تأملات في سفر نشيد الأناشيد-في الليل، على فراشي

تأملات في سفر نشيد الأناشيد
الروحيون يقرأون هذا السفر فيزدادون محبة لله… أما الجسدانيون فيحتاجون في قراءته إلى مرشد، لئلا يسيئوا فهمه، ويخرجوا من معناه السامي إلى معان عالمية…
نتابع اليوم تأملنا في عبارة النشيد “في الليل على فراشي، طلبت من تحبه نفسي. طلبته فما وجدته”
في الليل، على فراشي
(نش3: 1)1
ومن الجائز أن ترمز كلمة الليل إلى الخطية في ظلمتها وخفائها.
لذلك سُميَّ المؤمنون “بني النور” و”أبناء النهار” لأنهم يعملون في النور في وضوح، أعمالًا مضيئة نيرة…
أما عبارة “على فراشي”، فقد ترمز إلى النوم والكسل…
وهنا نقصد النفس البشرية، أنها – وهي بعيدة عن الرب – في حالة الخطية، وفي حالة الكسل، طلبت من تحبه نفسها، فما وجدته. إن الليل قد لا يكون كله مظلمًا أو حالكًا أو داكن العتمة، أحيانًا توجد فيه بعض أضواء، نور السماء، ونور النجوم، ونور القمر…
هذه الأنوار في الليل، تعطي يقظة للروح، واستنارة للضمير، فإذا به يطلب الرب وهو في عمق الخطية، كما طلب الابن الضال بيت أبيه وهو في كورة بعيدة.
لذلك حسنًا خلق الرب القمر والنجوم لضياء الليل…
كلما نذكر أن الرب افتقد الليل في ظلامه، وخلق له القمر والنجوم لإضاءته أو لتخفيف ظلمته، حينئذ نتعزى.
مبارك أنت يا رب، إنك لست إله النهار فقط، وإنما إله الليل أيضًا. على الرغم من ظلامه لا تتركه رعايتك…
لولا رعايتك لليل، ما استطعت أن أقول في خطيئتي: ” في الليل، على فراشي، طلبت من تحبه نفسي”.
وكأن هذه النفس تقول للرب: حقًا إنني في ليل، ولكنني لست بعيدة عنك. وقد تكتنفني الظلمة من الخارج، ولكن روحك ما يزال في الداخل ينير أعماقي.
أنا في الليل، ولكن هذا الليل لابد وراءه فجر، ووراءه نهار. أنا في حياة الخطية أو الفتور أو الكسل، ولكني مع ذلك ما أزال أطلب من تحبه نفسي.
لا تيأس يا رب من هذا الليل، فليس هو مظلمًا كله. وحتى إن كان مظلمًا، أنت قادر أن تنيره أيها النور الحقيقي…
إنني ارتكب الخطية، ولكنني مع ذلك لا أحبها، بل أحبك أنت… إنني كما قال رسولك بولس:
الشر الذي لست أريده، إياه أفعل. فإن كنت ما لست أريده إياه أفعل، فلست بعد أفعله أنا بل الخطية الساكنة فيَّ…
إذ لست أفعل ما أريده، بل ما أبغضه فإياه أفعل (رو7: 15- 20).
أنا على فراشي، نائمة، ولكن قلبي مستيقظ… على فراشي، ولكني أطلب من تحبه نفسي.
أنا على فراشي، ربما لا أستطيع أن أقوم من على فراشي ولكنك تستطيع أن تقيمني بنفسك.
ليس هذا فراشًا دائمًا، ولكنها فترة مؤقتة في حياتي، لابد ستنتهي بانتهاء هذا الليل. إنني متمرد على هذا الفراش. أرقد عليه، ويرن في أذني قول المرنم: “قوموا يا بني النور، لنسبح رب القوات”. “طلبت من تحبه نفسي. طلبته فما وجدته…”
إنني لا أجده، ومع ذلك أطلبه.
ليس هو موجودًا معي، إنني لا أحسه في حياتي. ولكنه موجود في قلبي، أحسه في رغباتي.
حرماني من الله يجعلني أطلبه بالأكثر. أنا لست راضيًا عن هذا الحرمان. لست من الذين “أحبوا الظلمة أكثر من النور لأن أعمالهم كانت شريرة”. فمع أن أعمالي قد تكون شريرة، إلا إنني لست أحب الظلمة.
إنني قد أفعل الخطية عن ضعف أو عجز، أو بحكم العادة، أو بضغط ظروف خارجية، ولكني لا أحبها.
أجاهد للتخلص منها، أو قد لا أجاهد ولكني أود أن أتخلص منها. أكون سعيدًا إن انتشلني الرب منها، وحدث خلاص لأهل هذا البيت…
في الليل، على فراشي، طلبت من تحبه نفسي…
قد تكون زيارة من زيارات النعمة جاءت إلى قلبي. قد يكون عملاً لروحك القدوس الذي لم تنزعه مني. قد تكون ثورة مني على هذه الخطية التي حطمتني على فراشي…
قد يكون شيء من هذا أو غيره، سواء بإرادتي أو بتوجيه منك. نطقت أنا أو نطق روحك على فمي. ولكن الأمر اليقين هو أنني أطلبك من كل قلبي. وكلما أفتقدك في حياتي ولا أجدك، حينئذ أزداد طلبًا لك.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السادسة (العدد الثالث والعشرون) 6-6-1975م




