.
عظيمة هي أعمال الرب ومشيئته كلها مفحوصة، ويرجع في المزمور الذي يليه يكرر الآية "نورٌ أشْرَقَ في الظُّلْمةِ للمُسْتَقيمينَ"(مز111)، ثم في مزمور 112 "سبِّحُوا الرَّبِّ أيُّها الفتِيانُ، سَبِّحُوا اِسْمَ الرَّبِّ. لِيَكُنِ اِسْمُ الرَّبِّ مُبارَكًا مِنَ الآنِ وإلى الأبَدِ. مِنْ مَشَارقِ الشَّمْسِ إلى مَغارِبِها بَاركُوا اِسْمَ الرَّبِّ" (مز112).
يقول: "المقِيمِ المسْكِينَ مِنَ التُّرابِ، الرَّافِع البَائِسِ مِنَ المزْبَلةِ لِكي يُجْلسَهُ مَعَ رُؤسَاءِ شَعْبهِ" (مز112) على الصليب أحضر الرب إليه الإنسان البائس الذي عاش في التراب، الذي قال له الرب: "لأَنَّكَ تُرَابٌ، وَإِلَى تُرَابٍ تَعُودُ" (تك3: 19) عندما أخطأ، أقامه من التراب لكي يجلس مع رؤساء شعبه. لكي يجلس في السماوات، لكي يجلس مع الملائكة ورؤساء الملائكة... الرافع البائس من المزبلة، من الخطية، من الفساد هذا الخلاص تتكلم عنه الكنيسة.
من أول صلاة باكر: "خلّصت أبانا آدم من الغواية، وعتقت أمنا حواء من طلقات الموت"، خلصت أبانا آدم.
نحن نعلن الخلاص للأرض كلها من أول صلاة باكر، عندما نقول "عندما دخل إلينا وقت الصباح أيها المسيح إلهنا فلتشرق فينا الحواس المضيئة والأفكار النورانية... سبقت عيناي وقت السحر"، نقول له: خلصت. أبانا آدم، هذا هو الخلاص الذي نتكلم عنه فى كل وقت نفرح به (نشكره لأنه سترنا وأعاننا) فهو "الذِي يَجْعلُ العَاقِرَ ساكِنَة في بَيْتٍ، أمَّ أوْلادٍ فرِحةً"، النفس العاقر التي لم تلد بنين من الروح القدس... لم تلد فضائل، هذه في ظل الخلاص جعلها الله ساكنة في بيت الله القدوس أم أولاد فرحة وقد أنجبت فضائل من الروح القدس...
ثم يتكلم عن الخلاص في مزمور 114 "أحْببتُ أَنْ يَسْمعَ الرَّبُّ صَوتَ تَضَرُّعي"، سمع صوت تضرعك! كيف؟!!
هل قلت له أستر علينا وأحفظنا؟ أبدًا لم نقل بل الرب هو الذي قال... يقول: "لأَنَّ أوْجاعَ الموْتِ اكْتَنَفتْني، وشَدائِدَ الجَحيمِ أصابَتني ضيقًا وحُزْنا وَجَدت. وباسْم الرَّبِّ دَعوت. يا رَبُّ نَجِّ نَفْسي" (مز114) نحن نطلبه نتيجة للشدة لذلك قال: "اِتَّضَعْتُ فَخلِّصني" (مز114). ما دمت اتضعت فخلصني إذًا "ارْجِعِي يَا نَفْسِي إِلَى رَاحَتِكِ، لأَنَّ الرَّبَّ قَدْ أَحْسَنَ إِلَيْكِ" (مز116: 7). ارجعي إلى موضع راحتك. الفردوس الأول الذي كنت فيه، (فردوس النعيم).
ارْجِعي يا نَفْسي إلَى مَوْضِعِ راحَتكِ، لأنَّ الرَّبَّ قَدْ أحْسَنَ إلَيَّ. وأنْقَذَ نَفْسي مِنَ الموْتِ.. (مز114) على الصليب. أنقذ نفسي من الموت وعينيّ من الدموع، تم الخلاص في الساعة التاسعة عندما مات عنا لكي نرضي الرب أمامه في كورة الأحياء، ثم آخر مزمور في الساعة التاسعة، شكر لله على الخلاص.
أيضًا صدقوني يا إخوتي هناك شيءٌ أعظم من الشكر.
أن يرى الإنسان نفسه عاجزًا عن الشكر، كيف أشكر الرب؟ أنا عاجز يا رب عن شكرك، أكثر من الشكر على الخلاص هو العجز عن الشكر كيف ظهر هذا في الأجبية؟ يقول بماذا أكافئ الرب عن كل ما أعطانيه، لا أستطيع، لا أجد مكافأة! "كأْسُ الخَلاصِ آخُذُ وباسْمِ الرَّبِّ أدْعو" (مز115). أنا يا رب بماذا أكافئك عن كل ما أعطيتني.. أين الشكر الذي يكفي؟ وما مقداره؟ قدمت شكر وقدمت تسبيح وقدمت مجد وسجود للرب على أعماله، وبعد كل هذا التهليل أفرح وتفرح الأرض كلها معي، وتفرح الجبال، والأنهار، والجزائر، والأرض، والسماء... وبعد كل هذا يقول: "بِماذا أُكافِئُ الرَّبَّ عَنْ كُلِّ ما أعْطانيهِ؟".
"كأْسُ الخَلاصِ آخُذُ وباسْمِ الرَّبِّ أدْعو. أُوفي نُذوري للَّرِّب قُدّامَ كُلِّ شَعْبِهِ" (مز115)، وبعد ذلك يقول له: "يا رَبُّ أَنا عَبْدكَ، أَنا عَبْدكَ. وابْنُ أمَتِكَ. قَطَعْتَ قُيودي. فَلَكَ أذْبَحُ ذَبيحةَ التَّسْبيحِ. وباسْمِ الرَّبِّ أدْعو" (مز115).
متى يا رب قطعت قيودي؟ لم تقطع إلا على الصليب، بالدم المقدس "فَلَكَ أذْبَحُ ذَبيحةَ التَّسْبيحِ. وباسْمِ الرَّبِّ أدْعو، أُوفي للرَّبِّ نُذوري. في دِيارِ بَيتِ الرَّبِّ، قُدّامَ كُلِّ شَعْبِهِ، في وَسَطِ أورُشَليم" (مز115).
[1] عظة لقداسة البابا شنوده الثالث من المؤتمر السادس للتربية الكنسية، بعنوان "مثالية الصلاة بالأجبية، صلوات الساعات في الكنيسة المقدسة"، بتاريخ 28 أغسطس 1979م
الفصل الثاني طلبك الله
طلبك الله في صلواتك وفي تدبير كل حياتك[1]
الكنيسة تعلمنا الصلاة، وبخاصة في الأجبية والقداس، وتعلمنا أن حياتنا الروحية – بكل تفاصيلها – هي منحة لنا من الله ننالها بالصلاة.
روحياتنا هبة منه
إننا نقول في أواخر صلاة الشكر: "امنحنا أن نكمل هذا اليوم المقدس وكل أيام حياتنا بكل سلام مع مخافتك". إذًا روحياتنا هي منحة من الله. مثلما قلنا في تحليل صلاة باكر: "هِب لنا في هذا اليوم الحاضر أن نُرضيك فيه".
إرضاؤنا لله إذًا هو هبة من الله لنا، طبعًا باشتراكنا مع روحه القدوس.
ويطابق هذا إذًا ما نقوله في تحليل الساعة السادسة "أعطنا يا الله وقتًا بهيًا، وسيرة بلا عيب، وحياة هادئة، لنرضي اسمك القدوس المسجود له"...
وهكذا تعلمنا الكنيسة ألا نعتمد على أنفسنا، بل نطلب من الله أن يعطينا كل شيء! يعطينا الحياة التي ترضيه والسيرة التي بلا عيب، المهم أن نفهم عمق الكلام الذي نقوله في الصلاة. ونسلك طبقًا له...
عيبنا الكبير أننا نصلي، ولا نفهم ما نقوله، ولا نأخذ من عبارات صلواتنا منهجًا روحيًا نسير بمقتضاه. والعيب الأكبر والأكثر خطورة أن تسير حياتنا مستقلة عن الله، كأننا نجاهد بمفردنا وليس لله دور في حياتنا. دون أن نجعل الله هو المحرّك لحياتنا، والمرشد لخطواتنا، ودون أن ننصت في عمق إلى قوله: "بِدُونِي لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئًا" (يو15: 5).
الوضع السليم أن نصلي أن نأخذ منه كل شيء، بل نصلي أيضًا شاكرين على كل ما يصنعه لأجلنا، حتى دون أن نطلب، بل نشكر على أنه منحنا أن نصلي.
لأنه أقامنا أمامه للصلاة، ولولا ذلك ما كنا قد وقفنا لنصلي. وهكذا نقول له في تحليل الساعة الثالثة: "نشكرك لأنك أقمتنا للصلاة في هذه الساعة المقدسة، التي فيها أفضت نعمة روحك القدوس بغنى على تلاميذك القديسين ورسلك المكرمين الطوباويين".
وفي تحليل الساعة السادسة نقول له: "نشكرك يا ملكنا ضابط الكل، لأنك جعلت أوقات آلام ابنك الوحيد أوقات عزاء وصلاة".
إن حياتنا الروحية تحتاج إلى تدبير من الله وإلى قوة منه.
في كل شيء في التوبة، والنقاوة، والطهارة، وفيما يلزم للخلاص.
التوبة والطهارة
وهذا ما تعلمنا الكنيسة إياه، حينما نتلو المزمور الخمسين في كل ساعات الصلاة في النهار والليل، ونقول فيه: "طَهِّرْنِي بِالزُّوفَا فَأَطْهُرَ. اغْسِلْنِي فَأَبْيَضَّ أَكْثَرَ مِنَ الثَّلْجِ"، "اغْسِلْنِي كَثِيرًا مِنْ إِثْمِي، وَمِنْ خَطِيَّتِي طَهِّرْنِي" (مز51).
إذًا نحن لا نتعهد أمام الله بأن نسلك في حياة الطهارة، إنما نطلب منه أنه هو الذي يطهرنا، ويغسلنا.
وهذا ما نقوله أيضًا في صلاة القداس الإلهي في صلاة القسمة: "طهر أنفسنا وأجسادنا وأرواحنا، وقلوبنا وعيوننا، وأفهامنا وأفكارنا ونياتنا".
كما نقول قبل الأواشي، طالبين فاعلية الأسرار المقدسة فينا: "اجعلنا مستحقين كلنا يا سيدنا أن ننال من قدساتك طهارة لأنفسنا وأجسادنا وأرواحنا".
هذه الطهارة إذًا نطلبها من الله في المزامير وصلوات الأجبية والقداس:
وهكذا نطلب من الروح القدس في صلاة الساعة الثالثة، ونقول: "هلمَّ تفضل وحِلّ فينا، وطهرنا من كل دنس أيها الصالح وخلص نفوسنا".
وفي تحليل هذه الساعة نقول: "أرسل لنا نعمة روحك القدوس، وطهرنا من دنس الجسد والروح، وانقلنا إلى سيرة روحانية، لكي نسعى بالروح، ولا نكمل شهوة الجسد". كل هذا نطلبه من الله لكي يعطينا إياه، ولا نتعهد به.
وفي صلاة الساعة السادسة نقول: "أنقذ عقولنا من طياشة الأعمال الهيولية، والشهوات العالمية، إلى تذكار أحكامك السمائية كرحمتك". وفي المزمور الكبير نقول: "سَمِّرْ خَوْفَكَ فِي لَحْمِي" (مز119).
وفي آخر كل صلاة نقول: "قدس أرواحنا. طهر أجسامنا. قوم أفكارنا. نقِّ نياتنا".
إذًا نطلب عمل الله في الروح والجسد والفكر والنية، لكي يطهر الكل وينقي ويقدس. كما نقول في صلاة النوم: "تفضل يا رب أن تحفظنا في هذا الليلة بغير خطية... وأنت يا رب تحفظنا، وتنجينا من هذا الجيل وإلى الأبد آمين". وهذا ما نقوله في المزمور: "(نقِّ) صَفِّ كُلْيَتَيَّ وَقَلْبِي" (مز26: 2).
يذكرني هذا بقول الكتاب: "تَوِّبْنِي فَأَتُوبَ، لأَنَّكَ أَنْتَ الرَّبُّ إِلهِي" (إر31: 18).
جميل أن تكون التوبة من عمل الله فينا، نطلبها منه.
ويؤكد مار إسحاق هذا المعنى، ويحذر من اللجوء إلى غيره. فيقول: "مَن يظن أن له بابًا آخر للتوبة غير الصلاة، هو مخدوع من الشياطين". ما أكثر ما نحاول أن نقدم توبة لله وما أقل ما نطلبها من الله، بل إن الرب علمنا أن نقول في الصلاة الربانية: "نجنا من الشرير".
الخلاص
نحن لا نعتمد في خلاصنا على أنفسنا، بل نطلبه من الله سواء كان خلاصًا من الخطية أو خلاصًا من أعدائنا ومقاومينا.
ويتكرر هذا في صلوات الأجبية، فنقول في المزمور الثالث في صلاة باكر: "قُمْ يَا رَبُّ! خَلِّصْنِي يَا إِلهِي!" (مز3: 7). ونقول: "يَبْتَهِجُ قَلْبِي بِخَلاَصِكَ" (مز13: 5).
ولعل هذا يذكرنا بتسبحة السيدة العذراء "وَتَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ مُخَلِّصِي" (لو47:1). كذلك نقول: "مُعِينِي وَمُنْقِذِي أَنْتَ. يَا رَبُّ، لاَ تَبْطُؤْ" (مز70: 5).
ولكي ننال هذا الخلاص، نتذكر في الساعة الثالثة قول المزمور: "قَرِيبٌ هُوَ الرَّبُّ مِنَ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ، وَيُخَلِّصُ الْمُنْسَحِقِي الرُّوحِ" (مز34: 18).
ونعود في الساعة السادسة، فنطلب الخلاص من الرب "اَللَّهُمَّ، بِاسْمِكَ خَلِّصْنِي، وَبِقُوَّتِكَ احْكُمْ لِي" (مز54: 1). ونشكره على خلاصه في (مز57: 3) "يُرْسِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَيُخَلِّصُنِي". "أَرْسَلَ اللَّهُ رَحْمَتَهُ وَحَقَّهُ، وَخَلَّصَ نَفْسِي مِنَ الْأَشْبَالِ، إِذْ نِمْتُ مُضْطَرِبًا".
ونتغنى بخلاص الرب، فنقول في صلاة الغروب "قُوَّتِي وَتَرَنُّمِي الرَّبُّ، وَقَدْ صَارَ لِي خَلاَصًا" (مز118: 14). وهذه العبارة هي جزء من تسبحة البصخة في أسبوع الآلام.
وإذ نتغنى بعمل الله في الخلاص، نتعود الاتكال عليه.
الاتكال على الله
فنقول في (مز84: 12) "أيها الرب إله القوات... طُوبَى لِلإِنْسَانِ الْمُتَّكِلِ عَلَيْكَ". ونقول في (مز25: 2): "يَا إِلهِي عَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، فَلاَ تَدَعْنِي أَخْزَى. لاَ تَشْمَتْ بِي أَعْدَائِي".
ثم نقول: "ذُوقُوا وَانْظُرُوا مَا أَطْيَبَ الرَّبَّ! طُوبَى لِلرَّجُلِ الْمُتَوَكِّلِ عَلَيْهِ" (مز34: 8) وفي (مز85) "يَا إِلهِي، خَلِّصْ أَنْتَ عَبْدَكَ الْمُتَّكِلَ عَلَيْكَ.. فَرِّحْ نَفْسَ عَبْدِكَ، لأَنَّنِي إِلَيْكَ يَا رَبُّ أَرْفَعُ نَفْسِي"، وفي (مز57: 1) نقول: "اِرْحَمْنِي يَا اَللهُ ارْحَمْنِي، لأَنَّهُ بِكَ احْتَمَتْ نَفْسِي، وَبِظِلِّ جَنَاحَيْكَ أَحْتَمِي إِلَى أَنْ تَعْبُرَ الْمَصَائِبُ".
وفي الاتكال على الله، يطلب المصلي المعونة من الله.
المعونة
باستمرار يطلب المصلي المعونة من الله فيقول: "اللَّهُمَّ الْتَفِتْ إِلَى مَعُونَتِي، يَا رَبِّ أَسْرِعْ وَأَعِنِّي، أَنْتَ مُعِينِي وَمُخَلِّصِي، يَا رَبِّ فَلَا تُبْطِئْ" (مز70). ويتكرر هذا المزمور في أكثر من صلاة من صلوات الأجبية.
فنقول في صلاة الساعة السادسة: "أعنا يا الله مخلصنا من أجل مجد اسمك". ونقول في صلاة الغروب: "أَرْفَعُ عَيْنَيَّ إِلَى الْجِبَالِ، مِنْ حَيْثُ يَأْتِي عَوْنِي! مَعُونَتِي مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ، صَانِعِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" (مز121: 1، 2). ونقول في (مز118) "الرَّبُّ عَوْني فَلا أخْشَي، ماذا يَصْنعُ بي الإنْسانُ؟".
وتتجلى معونة الرب في مزامير كثيرة "يَسْقُطُ عَنْ جَانِبِكَ أَلْفٌ، وَرِبْوَاتٌ عَنْ يَمِينِكَ. إِلَيْكَ لاَ يَقْرُبُ" (مز91: 7). "فلا تصيبك الشرور، وَلاَ تَدْنُو ضَرْبَةٌ مِنْ مسكنك" (مز91: 10). وكما قال: "الرَّبُّ يَحْفَظكَ مِنْ كُلِّ سوءٍ، الرَّبُّ يَحْفَظُ نَفْسَك. الرَّبُّ يَحْفَظُ دُخولَكَ وخُروجَكَ مِنَ الآنِ وإلَي الأبَدِ" (مز121: 7، 8).
ومن الأشياء الجميلة في صلوات الأجبية، أننا نطلب من الرب أن يعرفنا الطريق التي نسلك فيها.
معرفة الطريق
فنقول له: "أظْهِرْ لي يَا رَبُّ طُرقَكَ، وعلِّمْني سُبُلَكَ. اهْدِني إلى عَدلِكَ وعلِّمْنِي.."(مز24)، "علِّمْني يَا رَبُّ طّريقَكَ وَاهْدِني في سَبِيلٍ مسْتَقيمٍ..." (مز26)، "عرِّفْنِي يَا رَبُّ الطَّريقَ التي أسْلُكَ فِيهَا... علِّمنِي أنْ أصْنَعَ مَشِيئتَكَ" (مز142)، "اِهْدِني يا رَبُّ إلَي طَريقِكَ فَأسْلكَ في حقِّكَ.." (مز85)، "يَا رَبُّ خَلِّصْنا، يَا رَبُّ سَهِّلْ سُبُلَنا.." (مز117).
وفي قطعة (تفضل يا رب) في صلاة النوم نقول: "مبارك أنت يا رب، علمني عدلك. مبارك أنت يا رب، فهمني حقوقك. مبارك أنت يا رب أنر لي برك".
وهكذا نطلب الاستنارة والمعرفة من الله، وكما قيل في سفر الأمثال "تَوَكَّلْ عَلَى الرَّبِّ بِكُلِّ قَلْبِكَ، وَعَلَى فَهْمِكَ لاَ تَعْتَمِدْ" (أم5:3).
الاستنارة
نقول له في قطعة (تفضل يا رب) "أنر عقولنا وقلوبنا وأفهامنا يا سيد الكل"، ونقول في صلاة باكر "فليشرق علينا نور وجهك يا رب، وليضيء علينا نور علمك الإلهي"، ونقول في المزمور الثالث عشر "أَنِرْ عَيْنَيَّ لِئَلاَّ أَنَامَ نَوْمَ الْمَوْتِ، لِئَلاَّ يَقُولَ عَدُوِّي: «قَدْ قَوِيتُ عَلَيْهِ»" (مز13: 3، 4).
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 25 أبريل 1997م.
