تأملات في سفر نشيد الأناشيد – من هذه الطالعة من البرية؟!

تأملات في سفر نشيد الأناشيد
الروحيون يقرأون هذا السفر، فيزدادون في محبة الله. أما الجسدانيون فيحتاجون في قراءته إلى مرشد لئلا يسيئوا فهمه، ويخرجوا من معناه السامي إلى معان عالمية…
*موضوع تأملنا اليوم في سفر النشيد في عبارة قالها الرب عن كنيسته وردت مرتين في سفر النشيد. هي:
*”من هذه الطالعة من البرية، كأعمدة من دخان، معطرة بالمر واللبان، وبكل أذرة التاجر؟” (نش3: 6)
*”من هذه الطالعة من البرية، مستندة على حبيبها؟” (نش5:8)
من هذه الطالعة من البرية؟!1
من هذه الطالعة من البرية؟ تأمل في جمال الكنيسة، أو جمال النفس البشرية، الطالعة من البرية، وطالعة في جمال، معطرة بالمر واللبان وبكل أذرة التاجر، كأعمدة من دخان، صاعدة من المجمرة.
أغنية تنشد لكنيسة العهد القديم
يمكن أن تؤخذ عبارة “الطالعة من البرية” على كنيسة العهد القديم، الكنيسة التي طلعت من سيناء، واتجهت إلى كنعان، مستندة على ذراع حبيبها.
مسيرة الكنيسة في البرية كانت مسيرة عجيبة حقاً، خرجوا بلا طعام ولا شراب ولا ملابس ولا أي شيء من الأعواز والاحتياجات. مجرد خروج على اسم الله ولا أكثر. وضعوا أرجلهم في البحر مستندين على ذراع حبيبهم الذي يسند. فسند المياه من هنا، وسندها من هناك. ومشت الكنيسة في البحر مستندة على حبيبها وعاشت في البرية.
عاشت بالإيمان الذي يرى ما لا يرى. وفي قلب كل منهم يرن قول الرب “وتتذكر كل الطريق التي فيها سار بك الرب إلهك هذه الأربعين سنة في القفر. ثيابك لم تبل عليك، ورجلك لم تتورم… وأراك أنه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله” (تث2:8- 4).
حقاً إن الإنسان الذي يحيا في الإيمان، مستنداً على حبيبه، يمكن أن يختبر عجائب في عمل الله معه. يمكن للرب أن يفجر له ماءًا من الصخرة، ويحول له الماء المر إلى حلو. يمكن للرب أن يشق له في البحر طريقًا. يمكن أن يختبر حفظ الله له: يظلله السحاب بالنهار، ويضئ له عمود النار بالليل. يمكن أن يحميه الرب من جميع الأعداء: ينهزم أمامه عوج ملك باشان، وسيحون ملك الأموريين، يسقط من يساره ألوف، وعن يمينه ربوات. أما هو فلا يقدر الشر أن يقترب إليه. لا تضر به الشمس بالنهار ولا القمر بالليل. هذا هو حال الذي يستند على حبيبه.
مشكلتنا في الحياة أننا لا نستند على حبيبنا. قد نستند على مواهبنا، على قوتنا، على ذكائنا، على غنانا، أو نستند على ذراع بشرى، أو حكمة بشرية، أو قد نستند على الشيطان وكل حيله…
الذي يستند على الله، يمكنه – كالثلاثة فتية – أن يمشي في أتون النار ولا يحترق… كانت النار تحيط بهم، ولم تكن لها قوة على أجسامهم، وشعرة من رؤوسهم لم تحترق… حدث ذلك لأنهم كانوا مستندين على حبيبهم، الذي كان ماشيًا معهم في وسط النار، شبيهًا بابن الآلهة (دا3: 25، 27)
لعل الملائكة في ذلك الوقت كانوا ينظرون إلى نفس كل واحد من الفتية الثلاثة وهم يغنون “من هذه الطالعة من البرية مستندة على حبيبها”؟! لقد طلعوا من النار كأنهم خارجون من أحد البساتين أو إحدى الفراديس…
داود النبي جرب الاستناد على ذراع حبيبه عندما قال” الرب يرعاني فلا يعوزني شيء. في مراع خضر يربضني، وإلى ماء الراحة يوردني. يرد نفسي، يهديني إلى سبل البر” وماذا أيضًا “أيضًا إن سرت في وادي ظل الموت لا أخاف شرًا” لماذا؟ “لأنك أنت معي”.
