تأملات في سفر نشيد الأناشيد

الروحيون يقرأون هذا السفر، فيزدادون في محبة الله. أما الجسدانيون فيحتاجون في قراءته إلى مرشد لئلا يسيئوا فهمه، ويخرجوا من معناه السامي إلى معان عالمية…
* كان تأملنا في المرة السابقة في قول النشيد “من هذه الطالعة من البرية مستندة على حبيبها، ونكمل اليوم هذا التأمل في الآية المشابهة “من هذه الطالعة من البرية، كأعمدة من دخان، معطرة بالمر واللبان، وكل أذرّة التاجر.
من هذه الطالعة من البرية؟!1
كأعمدة من دخان:
هنا يتأمل الرب كنيسته في برها وفي عبادتها وفي آلامها من أجله. فيقول “من هذه الطالعة من البرية كأعمدة من دخان”…
لا شك أن عبارة “أعمدة من دخان” لا يمكن أن تعني ذلك الغزل الرخيص الذي يتهمون به سفر النشيد، فلا يمكن أن تقبل امرأة من حبيبها هذا الوصف، ثم هل يتفق هذا التعبير مع قوله عن هذه العروس إنها “جميلة كالقمر، مشرقة كالشمس”؟
نعم، المعنيان يتفقان في المفهوم الروحي. كذلك عبارة “كأعمدة من دخان” تحمل عمقًا روحيًا جميلًا يليق بالنفس العابدة في علاقتها مع الله. فكيف يكون هذا؟
تصور أنك أمام المجمرة (الشورية). وأتيت بحفنة من البخور وضعتها فيها. فما الذي يحدث؟ يحترق البخور من لهيب النار، ويصعد كأعمدة من دخان، زكية الرائحة.. هكذا الكنيسة…
نعم، تصوروا معي هذا المنظر الجميل. مجمرة من النار المقدسة التي هي الحب الإلهي. والمحبة يشبهها سفر النشيد بالنار فيقول “مياه كثيرة لا تستطيع أن تطفئ المحبة” (نش8: 7).
هذه المجمرة وضعت فيها حبات من البخور؟ هي شخصيات القديسين حبة اسمها القديس أنطونيوس، وحبة اسمها القديس مكاريوس، وثالثة اسمها الأنبا بيشوي، ورابعة اسمها أثناسيوس، وخامسة اسمها مار جرجس… وحبات أخرى كثيرة من السواح والمتوحدين والشهداء والبابوات والأساقفة والأبرار في كل جيل.
هذه الحبات اشتعلت بالحب، وطلعت إلى فوق كأعمدة من دخان، كرائحة بخور، تنسم منها الله رائحة الرضا. وتنسمتها الملائكة، فأعجبت برائحتها الذكية، وغنت في فرح “من هذه الطالعة من البرية كأعمدة من دخان، معطرة بالمر واللبان”.
معطرة بالمر واللبان، وبكل أذرّة التاجر
كان المر من العطور التي تدخل في تركيب الدهن المقدس، المستخدم في المسحة المقدسة التي مسحت بها خيمة الاجتماع وتابوت العهد وكل أواني الخدمة كما مسح بها هرون رئيس الكهنة وبنوه (خر30: 23- 30).
وكان المر واللبان من تقدمات المجوس للمسيح واللبان كان يرمز إلى الكهنوت، والمر كان يرمز للآلام ولرائحة الحياة الطيبة. وبكل هذا تعطرت الكنيسة، وتعطرت النفس البشرية التي تعيش للمسيح.
ومن العطور المقدسة الميعة والسليخة، لذلك قال المزمور للكنيسة وللنفس البشرية المقدسة “المر والميعة والسليخة من ثيابك” (مز45: 8).
لذلك لم يكتف سفر النشيد بأن يجعل العروس معطرة بالمر واللبان فقط، وإنما قال “وبكل أذرة التاجر”، بكل العطور جميعًا…
وأنت أيها الابن المبارك، بعد عمر طويل عندما تصعد روحك إلى فوق، هل تكون ذكية الرائحة، أم تفوح منها رائحة الخطية البشعة. بعض الناس عندما يموتون تمتلئ حجراتهم برائحة بخور، وآخرون تتعفن أجسادهم بسرعة، ويحاول أهلهم أن يدفنوهم قبل أن تفوح الرائحة…
ما هي أذرة التاجر التي تتعطر بها روحك؟
هل تتعطر بالوداعة، بالتواضع، بالحكمة، بكل ثمار الروح القدس، أذرة التاجر؟
وترى من هو التاجر؟
يشبه ملكوت السموات تاجر حكيم وجد جوهرة ثمينة، فباع كل ما يملك واشتراها. هو التاجر الذي قال للرب في اليوم الأخير: خمس وزنات أعطيتني، وها هي ذي خمس وزنات أخر قد ربحتها… أنت هو هذا التاجر الحكيم. وأيضًا التاجر هو كل خادم للرب يقدم للناس الروحيات، ويربح على كل حال قومًا. هؤلاء التجار الحكماء ملأوا الكنيسة عطرًا، ولبانًا ومرًا وميعة وسليخة، وقرفة وعودًا، وكل أذرة التاجر…
وهكذا ارتفعت الكنيسة إلى الرب، كأعمدة من دخان، معطرة بالمر واللبان، وكل أذرة التاجر هناك معنى آخر لعبارة “أعمدة من دخان”:
كانت الذبائح والمحرقات توضع على المذبح، وتوقد بالنار، فترتفع كأعمدة من دخان. وقد طلب إلينا الرسول أن نتشبه بهذه الذبائح عندما قال “فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ بِرَأْفَةِ اللهِ أَنْ تُقَدِّمُوا أَجْسَادَكُمْ ذَبِيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسَةً مَرْضِيَّةً عِنْدَ اللهِ…”(رو12: 1)
يا ليتنا نعيش على الأرض كذبيحة، كمحرقة على المذبح تلتهمها النار المقدسة، وتصعد كأعمدة من دخان، معطرة بالمر واللبان وبكل أذرة التاجر…
وتقديم النفس كذبيحة أمر واضح في صلواتنا: يقول المرتل ” فلتستقم صلاتي كالبخور قدامك، وليكن رفع يدي كذبيحة مسائية”. فلتستقم صلاتي كالبخور، كأعمدة من دخان، كذبيحة مسائية “باسمك أرفع يدي، فتشبع نفسي كما من شحم ودسم”…
أبعد هذا يقول إنسان “إن سفر النشيد يعثرني”. مثل هذا شخص جسداني، وأفكاره جسدانية، لم تطلع من البرية.