الفصل الثالث تأملات في صلاة قدوس الله، قدوس القوي قدوس الحي الذي لا يموت
صلوات الثلاث تقديسات[1]
قدوس، قدوس، قدوس، قدوس الله، قدوس القوي، قدوس الحي الذي لا يموت. تسبحة (الثلاث تقديسات) أخذناها أولًا من تسبحة السيرافيم، هذه التي سمعها إشعياء النبي ورواها لنا فقال: "رَأَيْتُ السَّيِّدَ جَالِسًا عَلَى كُرْسِيٍّ عَال وَمُرْتَفِعٍ، وَأَذْيَالُهُ تَمْلأُ الْهَيْكَلَ، السَّرَافِيمُ وَاقِفُونَ فَوْقَهُ، لِكُلِّ وَاحِدٍ سِتَّةُ أَجْنِحَةٍ، بِاثْنَيْنِ يُغَطِّي وَجْهَهُ، وَبِاثْنَيْنِ يُغَطِّي رِجْلَيْهِ، وَبَاثْنَيْنِ يَطِيرُ، وَهذَا نَادَى ذَاكَ وَقَالَ: قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ رَبُّ الْجُنُودِ. مَجْدُهُ مِلْءُ كُلِّ الأَرْضِ" (إش6: 1– 3).
أما القطعة الأخرى للثلاث تقديسات، فقد أخذت من تسبحة نيقوديموس: يقال إنه وهو يكفن جسد السيد المسيح له المجد، أنه أمسك بيده وقال: هذه اليد التي صنعت السماء والأرض، كيف لي أنا أن أكفنها؟! وهنا شعر أن السيد يبتسم له، فقال: "قدوس الله، قدوس القوي، قدوس الحي الذي لا يموت"، فأخذت الكنيسة هذه التسبحة، وطورتها واستخدمتها.
الله القدوس
وفيما نصلي هذه التسبحة، نتذكر ما قيل في الكتاب عن قداسة الله...
نتذكر صلاة مشابهة من صلوات التسبيح في سفر الرؤيا، إذ يقول القديس يوحنا الرائي: "نَظَرْتُ وَإِذَا بَابٌ مَفْتُوحٌ فِي السَّمَاءِ، وَلِلْوَقْتِ صِرْتُ فِي الرُّوحِ، وَإِذَا عَرْشٌ مَوْضُوعٌ فِي السَّمَاءِ، وَعَلَى الْعَرْشِ جَالِسٌ" (رؤ4: 1،2)، ثم يشرح ما رآه من القوات السمائية، إلى أن يقول: "وَالأَرْبَعَةُ الْحَيَوَانَاتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا سِتَّةُ أَجْنِحَةٍ حَوْلَهَا، وَمِنْ دَاخِل مَمْلُوَّةٌ عُيُونًا، وَلاَ تَزَالُ نَهَارًا وَلَيْلًا قَائِلَةً: قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، الرَّبُّ الإِلهُ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، الَّذِي كَانَ وَالْكَائِنُ وَالَّذِي يَأْتِي" (رؤ8:4).
ويقول القديس يوحنا الرائي أيضًا: "ثُمَّ رَأَيْتُ آيَةً أُخْرَى فِي السَّمَاءِ، عَظِيمَةً وَعَجِيبَةً: سَبْعَةَ مَلاَئِكَةٍ مَعَهُمُ السَّبْعُ الضَّرَبَاتُ الأَخِيرَةُ. وَالْغَالِبِينَ عَلَى الْوَحْشِ وَصُورَتِهِ وَعَلَى سِمَتِهِ وَعَدَدِ اسْمِهِ، وَاقِفِينَ عَلَى الْبَحْرِ الزُّجَاجِيِّ مَعَهُمْ قِيثَارَاتُ اللهِ، وَهُمْ يُرَتِّلُونَ تَرْنِيمَةَ مُوسَى عَبْدِ اللهِ، وَتَرْنِيمَةَ الْخَرُوفِ قَائِلِينَ عَظِيمَةٌ وَعَجِيبَةٌ هِيَ أَعْمَالُكَ أَيُّهَا الرَّبُّ الإِلهُ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ! عَادِلَةٌ وَحَقٌّ هِيَ طُرُقُكَ يَا مَلِكَ الْقِدِّيسِينَ، مَنْ لاَ يَخَافُكَ يَارَبُّ وَيُمَجِّدُ اسْمَكَ؟ لأَنَّكَ وَحْدَكَ قُدُّوسٌ" (رؤ1:15–4).
نعم... الله وحده قدوس
"الْكُلُّ قَدْ زَاغُوا مَعًا، فَسَدُوا. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا، لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ" (مز3:14)، ولكن الله وحده القدوس.
ونلمح صفته الإلهية هذه في تسبحة القديسة العذراء مريم، إذ قالت: "لأَنَّ الْقَدِيرَ صَنَعَ بِي عَظَائِمَ، وَاسْمُهُ قُدُّوسٌ" (لو49:1).
وهكذا حنة أم صموئيل النبي، قالت في تسبحتها "لَيْسَ قُدُّوسٌ مِثْلَ الرَّبِّ" (1صم2:2).
نتذكر أيضًا قداسة الله في المزامير حينما نصلي فنقول: "عَلُّوا الرَّبَّ إِلهَنَا، وَاسْجُدُوا فِي جَبَلِ قُدْسِهِ، لأَنَّ الرَّبَّ إِلهَنَا قُدُّوسٌ" (مز9:99). "فَلْيَعْتَرِفُوا لِاسْمِهِ الْعَظِيمِ، لِأَنَّهُ مَرْهُوبٌ وَقُدُّوسٌ" (مز3:99). ونقول أيضًا "قُدُّوسٌ وَمَهُوبٌ اسْمُهُ" (مز9:111).
وهذا ما يعلنه أيضًا في سفر الرؤيا "هذَا يَقُولُهُ الْقُدُّوسُ الْحَقُّ، الَّذِي لَهُ مِفْتَاحُ دَاوُدَ، الَّذِي يَفْتَحُ وَلاَ أَحَدٌ يُغْلِقُ، وَيُغْلِقُ وَلاَ أَحَدٌ يَفْتَحُ" (رؤ7:3).
وما أجمل تسبيحنا له في يوم الجمعة الكبيرة بلحن آجيوس (أي قدوس).
ونطيل هزات هذا اللحن، ونحن نتغنى بقداسة الرب، في الوقت الذي كانوا يقدمونه فيه للصلب باتهامات باطلة، ثم يصلبونه بين لصين... أما نحن فإننا نقول له وسط كل هؤلاء: نحن نعرف يا رب من أنت: أنت "قدوس قدوس قدوس رب الجنود، السماء والأرض مملوءتان من مجدك الأقدس".
والكتاب يسجل كيف أن السارافيم سبحوا الله هكذا: "قُدُّوسٌ قُدُّوسٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْجُنُودِ" (إش3:6)، بل أن القوات السمائية في سفر الرؤيا، حصرت القداسة في الله وحده، فقالوا: "مَنْ لاَ يَخَافُكَ يَا رَبُّ وَيُمَجِّدُ اسْمَكَ؟ لأَنَّكَ وَحْدَكَ قُدُّوسٌ" (رؤ4:15).
قدوس الله
إن كان هذا تأملنا في قداسته، فكيف نتأمل كلمة "الله"؟
الله غير المدرك غير المفحوص، الذي هو فوق فهمنا، وأعلى من مستوى عقولنا، نؤمن به وبوجوده، ولكن لا تستطيع لغتنا القاصرة أن تعبر عنه تعبيرًا سليمًا، فكل صفة من صفاته غير المتناهية تقف أمامها "كَلِمَاتٍ لاَ يُنْطَقُ بِهَا" (2كو4:12). وكما قال أحد القديسين: "ما من مرة تكلمت اللغة عن اللاهوت، إلا وقصرت في التعبير".
حقًا، "يُدْعَى اسْمُهُ عَجِيبًا" (إش6:9). هذا ما قاله إشعياء النبي، والله نفسه حينما سأله منوح عن اسمه أجاب: "لِمَاذَا تَسْأَلُ عَنِ اسْمِي وَهُوَ عَجِيبٌ؟" (قض18:13).
إنه الله غير المرئي الذي "لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ" (يو18:1). الذي قال لنبيّه العظيم موسى: "لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَرَى وَجْهِي، لأَنَّ الإِنْسَانَ لاَ يَرَانِي وَيَعِيشُ" (خر20:33)، نعم هو الله الذي معرفته فوق الاستقصاء، الذي قال له الابن الكلمة: "وَهذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ" (يو3:17). وقال أيضًا: "عَرَّفْتُهُمُ اسْمَكَ وَسَأُعَرِّفُهُمْ، لِيَكُونَ فِيهِمُ الْحُبُّ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي بِهِ" (يو26:17)، إن الله الكائن الذي كان، الدائم إلى الأبد، الجالس على كرسي مجده، المسجود له من جميع القوات السمائية نذكر اسمه في تسبحة الثلاث تقديسات، فنحني رؤوسنا له خشوعًا وإجلالًا.
أفواهنا تتقدس حينما نلفظ اسم الله القدوس.
ولذلك علينا أن نحتفظ بقدسية أفواهنا وشفاهنا وألسنتنا، وأن نذكر قول إشعياء النبي، حينما سمع تسبحة الثلاث تقديسات من أفواه السيرافيم فقال: "وَيْلٌ لِي إِنِّي هَلَكْتُ، لأَنِّي إِنْسَانٌ نَجِسُ الشَّفَتَيْنِ" (إش5:6).
"أنت قدوس الله، وقدوس القوي، وقدوس الحي الذي لا يموت".
إننا نعترف بقداستك أثناء صلبك، اللصان اللذان صُلِبا حولك، كان ذلك بسبب خطاياهما، أما أنت البار الذي بلا عيب، القدوس وحده الذي "قَدِ انْفَصَلَ عَنِ الْخُطَاةِ وَصَارَ أَعْلَى مِنَ السَّمَاوَاتِ" (عب26:7). فقد صلبت من أجل خطايانا نحن. لذلك نحن نسبحك في هذا اليوم، ونصرخ مرتلين: "قدوس قدوس قدوس".
الله قوي في قداسته، وقدوس في قوته.
هو القدوس القوي، لأنه لا يستخدم قوته إلا بكل قداسة، هناك أقوياء ليسوا قديسين، كالذين يستخدمون قوتهم في الفتك بالضعفاء، أو في الكبرياء والهزء بالآخرين مثل جليات الجبار (1صم17)، أو الأقوياء الذين يستخدمون قوتهم في الإيقاع بالآخرين مثل إبليس (1بط8:5).
هذا الإله القدوس القوي، هو الذي استخدم قوّته في الخلق، فخلق الملائكة القديسين، اَلسَّمَاوَاتُ تُحَدِّثُ بِمَجْدِ اللهِ، وَالْفَلَكُ يُخْبِرُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ (مز1:19). وهو القوي الذي قهر الشيطان وجعله "سَاقِطًا مِثْلَ الْبَرْقِ مِنَ السَّمَاءِ" (لو18:10). هو القوي الذي انتصر عليه في التجربة على الجبل وقال له: "اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ" (مت10:4)، فذهب وجاءت الملائكة لتخدمه.
هو القوي الذي عمل معجزات لم يعملها أحد من قبل (يو24:15). وهو القدوس الذي طهّر الهيكل، وقال: "مَكْتُوبٌ: بَيْتِي بَيْتَ الصَّلاَةِ يُدْعَى. وَأَنْتُمْ جَعَلْتُمُوهُ مَغَارَةَ لُصُوصٍ" (مت21: 13،12). هو القوي الذي وهو على الصليب حطّم كل تعب الشيطان الذي تعبه منذ بدء الخليقة.
هو القوي المعطي نعمة لتلاميذه والمؤمنين، فيستطيعون أن يصنعوا القوات والعجائب، وتخضع لهم الشياطين باسمه (لو17:10) و(مر17:16).
ونحن نفرح باستمرار أننا في حمى الله القدوس القوي، الذي به وبقوته يستطيع كل منا أن يقول مع القديس بولس الرسول: "أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ الَّذِي يُقَوِّينِي" (في13:4)، معتمدًا على قول هذا القدوس القوي: "كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ لِلْمُؤْمِنِ" (مر23:9). وهكذا يغنّي مع أيوب الصديق قائلًا للرب: "عَلِمْتُ أَنَّكَ تَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ، وَلاَ يَعْسُرُ عَلَيْكَ أَمْرٌ" (أي2:42).
هو قدوس وقوي في أزليته، وفي تجسده أيضًا
قدوس في تجسده، إذ ولد بدون زرع بشر، وبدون الخطية الأصلية. فقد قال جبرائيل الملاك في تبشيره لأمه العذراء مريم: "الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ" (لو35:1). وكان قويًا في قيامته، إذ خرج من القبر وهو مغلق وعلى بابه حجر عظيم، كما كان قويًا أيضًا بعد قيامته، إذ دخل العلية على التلاميذ والأبواب مغلقة (يو19:20). وبهذا تغنى القديس بولس الرسول قائلًا: "لأَعْرِفَهُ، وَقُوَّةَ قِيَامَتِهِ، وَشَرِكَةَ آلاَمِهِ" (في10:3). ونحن نؤمن أن هذا القوي في قيامته سيقيمنا نحن أيضًا "سَيُغَيِّرُ شَكْلَ جَسَدِ تَوَاضُعِنَا لِيَكُونَ عَلَى صُورَةِ جَسَدِ مَجْدِهِ، بِحَسَبِ عَمَلِ اسْتِطَاعَتِهِ أَنْ يُخْضِعَ لِنَفْسِهِ كُلَّ شَيْءٍ" (في21:3).
إنه "قدوس الله وقدوس القوي" وأيضًا "قدوس الحي".
الحي الذي لا يموت
إن كان قد مات بالجسد، فهو بلاهوته "حيٌّ لا يموت".
وإن كانت روحه بالموت قد فارقت جسده، فإنه بروحه المتحدة بلاهوته قد "نَزَلَ أَيْضًا أَوَّلًا إِلَى أَقْسَامِ الأَرْضِ السُّفْلَى" و"سَبَى سَبْيًا" (أف4: 8،9). وأخذ أنفس قديسي العهد القديم الراقدين على رجاء القيامة، وفتح باب الفردوس، وأدخلهم هناك، ثم أدخل معهم اللص اليمين، وفي اليوم الثالث قام من الأموات، وظهر لتلاميذه "اَلَّذِينَ أَرَاهُمْ أَيْضًا نَفْسَهُ حَيًّا بِبَرَاهِينَ كَثِيرَةٍ... وَهُوَ يَظْهَرُ لَهُمْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا" (أع3:1).
هذا الحي الذي لا يموت، ظهر للقديس يوحنا الرائي في صورة مهيبة جدًا، وقال له: "لاَ تَخَفْ، أَنَا هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ، وَالْحَيُّ. وَكُنْتُ مَيْتًا، وَهَا أَنَا حَيٌّ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ! آمِينَ. وَلِي مَفَاتِيحُ الْهَاوِيَةِ وَالْمَوْتِ" (رؤ1: 18،17).
هذا الحي يحلف به البعض أحيانًا ويقولون: "المسيح الحي"، ويقول الإنجيل: "فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ، وَالْحَيَاةُ كَانَتْ نُورَ النَّاسِ" (يو4:1)، وهو أيضًا يقول عن نفسه "أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا" (يو25:11).
إنه القدوس، الإله، القوي، الحي. نناديه ونقول: ارحمنا.
ارحمنا
في الثلاث تقديسات، بعد عبارة "قدوس الله، قدوس القوي، قدوس الحي الذي لا يموت" نقول له: "يا من ولدت من العذراء ارحمنا، يا من صلب عنا ارحمنا، يا من قام من الأموات ارحمنا". أنت وحدك القدوس ولكننا نحن خطاة، فارحمنا.
وعبارة (ارحمنا) من أكثر العبارات تكرارًا في صلواتنا.
فنحن نكررها مرارًا في صلاة الثلاث تقديسات، ونكرر عبارة "أيها الثالوث القدوس، ارحمنا" ثلاث مرات، ونقول كيرياليصون (يا رب ارحم) 41 مرة، ونختم كل ساعة من صلوات الأجبية بالطلبة التي نقول فيها: "ارحمنا يا الله ثم ارحمنا"، بل في مقدمة كل صلاة نرتل المزمور الخمسين الذي أوله: "ارحمني يا الله كعظيم رحمتك".
وفي رفع بخور العشية، وفي مناسبات عديدة نقول لحن "إفنوتي ناي نان" أي "يا الله ارحمنا". وأحيانًا نقول في القداس لحن "جي ناي نان" أي "ارحمنا". وما أكثر ما نردد هذه العبارة.
حينما نذكر قداسة الله في لحن "آجيوس" نتذكر خطايانا فنقول (ارحمنا). ارحمنا يا رب في ضيقاتنا وتجاربنا، ارحمنا واغفر لنا "كرحمتك يا رب ولا كخطايانا". وفي تسبحة الثلاث تقديسات نقول: "يا رب اغفر لنا خطايانا. يا رب اغفر لنا آثامنا. يا رب اغفر لنا زلاتنا".
كذلك نرتل لحن آجيوس (قدوس) في الصلاة على الراقدين.
كأننا نقول لله في صلواتنا، ونحن نودع هؤلاء الذين ماتوا: تذكر يا رب أنك أنت وحدك القدوس، أما البشر، فلا يوجد واحد على الأرض طاهر من دنس، فاغفر لهم إذ لبسوا جسدًا، وسكنوا في هذا العالم "لأَنَّهُ يَعْرِفُ جِبْلَتَنَا. يَذْكُرُ أَنَّنَا تُرَابٌ نَحْنُ" (مز14:103).
ونرتل هذا اللحن أيضًا، في الصلاة على الراهب الجديد.
لكي يتذكر أنه داخل على حياة مقدسة، يشترك فيها مع الله القدوس، في حياة الصلاة والتأمل، وقد مات عن العالم، وصلينا عليه كما نصلي على الموتى، وأصبحت حياته الجديدة هي حياة التسبيح التي تشبه طقس السارافيم الذين يسبحون الله قائلين: "قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ رَبُّ الْجُنُودِ" (إش3:6).
وحينما نقول تسبحة الثلاث تقديسات، نتذكر ما يقوله الأب الكاهن في (صلاة الاستعداد) قبل أن يبدأ القداس الإلهي إذ يقول: "أيها الرب العارف قلب كل أحد، القدوس المستريح في قديسيه، الذي بلا خطية وحده، القادر على مغفرة الخطايا. أنت تعلم يا سيد أني غير مستحق ولا مستعد، ولا مستوجب لهذه الخدمة المقدسة التي لك، وليس لي وجه أن أقترب وأفتح فاي أمام مجدك المقدس".
وحينما نسبح قائلين "قدوس"، نتذكر أن كل ما ينتسب إلى الله هو أيضًا مقدس.
كل ما ينتسب لله مقدس
اسم الله هو اسم قدوس، وهكذا نصلي بالمزمور ونقول: "بَارِكِي يَا نَفْسِي الرَّبَّ، وَكُلُّ مَا فِي بَاطِنِي لِيُبَارِكِ اسْمَهُ الْقُدُّوسَ" (مز1:103).
والله يطلب منا ألا ندنس اسمه القدوس (لا2:22)، بل على العكس نصلي باستمرار قائلين له: "لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ" (مت9:6)، وروح الله هو روح قدس، نسمّيه الرُّوحِ الْقُدُسِ (مت19:28)، ويقول الرسول: "لاَ تُحْزِنُوا رُوحَ اللهِ الْقُدُّوسَ الَّذِي بِهِ خُتِمْتُمْ" (أف30:4)، ونحن نصلي في المزمور الخمسين قائلين: "رُوحَكَ الْقُدُّوسَ لاَ تَنْزِعْهُ مِنِّي" (مز11:51).
والمكان الذي يظهر فيه الله، هو مكان مقدس، لذلك فعندما ظهر الله لموسى النبي، قال له: "اخْلَعْ حِذَاءَكَ مِنْ رِجْلَيْكَ، لأَنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي أَنْتَ وَاقِفٌ عَلَيْهِ أَرْضٌ مُقَدَّسَةٌ" (خر5:3). ونفس العبارة قيلت أيضًا ليشوع (يش15:5).
