تأملات في سفر نشيد الأناشيد – حبيبي تحول وعبر

تأملات في سفر نشيد الأناشيد
الروحيون يقرأون هذا السفر فيزدادون محبة لله… أما الجسدانيون فيحتاجون في قراءته إلى مرشد، لئلا يسيئوا فهمه، ويخرجوا من معناه السامي إلى معانٍ عالمية.
كان موضوع تأملنا في العدد الماضي هو:
“قمت لأفتح لحبيبي… ولكن حبيبي تحوّل وعبر. نفسي خرجت عندما أدبر… طلبته فما وجدته، دعوته فما أجابني” (نش5: 5- 6). ونتابع تأملاتنا في نفس هذه الآيات:
“حبيبي تحول وعبر”1
“فترات التّخلّي”
هذه النفس المتدللة، كانت يداها تقطران مرًا… أي لم تكن تكتفي بأن ترش شيئًا من العطر على يديها، بل كانت تغطسهما في إناء مملوء من عطر المر، وهي راقدة على فراشها، حتى تقوم ويداها “تقطران مرًّا”…
هذه النفس المتدللة المتكاسلة التي اعتذرت عن القيام للرب،
بقولها “خلعت ثوبي فكيف ألبسه؟ غسلت رجلي فكيف أوسخهما…؟!”، هذه النفس التي كانت تفكر في راحتها، ونومها، وزينتها، وثيابها، ونظافة رجليها، أكثر من تفكيرها في الرب، وفتح مكان له في حياتها.
هذه النفس المتدللة، حينما قامت أخيرًا لتفتح للرب، قامت متأخرة، وكان حبيبها قد تحول وعبر، وتركها لفترة مريرة من فترات التخلي…
لقد زارتها النعمة، ثم تركتها بسبب تكاسلها وتراخيها…
كثيرًا ما تزور النعمة إنسانًا، ولكنها تنظر إلى مدى تجاوبه مع عملها فيه. إن وجدته حارًا في الروح، يشترك في العمل الإلهي مع نعمة الرب، ألهبته النعمة بالحب، وصار بعمله معها شريكًا للروح القدس. أما إن تراخى وتكاسل، واستهان بدعوة الله له فإن النعمة تتركه. ويُترك هذا الإنسان وحيدًا، يقاسي مرارة التخلي…
وسنضرب مثالًا لهذا التكاسل الذي يسبب التخلي…
قد تستيقظ من النوم، وتسمع صوتًا عميقًا يناديك من الداخل. “قم صل، قف وتكلم مع الله. ليكن الله هو أول من تحادثه في هذا اليوم. لا تتكاسل. لا تهمل الصلاة مثل أمس وقبل من أمس…”. ولكنك تقول “نعم سأصلي ولكن بعد أن أغسل وجهي، بعد أن أسرح شعري، بعد أن أرتب ملابسي، بعد أن أقضي هذا الأمر أو ذاك”… ثم تشغلك عوائق كثيرة عن الصلاة، أو تقف لتصلي وتجد فكرك مشتتًا، وعددًا من الموضوعات قد دخل فيه. ولا تجد الحرارة السابقة، فتقول في مرارة “حبيبي تحول وعبر” وتتذكر قول داود “يا الله أنت إلهي، إليك أُبكر، عطشت نفسي إليك” “أنا أستيقظ مبكرًا”…
كم مرة لمست النعمة قلوبنا، ولكننا تكاسلنا، فضاع الشعور، وضاعت العاطفة، وبردت الحرارة، وتحول حبيبنا وعبر…
كثير من الناس ضاعت الفرصة منهم، لأنهم قاموا للرب متأخرين، مثل العذارى الجاهلات، جئن بعد أن أُغلق الباب… لماذا إذًا نتأخر في الاستجابة للرب؟! لو أن هذه النفس، عندما قالت “صوت حبيبي قارعًا”، قامت بسرعة، وفتحت له، حتى قبل أن يتكلم، لكانت قد تمتعت بالوجود مع الرب، وما بكت قائلة:
نفسي خرجت عندما أدبر. طلبته فما وجدته. دعوته فما أجابني.
عجيب هذا الأمر حقًا… الله المحب الحنون، الذي يقول “فيما تدعو أني أنا أستجيب”، تقول عنه العروس هنا “دعوته فما أجابني”!! الله الذي يقول” اطلبوا تجدوا”، تقول عنه عذراء النشيد” طلبته فما وجدته”!!