عبارة “الطالعة من البرية قد تطلق على كنيسة العهد القديم. وقد تطلق أيضًا على كنيسة العهد الجديد، المزينة بالفضائل، التي يعمل فيها الروح القدس بكل مواهبه، بكل أذرة التاجر: بالروح يعطي للواحد كلام حكمة، ولآخر كلام علم، ولآخر إيمان، مواهب شفاء، ولآخر عمل قوات، ولآخر عمل نبوة… وكل أذرة التاجر.
من هذه الطالعة من البرية؟ ربما يقصد الصلوات…
الكنيسة ليل نهار تصعد منها صلوات وألحان وتسابيح. كلها تصعد إلى فوق، فتستقبلها الملائكة بهذا النشيد “من هذه الطالعة من البرية، كأعمدة من دخان، معطرة بالمر واللبان…”.
فهل كنيستنا اليوم كنيسة صلاة؟ هل ترتفع منها كل يوم صلوات وتسابيح وألحان ومزامير؟ أم أن الملائكة ينتظرونها بلا جدوى، كأنها في عطلة، كأنها في غفوة. لا مر ولا لبان ولا شيء من أذرة التاجر!! وأنت في بيتك: هل تصعد منه أعمدة الدخان المقدسة، كأعمدة الهيكل، معطرة بالمسحة المقدسة، بالمر واللبان؟
ما أجمل أن يقول الملائكة بعضهم لبعض: هلم ننظر مصانع الروحيات الموجودة في مصر، تطلع منها أعمدة من دخان، معطرة بالمر واللبان بالتسابيح، بالصلوات، بالفضائل الحلوة…
هناك أشياء مهما حاولت أن تكتمها لا تستطيع، روائح جميلة لا يمكن أن تخفيها… لا يمكن أن تخفى مدينة كائنة على جبل. لا يمكن أن تكتم روائح بستان مملوء بالورد والفل والريحان… هكذا الكنيسة.. العالم الآخر يتأمل جمالها: في قدسيتها، في طهرها، في حرارتها، في محبتها لله والناس، في كل أذرة التاجر التي تتحلي بها…
تصوروا أن الكنيسة أصبحت موضع دهشة الملائكة، وموضع دهشة السماء، بل موضع دهشة العالم كله، ينظر إليها فينذهل: ما هذا الجمال؟ ما هذا السمو والعلو؟ ما هذا الصبر والجهاد؟ ما هذه المثالية. لم نر قبلا مثل هذا… من هذه الطالعة من البرية، كأعمدة من دخان، معطرة بالمر واللبان… مثلما دخل المسيح أورشليم، فقالوا: من هذا…
موظف روحي يلتحق بعمل، فينظر إليه الكل بدهشة: ويقولون لقد رأينا إنسانًا عجيبًا، شخصية جديدة… من هذا الإنسان؟ في أمانته، في رقته في محبته، في أدبه، في فهمه… ترى من تكون هذه الشخصية؟ من هذه الطالعة من البرية، معطرة بالمر واللبان وكل أذرة التاجر.
عبارة “كل أذرة التاجر” تعني أيضًا كمال الكنيسة.
ليست متحلية بفضيلة واحدة وإنما بالكل، كل أذرة التاجر كل بركات النعمة، كل ثمر الروح… كنيسة جاهدت الجهاد الحسن، أكملت السعي حفظت الإيمان. جمعت كل الخير. جمعت الإيمان والأعمال، وتعبت من أجل الرب ولم تكل…
أما نحن فقد دخلنا على ما لم نتعب فيه. آخرون تعبوا، ونحن دخلنا على تعبهم. إننا ننظر إلى كنيسة الآباء في إعجاب شديد، وهي معطرة بالمر واللبان، وكل أذرة التاجر، مستندة على حبيبها…
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة السنة الخامسة – العدد الحادي عشر 14-12-1974م