لذلك أنا أتعجب من بعض الكنائس التي تسمح بأن يدخل الكاهن إلى الهيكل بحذائه، متناسيًا الوصية التي قيلت لموسى وليشوع!! إننا عندما نخلع أحذيتنا، إنما يدخل إلى قلوبنا شعور روحي بأن هذا المكان ليس مكانًا عاديًا. "مَا أَرْهَبَ هذَا الْمَكَانَ!" (تك17:28) كما قال أبو الآباء يعقوب.
وهكذا بيت الله هو بيت مقدس، نقول عنه في المزمور: "بِبَيْتِكَ تَلِيقُ الْقَدَاسَةُ يَا رَبُّ إِلَى طُولِ الأَيَّامِ" (مز5:93).
ويقول الكتاب: "لأَنَّ الرَّبَّ إِلهَكَ سَائِرٌ فِي وَسَطِ مَحَلَّتِكَ... فَلْتَكُنْ مَحَلَّتُكَ مُقَدَّسَةً" (تث14:23)، وهيكل الله هيكل مقدس، كما يقول المزمور: "اَلرَّبُّ فِي هَيْكَلِ قُدْسِهِ. الرَّبُّ فِي السَّمَاءِ كُرْسِيُّهُ" (مز4:11). لذلك أيضًا فالسماء مقدسة، كما يقول المزمور إن الرب: "يَسْتَجِيبُهُ مِنْ سَمَاءِ قُدْسِهِ" (مز6:20)، و"يُرْسِلْ لَكَ عَوْنًا مِنْ قُدْسِهِ" (مز2:20) حتى لو كان هيكل الله هو قلوبنا، بحلول روحه فينا، يقول الرسول: "لأَنَّ هَيْكَلَ اللهِ مُقَدَّسٌ الَّذِي أَنْتُمْ هُوَ" (1كو17:3).
وفي أول بيت لله، كان يوجد القدس وقدس الأقداس، وقد تحدث القديس بولس الرسول في رسالته إلى العبرانيين عن القدس وعن قدس الأقداس (عب9: 2،3).
ولأن بيت الله مقدس، ينبغي أن نسلك فيه بكل قداسة وخشوع، وبكل هيبة واحترام، كما قال المرتل في المزمور: "أَمَّا أَنَا فَبِكَثْرَةِ رَحْمَتِكَ أَدْخُلُ بَيْتَكَ. أَسْجُدُ فِي هَيْكَلِ قُدْسِكَ بِخَوْفِكَ" (مز7:5)، إن الذين لم يقدسوا بيت الرب، طردهم الرب منه ووبخهم.
كانت المحلة مقدسة، حيث توجد خيمة الاجتماع، لذلك فإن الذبائح التي كانت تحمل خطايا الناس، كانت تُحْرَقُ أَجْسَامُهَا خَارِجَ الْمَحَلَّةِ (عب11:13)، لدرجة أن السيد المسيح القدوس، لما حمل خطايانا، صلبوه خارج المحلة!!
وجبل الله كان أيضًا جبلًا مقدسًا، حيث يوجد موضع له فيقول الرب: "جَبَلِ قُدْسِي" (مز6:2). ويقول المرتل في المزمور "يَا رَبُّ، مَنْ يَنْزِلُ فِي مَسْكَنِكَ؟ مَنْ يَسْكُنُ فِي جَبَلِ قُدْسِكَ؟ السالك بلا عيب، الفاعل البر" (مز15: 2،1)، ونحن نرتل أيضًا ونقول: "أَسَاسُهُ فِي الْجِبَالِ الْمُقَدَّسَةِ" (مز1:87).
وكتاب الله هو كتاب مقدس، وهكذا وصاياه وناموسه، يقول القديس بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس: "وَأَنَّكَ مُنْذُ الطُّفُولِيَّةِ تَعْرِفُ الْكُتُبَ الْمُقَدَّسَةَ، الْقَادِرَةَ أَنْ تُحَكِّمَكَ لِلْخَلاَصِ" (2تي15:3)، ويقول: "إِنْجِيلِ اللهِ الَّذِي سَبَقَ فَوَعَدَ بِهِ بِأَنْبِيَائِهِ فِي الْكُتُبِ الْمُقَدَّسَةِ" (رو2،1:1). ويقول أيضًا: "إِذًا النَّامُوسُ مُقَدَّسٌ وَالْوَصِيَّةُ مُقَدَّسَةٌ" (رو12:7).
الكهنوت أيضًا مقدس، والذبائح مقدسة. يقول الرسول: "كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا مَبْنِيِّينَ - كَحِجَارَةٍ حَيَّةٍ - بَيْتًا رُوحِيًّا، كَهَنُوتًا مُقَدَّسًا، لِتَقْدِيمِ ذَبَائِحَ رُوحِيَّةٍ مَقْبُولَةٍ عِنْدَ اللهِ" (1بط5:2).
والأسرار التي يقوم بها الكهنة نسمّيها الأسرار المقدسة، والمسحة التي كان يُمسح بها الكهنة وخيمة الاجتماع، والأواني المقدسة، كانت تسمّى المسحة المقدسة، وقد أمر الرب موسى بصُنعها، وقال له عنها: "وَتُقَدِّسُهَا فَتَكُونُ قُدْسَ أَقْدَاسٍ. كُلُّ مَا مَسَّهَا يَكُونُ مُقَدَّسًا... دُهْنًا مُقَدَّسًا لِلْمَسْحَةِ فِي أَجْيَالِكُمْ... مُقَدَّسٌ هُوَ، وَيَكُونُ مُقَدَّسًا عِنْدَكُمْ" (خر30: 29–32).
وحتى ملابس الكهنة كانت ملابس مقدسة، إذ يقول الكتاب: "وَالثِّيَابُ الْمُقَدَّسَةُ الَّتِي لِهَارُونَ تَكُونُ لِبَنِيهِ بَعْدَهُ، لِيُمْسَحُوا فِيهَا" (خر29:29). ونحن ما زلنا حتى الآن نرشم الملابس الكهنوتية لتقديسها قبل لبسها، وهارون رئيس الكهنة كان يعتبر قدسًا للرب، وهكذا قال الرب لموسى عن عمامة هارون: "وَتَصْنَعُ صَفِيحَةً مِنْ ذَهَبٍ نَقِيٍّ، وَتُنَقِّشُ عَلَيْهَا نَقْشَ خَاتِمٍ: قُدْسٌ لِلرَّبِّ، وَتَضَعُهَا عَلَى خَيْطٍ أَسْمَانْجُونِيٍّ لِتَكُونَ عَلَى الْعِمَامَةِ" (خر28: 37،36).
وقال الرب لموسى عن ثياب هارون: "وَاصْنَعْ ثِيَابًا مُقَدَّسَةً لِهَارُونَ أَخِيكَ لِلْمَجْدِ وَالْبَهَاءِ، وَتُكَلِّمُ جَمِيعَ حُكَمَاءِ الْقُلُوبِ الَّذِينَ مَلأْتُهُمْ رُوحَ حِكْمَةٍ، أَنْ يَصْنَعُوا ثِيَابَ هَارُونَ لِتَقْدِيسِهِ لِيَكْهَنَ لِي" (خر28: 3،2).
والذبائح التي كانت تقدم لله، كانت تعتبر ذبائح مقدسة، فيذكر الكتاب عن ذبيحة الخطية "... إِنَّهَا قُدْسُ أَقْدَاسٍ" (لا6: 29). ويقول أيضًا عن تقدمة الدقيق إنها: "قُدْسُ أَقْدَاسٍ كَذَبِيحَةِ الْخَطِيَّةِ وَذَبِيحَةِ الإِثْمِ" (لا6: 17)، بل حينما نقدم أجسادنا للرب، يقول الرسول: "أَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ... أَنْ تُقَدِّمُوا أَجْسَادَكُمْ ذَبِيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسَةً" (رو1:12).
والصوم الذي نقدمه لله، هو صوم مقدس، كما يقول: "قَدِّسُوا صَوْمًا. نَادُوا بِاعْتِكَافٍ" (يوء14:1) و(يوء15:2).
وشعب الله، هو شعب مقدس (تث9:27)، وَأُمَّةً مُقَدَّسَةً (خر6:19)، وأورشليم هي الْمَدِينَةِ الْمُقَدَّسَةِ (مت5:4).
قداسة المؤمنين
ما دام المؤمنون أبناء الله، إذًا ينبغي أن يكونوا قديسين، ويعبر القديس بولس الرسول عن هذه الحقيقة بقوله: "سَلِّمُوا عَلَى كُلِّ قِدِّيسٍ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ" (في21:4) وأعقبها بقوله: "يُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ جَمِيعُ الْقِدِّيسِينَ".
وهو يبدأ رسائله بأنها للقديسين، فيقول: "إِلَى جَمِيعِ الْمَوْجُودِينَ فِي رُومِيَةَ، أَحِبَّاءَ اللهِ، مَدْعُوِّينَ قِدِّيسِينَ" (رو7:1). "إِلَى كَنِيسَةِ اللهِ الَّتِي فِي كُورِنْثُوسَ، الْمُقَدَّسِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، الْمَدْعُوِّينَ قِدِّيسِينَ" (1كو2:1). "مَعَ الْقِدِّيسِينَ أَجْمَعِينَ الَّذِينَ فِي جَمِيعِ أَخَائِيَةَ" (2كو1:1). "إِلَى الْقِدِّيسِينَ الَّذِينَ فِي أَفَسُسَ" (أف1:1). "إِلَى جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، الَّذِينَ فِي فِيلِبِّي" (في1:1). "إِلَى الْقِدِّيسِينَ فِي كُولُوسِّي" (كو2:1).
ويقول لأهل تسالونيكي: "أُنَاشِدُكُمْ بِالرَّبِّ أَنْ تُقْرَأَ هذِهِ الرِّسَالَةُ عَلَى جَمِيعِ الإِخْوَةِ الْقِدِّيسِينَ" (1تس27:5). ويكتب إلى العبرانيين قائلًا: "مِنْ ثَمَّ أَيُّهَا الإِخْوَةُ الْقِدِّيسُونَ، شُرَكَاءُ الدَّعْوَةِ السَّمَاوِيَّةِ" (عب1:3). والله يطلب منا هذه القداسة بقوله: "كُونُوا قِدِّيسِينَ لأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ" (1بط16:1).
وهذه هي الوصية التي قالها الرب في العهد القديم أيضًا (لا45:11) (لا26:20). وهكذا يقول القديس بطرس الرسول أيضًا متذكرًا هذه الآية: "بَلْ نَظِيرَ الْقُدُّوسِ الَّذِي دَعَاكُمْ، كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا قِدِّيسِينَ فِي كُلِّ سِيرَةٍ" (1بط15:1)، وهذا الأمر يطرح أمامنا سؤالًا هامًا وهو:
لماذا يُدعى المؤمنون قديسين؟
أولًا لأن كل مؤمن مقدس بدم المسيح، ولأنه يخرج من المعمودية إنسانًا جديدًا نقيًا طاهرًا، قد ولد من الماء والروح (يو5:3) ينطبق عليه قول الرسول: "لأَنَّ كُلَّكُمُ الَّذِينَ اعْتَمَدْتُمْ بِالْمَسِيحِ قَدْ لَبِسْتُمُ الْمَسِيحَ" (غلا27:3).
وكل مؤمن قديس، لأنه صار هيكلًا للروح القدس، وروح الله يسكن فيه (1كو16:3).
وهو قديس، لأنه صورة الله ومثاله، حسبما خلقه الله في البدء (تك1: 27،26)، وإن كان قد فقد الصورة الإلهية بالخطية، فقد استعادها مرة أخرى في الإيمان بالمعمودية، حينما لبس المسيح.
والمؤمن أيضًا قديس، لأنه تقدس بالمسحة المقدسة في سر الميرون.
وهو قديس بتناوله من سر الإفخارستيا المقدس، إذ يقول الكاهن بعلو صوته (القدسات للقديسين)، ونسمي هذا القداس (قداس القديسين).
وهذه القداسة لازمة جدًا للمؤمن، لأنه بدون القداسة لا يعاين أحد الرب، فأنقياء القلب هم الذين يعاينون الله (مت8:5)، لذلك ينبغي أن يكونوا مقدسين فكرًا وجسدًا وروحًا ولسانًا وقلبًا، ومع كل ما قلناه عن قداسة البشر، نضع قاعدة جوهرية من جهة قداسة الله وقداسة المؤمنين.
إن قداسة الله تختلف تمامًا عن قداسة الإنسان.
فقداسة الله مطلقة غير محدودة، وقداسة الإنسان نسبية، نسبة إلى ما يستطيع أن يصل إليه.
وقداسة الله طبيعية، لأن الله طبيعته لا تقبل الخطية، لأنه نور لا يُدنى منه، ولا شركة للنور مع الظلمة (2كو14:6). أما الإنسان فقداسته تأتي بالجهاد والتعب ومقاومة الخطية، وفي ذلك قال القديس بولس الرسول في رسالته إلى العبرانيين: "لَمْ تُقَاوِمُوا بَعْدُ حَتَّى الدَّمِ مُجَاهِدِينَ ضِدَّ الْخَطِيَّةِ" (عب4:12)، وكما قال: "الْجَسَدَ يَشْتَهِي ضِدَّ الرُّوحِ وَالرُّوحُ ضِدَّ الْجَسَدِ" (غلا17:5)، وقال إن مصارعتنا هي مَعَ أَجْنَادِ الشَّرِّ الرُّوحِيَّةِ (أف12:6).
ويظل الإنسان في هذا الجهاد السلبي، حتى إذا وصل إلى البر يجاهد أن ينمو فيه، ولكن متى يصل إلى البر؟
يقول القديس بولس الرسول: "جَاهَدْتُ الْجِهَادَ الْحَسَنَ، أَكْمَلْتُ السَّعْيَ، حَفِظْتُ الإِيمَانَ، وَأَخِيرًا قَدْ وُضِعَ لِي إِكْلِيلُ الْبِرِّ، الَّذِي يَهَبُهُ لِي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، الرَّبُّ الدَّيَّانُ الْعَادِلُ" (2تي4: 7، 8). نعم، لن نصل إلى إكليل البر، إلا في ذلك اليوم الأخير، حينما يكللنا الله بالبر، فلا نعود نخطئ فيما بعد.
ومع أننا مطالبون بالقداسة، إلا أننا خطاة أمام الله.
حتى إن نفّذنا كل الوصايا، يقول الكتاب: "مَتَى فَعَلْتُمْ كُلَّ مَا أُمِرْتُمْ بِهِ فَقُولُوا: إِنَّنَا عَبِيدٌ بَطَّالُونَ" (لو10:17). حقًا إن درجة (عبيد بطالين) درجة كبيرة لم نصل إليها بعد!! فكم بالأولى القداسة والكمال؟!
القديس بولس الرسول يقول: "الْخُطَاةَ الَّذِينَ أَوَّلُهُمْ أَنَا" (1تي15:1)، والقديس يوحنا الحبيب يقول: "إِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ لَيْسَ لَنَا خَطِيَّةٌ نُضِلُّ أَنْفُسَنَا وَلَيْسَ الْحَقُّ فِينَا" (1يو8:1)، والقديس يعقوب الرسول يقول: "إنَّنَا فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ نَعْثُرُ جَمِيعُنَا" (يع2:3) فماذا نقول نحن، حيثما نتذكر قداسة الله والقداسة المطلوبة منا؟!
شعورنا بالانسحاق
حينما نقول (قدوس) ننحني ونرشم الصليب لسببين:
أولًا: احترامًا وإجلالًا لله القدوس، وخشوعًا أمامه.
ثانيًا: كأننا نضرب مطانية أمام قدسيته، اعترافًا بخطايانا، لذلك نقول بعدها (ارحمنا) ونكررها ثلاث مرات، ثم نقول "أيها الثالوث القدوس ارحمنا".
قد يقول البعض: ولكننا أبناء وورثة.
فنجيبه: حقًا إن الله من محبته دعانا أولاد الله (1يو3:1)، ولكن الكتاب يقول "كُلَّ مَنْ وُلِدَ مِنَ اللهِ لاَ يُخْطِئُ" (1يو18:5) "وَلاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُخْطِئَ لأَنَّهُ مَوْلُودٌ مِنَ اللهِ" (1يو9:3). لكننا نخطئ، ومع ذلك ندعو الله أبانا!! لذلك نحن في كل يوم، يقول له كل منا مع الإبن الضال "لَسْتُ مُسْتَحِقًّا بَعْدُ أَنْ أُدْعَى لَكَ ابْنًا" (لو21:15).
ولماذا لست مستحقًا؟ لأن المولود من الله لا يستطيع أن يخطئ، بينما أخطئ كل يوم!
لهذا فإننا في كل قداس، نقول لله: "طهر أنفسنا وأجسادنا وأرواحنا"، لأن التقدم إلى التناول يحتاج إلى قداسة، كما قال صموئيل لبيت يسى البيتلحمي: "تَقَدَّسُوا وَتَعَالَوْا مَعِي إِلَى الذَّبِيحَةِ" (1صم5:16)، وهكذا يتقدم الإنسان إلى التناول بروح طاهرة وجسد طاهر، لكي يتناول باستحقاق.
قد يقول إنسان: ولكننا تقدسنا بالدم، وتقدسنا في المعمودية وسر المسحة، أقول له: ولكننا على الرغم من كل هذا نعود ونخطئ، ولم نثبت بعد في حياة القداسة.
ولهذا علمتنا الكنيسة أن نصلي المزمور الخمسين كل يوم ونقول فيه: "انضح عليَّ بزوفاك فَأَطْهُرَ، واغْسِلْنِي فَأَبْيَضَّ أَكْثَرَ مِنَ الثَّلْجِ" قدسني يا رب، لكي أستحق سكنى روحك القدوس داخلي.
وفي كل مرة نقول (قدوس)، نقول بعدها ارحمنا، ارحمنا من عقوبة الخطية، وارحمنا من الخطية ذاتها، من سيطرة الخطية علينا.
إذًا لا يجوز والحال هكذا أن يفتخر إنسان بافتخار باطل ويقول: "أطالب بحقوقي كابن ووريث!" فنجيبه "أين هي بنوتك، وأنت تخطئ؟! والرسول يقول: "إِنْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ بَارٌّ هُوَ، فَاعْلَمُوا أَنَّ كُلَّ مَنْ يَصْنَعُ الْبِرَّ مَوْلُودٌ مِنْهُ" (1يو29:2)، ثم يقول: "بِهذَا أَوْلاَدُ اللهِ ظَاهِرُونَ وَأَوْلاَدُ إِبْلِيسَ (ظاهرون)" (1يو10:3).
لا تفتخر باطلًا وتقول: "أنا تجددت وتقدست وتبررت" فالله يقدسك وأنت تعود تخطئ!! ويجددك بطبيعة مقدسة، وتعود لتدنس نفسك مرة أخرى! الأوْلى أن تقول أيها الثالوث القدوس ارحمنا.
إذًا إن صلاة الثلاث تقديسات، هي لون من التسبيح، لأنها تأمل في صفات الله الجميلة: تأمل في لاهوت الله، وفي قداسته، وفي قوته، وفي حياته التي لا تموت.
[1] من ثلاث مقالات لقداسة البابا شنوده الثالث، مقال مزامير وقطع الأجبية (قدوس، قدوس، قدوس)، نشر في جريدة وطني، بتاريخ 18 مارس 2001م. ومقال "تسبحة الثلاث تقديسات"، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 15 يناير 1993م، ومقال "تأملات في الثلاثة تقديسات- ج3، قدوس الله، قدوس القوي، قدوس الحي الذي لا يموت"، نشر في جريدة وطني، بتاريخ 14 أكتوبر 2007م.
الفصل الرابع قطع صلاة الغروب
تأمل في قطع صلاة الغروب[1]
إذا كان الصديق بالجهد يخلص، فأين أظهر أنا الخاطئ؟
هذه العبارة مأخوذة من الرسالة الأولى للقديس بطرس الرسول، حيث يقول: "إِنْ كَانَ الْبَارُّ بِالْجَهْدِ يَخْلُصُ، فَالْفَاجِرُ وَالْخَاطِئُ أَيْنَ يَظْهَرَانِ؟" (1بط18:4).