أنا مستند على ذراع حبيبي هكذا أيضًا الكنيسة في العالم، تعيش مستندة على حبيبها. لاحظوا أنه قال “مستندة على حبيبها”. لم يقل مستندة على القوي والجبار. وإنما على” حبيبها” حقًا أنه قوى جبار. ولكن عبارة “حبيبها” لها قوتها أيضًا. إذ أن” المحبة قوية كالموت. مياه كثيرة لا تستطيع أن تطفئ المحبة” (نش8: 6, 7). ولأنه يحبنا، لذلك يعمل كل شيء لأجلنا، وبقوة…
النفس التي تستند على حبيبها، تعيش مطمئنة، في سلام: تغنى للرب قائلة “إن يحاربني جيش، فلن يخاف قلبي. وإن قام على قتال، ففي ذلك أنا مطمئن”. ولماذا أنت مطمئنة أيتها النفس؟ لأنني مستندة على حبيبي “شماله تحت رأسي، ويمينه تعانقني” (نش2: 6).
حقاً إن النفس التي تعيش في حضن الله، تكون فرحة مطمئنة. مهما صادمتها العقبات، لا تهتز، وإنما تقول في ثقة المستند على حبيبه” إن كان الله معنا، فمن علينا؟!”.
أغنية تنشد للكنيسة المنتصرة
يمكن أن يقال هذا النشيد في استقبال الكنيسة المنتصرة. الكنيسة التي عاشت في البرية المقفرة. عاشت في العالم في تعب وفي شقاء، في الطريق الكرب، ودخلت إلى الملكوت من الباب الضيق. ولذلك يستقبلها الملائكة قائلين “من هذه الطالعة من البرية”.
العالم بالنسبة إليها كان برية، أقفرت من تنعمات العالم وملاذه المتنوعة، ومن لهوه وعبثه وضجيجه. “لا تحبوا العالم ولا الأشياء التي في العالم”، هكذا قال لها الرب. أما هي فأجابت بقول المزمور “لكي يزهر لك جسدي في أرض مقفرة ومكان بلا ماء وموضع غير مسلوك” (مز62)
هذه الكنيسة طالعة من البرية، لكي يختطفها الله على السحاب، وتكون مع الرب كل حين.
من هذه الطالعة من البرية. لم تعش في فراديس وجنات، كما عاش سليمان وهو يعزى نفسه بخيرات العالم ويقول “بنيت لنفسي بيوتًا، وغرست لنفسي كرومًا. عملت لنفسي جنات وفراديس. وغرست فيها أشجارًا من كل نوع شجر. عملت لنفسي برك مياه. قنيت لنفسي عبيداً وجواري… جمعت لنفسي أيضًا فضة وذهبًا وخصوصيات الملوك والبلدان. اتخذت لنفسي مغنين ومغنيات، وتنعمات بنى البشر سيدة وسيدات… ومهما اشتهته عيناي لم أمنعه عنهما”(جا2).
أما الكنيسة فقد رفضت أن تستوفي خيراتها على الأرض. إنما تعبت على الأرض، لكي تتمتع في السماء. عاشت على الأرض في طقس لعازر المسكين.
عاشت فقيرة، ولكن مستندة على ذراع حبيبها. كما قال بولس الرسول” كفقراء، ونحن نغنى كثيرين. كأن لا شيء لنا، ونحن نملك كل شيء…”
أغنية تنشد لقديسي البرية
يمكن أن يقال هذا النشيد عن القديسين الذين ملأوا البرية بالصلوات والتسابيح والألحان، وصلواتهم طالعة من البرية.
