تأملات في سفر نشيد الأناشيد

الروحيون يقرأون هذا السفر، فيزدادون في محبة الله. أما الجسدانيون فيحتاجون في قراءته إلى مرشد لئلا يسيئوا فهمه، ويخرجوا من معناه السامي إلى معان عالمية…
نحن نريد في هذه المقالات الأولى من تأملاتنا في سفر النشيد أن ندخل إلى روح السفر، ونفهم رموزه ومدلولاته، حتى يساعدنا هذا الأمر على التفسير المرتب المتناسق…
تأملنا في العدد الماضي في قول الرب ” أختي العروس، جنة مغلقة”…
الكنيسة هي عروس للرب، وكذلك النفس البشرية، كما شرح الأصحاح الخامس من الرسالة إلى أفسس. ولكن هناك اتحاد روحي، وليس اتحادًا جسديًا كما في الزواج. وفي هذا يقول الرسول: ” وأما من التصق بالرب، فهو روح واحد” (1كو6: 17). أما كيف يصير واحدًا مع الله، فهذا ما قال عنه الكتاب: “هذا السر عظيم” (أف5: 32) … وفي روحانية هذا الارتباط يقول الرب: “أختي العروس”.
أختي العروس:
تواضع من الرب أن يقول عن النفس البشرية ” أختي”، بينما ترد هي قائلة: “هوذا أنا أمة الرب” أي جاريته وعبدته وخادمته… لقد دعانا الرب أخوته، حينما “أخلى ذاته” وأخذ شكل العبد “وصار في الهيئة كإنسان”. لذلك لم يستح أن يدعونا أخوته.
وفي سعي الرب من أجل خلاص النفس البشرية، يستعمل نفس التعبير فيقول:
“افتحي لي يا أختي، يا حبيبتي، يا حمامتي، يا كاملتي”
وفي هذه الكلمات الأربع تتركز قصة الخلاص كلها، سواء ما يعمله الله لأجل خلاصنا، أو ما نعمله نحن.
كلمة أختي ترمز للتجسد:
لأن السيد المسيح عندما شاركنا في هذه الطبيعة البشرية “صار بكرًا وسط أخوة كثيرين” (رو8: 29). حتى أنه عندما أرسل مريم المجدلية لتبشير تلاميذه، قال لها “اذهبي وقولي لأخوتي أن يمضوا إلى الجليل، هناك يرونني” (متى28: 10). وعندما يقول للنفس البشرية “افتحي يا أختي”، إنما يقصد: افتحي لي قلبك وفكرك وإرادتك. لأنني من أجلك أخليت ذاتي، صرت ابنًا للإنسان، لكي أجعل الإنسان ابنًا لله، لذلك “كل من يفعل مشيئة أبي الذي في السموات هو أخي وأختي وأمي” (متى22: 49).
إن كانت كلمة “يا أختي” ترمز إلى التجسد، فإلى أي شيء ترمز كلمة “يا حبيبتي”؟
يا حبيبتي:
إن قصة الخلاص بدأت بالتجسد، ولكنها كملت في الفداء. وفي الفداء أظهر الله محبته لنا لأنه ” ليس حب أعظم من هذا، أن يضع أحد نفسه لأجل أحبائه” (يو15: 13). فعندما يقول الرب للنفس البشرية يا حبيبتي، إنما يقصد حبه لها الذي ظهر في موته عنها. فهذه النفس كان محكومًا عليها بالموت “ولكن الله بين محبته لنا، لأنه ونحن بعد خطاه مات المسيح لأجلنا” (رو5: 8).
إذن فإن كانت قصة الخلاص تبدأ بالتجسد الذي دلت عليه عبارة يا أختي، ثم بالفداء الذي دلت عليه عبارة “يا حبيبتي”، فعلى أي شيء تدل عبارة “يا حمامتي”؟
يا حمامتي:
الخلاص قدمه الله بالتجسد والفداء، ولكن علينا نحن دور فيه، ينبهنا إليه الرسول بقوله: “تمموا خلاصكم بخوف ورعدة” (في2: 12). فكيف نتمم هذا الخلاص؟
يكون ذلك بأن نستلم لعمل الروح القدس فينا. لا نترك إرادتنا البشرية تعمل، وإنما هو الروح القدس الذي يعمل فينا لأجل خلاصنا وخلاص الناس، وكلما اختفت أنفسنا وظهر الروح القدس، حينئذ يقول الرب “يا حمامتي”، لأن الروح القدس ترمز إليه الحمامة كما في قصة العماد.
يا كاملتي:
الخلاص تم بالتجسد والفداء، ونناله بعمل الروح القدس فينا. ألا يكفي هذا؟ نعم يكفي، غير أننا في استسلامنا لعمل الروح مطالبون بالكمال. لأن الرب يقول لنا “كونوا أنتم كاملين كما أن أباكم الذي في السموات هو كامل” (متى5: 48). وهذه النفس التي تسعى إلى الكمال بعمل الروح فيها، هي التي يقول لها الرب “يا حمامتي، يا كاملتي”…
هذه هي قصة الخلاص كاملة، تتضمن دور الله فيها ودور النفس البشرية، وتتلخص في هذه العبارات اللاهوتية العميقة “افتحي لي يا أختي، يا حبيبتي، يا حمامتي، يا كاملتي”…
وبهذا نأخذ سفر نشيد الأناشيد في معانيه العميقة الرمزية. بعيدًا عن السطحية، وبعيدًا عن المستوي الجسداني في التفسير…
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة السنة الخامسة – العدد الرابع 26-10-1974م