والمقصود بهذا أن الحياة الروحية تحتاج إلى جهاد كبير.
للدخول من الباب الضيق (مت13:7)، وللوصول إلى الكمال الذي أمر به الرب قائلًا: "فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ" (مت48:5). وكما دعانا الله إلى القداسة حسب قول الرسول: "بَلْ نَظِيرَ الْقُدُّوسِ الَّذِي دَعَاكُمْ، كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا قِدِّيسِينَ فِي كُلِّ سِيرَةٍ. لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: كُونُوا قِدِّيسِينَ لأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ"(1بط1: 16،15) (لا44:11).
لهذا فإن المصلي يقف في آخر النهار، ويحاسب نفسه: أين هو من حياة القداسة والكمال؟ وأين جهاده في الدخول من الباب الضيّق؟ ويتذكر قول الكتاب: "سِيرُوا زَمَانَ غُرْبَتِكُمْ بِخَوْفٍ" (1بط17:1).
وأيضًا "تَمِّمُوا خَلاَصَكُمْ بِخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ" (في12:2). ويتذكر كيف أن الخطية أسقطت بعض القديسين الكبار، وأنها "طَرَحَتْ كَثِيرِينَ جَرْحَى، وَكُلُّ قَتْلاَهَا أَقْوِيَاءُ" (أم26:7). فيصرخ قائلًا: "إذا كان الصديق بالجهد يخلص، فأين أظهر أنا الخاطئ؟!".
إن الله "يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُونَ" (1تي4:2).
ولكن الخلاص يحتاج إلى تعب وجهاد في ضبط النفس وفي مقاومة الخطية، كما قال القديس بولس: "لَمْ تُقَاوِمُوا بَعْدُ حَتَّى الدَّمِ مُجَاهِدِينَ ضِدَّ الْخَطِيَّةِ" (عب4:12). والخلاص يحتاج أيضًا إلى الدخول من الباب الضيق. وهذا قال عنه رب المجد: "مَا أَضْيَقَ الْبَابَ وَأَكْرَبَ الطَّرِيقَ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الْحَيَاةِ، وَقَلِيلُونَ هُمُ الَّذِينَ يَجِدُونَهُ" (مت14:7).
إذًا يلزمنا الحرص الكثير والتدقيق في الحياة، والجهاد الدائم ضد الخطية. ذلك لأن خطية واحدة تضيع الإنسان كله. كما قال القديس باسيليوس الكبير: "ماذا أنتفع لو أنني فعلت كل البر. ثم قلت لأخي يا أحمق، وأكون بذلك مستحقًا لنار جهنم؟! (مت 5: 22)".
إذًا فإن كان الصديق بالجهد يخلص، فماذا يفعل المؤمن العادي؟! وما هو مصير المتهاون والمتكاسل في حياته؟ وماذا أيضًا عن الضعيف الذي لا يعمل وإن عمل شيئًا لا يستمر فيه؟!
إن الحياة الروحية تحتاج إلى حرص شديد. فداود النبي رجل الصلوات، الذي أحبه الله واختاره وحل عليه روح الرب (1صم16). لما توانى قليلًا، وقع في الخطية. وبكى كثيرًا حتى بلل فراشه بدموعه (مز6:6). إذًا فملكوت الله لا يدخله إلا المجاهد الذي يصارع مع الله حتى الفجر، كما فعل أبونا يعقوب (تك32).
فإذا كان البعض يشكون في خلاص سليمان، الذي أدّبه الرب بقضيب الناس، ولكن لم ينزع رحمته عنه (2صم7: 15،14). وإن كان القديس بولس الرسول الذي صعد إلى السماء الثالثة (2كو12: 4،2) يقول عن نفسه إنه أول الخطاة (1تي15:1)، ويقول: "وَلكِنَّنِي رُحِمْتُ لأَنِّي فَعَلْتُ بِجَهْل فِي عَدَمِ إِيمَانٍ" (1تي13:1). نعم، إن كانت الخطية هكذا، وإن كان بعض الملائكة قد سقطوا وصاروا شياطين، وفقدوا الخلاص إلى الأبد". فأين أظهر أنا الخاطئ؟!
هنا يذكر المصلي ضعف طبيعته، ويكمل صلاته قائلًا:
"ثقل النهار وحرّه لم أحتمل لضعف بشريتي".
فإن كنت لم أحتمل بالجسد حرّ النهار، فكيف أحتمل إذًا حروب الشياطين، والفكر وشهوة الحواس ومحبة العالم؟! أين أذهب بهذه الطبيعة الضعيفة التي هي سريعة التأثير والميلان؟!
عندئذ لا يجد المصلي أمامه إلا اللجوء إلى الله قائلًا:
"أحسبني يا الله مع أصحاب الساعة الحادية عشرة".
أحسبني مع أولئك الذين أتوا إليك في آخر النهار، قيامًا بطالين (مت6:20). أو مثل اللص الذي أتى إليك في آخر ساعات عمره، يقول لك: "اذْكُرْنِي يَارَبُّ" (لو42:23).
إنني ضعيف، ولست قادرًا على حياة البر والقداسة والكمال، لكنك أنت تقدر أن تجذبني إليك. أنت تستطيع أن تقول لصاحب اليد اليابسة: مد يدك فتصبح سليمة (مت12: 13،10). أنت تستطيع أن تمنح البصر للمولود أعمى فيبصر (يو9). أنت قادر أن تخلصني، وأن تقبلني إليك، كما قبلت زكا العشار وقلت: "الْيَوْمَ حَصَلَ خَلاَصٌ لِهذَا الْبَيْتِ" (لو9:19). اقبلني إلى عرسك كما قبلت إليك الْجُدْعَ وَالْعُرْجَ وَالْعُمْيَ (لو21:14).
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 24 أبريل 1998م.
تحليل الغروب
تحليل الغروب[1]
"نشكرك يا ملكنا المتحنن، لأنك منحتنا أن نعبر هذا اليوم بسلام، وأتيت بنا إلى المساء شاكرين. وجعلتنا مستحقين أن ننظر النور إلى المساء، اللهم اقبل تمجيدنا هذا الذي صار الآن، ونجنا من حيل المضاد، وأبطل سائر فخاخه المنصوبة لنا، وهب لنا في هذه الليلة المُقبلة سلامة بغير ألم، ولا قلق ولا تعب، ولا خيال. لنجتازها أيضًا بسلام وعفاف، وننهض للتسابيح والصلوات. كل حين وفي كل مكان، نمجّد اسمك القدوس في كل شيء مع الآب غير المُدرك ولا بداية له، والروح القدس المحي المساوي لك، الآن وكل أوان، وإلى دهر الدهور، آمين".
نشكرك
حسن أن نبدأ صلواتنا بالشكر، وننهي اليوم أيضًا بالشكر، فصلواتنا لا يصح أن تقتصر على الطلب. وإن تأملنا حياتنا، نجد أشياء كثيرة يلزمنا أن نشكر عليها. إحسانات الله إلينا لا يمكننا أن نحصيها. كل عمل الله معنا طوال النهار. يا ليتنا نجمع كل هذا من ذاكرتنا، ونشكر الله عليه. ليس فقط في كلمة إجمالية. مثل عبارة نشكرك، إنما نذكر كل شيء بالتفصيل.
بل ليس فقط إحسانات الله إلى أشخاصنا فقط، وإنما أيضًا إلى كل أصحابنا ومعارفنا، وإلى كل أعضاء الكنيسة وكل أبناء الوطن، متذكرين قول أحد الآباء: "ليست موهبة بلا زيادة، إلا التي بلا شكر". نقول:
نشكرك يا ملكنا المتحنن
نتذكر هنا أن الله ملك علينا. هو يملكنا جميعًا، لأنه خلقنا، ولأنه فدانا واشترانا بدمه الكريم (1كو20:6).
وإذ هو مَلكنا، ينبغي أن يملك علينا، على قلوبنا وأفكارنا وحواسنا وكل ما لنا. ولا يصح أن ندعوه ملكًا، دون أن نسلمه ملكه. فإن قلنا له يا ملكنا، يليق بنا أن نخجل إن كان شيء فينا يتمرد على ملكه. ونحن لا نقول له هنا فقط يا ملكنا، إنما نقول بعده (المتحنن)، لأنه يباشر ملكه بكل حنان. فإن أخطأنا، "لَمْ يَصْنَعْ مَعَنَا حَسَبَ خَطَايَانَا، وَلَمْ يُجَازِنَا حَسَبَ آثامِنَا" (مز10:103)، لأنه بحنانه العميق يُشفق علينا كأطفال صغار "يَعْرِفُ جِبْلَتَنَا. يَذْكُرُ أَنَّنَا تُرَابٌ نَحْن" (مز14:103). إن الله له صفات كثيرة. ولكننا نركز هنا على حنانه. والحنان هو أرق ما في الحب، ويتصف به القلب الكبير في تعامله مع الصغير، مثلما نقول حنان الأم على رضيعها.
إن الذين يفتقرون إلى الحنان، ولا يجدونه عند أب أو أم، ولا عند الأقرباء والأصدقاء، ليس أمامهم سوى الله، الذي هو مصدر كل حنان، وحنانه هو أعمق وأصدق من كل حنان آخر، حتى إن وجدوا حنانًا من مصادر أخرى. فحنان الله متميز، وهو حنان روحي. وحينما نذكر حنان الله في صلواتنا، ينبغي أن نأخذ منه درسًا في معاملاتنا.
فنتعلم كيف يكون لنا الحنو والحب والإشفاق في تعاملنا مع الآخرين. وإن كانت لنا سلطة على أحد، بحسب السن أو المركز، لا نمارسها في سيطرة أو تجبر، وإنما في حنو. إن أخطأ أحد إلينا، لا نقابل ذلك بعنف، وإنما بحنو، ذلك لأننا خلقنا على صورة هذا الإله المتحنن.
إنه أمر عجيب أن تُعجب بحنان الله، وأنت نفسك خالٍ من الحنان!
إننا نشكرك يا ملكنا المتحنن، لأنك لم تعاملنا بالعدل المطلق الذي يمكنه أن يجازي على كل عمل، وكل فكر وكل نية، وإلا لكنا قد هلكنا. وكان يمكن أن تفنينا، وتريح العالم من خطايانا ومن تكاسلنا. لهذا إن كنت سائرًا في الطريق، أو كنت في بيتك، ونظرت إلى السماء ورأيت الشمس تميل إلى الغروب، ارفع نظرك إلى فوق وقل: نشكرك يا ملكنا المتحنن، لأنك منحتنا أن نعبر هذا اليوم بسلام، وأتيت بنا إلى المساء شاكرين.
منحتنا أن نعبر هذا اليوم بسلام
حقًا إنها منحة من الله أن نبقى أحياء وسالمين حتى هذه الساعة. وأن يمر هذا اليوم بخير. كان يمكن أن تحدث أمور كثيرة مضادة، ولكن الله ستر. حياتنا كانت في يديه، وهو حفظها لنا من كل خطر ومن ضرر.
فإن كنا قد بقينا سالمين، فهل بقيت وصايا الله سالمة على أيدينا؟
أم أننا نطلب من الله السلامة، ولا نحفظ وصاياه سالمة، ولا نعامل غيرنا بما يحفظه سالمًا؟! إن كنا لم نجعل هذا اليوم يعبر بسلام على شخص ما بسببنا، فما أشد خجلنا حينما نقول لله "منحتنا أن نعبر هذا اليوم بسلام"!!
وإن كنت وأنت تصلي، شعرت أن اليوم لم يعبر بسلام، فاعرف أن هذا كان بسبب خطاياك. وأن الأمر كان من الممكن أن يسوء بالأكثر لولا ستر الله عليك. وربما ما حدث كان مجرد درس من الله لك لكي تغير أسلوبك وسلوكك. لذلك إن كان اليوم قد عبر بسلام كامل، أو بسلام نسبي، فلنشكر الله على ذلك ونقول له "أتيت بنا إلى المساء شاكرين". وإذ نذكر أن سلامتنا باستمرار هي منحة من الله. فليكن شكرنا هذا درسًا في أن نبعد عن التذمر.
لأن كثيرًا من الناس كلما يحدث شيء لا يرضيهم، يتضجرون. وقد يتلفظون بكلمات لا تليق. ولا يقولون مثلما قال أيوب الصديق: أَالْخَيْرَ نَقْبَلُ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَالشَّرَّ (أي الضيقات) لاَ نَقْبَلُ؟" (أي10:2) "فَلْيَكُنِ اسْمُ الرَّبِّ مُبَارَكًا" (أي21:1)، ما أجمل قول الكتاب "شَاكِرِينَ كُلَّ حِينٍ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ" (أف20:5) وهنا نقول للرب وقت الغروب:
جعلتنا مستحقين أن ننظر النور إلى المساء
إن هذه العبارة تجعلنا نشعر أن حياتنا ليست حقًا لنا. إنما الله من تحننه جعلنا مستحقين أن ننظر النور، طوال اليوم، حتى المساء. إذًا هذه منحة وليست حقًا. وعلينا أن نمجد الله على حنوه هذا، فنقول:
اقبل تمجيدنا هذا الذي صار الآن
إن التمجيد عنصر هام في الصلاة، ينبغي ألا ننساه. بل إننا غالبًا ما نبدأ الصلاة بقولنا "المجد للآب والابن والروح القدس"، وهذا ما نقوله في (ذوكصابتري كى إيوو كي أجيو ابنفماتي). وما نقوله في قطع صلاة نصف الليل "المجد لك يا محب البشر". وما نختم به صلواتنا إذ نقول "لأن لك الملك والقوة والمجد، الآن وكل أوان".
ونصلي هذا باستمرار في تسبحة البصخة: "لك القوة والمجد والبركة والعزة". والتمجيد كان أول ما قاله الأربعة والعشرون قسيسًا في سفر الرؤيا، وكذلك كان من تسبيح الأربعة كائنات غير المتجسدين: "مُسْتَحِقٌّ أَيُّهَا الرَّبُّ أَنْ تَأْخُذَ الْمَجْدَ وَالْكَرَامَةَ" (رؤ4: 11،9).
ينبغي إذًا أن نعطي المجد لله باستمرار. نمجده على صفاته الجميلة وفي كل ما يحيط به من عظمة وسمو.
إن كنا في الكنيسة نقدم تمجيدات كثيرة للقديسين، فكم بالأولى لله الذي له المجد بطبيعته، ونحن لا نعطيه تمجيدًا، إنما نعترف بمجده...
ونحن نطلب إلى الله أن يقبل تمجيدنا.
كما نطلب إليه أن يقبل صلواتنا. لأن هناك صلوات غير مقبولة وتماجيد غير مقبولة. لذلك يقول داود النبي في صلواته: "لِتَدْخُلْ طِلْبَتِي إِلَى حَضْرَتِكَ" (مز170:119).
إنها صلاة جميلة، أن نطلب من الله أن يقبل صلواتنا.
فهناك صلوات لا تصعد إلى فوق. وصلوات من قلوب غير نقية، لا يقبلها الله. كما قيل في الكتاب: "ذَبِيحَةُ الأَشْرَارِ مَكْرَهَةُ الرَّبِّ.." (أم8:15). وكما قال الرب لليهود الخطاة: "حِينَ تَبْسُطُونَ أَيْدِيَكُمْ أَسْتُرُ عَيْنَيَّ عَنْكُمْ، وَإِنْ كَثَّرْتُمُ الصَّلاَةَ لاَ أَسْمَعُ. أَيْدِيكُمْ مَلآنَةٌ دَمًا" (إش15:1).
إذًا من المفروض أن نعمل ما يجعل صلواتنا مقبولة.
فتكون أولًا حسب مشيئة الله، ولا تكون برياء كالذين "لِعِلَّةٍ يُطِيلُونَ الصَّلَوَاتِ.." (لو47:20)، أو الذين يكررون الكلام باطلًا كالأمم (مت7:6)، أو الذين يصلون بشفاههم، والله بعيد عن قلوبهم (مت8:15)، (إش13:29). فإن أردنا أن يقبل الله صلواتنا، فلتكن صلواتنا من عمق القلب، وبإيمان وحرارة وانسحاق، ولتكن صلوات بفهم وتركيز.
هناك صلوات تصعد إلى السماء كأنها سهام نارية.
تصعد كأنها رائحة بخور صلوات ما أن يرفعها صاحبها حتى يأخذها الأربعة والعشرون قسيسًا في مجامرهم الذهبية ويصعدون بها إلى عرش الله، صلوات ما أن يبدأ الإنسان فيها حتى يحسّ بالاستجابة قبل أن يكمل كما كان يفعل داود (مز 3، مز6)، صلوات تقتدر كثيرًا في فعلها.
إنها صلوات مقبولة، لأنها تصدر من حياة مقبولة.
ومن علاقة مقبولة مع الله. كلمة خطيرة قالها الرب لصموئيل النبي عن شاول الملك: "حَتَّى مَتَى تَنُوحُ عَلَى شَاوُلَ، وَأَنَا قَدْ رَفَضْتُهُ؟!" (1صم1:16). شاول هذا لم تكن صلواته فقط مرفوضة، وإنما هو كله كان مرفوضًا من الله. بل لعل الصلاة المرفوضة لها مثال من بدء الخليقة، منذ رفض الله تقدمة قايين (تك4: 5).
إن الأب الكاهن في صلاة نصف الليل يطلب من الله أن يقبل صلوات عبيده، وصومهم ونذورهم، وعشورهم وبكورهم وقرابينهم.
إذًا قبل أن تقول: هل أعطي العشور والنذور أم لا أعطي، أسأل نفسك بالحري: هل يقبل الله عشوري ونذوري أم لا يقبل؟!
في العصور المسيحية الأولى، لم تكن الكنيسة تقبل كل العطايا المقدمة إليها، لأن تقدمات كثيرة كانت مرفوضة، عملًا بقول الكتاب: "ذَبِيحَةُ الأَشْرَارِ مَكْرَهَةُ الرَّبّ" (أم15: 8) أو قول المزمور: "زيت الخاطئ لا يدهن رأسي" (مز141: 5).
إذًا فلنطلب من الله أن يقبل صلواتنا وتمجيدنا، ويقبل عطايانا وتقدماتنا. كما يقول الأب الكاهن في أوشية القرابين: "اقبلها إليك على مذبحك الناطق السمائي، رائحة بخور تصعد إلى عظمتك التي في السماوات".
نقول: "اقبل تمجيدنا هذا الذي صار الآن، ونجنا من حيل المضاد".
نجنا من حيل المضاد
إن كان هذا النهار قد عبر بسلام، ولكننا مع ذلك لا نضمن، هنا وليعذرني القارئ العزيز، لأني بعد أن ألقيت هذه التأملات في السبعينات أخذت هذا الجزء الخاص بحيل المضاد، وتوسعت فيه، وأصدرت عنه كتابًا خاصًا أسميناه (حروب الشياطين). يمكنك أن ترجع إليه لتأخذ فكرة عن حيل المضاد. أما الآن فيكفي أن نقول:
إن حيل المضاد كثيرة، ونحتاج إلى الله لكي ينجينا منها.
ولعل هذا جزء من الصلاة الربية التي نرددها كل يوم قائلين فيها: "لكن نجنا من الشرير". ونضيف عليها هنا: "وأبطل سائر فخاخه المنصوبة لنا".
نحن نعلم أن الشيطان لا يحب أن يترك الإنسان في راحة، وأنه لا يتعب "مِنْ الْجَوَلاَنِ فِي الأَرْضِ، وَمِنَ التَّمَشِّي فِيهَا" (أي7:1)، (أي2:2). وأن عدونا هذا "كَأَسَدٍ زَائِرٍ، يَجُولُ مُلْتَمِسًا مَنْ يَبْتَلِعُهُ هُوَ" (1بط8:5). الكتاب يقول: "فَإِنَّ مُصَارَعَتَنَا لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ... مَعَ أَجْنَادِ الشَّرِّ الرُّوحِيَّةِ" (أف12:6).
والشيطان ليس له أسلوب واحد، بل طرق عديدة من الحيل والخداع.