إن الحب يا إخوتي، هو أكثر العواطف حساسية، وأكثرها تأثرًا. ولا يوجد شيء أكثر إيلامًا للقلب، من أن تحب إنسانا فيتجاهلك، وتقرع بابه فلا يفتح لك. لهذا قال الرب “جُرحت في بيت أحبائي”.
لقد سعى الرب إلى هذه النفس، طافرًا على الجبال، قافزًا على التلال. وخاطبها بأرق الألفاظ ” افتحي لي يا أختي، يا حبيبتي، يا حمامتي، يا كاملتي”…ومع كل ذلك لم تستجب. لذلك تركها لتختبر البعد عنه.. لعلها وجدت أنه هو الساعي، فتدللت وتثاقلت. ورأت أنه هو الطارق، فتناومت وتكاسلت. وكما يقول المثل: إذا كثر العرض، قل الطلب.
لذلك ابتعد الرب عنها، لكيما تشتاق له، وتركها لكي تسعى إليه، وحرمها هذا الحب حتى لا تحسبه رخيصا فتهمله. وجعلها تقاسي مرارة البعد، حتى تقدر حلاوة الحب…
إن المحبة يا ابنتي ليست ضريبة تفرض عليك. ليست أمرًا تُرغمين عليه، أو تغصبين نفسك على ممارسته، بل هي اشتياق وانجذاب… أنت لا تريدين أن تفتحي لي، لا مانع. سأتركك إلى حريتك، إلى أن تشعري بأهمية وجودي في حياتك، إلى أن تفهمي مدي حاجتك إلى الوجود معي وحينئذ ستندمين على بعدك، وسترجعين…
وحينئذ ستدركين أن التخلي كان اختبارًا روحيًا نافعًا لك.
فترات التخلي هذه تأتي على كثيرين، فيشعرون كأن هناك حائلًا كبيرًا بينهم وبين الله. يشعر الشخص منهم أنه واقف وحده، بعيدًا عن الله، بجفاف في حياته، وعدم إحساس بالعزاء الداخلي. يشعر أن عبادته بلا عاطفة، بلا حرارة، بلا حب، بلا روح، بلا صلة، بلا استجابة، بلا دالة…
والناس في مراحل التخلي على نوعين:
نوع إذا مر بمرحلة التخلي، يلوم نفسه وليس الله:
يقول: أنا السبب. أنا سلكت نحو الله مسلكًا جعله يتخلى عني. والأفضل أن أرجع إلى علاقتي الأولى بالله. إن الله في كمال محبته لا يستحق مني هذه المعاملة السيئة. وفي إحساناته الكثيرة لا يصح أن أتذمر عليه هكذا. ليتني أصطلح معه.
ونوع آخر إذا وُجد في مرحلة التخلي يتذمر على الله:
ويجدّف على الله ويحتج ويقول: أين ما يقولونه عن حنانك وعن محبتك؟! وافرض أنني أخطأت، لماذا لا تسامح؟ ولماذا لا تغفر؟ لماذا تعاملني هكذا؟ لماذا أنت شديد وقاس وعنيف؟! وبمثل هذه التجاديف تزداد الخطية وتستفحل. وإنسان آخر في مرحلة التخلي لا يتذمر على الله، ولا يسترضيه، وإنما ينساه، يتركه…
يقول له: إن كنت أنت تتخلى عني وتتركني، فأنا كذلك. حسن إن هذا الأمر قد أتى منك…!! وهكذا يسلك بعيدًا عن الله، ويتمادى في تركه. ويتحول ما فيه من جفاف إلى انحراف.
وهكذا ينهار ويضيع، كما لو كان يعاند الله…
إن فترات التخلي، غالبًا ما تكون بسبب الإنسان. وفي قصة عذراء النشيد كانت بسبب التراخي والتكاسل.
هناك نوع آخر من التخلي، يكون بسبب الكبرياء…
يسلك إنسان في كبرياء القلب. ينتفخ من الداخل. يظن في نفسه أنه شيء. تكبر مواهبه في عينيه. حنان الله الذي حفظه من الخطية فترة من الزمن، يجعله يشعر أنه بلا خطية!! وأن عنصره فوق مستوى الخطأ، وأن الخطية خاصة بالمبتدئين فقط.
وهكذا بسبب كبريائه تتخلى عنه النعمة ليعرف ضعفه.