في كل يوم يغنون للرب أغنية جديدة. وفي كل يوم يهمس الملائكة في آذانهم قائلين “ها باركوا الرب يا عبيد الرب القائمين في بيت الرب في ديار بيت إلهنا، في الليالي ارفعوا أيديكم أيها القديسون وباركوا الرب”.
ينظر الملائكة إلى صلوات هؤلاء القديسين الطالعة من البرية، ويقولون للرب “طوبى لكل السكان في بيتك، يباركونك إلى الأبد”.
أهل العالم _ حتى ان دخلوا الكنيسة _ ربما يسرحون في أمور العالم أثناء الصلاة. أما هؤلاء القديسون، فحتى ان شغلوهم بشيء من أمور العالم، يسرحون أثناءها في الله.
عاشوا في البرية المقفرة بدون أية معونة، مستندين على حبيبهم. واستطاعوا أن يقدسوا البرية بصلواتهم وبحياتهم، حتى تحولت البرية إلى سماء ثانية، واجتذبت إليها طالبي الروح من أقصاء الأرض كلها. عاشوا في طقس الصلاة الدائمة. ولقبوهم بملائكة أرضيين أو بشر سمائيين. عندما تصعد أرواح هؤلاء القديسين إلى السماء، لا شك ستجرى الملائكة لاستقبال أرواحهم الطاهرة وهي تهتف” من هذه الطالعة من البرية”.
سليمان الحكيم، كاتب سفر النشيد، أتراه في حلم أو في رؤيا، أبصر جماعات السواح المتوحدين، والرهبان طالعة من البرية، فاستقبلها بهذا النشيد.
يوحنا كاسيان عندما زار برية مصر قال إن المسافر من الإسكندرية إلى طيبة (الأقصر)، لم يكن صوت التسبيح والألحان والصلوات ينقطع من أذنيه طول الطريق، لكثرة الأديرة والقلالي والمغارات المنتشرة في كل مكان في البرية يسكنها هؤلاء القديسون، الذين أحبوا الرب فأحبوا الوحدة، وعاشوا كملائكة على الأرض.
كل شبر من تلك الأرض المقدسة قد باركه القديسون ودشنوه بصلواتهم ومزاميرهم. حبات الرمال تقدست، إذ وطئتها أقدامهم الطاهرة.
هذه الحياة المقدسة، الطالعة من البرية، كأعمدة من دخان، صاعدة إلى عرش الله، يهتف لها أهل السماء قائلين “من هذه الطالعة من البرية”…
إن الحياة التي شهدها العالم في براري مصر، في القرنين الرابع والخامس، كانت كأنها حلم. نسمع الآن عنها وكأنها قصة…!! كيف عملت النعمة في نفوس القديسين بكل تلك القوة وبكل ذلك العمق. وكيف كانت أرواحهم في كل يوم كأنها على سلم يعقوب صاعدة إلى السماء ونازلة منها… وفي كل درجة تصعد على هذا السلم الروحي، يصرخ السمائيون في عجب وإعجاب في تقدير” من هذه الطالعة من البرية”؟!
إنه منظر عجيب حقًا أن ترى ملائكة نازلة من السماء إلى الأرض، ولكن الأعجب منه أن ترى بشرًا لهم صورة الملائكة صاعدين من الأرض إلى السماء. وليس فقط فرادى قلائل، وإنما جماعات عديدة لها نفس الصورة، نفس القداسة والبر والشفافية والزهد والعفة… فيصرخ الجميع لمرآها “من هذه الطالعة من البرية” ووجه العجب الكبير أن هؤلاء الصاعدين كالملائكة، لهم أجساد مادية، وقد سكنوا في هذا العالم في وسط شهواته. هم بشر تحت الآلام مثلنا… ولكنهم عاشوا صورة لله ومثالاً.
دخلوا النار كالثلاثة فتية، ولم يحترقوا، وإنما صعدوا من النار، كأعمدة من دخان، معطرة بالمر واللبان.
هذه الكنيسة طالعة من البرية. الأشرار يهبطون إلى أسفل أما الأبرار فيطلعون إلى فوق… وهكذا فالكنيسة دائماً طالعة إلى فوق.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة السنة الخامسة – العدد العاشر 7-12-1974م