نجح في استخدام بعضها مع أبوينا الأولين آدم وحواء فخدعهما وأضلهما، وظل في استخدام الخداع طوال الأجيال حتى في محاربة القديسين. لذلك نطلب إليك يا رب أن تبطل فخاخه المنصوبة لنا، كما كان داود النبي وأصحابه يصلون قائلين: "حَمِّقْ (أبطل) يَا رَبُّ مَشُورَةَ أَخِيتُوفَلَ" (2صم31:15). فخاخ الشياطين كثيرة. الله هو الذي ينجّي منها، كما قال المرتل في المزمور: "نجت أَنْفُسُنَا مِثْلَ الْعُصْفُورِ مِنْ فَخِّ الصَّيَّادِينَ. الْفَخُّ انْكَسَرَ، وَنَحْنُ نجونا. عَوْنُنَا بِاسْمِ الرَّبِّ الذي صنع السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ" (مز123: 8،7).
إلى جوار هذا ينبغي أن يكون للمصلي مرشد روحي، خبير بحيل الشياطين والنجاة منها.
مثلما قال القديس بولس الرسول عن الشيطان: "لأَنَّنَا لاَ نَجْهَلُ أَفْكَارَهُ" (2كو11:2)، وكما وضع مار أوغريس كتابًا عن حرب الأفكار والرد عليها بآيات، وكما كتب يوحنا كاسيان وغيره عن الثمانية أفكار المحاربة للنفس.
ولكنني حدثتك في كتاب (حروب الشياطين) عن 25 حيلة من حروب الشياطين. وذكرنا وسائل الهروب منها واحدة فواحدة، مع النجاة منها بوجه عام. وعلى كلٍ أنت نفسك ربما تدري ما هي حيل المضاد بالنسبة إليك، من واقع ما حدث لك في الماضي. اطلب من الله أن ينجيك من حروب الشياطين لك بالذات.
إن فخاخ الشياطين كانت منصوبة حتى للقديسين.
قال القديس الأنبا أنطونيوس: أبصرت فخاخ الشيطان مبسوطة على الأرض كلها. فقلت يا رب: من يفلت منها؟ فأجابني الصوت: المتواضعون يفلتون منها...
لذلك كن متواضعًا. صلِّ واطلب معونة من الرب. واهرب بكل قوتك من أسباب الخطية. وقاوم حتى الدم مجاهدًا ضد الخطية (عب4:12).
نقول بعد ذلك في تحليل الغروب:
وهب لنا في هذه الليلة المقبلة سلامة
سلامة بغير ألم ولا قلق ولا تعب ولا خيال، لنجتازها أيضًا بسلام وعفاف، وننهض للتسابيح والصلوات...
إن المصلي هنا يطلب من الله أن يحفظه من الليل وأخطائه. فكثيرًا ما يكون الليل مجالًا للّهو والعبث والنجاسة. وهكذا أخذت النوادي الليلية Night Clubs شهرة رديئة. وكل هذا يحتاج إلى نجدة من الله. بل يحتاج أن يكون القلب مستعدًا في الليل للعمل الإلهي. كما قال أحد الآباء: "إن الليل مفروز لعمل الصلاة"، وكما قيل في المزمور: "في الليالي ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ أيها القديسون، وَبَارِكُوا الرَّبَّ" (مز134: 2). وكما كان داود النبي يقول: "سَبْعَ مَرَّاتٍ فِي النَّهَارِ سَبَّحْتُكَ عَلَى أَحْكَامِ عَدْلِكَ" (مز119: 164) "سبقت عيناي وقت السحر، لأتلو في جميع أقوالك" (قطع باكر عن المزامير).
إن المصلي في تحليل الغروب يطلب أن تمر الليلة بسلام.
ينجيه الرب من كل ألم وقلق وتعب وخيال. لأن البعض قد لا يستطيعون النوم بسبب الأرق وضغط الأفكار، أو بسبب المرض والألم والتعب.
كذلك يطلب أن ينجيه الرب من الأحلام الخاطئة بالليل.
التي كانت مركزة في العقل الباطن، من أفكار وصور ورغبات، وتخرج في الليل على هيئة أحلام "وخيال". وقد يعذر أحدهم نفسه بأنه لا ذنب له في أحلام الليل لأنها ليست بإرادته، ولكننا نقول إنها هنا بسبب إرادة سابقة ركزتها في العقل الباطن. على كلٍّ، هو هنا يطلب أن ينجيه الرب منها، ويمحو من الذاكرة ما ترسب فيها من أخطاء، ويمحو الأفكار الموجودة في القلب وفي الذهن من الداخل.
وذلك لكي نجتاز الليل بسلام وعفاف
جميل أن نصلي من أجل طهارة الليل، كما نصلي من أجل طهارة النهار. وأن تكون قلوبنا نقية أثناء نومنا، كما في أثناء صحونا.
وكلما كان ليلنا طاهرًا "ننهض للتسابيح والصلوات".
إننا نذَّكر أنفسنا، بأن نقوم من النوم للتسابيح والصلوات، والكنيسة المقدسة تجعل التسبحة (من الإبصلمودية) بعد صلوات نصف الليل وقبل صلاة باكر، لكي يكون اليوم مقدسًا كله. وهنا يقول عن التسابيح والصلوات:
كل حين وفي كل مكان
سواء كانت التسابيح في المنزل أو في الكنيسة، أو كان يرتلها في أي مكان "ليمجد اسم الرب القدوس في كل شيء"، ممجدًا الثالوث القدوس الآب والابن والروح القدس، الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور. آمين.
[1] تأملات في صلوات الأجبية، مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني، بتاريخ 2 ديسمبر 2007م.
الفصل الخامس قوموا يا بني النور
قوموا يا بني النور[1]
إن صلاة نصف الليل ليست خاصة بالرهبان فقط. بل بالمؤمنين جميعًا.
كان داود النبي يصلي صلاة نصف الليل. فهو الذي قال في المزمور الكبير: "في نصفِ اللَّيلِ نَهضتُ لأشكركَ عَلَى أحكامِ عَدلكَ" (مز119: 62). وداود كان متزوجًا وله أولاد وأسرة كبيرة وكان يعمل في العالم بمسؤليات كثيرة متشعبة ومتعددة. وكل هذا لم يمنعه أو يعُقه عن صلوات الليل...
كثيرًا ما يكون الليل مظلومًا بحرمانه من الصلة بالله.
يظنه الناس أنه لمجرد الراحة والنوم. فهم قد يصلّون بالنهار سواء صلوات خاصة أو جماعية كحضور القداس. ولا يصلون كثيرًا في الليل بل ينامون. وقد لا يقطعون النوم بالصلاة كما في نصف الليل، أو كما يقول داود النبي: "كنتُ أذكركَ عَلَى فرَاشي وفي أوقاتِ الأسحارِ كنتُ أرتل لكَ" (مز119). ويقول أيضًا: "في الليالي ارفعوا أيديكم أيها القديسون وباركوا الرب" (مز134) لأنه ما أجمل الصلاة في الليل، من أجل هدوء الليل وصمت الليل.
أتذكر أنني قلت مرة، وأنا في مغارتي في الجبل في هذا الليل:
هدوءُ اللّيلِ موسيقى وأنغامٌ تُداعبني
وصوتُ الريحِ في رفقٍ يصبُ اللحنَ فِي أُذني
ما أعمق قول مار إسحاق: "الليل مفروز لعمل الصلاة". ذلك لأنه بعيد عن المشغوليات والمقابلات بالنسبة إلى غالبية الناس ومن فوائده:
الإنسان الذي يصلي بالليل، إنما يقدس الليل بصلاته، ويتقدس هو أيضًا بصلاة الليل.
صلاة نصف الليل حسب طقس الكنيسة هي ثلاث هجعات، أي يقطع الليل أو النوم بالصلاة، فلا يبقى طوال ساعات الليل كلها بدون صلاة. أو على الأقل يسمونها ثلاث خدمات. ولها قراءات من الإنجيل وقطع صلوات.
وفي صلاة نصف الليل نتذكر المجيء الثاني للسيد المسيح:
ونتذكر معه القيامة العامة والدينونة. وبالتالي نتذكر الاستعداد لهذا المجيء في مثل الخمس العذارى الحكيمات (مت25). ونتذكر أن الموت يأتي كلص. ونستمع إلى قول السيد الرب: "طُوبَى لأُولَئِكَ الْعَبِيدِ الَّذِينَ إِذَا جَاءَ سَيِّدُهُمْ يَجِدُهُمْ سَاهِرِينَ" (لو37:12). ونتذكر أيضًا التوبة التي تليق بمجيء الرب. ونقول في الصلاة "أعطني يا رب ينابيع دموع كثيرة، كما أعطيت في القديم للمرأة الخاطئة" (لو38:7). وبهذا يكون الليل ملتهبًا بمحبة الله وبمشاعر التوبة.
الذي يصلي في الليل هكذا، يكون مستعدًا لحروب النهار.
تبدأ صلاة الليل العادية ككل صلاة. وتضاف إليها قطعة (تين ثينو) أي قوموا. وهي "قوموا يا بني النور لنسبح رب القوات، لكي ينعم علينا بخلاص نفوسنا. عندما نقف أمامك جسديًا، انزع من عقولنا نوم الغفلة. أعطنا يا رب يقظة لكي نفهم كيف نقف أمامك وقت الصلاة. ونرسل لك إلى فوق التمجيد اللائق، ونفوز بغفران خطايانا الكثيرة..". نقولها بالقبطية بلحن جميل...
مَن الذي يقول لنا في نصف الليل: قوموا يا بني النور؟
لعل الملائكة يرون البشرية النعسانة في الليل، فيوقظونهم قائلين: قوموا يا بني النور لتسبحوا الرب معنا. أو لعل هذه العبارة تناديهم بها أرواح القديسين من السماء. أو لعل رعاة الكنائس وكهنتها هم الذين يقولونها لكل أبنائهم الروحيين. أو لعل الأجراس تدعو الرعية ليقوموا يسبحوا رب القوات.
قوموا يا بني النور
قوموا لأن الليل ليس لمجرد النوم، إنما لله فيه نصيب. قوموا ولا تكونوا كالتلاميذ الثلاثة الذين لم يستطيعوا أن يسهروا مع الرب في البستان ولا ساعة واحدة! لأن أعينهم كانت ثقيلة (مت43،40:26).
يا بني النور
ما دام الله هو النور (يو12:8)، وما دمتم أبناء الله، إذًا فأنتم أبناء النور. وما دمتم أبناء النور، تكونون نورًا للعالم (مت14:5). الليل قد يكون مظلمًا، ولكن أبناء الله ينيرونه. فتكون تسابيحهم وصلواتهم نورًا في الليل. قوموا إذًا يا بني النور، لتشتركوا في التسبيح مع ملائكة النور (2كو14:11).
قوموا لنسبح رب القوات
أجمل صلاة هي صلاة التسبيح، مثل طقس السرافيم (إش3،2:6). هي التأمل في صفات الله الجميلة، وفي تذكر إحسانات الله علينا. يكفي أنه أوقظنا لنتحدث معه في هذه الساعة، ونوجد في حضرته الإلهية...
إن أولاد الله يحبون الوجود مع الله أكثر من النوم.
ويسرون بالسهر في الليل للحديث مع الله من فرط اشتياقهم إليه. إنهم ليسوا مثل أهل العالم الذين يسهرون الليل في اللهو والعبث والغناء! بل إن ليلنا مقدس، نسبح فيه الله "لينعم علينا بخلاص نفوسنا".
ما أجمل أن نضع أمامنا في الليل خلاص نفوسنا.
خلاص نفوسنا هو أهم ما يشغل عقولنا في الليل وفي النهار. "لأَنَّهُ مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟" (مت26:16). إن كانت مشاغل النهار لم تعطنا فرصة للتفكير في خلاص نفوسنا، فهوذا أمامنا الليل الهادئ نطلب إلى الله فيه من أجل خلاص نفوسنا. فهذا هو هدفنا الدائم.
لكي ينعم علينا بخلاص نفوسنا.
عبارة (ينعم علينا) عبارة لها عمقها، فهذا الخلاص هو نعمة معطاة لنا من الله، كما يقول الكتاب: "بِالنِّعْمَةِ أَنْتُمْ مُخَلَّصُونَ" (أف8،5:2). ولكن عمل النعمة من أجل خلاصنا، لا يعني أن نتكاسل ونهمل. يوبخنا قائلًا: "فَكَيْفَ نَنْجُو نَحْنُ إِنْ أَهْمَلْنَا خَلاَصًا هذَا مِقْدَارُهُ؟" (عب3:2). ويقول في توبيخه: "لَمْ تُقَاوِمُوا بَعْدُ حَتَّى الدَّمِ مُجَاهِدِينَ ضِدَّ الْخَطِيَّةِ" (عب4:12).
إذًا لكي ينعم الله علينا بخلاص نفوسنا، علينا أن نجاهد ضد الخطية.
فهل أنت يا أخي تسير في طريق يؤدّي إلى خلاص نفسك؟! أم أنت متغافل عن هذا الأمر، تلفّ بك الدوّامة فلا ترى ما أنت فيه. حقًا إن الخلاص هو نعمة من الله، ولكنه لا يهبها للساهين عن خلاص نفوسهم. من جانبنا علينا أن نسهر الليل ونسبح ونجاهد، والله ينعم علينا بخلاص نفوسنا. لئلا يظن البعض أنه ما دام الله هو الذي ينعم علينا بالخلاص، إذًا ننام ونستريح ولا نهتم! كلا، فإنه يقول "اِسْهَرُوا وَصَلُّوا لِئَلاَّ تَدْخُلُوا فِي تَجْرِبَةٍ" (مت41:26)
ما أعجب هذا الإنسان الروحي، الذي يصحو في نصف الليل، ويصلي من أجل خلاص نفسه. يقول للرب: لا تسمح يا رب أن نفسي تهلك. لا تسمح أن العدو يخطفني من يدك. فأنت القائل: "أَنَا أُعْطِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَلَنْ تَهْلِكَ إِلَى الأَبَدِ، وَلاَ يَخْطَفُهَا أَحَدٌ مِنْ يَدِي" (يو28:10). لا تسمح أن منارتي تتزحزح من مكانها (رؤ5:2) ولا أن يأخذ أحد إكليلي (رؤ11:3). لا تسمح يا رب أن أبعد عنك أو أنفصل منك...
من منكم يسهر الليل هكذا مجاهدًا لأجل خلاص نفسه؟ ومهتمًا بأبديته. من منكم سهران يحرس نفسه من أخطاء الليل وأحلام الليل؟ من منكم يقدس فراشه بمزامير وتسابيح وأغان روحية، مترنمًا في قلبه للرب (كو3: 16)، ويثبت بذلك أفكارًا روحية مقدسة في عقله الباطن كي يحلم بها... حقًا لا بد أن نغرس روحيات في عقولنا كي نجني ثمارها.
يقول أحدهم: إنني أحيانًا أحلم أحلامًا دنسة خاطئة! أقول له إذًا انظر ما الذي تغرسه في عقلك وحواسك أثناء النهار، فهذا هو الذي تحصده بالليل، اسهر إذًا على خلاص نفسك، في سهر الليل والنهار.
اسهر، لأن الشيطان هو بدوره سهران يفتل حبالًا وشباكًا.
ويدبر حيلًا وأساليب ليسقط بها بني النور ولهذا يقول القديس بطرس الرسول: "اُصْحُوا وَاسْهَرُوا. لأَنَّ إِبْلِيسَ خَصْمَكُمْ كَأَسَدٍ زَائِرٍ، يَجُولُ مُلْتَمِسًا مَنْ يَبْتَلِعُهُ هُوَ. فَقَاوِمُوهُ، رَاسِخِينَ فِي الإِيمَانِ..." (1بط 5: 8، 9).
هنا ويلتفت المصلي إلى الله ويقول:
"عندما نقف أمامك جسديًا، انزع من عقولنا نوم الغفلة".
نحن باستمرار يا رب وقوف أمامك، كما يقول إيليا النبي: "حَيٌّ هُوَ رَبُّ الْجُنُودِ الَّذِي أَنَا وَاقِفٌ أَمَامَهُ..." (1مل18: 15). أنت الذي يقف أمامك الملائكة ورؤساء الملائكة ولكن حينما نقف أمامك الآن جسديًا (أي بالجسد).. انزع من عقولنا نوم الغفلة. لا تجعل جسدنا يقف وهو نصف نائم ونصف صاح وإنما..
أعطنا يا رب يقظة، لنعرف كيف نقف أمامك في وقت الصلاة.
أعطنا يقظة جسد ويقظة فكر. أعطنا عقلًا مستيقظًا وحواسًا ثابتة غير مشتتة. نعم أعطنا هذا من عندك.. لكي نعرف (بالقبطية: لكي نفهم) كيف نقف أمامك في وقت الصلاة. إنه أمر يحتاج إلى فهم وإلى عمق... كثيرون يصلون، ولكنهم لا يعرفون كيف يقفون أمام الله في وقت الصلاة: كيف يقفون بخشوع أمام ملك الملوك ورب الأرباب (رؤ19: 16).. هوذا مار إسحاق يقول: "إن وقفت أمام الله في الصلاة، فكن كإنك واقف أمام لهيب نار" وهذا حق "لأَنَّ «إِلهَنَا نَارٌ آكِلَةٌ»" (عب12: 29).
أيضًا نقف أمام الله في خجل من خطايانا، كما وقف ذلك العشار.
وقف من بعيد، لا يجرؤ أن يرفع عينيه نحو السماء بل قرع على صدره قائلًا: "اللّهُمَّ ارْحَمْنِي، أَنَا الْخَاطِئَ" (لو18: 13). نعم ليتنا نعرف أن نقف أمام الله في وقت الصلاة في شعور بعدم الاستحقاق يقول له كل منا: "أنا يا رب غير مستحق للوقوف أمامك وغير مستحق أن أتحدث إليك، أنا التراب والرماد" (تك18: 27). المزدرى وغير الموجود (1كو1: 28) من أنا حتى أقف أمامك، أنت الذي يقف أمامك الكاروبيم والسارافيم: بجناحين يغطون وجوههم، وبجناحين يغطون أرجلهم.. (إش6: 2). أنا يا رب خجلان أمامك، ليس لي وجه أرفعه إليك، وأنا مضبوط في خطاياي، مدان ومحكوم عليَّ. لولا كثرة رحمتك، ما كنت أقف لأصلي. علمنا يا رب إذًا كيف نقف أمامك في وقت الصلاة...
ونرسل لك التمجيد اللائق.
الكنيسة تعلمنا دائمًا أن نمجد الله في صلواتنا نرشم ذواتنا أولًا بعلامة الصليب، ثم نقول: "المجد للآب والابن والروح القدس" (ذوكصابتري كى أيو كى أجيو...) وفي صلاة نصف الليل نكرر عبارة (المجد لك يا محب البشر). نمجد الله بسجودنا وركوعنا، وبوقوفنا أمامه في خشوع، لأن الوقفة الخاشعة هي الوضع الغالب في الصلاة. لذلك فإن الشماس ينبه الشعب في الكنيسة قائلًا: "للصلاة قفوا...".
وأيضًا نمجد الله في صلواتنا بكلام التمجيد اللائق.
يقول القديس باسيليوس الكبير: "لا تبدأ الصلاة بالطلب، لئلا يظن أنه لولا الطلب ما كنت تقف لتصلي، بل ابدأ أولًا بتمجيد الله".
لكي نفوز بغفران خطايانا الكثيرة.
نعم، بسهر الليل في الصلاة وفي التسبيح، وبالخشوع أمام الله، وبيقظة الفكر والجسد، وبوقفة العشار أمامه... بهذه المشاعر الروحية وأمثالها نطلب من أجل خلاص نفوسنا، ونفوز بغفران خطايانا الكثيرة، هذه التي نعترف بها في تسبحتنا أمام الله.
[1] تأملات في صلوات الأجبية – لقداسة البابا شنوده نشر في جريدة وطني بتاريخ 25 نوفمبر 2007م.
الفصل السادس التحليل العام لصلوات الأجبية سهل حياتنا
سهل حياتنا[1]
أود أن أتأمل في جزء من صلوات الأجبية نقول فيه: "سهل حياتنا. أرشدنا إلى العمل بوصاياك"...