وفي مرحلة التخلي يبحث عن نفسه فلا يجدها، ويسقط في خطايا المبتدئين. ويحاول أن يصلي فلا يعرف، ويجاهد لكي يتوب فلا يقدر. ويصرخ من أعماق قلبه “طلبته فما وجدته، دعوته فما أجابني”: ويرجع إلى الله ليقول له: أنا ضعيف ومسكين. أنا أضعف من أن أقاتل أصغرهم.
وهذا التخلي يقوده إلى الانسحاق وإلى الاتضاع…
وحينئذ يعرف أنه في الموازين إلى فوق. وأنه خير له أن يأخذ موقف العشار المتذلل، وليس موقف الفريسي المنتفخ… ويقول للرب “أخيرًا يا رب، عرفت أن الباطل المنسحق، خير من الحق المنتفخ”… حقًا إنه قبل الكسر الكبرياء، وقبل السقوط تشامخ الروح. وإن هذه الكبرياء من أسباب التخلي.
سبب آخر للتخلي، هو إدانة الآخرين:
أحيانًا ندين الآخرين على خطية معينة، فيسمح الله بتخليه عنا، أن نقع في نفس الخطية، لكي ندرك إننا لسنا أقوى من غيرنا. ولكي نعرف أن ثباتنا كان بسبب عمل النعمة فينا، ولم يكن بسبب قوّتنا الخاصة. ولكن نعرف أيضًا قوة العدو المحارب، وعنفه وقسوته في حروبه، فنشفق على الساقطين بدلًا من أن ندينهم.
حقًا إن فترات التخلي، تعطي القلب شفقة على الخطاة
فيدرك تمامًا مغزى قول الرسول “اذكروا المقيدين كأنكم مقيدون أيضًا مثلهم، والمذلين كأنكم أنتم أيضًا في الجسد” (عب 13). وهكذا إذا وجد إنسانًا ساقطًا يبكي عليه كأنه هو الساقط. وهكذا كان يفعل القديس يوحنا القصير: كان إن رأى إنسانًا ساقطًا يبكي ويقول: إن العدو قوي. وكما أسقط أخي اليوم قد يسقطني غدًا. وقد يقوم أخي من سقطته، وأنا لا أقوم لذلك فأنا أبكي…
إن تخلي النعمة قد يكون ظاهريًا وليس حقيقيًا.
ربما يكون مجرد حرب سمح فيها الله للشيطان أن يضرب هذا الإنسان، دون أن تتخلى النعمة عنه. فيظن هذا الإنسان أنه قد سقط من يدي الله. بينما يكون الله كضابط للكل يراقب الموقف بعمق شديد، وقد حوط بنعمته حول الإنسان حتى لا يضيع. مثال ذلك قصة أيوب الصديق. ظن في تجربته أن الله قد تخلى عنه، ولم يكن الأمر كذلك. وأنقذ الله أيوب.
من الجائز أن يكون هذا التخلي، لونا من الحكمة الإلهية في تدريب الإنسان وتربيته…
مثال هذا الأم التي تعلم ابنها المشي. تمسكه بيدها ليمشي قليلًا، ثم تتركه فيقع ويصرخ. فلا تقيمه، بل تتركه حتى يقف ويتابع المشي. ولو حملته باستمرار على كتفيها، أو أمسكته باستمرار في مشيه، ما تعلم قط…
هكذا أيضًا تفعل الطيور في تعليم فراخها الطير، وهكذا يفعل الآباء في تعليم أبنائهم العوم. وهكذا يفعل الله في تربية الإنسان:
بالتخلي يعلمه الحرب، فيدرك قوة الشيطان وحيله وفنونه، ويدرك الضعف البشري.
من الجائز أن يسمح الله بالتخلي، لتدريبنا في الطريق.
يسمح الله أحيانا بالتخلي، وبأن يسقط إنسان في خطية، لكي يكتسب مزيدًا من الحرص، ومزيدًا من التوفيق، وبعدًا عن الغرور.
يقول القديس باسيليوس إن “العطايا التي تأتي بطريقة سهلة، يمكن أن تفقد بنفس السهولة”. لذلك فقد يبدو الله مبتعدًا ومتخليًا. حتى إذا ما تعبت في الحصول على طلبتك الروحية حينئذ تحرص عليها بكل قوتك. وهكذا عذراء النشيد، لما وجدت حبيبها بعد التخلي، قالت “أمسكته ولم أرخه”.
<hr size=2 width=”100%” align=center>
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السادسة (العدد الحادي عشر) 14-3-1975م