حسن أن نطلب من الله أن يسهل حياتنا. لأن حياتنا، من الجائز أن تصادفها كثير من العقبات.
عقبات من الشيطان، وعقبات من داخل النفس ومن رغباتها الخاصة، وعقبات من الناس الأشرار، نذكرها حينما نقول في آخر صلاة الشكر: "كل حسد وكل تجربة وكل فعل الشيطان، ومؤامرة الناس الأشرار، وقيام الأعداء الخفيين والظاهرين، انزعها عنا وعن سائر شعبك" تنزع كل هذا، لكي تسهل حياتنا.
حياتنا هذه في يديك يا رب، وأنت تسهل مسيرها.
وكما يقول الكتاب: "إِذَا أَرْضَتِ الرَّبَّ طُرُقُ إِنْسَانٍ جَعَلَ أَعْدَاءَهُ أَيْضًا يُسَالِمُونَهُ" (أم16: 7). ففي يدك يا رب أن تسهل هذه الحياة، فلا تكون حياة معقدة، ولا حياة قلقة، ولا تكون الطرق مسدودة أمامها ومغلقة، ولا توجد عراقيل تعطلها.
سهل حياتنا يا رب، لأنك أقوى من ضعفاتنا، إن كانت مشاكلنا بسبب الضعفات، وأنت أقوى من كل العراقيل، إن كان في طريقنا عراقيل.
وعندنا في الكتاب المقدس أمثلة كثيرة لمن سهل الرب حياتهم.
مثال ذلك لعازر الدمشقي الذي أرسله أبونا إبراهيم أبو الآباء، لكي يختار زوجة لإسحاق ابنه من بين أفراد أقربائه وليس من العالم الوثني، وقد وضع لعازر علامة أمامهم فيمن يختارها زوجة لابن سيده، وتحققت تلك العلامة كما وضعها تمامًا (تك24: 42–48)، وكان لما وصل إلى أهلها، وقص عليهم قصته وافقوا، وأرادوه أن يمكث عندهم بضعة أيام، فقال لهم: "لاَ تُعَوِّقُونِي وَالرَّبُّ قَدْ أَنْجَحَ طَرِيقِي" (تك56:24).
نفس الوضع حدث مع أبينا يعقوب وهو هارب من وجه أخيه عيسو، ملتجئًا إلى بيت خاله لابان، وكيف أن الفتاة التي قابلته عند البئر وسقى غنمها، كانت راحيل ابنة خاله لابان، فرفع يعقوب صوته وبكى متأثرًا كيف أن الله سهل حياته وأرشده إلى هدفه (تك11:29).
ويعقوب أيضًا فى عودته بعد عشرين عامًا، وكان خائفًا جدًا من أخيه عيسو، لئلا يقابله في الطريق، ويضربه: الأُمَّ مَعَ الْبَنِينَ (تك11:32)، وصلى طالبًا من الرب أن ينجيه من يد أخيه عيسو. وعندما التقى بأخيه "رَكَضَ عِيسُو لِلِقَائِهِ وَعَانَقَهُ وَوَقَعَ عَلَى عُنُقِهِ وَقَبَّلَهُ، وَبَكَيَا" (تك4:33).
وهكذا سهل الله حياته في رجوعه. وحقق الله وعده الذي كان قد سبق فقاله له في أول رحلته: "هَا أَنَا مَعَكَ، وَأَحْفَظُكَ حَيْثُمَا تَذْهَبُ، وَأَرُدُّكَ إِلَى هذِهِ الأَرْضِ، لأَنِّي لاَ أَتْرُكُكَ حَتَّى أَفْعَلَ مَا كَلَّمْتُكَ بِهِ" (تك15:28).
وهكذا أرانا الله كيف سهل حياة أبينا يعقوب: في ذهابه وعودته.
وأيضًا في لقائه مع ابنه المفقود يوسف، كذلك في لقائه مع فرعون مصر، وفي سكناه في أرض جاسان.
الرب أيضًا سهل طريق الشعب في عبورهم البحر الأحمر.
كانوا خائفين: البحر أمامهم، والملك الغاضب عليهم خلفهم، ولكن موسى النبي طمأنهم قائلًا: "لاَ تَخَافُوا.. الرَّبُّ يُقَاتِلُ عَنْكُمْ وَأَنْتُمْ تَصْمُتُونَ" (خر14: 13، 14) وضرب البحر بعصاه، فانشق أمامهم وسهل الرب طريقهم فيه. "وَالْمَاءُ سُورٌ لَهُمْ عَنْ يَمِينِهِمْ وَعَنْ يَسَارِهِمْ" (خر22:14) إلى أن خرجوا منه بسلام.
حقًا إن الرب حينما يسهل حياة أحد، قد يسهلها بأعجوبة، كما قيل في سفر الرؤيا لراعي كنيسة فيلادلفيا: "هَنَذَا قَدْ جَعَلْتُ أَمَامَكَ بَابًا مَفْتُوحًا وَلاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يُغْلِقَهُ" (رؤ8:3). نعم إنه الله "الَّذِي يَفْتَحُ وَلاَ أَحَدٌ يُغْلِقُ، وَيُغْلِقُ وَلاَ أَحَدٌ يَفْتَحُ" (رؤ7:3).
داود النبي: سهل الرب حياته أكثر من مرة.
مرة حينما جاء أسد مع دب، وأخذ شاة من قطيعه، فخرج داود وراءه، وأنقذ الشاة من فيه، وضربه "قَتَلَ داود الأَسَدَ وَالدُّبَّ جَمِيعًا" (1صم34:17–36) ولولا أن سهل الرب حياته لافترساه.
وأكثر من مرة حينما أراد شاول أن يقتله، وأنقذه الرب منه، لأنه كان قد سهل حياته، وحينما طارده شاول من برية إلى أخرى، سمح الله أن يقع شاول في يدي داود مرتين، ولم يقتله داود لأنه قال: "حَاشَا لِي مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ أَنْ أَعْمَلَ هذَا الأَمْرَ بِسَيِّدِي، بِمَسِيحِ الرَّبِّ، فَأَمُدَّ يَدِي إِلَيْهِ، لأَنَّهُ مَسِيحُ الرَّبِّ هُوَ" (1صم6:24) (1صم11:26). ونجا داود من شاول الملك وغدره، لأن الرب كان قد سهل حياته. ولذا كانت حياته عزيزة في عيني الرب، فأنقذه من كل ضيق (1صم24:26).
وسهل الرب حياة داود حينما أنقذه من جيش أبشالوم ابنه، ومن مشورة أخيتوفل التي صلى من أجلها قائلًا: "حَمِّقْ يَا رَبُّ مَشُورَةَ أَخِيتُوفَلَ" (2صم31:15)، وتمت وأبطل الرب مشورة ذلك الخائن، وسهل حياة داود.
وسهل الرب حياته أيضًا حينما وقف – وهو فتى صغير – أمام جليات الجبار. ولم يكن مع داود في هذا القتال غير المتكافئ سوى خمس حصوات ملساء، ولكن كان الرب معه، ورجاؤه في الرب الذي يسهل حياته، قائلًا لجليات في رجاء: "هذَا الْيَوْمَ يَحْبِسُكَ الرَّبُّ فِي يَدِي" (1صم46:17).
وحينما يسهل الرب حياة إنسان، يسهلها مهما كانت المتاعب والمؤامرات. لقد سهل حياة داود حينما كان يقول: "يا رب، لماذا كثر الذين يحزنونني" (مز1:3)، أو حينما كان يقول: "أَكْثَرُ مِنْ شَعْرِ رَأْسِي الَّذِينَ يُبْغِضُونَنِي بِلاَ سَبَبٍ" (مز4:69).
وكم مرة قد أنقذ الرب نحميا من أعدائه القائمين عليه، الشامتين به، وأنقذ أيوب من حسد الشيطان له، وأنقذ يوسف الصديق من حسد إخوته وتآمرهم عليه وبيعهم له!
وقد سهل الرب حياة يوسف أمام فرعون مصر.
ومنحه النعمة في تفسير حلمي فرعون، وفي تقديم النصيحة الحكيمة له، حتى قال فرعون عنه: "هَلْ نَجِدُ مِثْلَ هذَا رَجُلًا فِيهِ رُوحُ اللهِ؟" (تك38:41). "وَخَلَعَ فِرْعَوْنُ خَاتِمَهُ مِنْ يَدِهِ وَجَعَلَهُ فِي يَدِ يُوسُفَ". وجعله فرعون سيدًا على كل مصر. بل صار "أَبًا لِفِرْعَوْنَ وَسَيِّدًا لِكُلِّ بَيْتِهِ" (تك8:45). وعلى الرغم من كل الضيقات السابقة التي لاقاها في حياته، كان الله قد سهل حياته.
وسهل الرب حياة دانيال النبي، حتى عندما ألقوه في جب الأسود، ف"أَرْسَلَ مَلاَكَهُ وَسَدَّ أَفْوَاهَ الأُسُودِ" (دا22:6).
وأيضًا سهل الحياة للثلاثة فتية القديسين، حينما طرحوهم في أتون النار المتقد، فلم تضرهم النار بشيء، و"لَمْ تَكُنْ لِلنَّارِ قُوَّةٌ عَلَى أَجْسَامِهِمْ، وَشَعْرَةٌ مِنْ رُؤُوسِهِمْ لَمْ تَحْتَرِقْ، وَسَرَاوِيلُهُمْ لَمْ تَتَغَيَّرْ، وَرَائِحَةُ النَّارِ لَمْ تَأْتِ عَلَيْهِمْ" (دا27:3).
كذلك حياة يونان النبي وهو في جوف الحوت، لم يكن للحوت سلطان عليه، لأن الله سهل حياته في جوف الحوت (يون2).
إسحاق أبو الآباء أيضًا كان الله قد سهل حياته، حتى حينما رُبط إلى حطب المحرقة، ورُفعت السكين فوق رأسه (تك22).
أيضًا شاول الطرسوسي سهل الله حياته في الطريق إليه، فاجتذبه من عدو للكنيسة، وجعله إناءً مختارًا ورسولًا للأمم (أع9). وسهل حياته أيضًا حينما كان في سجن فيلبي، فأطلقه منه بمعجزة بها آمن السجان "وَاعْتَمَدَ فِي الْحَالِ هُوَ وَالَّذِينَ لَهُ" (أع16).
مشكلتنا أننا نعتمد في كل مشاكلنا على ذكائنا، أو على الناس ويندر أننا نتجه إلى الله ونقول له: سهل حياتنا... فيا ليتنا – على الأقل – نطلب من الله أن يرشد أفكارنا، ونقول له: "عرّفنا يا رب طرقك. فهّمنا سبلك. اهدنا في طريق مستقيم".
الأمم Gentiles الذين كانوا بلا عهود ولا شريعة ولا آباء. كيف أمكن أن الرب يسهل حياتهم، ويجعلهم من مختاريه، ومن أهل بيت الله. سهل حياة كرنيليوس، وأرسل إليه بطرس الرسول لكي يشرح له طريق الرب ويعمّده هو وأصحابه، ثم افتقد الرب باقي الأمم، وكان في مقدمتهم المجوس الذين سهل طريقهم بنجم عجيب أو بقوة إلهية، ظهرت لهم في هيئة نجم حسب قول القديس يوحنا ذهبي الفم.
والسامريون أيضًا الذين كان اليهود لا يعاملونهم (يو9:4)، سهل الرب حياتهم، واقتاد طريقهم إليه، وهدى المرأة السامرية، وأهل بلدتها (يو4). ودعا تلاميذه أن يشهدوا له في السامرة كما في أورشليم واليهودية (أع8:1).
اطلب من الله أن يسهل حياتك في كل صغيرة وكبيرة.
يسهلها لك في أي لقاء، أي مشروع، أي سفر وأية رحلة، في كل ما تمتد إليه يدك من عمل، سليمان الملك، لكي يسهل الله حياته، طلب منه أن يهبه الحكمة، حتى يتصرف حسنًا في حكمه (1مل9:3)، ولكن أهم من هذا كله أن تطلب من الله أن يسهل حياتك في طريقك إلى الأبدية بعد الموت. على أن عبارة (سهل حياتي) ليس معناها أن تسير في الطريق الرحب وتدخل من الباب الواسع، بعكس وصية السيد المسيح (مت13:7).
كلا، بل ندخل من الباب الضيق. ويكون الرب معنا فيه، بل نسير في وادي ظل الموت، ولا نخاف شرًا، لأن الرب معنا. ندخل في الضيقات ونقول: "لولا أن الرب كان معنا، لابتلعونا ونحن أحياء. نجت أنفسنا مثل العصفور من فخ الصيادين، الفخ انكسر ونحن نجونا. عوننا من عند الرب الذي صنع السماء والأرض" (مز124).
المسيحية لما بدأت، سارت في الطريق الضيق، وسط مؤامرات اليهود، واضطهادات الدولة الرومانية، ولكنها كانت تصلي باستمرار "سهل يا رب طريقنا، أرشدنا إلى العمل بوصاياك". وإذ بها تنتصر على الكل، وتملأ الكون إيمانًا.
القديس أثناسيوس الرسولي في صراعه ضد الآريوسية والآريوسيين، سار في الطريق الكرب، حتى قيل له: "العالم كله ضدك يا أثناسيوس". ولكن الرب سهل حياته، وانتشر إيمانه وانتصر.
كذلك حروب الشياطين في الرهبنة، وحروب الوحدة والنسك ودبيب الأرض، سارت في الطريق الكرب، وسهل الله حياتها إليه.
كذلك نطلب من الله أن يسهل حياتنا، حينما نجد ظلمة في العقل، ولا نعرف أين المسير، فيهدينا إلى طرقه ويسهل حياتنا.
[1] تأملات في قطع الأجبية، لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في جريدة وطني، بتاريخ 4 نوفمبر 2007م.
أرشدنا إلى العمل بوصاياك
أرشدنا إلى العمل بوصاياك[1]
إنها طلبة من التحليل الأخير لكل ساعة من صلوات الأجبية الذي أوله "ارحمنا يا الله ثم ارحمنا"، حيث نقول فيه: "سهل حياتنا. أرشدنا إلى العمل بوصاياك".
تحمل هذه العبارة شيئًا من تواضع القلب: في أن الإنسان يعترف بعجزه الشخصي، وحاجته إلى الإرشاد للعمل بوصايا الله.
وهذا الأمر مكررًا كثيرًا في صلوات المزامير، حيث يقول المُصلّي: "عرفني يا رب طرقك. فهمني سبلك" (مز4:25). "اهْدِنِي فِي سَبِيل مُسْتَقِيمٍ" (مز11:27)، فهو يعترف أنه لا يعرف الطريق وأنه محتاج إلى هداية ومعرفة وإرشاد، ولذلك نجد آية هامة في سفر الأمثال تقول: "تَوَكَّلْ عَلَى الرَّبِّ بِكُلِّ قَلْبِكَ، وَعَلَى فَهْمِكَ لاَ تَعْتَمِدْ. وَهُوَ يُقَوِّمُ سُبُلَكَ" (أم6،5:3) نحن محتاجون أن يرشدنا الله كيف نسلك في سبله.
لأنه أهم من معرفة الوصية، العمل بالوصية. كما ورد في آخر العظة على الجبل، أن الذي يعمل بالوصية مثل إنسان بنى بيته على الصخر. فمهما نزل المطر وجاءت الأنهار، وهبَّت الرياح ووقعت على ذلك البيت، فلم يسقط (مت7: 25،24).
إننا نطلب من الرب أن يرشدنا إلى العمل بوصاياه، وبخاصة لأنه توجد بعض الوصايا صعبة، أو تبدو صعبة...
وهذه بلا شك تحتاج إلى إرشاد إلهي كيف نسلك فيها مثل: "أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ" (مت44:5)، فنحن ربما نقدر أن نحتمل أعداءنا. أما أن نحبهم؟ فتحتاج إلى إرشاد إلهي. وكذلك وصية تحويل الخد الآخر، وكيف أسير الميل الثاني بدون تذمر مع الذي سخّرني (مت41،39:5)، أنا لا أريد أن أتكلم عن أمور نظرية، ولكن عن التنفيذ العملي، فأقول: "أرشدني إلى العمل بوصاياك".
وصية أخرى مثل إنكار الذات (مت16: 24)، (مر34:8)، (لو23:9).
أرشدنا يا رب كيف ننكر ذواتنا، بل هناك وصية أصعب وهي "مَنْ يُحِبُّ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا، وَمَنْ يُبْغِضُ نَفْسَهُ فِي هذَا الْعَالَمِ يَحْفَظُهَا إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ" (يو25:12) ومثلها "إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَيَّ وَلاَ يُبْغِضُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ... حَتَّى نَفْسَهُ أَيْضًا، فَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا" (لو26:14).
فأرشدني يا رب كيف أبغض نفسي، وكيف أنكر ذاتي؟
وأيضًا وصية "كُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ" (مت48:5) وتتبعها كذلك "إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَكُونَ كَامِلًا فَاذْهَبْ وَبعْ أَمْلاَكَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ، فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ، وَتَعَالَ اتْبَعْنِي" (مت21:19).
من يا رب يستطيع أن يكون كاملًا، أو أن يعطي كل ما له للفقراء؟
أرشدني يا رب كيف أكون كاملًا؟ وكيف أصل إلى ذلك دون أن أُحَارب بالبر الذاتي؟ كيف أجمع بين الأمرين؟ إن الشيطان كان قبل سقوطه كاملًا في كل طرقه (حز15:28) ولكن سقط! فكيف أكون كاملًا ولا أسقط؟
أرشدني كيف أنفذ وصية أن أصلّي كل حين ولا أملّ (لو1:18) أو وصية "صَلُّوا بِلاَ انْقِطَاعٍ" (1تس17:5)! حقًا من يقدر أن يصلي بلا انقطاع؟ أرشدنا إلى العمل بوصاياك.
أنا يا رب أسقط في أوقات كثيرة. والكتاب يقول: "الصِّدِّيقَ يَسْقُطُ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَيَقُومُ" (أم16:24). فأرشدني كيف أقوم كلما أسقط؟ وكيف حينما نقوم لا نعاود السقوط مرة أخرى؟
نصلّي في صلاة الساعة التاسعة: "أمت حواسنا الجسمانية أيها المسيح إلهنا ونجنا". فكيف يمكن أن تموت حواسنا الجسدانية عن استخدامها في الشر؟ من يقدر أن يضبط حواسه لدرجة الإماتة؟
في الواقع، بهذه المناسبة، توجد بعض عبارات قالها القديس بولس الرسول في رسالته إلى أهل رومية، ليتنا نتذكرها، حين قال: "لَسْتُ أَفْعَلُ مَا أُرِيدُهُ، بَلْ مَا أُبْغِضُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ، فَالآنَ لَسْتُ بَعْدُ أَفْعَلُ ذلِكَ أَنَا، بَلِ الْخَطِيَّةُ السَّاكِنَةُ فِيَّ، فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ سَاكِنٌ فِيَّ، أَيْ فِي جَسَدِي، شَيْءٌ صَالِحٌ. لأَنَّ الإِرَادَةَ حَاضِرَةٌ عِنْدِي، وَأَمَّا أَنْ أَفْعَلَ الْحُسْنَى فَلَسْتُ أَجِدُ. لأَنِّي لَسْتُ أَفْعَلُ الصَّالِحَ الَّذِي أُرِيدُهُ، بَلِ الشَّرَّ الَّذِي لَسْتُ أُرِيدُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ" (رو7: 15–19). كلام صعب.
أرشدني يا رب كيف أفعل الخير الذي أريده أنا، وتريده أنت. لأني أحيانًا كثيرة أفعل ما لا تريده أنت وما لا أريده أنا. أرشدني يا رب كيف أقوي إرادتي؟ وكيف تكون إرادتى منجذبة دائمًا إلى الخير وإليك.
أنت يا رب تعطي الوصية، وتعطي القوة على تنفيذها، وتعطي الطريقة التي تنفذ بها هذه الوصية. فأرشدني كيف أنفذ وصاياك، وأنفذها بالوضع الذي تريده، لذلك نحن نصلي ونقول: "قَلْبًا نَقِيًّا اخْلُقْ فِيَّ يَا اَللهُ.." (مز51: 10). وعبارة "اخلق فيَّ" هذه تعني أن هذا القلب النقي غير موجود على الإطلاق، فكيف أنفذ إذًا وصاياك؟
بل حتى في التوبة، ما أعمق ما قيل في سفر إرميا النبي: "تَوِّبْنِي فَأَتُوبَ.." (إر18:31)، أي أرشدني كيف أتوب، وأعطني القوة التي أتوب بها، كل إنسان يريد أن يتوب، ولكن هل كل إنسان قادر أن يتوب؟! هنا تظهر نفس العبارة "أرشدنا إلى العمل بوصاياك". موضوع الاعتماد على ربنا.
كم مرة يفكر الإنسان أنه – بجهاده، بذكائه، بخبرته، يمكنه أن يصل. ولكن الحكيم يقول: "تَوَكَّلْ عَلَى الرَّبِّ بِكُلِّ قَلْبِكَ، وَعَلَى فَهْمِكَ لاَ تَعْتَمِدْ" (أم5:3). لذلك قل في كل يوم: "أرشدنا إلى العمل بوصاياك".
لا شك أن الأمر يحتاج إلى نعمة وإلى عمل روح الله فينا.
ليس فقط من جهة التوبة، إنما من جهة الخدمة أيضًا، هوذا بولس الرسول يقول: "وَلكِنْ بِنِعْمَةِ اللهِ أَنَا مَا أَنَا، وَنِعْمَتُهُ الْمُعْطَاةُ لِي لَمْ تَكُنْ بَاطِلَةً، بَلْ أَنَا تَعِبْتُ أَكْثَرَ مِنْهُمْ جَمِيعِهِمْ. وَلكِنْ لاَ أَنَا، بَلْ نِعْمَةُ اللهِ الَّتِي مَعِي" (1كو10:15).
إذًا أنا يا رب محتاج، في عملي بوصاياك، أن ترشدني كيف أعمل. وأيضًا أن تعطيني النعمة التي أعمل بها، النعمة التي تعمل معي، والتي تعمل فيَّ.
نحتاج أيضًا أن تعطينا حكمة لنعرف كيف نعمل.
فهذا ما طلبه الملك سليمان إذ قال للرب: "أَعْطِ عَبْدَكَ قَلْبًا فَهِيمًا لأَحْكُمَ عَلَى شَعْبِكَ وَأُمَيِّزَ بَيْنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ" (1مل9:3). هكذا طلب سليمان الحكمة لكي يعرف كيف يدبر الأمور، وكيف يميز بين الخير والشر.
كثيرون في طريقة تنفيذهم كانوا يطلبون الإرشاد الإلهي مثل لعازر الدمشقي (تك24)، لما كلّفه أبونا إبراهيم أن يذهب ويختار زوجة لإسحاق ابنه. لقد طلب إرشاد الرب في الطريق، وفعلًا ربنا أرشده ويسَّر طريقه.
أحداث كثيرة في الكتاب المقدس ترينا كيف أن الله يتدخل ويرشدنا، كيف يمكننا العمل بوصاياه على أن كثيرًا ما يأخذ الإنسان إرشادًا، ولكنه لا يسلك فيه. فأرشدنا يا رب كيف نسلك حسب إرشادك.
أنت تقول يا رب بحسب ما كتب فى إنجيل مار مرقس: "إِنْ كُنْتَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُؤْمِنَ. كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ لِلْمُؤْمِنِ" (مر23:9).
فأرشدني يا رب كيف يكون كل شيء مستطاعًا لي.
حقًا كل شيء مستطاع بالإيمان دون أن نرى، لكني أريد أن أرى عمليًا أن كل شيء مستطاع لي، أعطني يا رب كيف أستطيع كل شيء في المسيح في القوة التي تعطيني إياها. حسب قول بولس الرسول: "أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ الَّذِي يُقَوِّينِي" (في13:4). إننا نطلب إرشادك في الأمور المعقدة والصعبة. لكن أعطنا أن نطلب إرشادك حتى في الأمور السهلة. أو الأمور التي تبدو سهلة. ها هم الآباء الرسل قد طلبوا إرشادًا في أمر يبدو أمام الجميع أنه سهل جدًا، حينما قالوا للرب: "عَلِّمْنَا أَنْ نُصَلِّيَ" (لو1:11).
هل يوجد أحد لا يعرف أن يصلّي؟! حتى الوثني كان يعرف أن يصلّي لوثنه، لكن الآباء الرسل طلبوا إرشادًا إلهيًا لكي تكون صلاتهم حسب مشيئة الله. علّمنا يا رب أن نجعل الوصية عملية في حياتنا، أرشدنا كيف نحب الوصية فنعمل بها، وكيف نكره الخطية فنبعد عنها، أرشدنا كيف نحب الخير، وكيف نعمل الخير.
أرشد يا رب ضميري وفكري وتكلم في قلبي أيضًا، على أن الإرشاد لا يكون برؤى أو بأحلام، لأن الإنسان لو فكر أن الله يرشده برؤى أو أحلام، فمن الجائز أن يقدم له الشيطان أحلامًا مضللة ورؤى كاذبة، ممكن أن يكون الإرشاد عن طريق أب الاعتراف وهنا أقول: إن أردت أن ترشدني عن طريق أب اعترافي، فأرشد أيضًا أب اعترافي كيف يرشدني.
أرشدني وأرشد مرشدي، لأنك قلت في العهد القديم: "يَا شَعْبِي مُرْشِدُوكَ مُضِلُّونَ" (إش12:3). الكتبة والفريسيون أيضًا كانوا مرشدين للشعب وكانوا مضلّين، كانوا يغلقون ملكوت السماوات قدام الناس، فلا يدخلون ولا يدعون الداخلين يدخلون (مت13:23)، أحيانًا كان الرب يرشد عن طريق رسله الذين هم وكلائه على الأرض، كما يتضح من قصة كرنيليوس، كيف أرشده الرب عن طريق سمعان بطرس، فلم يعطه إرشادًا مباشرًا، إنما أرشده إلى من يرشده (أع10). كذلك بالنسبة إلى شاول الطرسوسي في بدء دعوته حوّله الرب إلى حنانيا الدمشقي ليرشده ماذا يفعل (أع9: 1–22).
أرشدنا يا رب كيف ننتصر على العقبات، التي تعوّق تنفيذ الوصية وكيف ننتصر على المشاكل، وكيف نجد لها حلولًا، وأرشدنا كيف ننتصر على الطباع وعلى العادات الثابتة فينا التي قد نجد صعوبة في التخلص منها.
عبارة أرشدنا تنطبق على الأفراد، وعلى الخدام، وعلى الهيئات.
تنطبق على الكنائس، الكل يقول: أرشدنا إلى العمل بوصاياك، إننا نعرف أن الكنائس تسعى إلى الوحدة الكنسية، ولكنها تقول للرب أرشدنا كيف نصل إلى هذه الوحدة في الإيمان والعمل المشترك، أرشدنا كيف ننتصر على البدع والهرطقات التي انتشرت في هذه الأيام، وكيف ننتصر على الارتداد، وكيف ينتصر البعض على الإدمان.
أرشدنا يا رب وأرشد المتولّين أمرنا في كل مكان، قد يقول شخص:
أرشدني يا رب، وأرشد مديري في العمل كيف يتصرف معي، وأرشد أعدائي كيف يمتنعون عن أذيّتي، أرشدني وأرشد كل من حولي في علاقتي معهم.
نحن نريدك يا رب، ولكن كيف نريدك؟ إننا نحب الخير، ولكن كيف نعمله، وكيف نسلك فيه؟
لذلك نحن نقول للرب في صلوات الأجبية: "أنر عقولنا وقلوبنا، وأضئ أفهامنا، لنفهم كلامك المحيي، نوَّر يا رب عقلي، فمن الجائز أن عقلي لا يسير في طريق سليم، تكلم في قلبي بمشيئتك الصالحة، وتكلم في قلوب الآخرين من جهتي، مهِّد الطريق أمامي كما كان يوحنا المعمدان يمهّد الطريق أمامك، نحن نصلي ونقول: "لتكن مشيئتك"، فعرّفني يا رب مشيئتك وكيف تتم، وعرفني ما هو دوري أنا في تتميم مشيئتك من نحوي، ومن نحو غيري ممن هم حولي والمتصلين بي.
عرّفنا وأرشدنا كيف نخدم، وبخاصة الحالات المعقدة.
كيف نخدم الذين يحبون الظلمة أكثر من النور، الذين مثل من قيل عنهم أيام موسى النبي: "شَعْبٍ مُعَانِدٍ وَمُقَاوِمٍ" (رو21:10)، الشعب الذي أعطيتنا إياه، أرشدنا كيف نخدمه؟ كيف نخدم الذين أُعطيناه بحيث لا يهلك منهم أحد، إن الخدمة وسط البعض ليست سهلة، ولسنا بقوتنا أو تقوانا نستطيع أن نخدم، كما أرشد النجم المجوس، أرشدنا يا رب إليك، لسنا ندَّعي المعرفة، إنما نلتمس الطريق أمامنا، وما أجمل قول القديس الأنبا أنطونيوس لتلميذه أنبا يوسف: "طوباك يا أنبا يوسف لأنك عرفت الطريق إلى كلمة "لا أعرف".
نورنا البشري ليس كاملًا. وأحيانًا يكتنفه ضباب يمنع الرؤية، فأرشدنا يا رب، وليتنا نقول لك هذه العبارة باستمرار.
لأن كثيرين قد ضلّوا حينما اعتمدوا على أنفسهم، ولم تساعدهم حكمتهم، أما نحن فنصرخ كل حين "أرشدنا إلى العمل بوصاياك".
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في جريدة وطني بتاريخ 11 نوفمبر 2007م.
نجّنا من كل حزن رديء
نجّنا من كل حزن رديء[1]
لا شك أن الله خلقنا للفرح، سواء على الأرض حينما خلق الإنسان ووضعه في الجنة، أو في العالم الآخر، إذ وعدنا بالنعيم الأبدي، فالله يريد أن يفرح الانسان.
لذلك نحن نقول له: "نجنا مِن كُلّ حزنٍ رديء ووجع قلب"، وعبارة "من كل حزن رديء" معناها أنه يوجد حزن غير رديء، أو حزن صالح.
وهكذا يقول سليمان الحكيم: "لِلْبُكَاءِ وَقْتٌ وَلِلضَّحْكِ وَقْتٌ" (جا4:3).
يوجد حزن مقبول ولازم، كما يوجد حزن غير مقبول ورديء نقول عنه:"نجنا"، وكل نوع من الحزن، له وقته، وأسبابه.
الحزن الصالح
1- أول نوع من الحزن الصالح، أن يحزن الإنسان على خطاياه ونقائصه، وضعفاته، وعلى كل شيء رديء يصدر منه.
بل إن بستان الرهبان يشرح لنا قاعدة مشهورة، يقول فيها الآباء:
"أُدخل إلى قلايتك، وابكِ على خطاياك"، مفروض أن يحزن الإنسان على خطيته إن أخطأ، مهما كانت الخطية في نظره بسيطة أو كبيرة، حتى لو كانت زلة لسان، أو جرح شعور أي إنسان.
بولس الرسول فرح جدًا، حينما علم أن خاطئ كورنثوس (1كو5)، لما أخذ عقوبة حزن وبكى على خطاياه، لأن الحزن على الخطية يقود إلى التوبة، ولو لم يكن قد حزن فكان سيقوده ذلك إلى الاستهتار، واللامبالاة. لأن الخطية لم تأخذ نصيبها من الندم والحزن، وتأنيب الضمير.
داود النبي أخطأ وبكى على خطاياه، وصلى كثيرًا من المزامير يطلب المغفرة، منها المزمور الخمسون، والمزمور السادس الذي يقول فيه: "يَا رَبُّ، لاَ تُوَبِّخْنِي بِغَضَبِكَ، وَلاَ تُؤَدِّبْنِي بِغَيْظِكَ. ارْحَمْنِي يَا رَبُّ لأَنِّي ضَعِيفٌ. اشْفِنِي يَا رَبُّ لأَنَّ عِظَامِي قَدْ رَجَفَتْ، وَنَفْسِي قَدِ ارْتَاعَتْ جِدًّا".
وقال "دموعي تكون في زقٍ عندك" (مز56: 8)، وقيل عنه إنه مزج شرابه بالدموع (مز102: 9)، فالإنسان عليه أن يبكي على خطاياه، وقصص البكاء على الخطايا موجودة، وكثيرة.
2- من الحزن الصالح: الحزن على خطايا الناس، على خطايا الشعب، وعلى المخدومين، على الناس عمومًا.
- ومن أمثلته: قصة نحميا: جاءوا إليه، وهو في السبي، وأخبروه كيف أن أورشليم مهدمة، وأبوابها محروقة بالنار.
يقول: "فَلَمَّا سَمِعْتُ هذَا الْكَلاَمَ جَلَسْتُ وَبَكَيْتُ وَنُحْتُ أَيَّامًا، وَصُمْتُ وَصَلَّيْتُ..." (نح4:1)، بقية القصة، أنه بحزنه هذا، أخذ تصريحًا من أرتحشستا الملك، بالعودة إلى أورشليم.
- عزرا أيضًا، لما سمع أن الشعب تزوجوا زيجات غريبة حزن جدًا وبكى، واستطاع أن يقنعهم بترك الزيجات الغريبة.
- إرميا النبي في كتابه مراثي إرميا، بكى كثيرًا وحزن كثيرًا من أجل الوضع العام، ولم يكن مستريحًا له.
- عن خطايا الناس الكثيرة، قال السيد المسيح: "نَفْسِي حَزِينَةٌ جِدًّا حَتَّى الْمَوْتِ" (مت38:26). حزن لما تجمعت أمامه صورة خطايا الناس كلهم، وكل ما ارتكبوه من تعديات ومن آثام وذنوب فقال: "نَفْسِي حَزِينَةٌ جِدًّا حَتَّى الْمَوْتِ". إنها صورة بشعة ومتعبة، حينما يحزن الإنسان من أجل خطاياه، ومن أجل الآخرين سواء في ضيقاتهم أو في خطاياهم، يكون هذا حزن مقدس.
3 - نوع آخر من الحزن الصالح وهو: مشاركة الناس في أحزانهم.
كما يقول الكتاب: "فَرَحًا مَعَ الْفَرِحِينَ وَبُكَاءً مَعَ الْبَاكِينَ"(رو15:12) مفروض أن تشارك الناس في ضيقاتهم، وفي أحزانهم، وتكون هذه فضيلة، والسيد المسيح، في موت لعازر، كما بكت مريم ومرثا، هو أيضًا بكى (يو35:11)، مشاركةً للناس في آلامهم (يو11).
- أيضًا حزن داريوس الملك على دانيال النبي، حينما ألقي في جب الأسود، في تلك الليلة بات داريوس صائمًا، ولم يؤت أمامه بسراريه، وكان حزينًا جدًا، وقام وذهب إلى جب الأسود، لكي يطمئن على دانيال النبي (دا6).
4- ومن الحزن المقدس أيضًا: الحزن من أجل ملكوت الله، ومن أجل الكنيسة عمومًا. مثلما بكى السيد المسيح على أورشليم وقال لها: "لأَنَّكِ لَمْ تَعْرِفِي زَمَانَ افْتِقَادِكِ" (لو44:19). وأيضًا حزن وتحنن لما نظر إلى الجموع، فوجد أنهم منزعجين ومنطرحين كغنمٍ لا راعي لها. إنه حزن مقدس.
5- من الحزن المقدس أيضًا: الحزن للشعور بالتخلي، حينما يشعر الإنسان، أن الله تخلي عنه، فيحزن.
مثلما يقول داود: "إِلَى مَتَى يَا رَبُّ تَنْسَانِي كُلَّ النِّسْيَانِ؟ إِلَى مَتَى تَحْجُبُ وَجْهَكَ عَنِّي؟ إِلَى مَتَى أَجْعَلُ هُمُومًا فِي نَفْسِي وَحُزْنًا فِي قَلْبِي كُلَّ يَوْمٍ؟" (مز12)، أو قول داود في مزمور آخر: "لمَاذَا يَقُولُونَ أَيْنَ هُوَ إِلهُهُمْ؟" (مز79: 10)، (مز115: 2). كل هذه مشاعر مقدسة.
يوجد حزن طبيعي، مثل بكاء داود على ابنه أبشالوم، وكذلك حزن حنه التي أعطاها الله صموئيل.
كل ذلك أمثلة للحزن المقدس الطاهر، أو الحزن الطبيعي.
أما عبارة "نجنا من كل حزن رديء ووجع قلب" فهي عن الحزن الرديء سواء في طوله، أو في عمقه، أو في أسبابه.
الحزن الرديء
1- حزن الإنسان على أمور عالمية فانية.. كفقد مال، أو منصب، أو لقب.
الغني قال له السيد المسيح: "إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَكُونَ كَامِلًا فَاذْهَبْ وَبعْ أَمْلاَكَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ". يقول عنه الكتاب إنه "مَضَى حَزِينًا، لأَنَّهُ كَانَ ذَا أَمْوَال كَثِيرَةٍ" (مت19: 22،21)، كان لا يريد أن يخسر ماله، لكن الحزن من أجل المال حزن رديء.
إن الحزن من أجل الأمور الفانية التي في العالم، كلها أحزان رديئة.
- مثل حزن هامان، لما وجد مردخاي لا يقدم له الاحترام الذي يريده، فتضايق لأنه لم يأخذ احترامًا.
- أو أي حزن من أجل الذات، حزن يظهر فيه التمسك بالذات، وطلبات الذات وكرامة الذات، كله حزن رديء.
2- من الحزن الرديء في أسبابه أيضًا: الحزن الذي سببه الحسد.
فدائمًا الحاسدين يكونون حزانى.
- ومن أمثلة هؤلاء: إخوة يوسف الصديق، حزنوا لأن الله وهب يوسف أحلامًا تُشعرهم بأنه سيكون له تفوق وعظمة. فتضايقوا، وحزنوا عندما أعطاه أبوه قميصًا ملونًا، فقالوا إنه فضّله عليهم، ولذلك لما أرادوا أن يأخذوا يوسف ويقتلوه، أو يلقوه في البئر، لما رأوه من بعيد قالوا: "هُوَذَا هذَا صَاحِبُ الأَحْلاَمِ قَادِمٌ" (تك37: 19)، فكانوا متضايقين من أحلامه.
- كذلك في الرهبنة يقولون: لا تمدح شخصًا بصفة معينة أمام آخرين، لئلا يكون فيهم من هو صغير النفس، فيتعب من مدحك لغيره، وأنت لم تمدحه.
- وكذلك حتى في معاملة الأطفال، إذا شجعت طفلًا، وقدمت له عطفًا، لا بد أن تفعل ذلك أيضًا مع كل الأطفال الحاضرين، وإلا سوف يحزنون ويتعبون، لأنك فضَّلت هذا الطفل على بقية الأطفال. لذلك عاملوا الكل بنوع من العطف الشامل للجميع.
3- من الحزن الرديء أيضًا: الحزن على تفوق الآخرين:
مثل فوز فريق رياضي في مباراة، فيحزن الفريق المنافس. إنه حزن رديء.
4- من الأمثلة الصعبة جدًا في أنواع الحزن الرديء: حزن شخص لأنه لم يجد فرصة لاِرتكاب خطية: أي أنه يريد أن يرتكب الخطية، لكن الظروف لم تساعده، فيحزن.
- من أمثلة ذلك آخاب الملك، حينما أراد أن يستولي على حقل نابوت اليزرعيلي ولم يستطع، رجع إلى بيته حزينًا لهذا السبب، وانتهت القصة بأنه تخلص من نابوت، وأخذ الحقل فكان حزنه إذًا على عدم اِرتكابه خطية.
5- يوجد حزن رديء من جهة الطول والعمق.
مثل المبالغة في الحزن وطول مدته، يقول الكتاب: "لاَ تَحْزَنُوا كَالْبَاقِينَ الَّذِينَ لاَ رَجَاءَ لَهُمْ" (1تس13:4). فالذي يحزن وليس عنده رجاء، يكون حزنه رديء.
حتى في حزنه على خطاياه، فحزن الإنسان على خطاياه فضيلة، لكن إذا فقد الرجاء، يصير حزنه رديئًا وقد وقع في ذلك يهوذا. بطرس الرسول حزن على إنكاره وبكى بكاءً مرًا، وكان حزنه صالحًا، لكن يهوذا حزن وندم وقال: "أَخْطَأْتُ إِذْ سَلَّمْتُ دَمًا بَرِيئًا" (مت27: 4). ولكن لأن حزنه أفقده الرجاء، فلذلك شنق نفسه، فأصبح حزنه حزنًا رديئًا.
أو الناس الذين يستمرون في حزنهم فترة طويلة، ويرفضون أن يتعزوا. إنه حزن من ليس لهم رجاء.
6- من الحزن الرديء أيضًا: الحزن في أيام الفرح:
في أيام الأعياد والمواسم..
7- أصعب نوع من الحزن الرديء هو الكآبة Depression
إنسان يصاب بمرض الكآبة، وليس مجرد أن يكتئب على خطيئته كما يقول سليمان الحكيم: "بِكَآبَةِ الْوَجْهِ يُصْلَحُ الْقَلْبُ" (جا3:7).
وفي مرض الكآبة هذا نجد أفكارًا سوداء، وتعبًا، وحزنًا، وبكاءً، وربما بلا سبب، أو لأتفه الأسباب. أو شيء من الداخل تجعله يعيش كئيبًا باستمرار. وغالبًا يلجأ إلى الأدوية والأقراص المهدئة.
الآباء القديسون فيما يتكلمون عن الأشياء المحاربة للنفس، كما تكلموا عن الخطايا الخطيرة، تكلموا أيضًا عن الكآبة كمرض من الأمراض، يقع فيها البعض. ممكن إنسان يحزن على خطاياه، لكن لا يصل إلى الكآبة الدائمة أو الكآبة السوداء. بقدر الإمكان إذا وُجدت كآبة، فليصلحها الإنسان من الداخل، بطريقة روحية وليس بالأدوية والمهدئات.
[1] عظة لقداسة البابا شنوده الثالث، بتاريخ 30 نوفمبر 2005م.
أحِطنا يا رب بملائكتك القديسين
أحِطنا يا رب بملائكتك القديسين[1]
أريد أن أتأمل معكم في هذه العبارة الموجودة في الطلبة التي في آخر كل ساعة من ساعات الأجبية حيث يقول المصلي:
"أحطنا يا رب بملائكتك القديسين، لكي نكون بمعسكرهم محفوظين ومُرشَدين"، كما نقول في صلاة النوم أيضًا: "أرسل لنا ملاك السلامة ليحرسنا من كل شر، ومن كل ضربة، ومن كل تجربة العدو".
حقًا إن لنا علاقة دائمة بالملائكة. والكنيسة الجامعة في العالم الآخر تتكون من البشر القديسين والملائكة، والله فوق الكل، فما مدى علاقتنا بالملائكة؟ وما مدى تشفعنا بهم، وطلبنا أن تكون الملائكة معنا.
أنا أعرف أن كثيرين منكم يطلبون شفاعة العذراء أو بعض القديسين، ولكن ماذا عن علاقتكم بالملائكة؟ أعرف أن البعض منكم له علاقة بالملاك ميخائيل، ويوزع (فطير الملاك) في عيده في اليوم الثاني عشر من كل شهر قبطي، تذكارًا لمعجزة أجراها الملاك معه. ولعلها فرصة أن نأخذ فكرة عن الملائكة من الكتاب المقدس.
الملائكة
قيل في (مز4:104) "الصَّانِعُ مَلاَئِكَتَهُ رِيَاحًا، وَخُدَّامَهُ نَارًا مُلْتَهِبَةً"، هم إذًا أرواح طاهرة، لكنهم رُتب وأنواع: منهم رؤساء الملائكة الذين نعرف منهم رئيسهم العام الملاك ميخائيل، وقد ورد ذكره في (دا21،13:10) وفي (يه9). وفي حربه مع الشيطان في (رؤ12)، ولهذا نحن نحتفظ بأيقونة الملاك ميخائيل وهو يضرب الشيطان ويهزمه.
ومن الرؤساء أيضًا الملاك جبرائيل، الذي بشر زكريا الكاهن بميلاد ابنه يوحنا، وبشر العذراء بميلاد المسيح (لو1) كما أمره الله بأن يفهَّم دانيال الرؤيا التي رآها (دا 16:8). ومن رؤساء الملائكة نعرف أيضًا رافائيل وسوريال، وباقي الرؤساء السبعة.
ذكر لنا الكتاب كذلك طغمة الكاروبيم، وهو اسم جمع ومفرده (كاروب) والسارافيم (ومفرده ساراف)، وأيضًا طغمات القوات، والكراسي أو العروش، وتدعى Throne بالإنجليزية أي عرش، والشيطان كان من طبقة الكاروبيم، وقال الوحي عنه في سفر حزقيال النبي: "أَنْتَ الْكَرُوبُ الْمُنْبَسِطُ الْمُظَلِّلُ" (حز14:28)، وسقط مع الشيطان ملائكة من طوائف متعددة، ولكن لم يذكر من بينها أحد من السارافيم (الملتهبون بالنار) الذين يرمزون إلى الحب الإلهي، وعملهم هو التسبيح، وقد ورد ذكرهم فقط في (إش6: 2)، وهم يقولون قدوس قدوس قدوس... وكذلك لم يرد سقوط أحد من طبقة الكراسي (العروش) الذين يرمزون إلى الحلول الإلهي، وسقط مع الشيطان كثيرون من القوات، الشيطان Satan عندما سقط، اشتاق إلى وضعه الأصلي، لذلك يظهر أحيانًا في هيئة ملاك من نور (2كو14:11) لكي يخدع الناس..
والملائكة سيأتون مع الرب في مجيئه الثاني:
وقد ورد أنه "يَأْتِي فِي مَجْدِ أَبِيهِ مَعَ مَلاَئِكَتِهِ، وَحِينَئِذٍ يُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ عَمَلِهِ" (مت27:16)، "مَتَى جَاءَ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي مَجْدِهِ وَجَمِيعُ الْمَلاَئِكَةِ الْقِدِّيسِينَ مَعَهُ، فَحِينَئِذٍ يَجْلِسُ عَلَى كُرْسِيِّ مَجْدِهِ، وَيَجْتَمِعُ أَمَامَهُ جَمِيعُ الشُّعُوبِ، فَيُمَيِّزُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ" (مت25: 32،31).
وورد أيضًا في (مت31:24) أنه "يُرْسِلُ مَلاَئِكَتَهُ... فَيَجْمَعُونَ مُخْتَارِيهِ مِنَ الأَرْبَعِ الرِّيَاحِ". كما "يَجْمَعُونَ مِنْ مَلَكُوتِهِ جَمِيعَ الْمَعَاثِرِ وَفَاعِلِي الإِثْمِ، وَيَطْرَحُونَهُمْ فِي أَتُونِ النَّارِ" (مت13: 42،41).
والملائكة لهم أعمال كثيرة: فمنهم ملائكة للشفاعة، وملائكة للإنقاذ أو للحراسة أو للحفظ، وملائكة للبشارة، وملائكة للإرشاد، وملائكة لنقل رسالة، وملائكة لحمل الموتى.
وبمناسبة نقل الموتى، أود أن أقول لكم ملاحظتين:
1- يظن البعض أن الملاك الذي يقبض على أرواح الموتى هو عزرائيل، ولكن اسم الملاك عزرائيل لم يرد إطلاقًا في الكتاب المقدس.
2- ليس كل الموتى يحملهم الملائكة، بل يحملون أرواح الأبرار فقط الذين سيذهبون إلى الفردوس، كما ورد في قصة (الغني ولعازر المسكين) حيث قيل: "فَمَاتَ الْمِسْكِينُ وَحَمَلَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ إِلَى حِضْنِ إِبْرَاهِيمَ. وَمَاتَ الْغَنِيُّ أَيْضًا وَدُفِنَ" (لو22:16)، ولم يقل الكتاب عن الغني أنه حملته الملائكة، ربما حملته الشياطين قائلين له: "أنت صاحبنا، تعال لتبقى معنا إلى أن تدخل البحيرة المتقدة بالنار والكبريت".
ملائكة الشفاعة
من أمثلة شفاعة الملائكة ما ورد في سفر زكريا النبي (زك12:1) أن ملاك الرب قال: "يَا رَبَّ الْجُنُودِ، إِلَى مَتَى أَنْتَ لاَ تَرْحَمُ أُورُشَلِيمَ وَمُدُنَ يَهُوذَا الَّتِي غَضِبْتَ عَلَيْهَا هذِهِ السَّبْعِينَ سَنَةً؟".
ومن شفاعة الملائكة ما ورد في سفر الرؤيا (4،3:8): "وَجَاءَ مَلاَكٌ آخَرُ وَوَقَفَ عِنْدَ الْمَذْبَحِ، وَمَعَهُ مِبْخَرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ، وَأُعْطِيَ بَخُورًا كَثِيرًا لِكَيْ يُقَدِّمَهُ مَعَ صَلَوَاتِ الْقِدِّيسِينَ جَمِيعِهِمْ عَلَى مَذْبَحِ الذَّهَبِ الَّذِي أَمَامَ الْعَرْشِ، فَصَعِدَ دُخَانُ الْبَخُورِ مَعَ صَلَوَاتِ الْقِدِّيسِينَ مِنْ يَدِ الْمَلاَكِ أَمَامَ اللهِ" (رؤ4،3:8)، أي أنه أوصل صلوات القديسين من يده إلى الله.
ونحن نتكلم باستمرار عن ملاك المذبح وملاك الذبيحة، ونحن في نهاية القداس، ونحن نرش ماء على المذبح نقول: "يا ملاك هذه الصعيدة الطائر إلى العلو بهذه التسبحة، اذكرنا قدام الرب ليغفر لنا خطايانا".
وفي قصة السارافيم الذين يسبحون قائلين: قدوس قدوس قدوس. لما سمعهم إشعياء النبي قال:"وَيْلٌ لِي إِنِّي هَلَكْتُ، لأَنِّي إِنْسَانٌ نَجِسُ الشَّفَتَيْنِ، لأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ رَأَتَا الْمَلِكَ رَبَّ الْجُنُودِ" (إش5:6).
فلم يحتمل السارافيم منه عبارة "وَيْلٌ لِي إِنِّي هَلَكْتُ"، وهنا يقول الكتاب على فم إشعياء النبي "فَطَارَ إِلَيَّ وَاحِدٌ مِنَ السَّرَافِيمِ وَبِيَدِهِ جَمْرَةٌ قَدْ أَخَذَهَا بِمِلْقَطٍ مِنْ عَلَى الْمَذْبَحِ، وَمَسَّ بِهَا فَمِي وَقَالَ: إِنَّ هذِهِ قَدْ مَسَّتْ شَفَتَيْكَ، فَانْتُزِعَ إِثْمُكَ، وَكُفِّرَ عَنْ خَطِيَّتِكَ" (إش6: 7،6).
تصوروا محبة الملائكة للبشر، وغيرتهم على خلاص هذا الإنسان، حتى أن واحدًا منهم يقطع تسبيحه ويطير لكي يطهر فم إشعياء بجمرة من على المذبح، ويبشره قائلًا: "انْتُزِعَ إِثْمُكَ وَكُفِّرَ عَنْ خَطِيَّتِكَ". عبارة "طَارَ إِلَيَّ وَاحِدٌ مِنَ السَّرَافِيمِ" تعني أنه لم يحتمل أن ينتظر على قول إشعياء: "وَيْلٌ لِي إِنِّي هَلَكْتُ". فطار لكي يخلصه ويبشره بالخلاص.
ملائكة البشارة
في قصة الميلاد: جبرائيل الملاك يبشر زكريا الكاهن بميلاد ابن له هو يوحنا، ويبشر العذراء بميلاد ابن لها هو السيد المسيح (لو1).
ملاك آخر ظهر ليوسف النجار في حلم، وبشّره بأن خطيبته العذراء قد حبلت بابن من الروح القدس، وذكَّره بالنبوءه (مت1: 20–23).
ملاك الرب أيضًا بشّر الرعاة بأنه قد ولد اليوم في مدينة داود مخلص هو المسيح الرب (لو2: 9–11).
ملاك آخر بشَّر هاجر وهي حبلى، بأنها ستلد إبنًا وتدعو اسمه إسماعيل، لأن الرب سمع لمذلتها (تك11:16).
ملاك الرب أيضًا تراءى لامرأة منوح وهي عاقر وبشّرها بأنها ستلد ابنًا (وهو شمشون) ويكون نذيرًا للرب (قض13: 2–5).
ملائكة الإرشاد
نذكرهم لأننا نقول في صلاتنا "أحطنا يا رب بملائكتك القديسين، لكي نكون بمعسكرهم محفوظين ومرشدين" ومن أمثلتهم:
لما رأى دانيال رؤيا وتحيّر في معناها، قال الرب للملاك جبرائيل: "يَا جِبْرَائِيلُ، فَهِّمْ هذَا الرَّجُلَ الرُّؤْيَا" (دا 8: 16).
تذكرنا هذه القصة بالملاك الذي ظهر للقديس الأنبا أنطونيوس، وشرح له كيف يعمل في الرهبنة، وسلمه القلنسوة.
أيضًا من عمل الملائكة في الإرشاد أن ملاكًا ظهر لكرنيليوس قائد المائة في رؤيا، وأرشده ماذا يفعل لكي يخلص، وذلك بأن يستدعي من يافا رجلًا اسمه سمعان بطرس ليخبره بما ينبغي أن يفعله (أع10: 3–6).
كذلك نجد أن ملاكًا – في سفر الرؤيا – أرشد القديس يوحنا وأراه أمورًا وشرحها له (رؤ17) (رؤ21، 22).
ويقول عن الملائكة: "أَلَيْسَ جَمِيعُهُمْ أَرْوَاحًا خَادِمَةً مُرْسَلَةً لِلْخِدْمَةِ لأَجْلِ الْعَتِيدِينَ أَنْ يَرِثُوا الْخَلاَصَ" (عب14:1)
وفي (أع8: 27–39) في قصة الخصيَّ الحبشي الذي كان في مركبته يقرأ سفر إشعياء، نجد أن ملاكًا قال لفيلبس تقدم ورافق هذه المركبة ففعل ذلك، وانتهى الأمر بأنه بشّر ذلك الخصي وعمّده.
هناك أيضًا ما ورد عن (ملائكة الأطفال) وهم للإرشاد وللحفظ معًا والحراسة. جاء ذكرهم في (مت18).
لا ننسى أيضًا الملاك الذي رافق يعقوب أب الآباء، كما تحدث هو عن ذلك في (تك16:48).
والملاك الذي ظهر لهاجر جارية ساراي وأرشدها قائلًا: "ارْجِعِي إِلَى مَوْلاَتِكِ وَاخْضَعِي تَحْتَ يَدَيْهَا" (تك16: 9)
ملائكة لنقل رسالة
مثال ذلك ما ورد في سفر الرؤيا عن إعلان الرب "لِيُرِيَ عَبِيدَهُ مَا لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَنْ قَرِيبٍ، وَبَيَّنَهُ مُرْسِلًا بِيَدِ مَلاَكِهِ لِعَبْدِهِ يُوحَنَّا" (رؤ1:1). وفيه الرسائل إلى رعاة الكنائس السبع، وقال الرب في آخر سفر الرؤيا: "أَنَا يَسُوعُ، أَرْسَلْتُ مَلاَكِي لأَشْهَدَ لَكُمْ بِهذِهِ الأُمُورِ" (رؤ16:22)
كذلك في سفر القضاة (قض6: 11-22) ظهر ملاك الرب لجدعون ليطمئنه ويحمِّله رسالة ينقذ بها الشعب.
ومن ملائكة الإرشاد أيضًا الملاك الذي ظهر ليوسف النجار، وقال له (في حلم): "قُمْ وَخُذِ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ وَاهْرُبْ إِلَى مِصْرَ، وَكُنْ هُنَاكَ حَتَّى أَقُولَ لَكَ" (مت13:2) ثم ظهر له في حلم (بعد سنوات) في مصر وقال له: "قُمْ وَخُذِ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ وَاذْهَبْ إِلَى أَرْضِ إِسْرَائِيلَ، لأَنَّهُ قَدْ مَاتَ الَّذِينَ كَانُوا يَطْلُبُونَ نَفْسَ الصَّبِيِّ" (مت2: 20).
ملائكة الحفظ والمعونة
نذكرهم بقولنا في الصلاة: "أحطنا يا رب بملائكتك القديسين لكي نكون بمعسكرهم محفوظين". وأيضًا قولنا في تحليل صلاة النوم: "أرسل لنا ملاك السلامة، ليحرسنا من كل شر ومن كل ضربة، ومن كل تجربة العدو".
في سفر إشعياء النبي (9:63) يقول عن الرب: "فِي كُلِّ ضِيقِهِمْ تَضَايَقَ، وَمَلاَكُ حَضْرَتِهِ خَلَّصَهُمْ..".
وفي (مز91: 12،11) يقول: "لأَنَّهُ يُوصِي مَلاَئِكَتَهُ بِكَ لِكَيْ يَحْفَظُوكَ فِي كُلِّ طُرُقِكَ، عَلَى الأَيْدِي يَحْمِلُونَكَ لِئَلاَّ تَصْدِمَ بِحَجَرٍ رِجْلَكَ".
وفي (مز7:34) "مَلاَكُ الرَّبِّ حَالٌّ حَوْلَ خَائِفِيهِ، وَيُنَجِّيهِمْ". وهكذا ندعو لمن يسافر ونقول له: "يحفظك ملاك السلامة".
لا ننسى أيضًا (في قصة حرق سدوم) الملاكين اللذين أتيا لكي يخلّصا لوطًا وأسرته، وقيادتهم إلى خارج المدينة المحترقة (تك19).
ولما حدث أن رئيس الكهنة وشيعة الصدوقيين ألقوا أيديهم على الرسل ووضعوهم في حبس العامة، يقول الكتاب: "وَلكِنَّ مَلاَكَ الرَّبِّ فِي اللَّيْلِ فَتَحَ أَبْوَابَ السِّجْنِ وَأَخْرَجَهُمْ" (أع19:5).
وفي (أع12: 7-10) نجد أن ملاكًا أيقظ بطرس الرسول وأخرجه من السجن.
نلاحظ أنه لما كان إيليا هاربًا من وجه الملكة إيزابيل، أتى ملاك الرب ومسّه وقال له: "قُمْ وَكُلْ فَتَطَلَّعَ وَإِذَا كَعْكَةُ رَضْفٍ وَكُوزُ مَاءٍ عِنْدَ رَأْسِهِ فَأَكَلَ وَشَرِبَ ثُمَّ رَجَعَ فَاضْطَجَعَ" (1مل19: 5-8) وعاد ملاك الرب فأيقظه مرة أخرى، وقدَّم له طعامًا ليأكل، لأن المسافة كانت طويلة عليه.
وفي العهد الجديد في قصة مريض بيت حسدا في (يو5) أن ملاكًا كان يأتي ويحرك الماء، حتى أن من ينزل فيه أولًا كان يبرأ.
وفي قصة إلقاء دانيال النبي في جب الأسود، قال هذا النبي عن إنقاذ الرب له: "إِلهِي أَرْسَلَ مَلاَكَهُ وَسَدَّ أَفْوَاهَ الأُسُودِ فَلَمْ تَضُرَّنِي" (دا22:6).
قوة الملائكة
يقول داود النبي في (مز20:103): "بَارِكُوا الرَّبَّ يَا مَلاَئِكَتَهُ الْمُقْتَدِرِينَ قُوَّةً، الْفَاعِلِينَ أَمْرَهُ عِنْدَ سَمَاعِ صَوْتِ كَلاَمِهِ".
ونجد في قصص إنقاذ شعب الله من أعدائه، أن ملاك الرب ضرب من جيش سنحاريب ملك آشور 185 ألفًا.
ليتنا نتمتع بمحبة الملائكة وشفاعتهم، وما منحهم الله من دالة عنده، ومن قوة في العمل.
[1] تأملات في قطع الأجبية، لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في جريدة وطني بتاريخ 18 نوفمبر 2007م




