تأملات في سفر نشيد الأناشيد – تعال يا حبيبى لنخرج إلى الحقل

تأملات في سفر نشيد الأناشيد
الروحيون يقرأون هذا السفر، فيزدادون في محبة الله. أما الجسدانيون فيحتاجون في قراءته إلى مرشد لئلا يسيئوا فهمه، ويخرجوا من معناه السامي إلى معان عالمية…
كان تأملنا في الأسابيع الماضية في قول الرب في النشيد: “قومي يا حبيبتي وجميلتي وتعالي”. وهنا يكون السؤال “إلى أين؟”، ويأتي الجواب في قول النشيد (7: 11, 12).
“تعال يا حبيبي، لنخرج إلى الحقل، ولنبت في القرى. لنبكرن إلى الكروم، لننظر هل أزهر الكرم، هل تفتح القعال، هل نور الرمان؟ … هناك أعطيك حبي”.
تَعَالَ يَا حَبِيبِي لِنَخْرُجْ إِلَى الْحَقْلِ1
لنخرج إلى الحقل:
الحقل يرمز إلى ميادين الخدمة الروحية، أو يرمز إلى العالم كله الذي نعمل في كرازته (مت13: 38). والزارع هو الرب نفسه أو رسله وخدامه، “أنا غرست، وأبولس سقى، ولكن الله كان ينمي” (1كو3: 6).
والسيد المسيح بعد أول إيمان في السامرة، قال لتلاميذه: “ارفعوا أعينكم وانظروا الحقول، إنها قد ابيضت للحصاد، والحاصد يأخذ أجرة ويجمع ثمرًا للحياة الأبدية… أنا أرسلتكم لتحصدوا ما لم تتعبوا فيه” (يو4: 35- 38).
إذن عبارة: “تعال يا حبيبي نخرج إلى الحقل”، معناها تعال نعمل معًا في خدمة الناس، نتعب من أجل خلاص الناس…
تعال نخدم معًا، في شركة الروح القدس، عمل الإنسان مع عمل النعمة، والإنسان لا يخدم وحده لأن الرب قد قال: “بدوني لا تقدرون أن تعملوا شيئًا”. في كل مرة تخرج إلى الخدمة، ناد الرب قائلًا: “تعال يا حبيبي نخرج إلى الحقول”. أنا بدونك لا أستطيع شيئًا، سأتكلم ولكنك أنت الذي تضع الكلمة في فمي، وأنت الذي تعطي الكلمة قوة ومفعولًا. إن لم تذهب معي، لن أخرج وحدي إلى الحقل.
هناك طريقان يصل بهما الإنسان إلى الله، ويتمتع به:
ا- طريق التأمل: في الجلسة الهادئة مع الرب عند خمائل الطيب حيث يقول النشيد: “حبيبي نزل إلى جنته، إلى خمائل الطيب” (6: 2)، هناك عند قدمي المسيح، مع مريم تسمع النفس وتتأمل، وتتمتع بالرب، في الهدوء، في السكون، في الوحدة في حياة الصلاة، وحياة التأمل.
ب- أما الطريق الآخر فهو الخدمة، الخروج إلى الحقول، والمبيت في القرى. وفي الخدمة سيأخذ الإنسان من الرب كما يأخذ من حياة التأمل، لأن النشيد يقول في الخروج إلى الحقول: “هناك أعطيك حبي”…
الملائكة أيضًا على نفس النوعين: فهم الذي يقف أمام الله مسبحًا قائلًا: “قدوس قدوس قدوس رب الصباؤوت” مثل جماعة السارافيم (إش6). وفيهم الملائكة الحالة حول خائفيهم وتنجيهم، الذين قال عنهم الرسول: “أليس جميعهم أرواحًا خادمة، مرسلة للخدمة لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص” (عب1: 14).
فإن كان الملائكة يعملون في الخدمة، أفلا نعمل نحن لكي تكون مشيئة الله كما في السماء كذلك على الأرض؟! تعال يا حبيبي، لنخرج إلى الحقول فإن كثيرين محتاجون إلى العمل الدائب الدائم وكيف يسمعون بلا كارز؟! تعال، فإن المحبة تدفعنا أن نذهب إلى الحقول، وأن نبيت في القرى، لكي نفتقد أخوتنا…”ومن يعرف أن يعمل حسناً ولا يفعل، فتلك خطية له” (يع4: 17).
تعال يا حبيبي لنخرج إلى الحقول، فإن الحصاد كثير والفعلة قليلون تعال، لأنه لا يوجد عمل أسمى من العمل لأجل خلاص أنفس مات المسيح لأجلها ولا يوجد عمل أشرف من العمل مع الله.
تعال نشترك مع الروح القدس في عمل الخلاص، تعال لنعمل مع الله: الله يعمل فينا، ويعمل بنا ويعمل معنا. تعال لنكون سفراء الله، خدامًا بني ملكوته وننفذ مشيئته، ونرعى أولاده، ونقربهم إلى قلبه. نجول نصنع خيرًا، ونخلص على كل حال قومًا.
تعال يا حبيبي، لنخرج إلى الحقول ولنبت في القرى. تعال يا حبيبي لنذهب إلى أخوتك المنسيين والضائعين والذين ليس لهم أحد يذكرهم. تعال نعمل عمل الملائكة الأرضيين والملائكة السمائيين “المرسلين للخدمة لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص”.
ليس عمل الملائكة قاصرًا على التسبيح فإن يوحنا المعمدان الذي كان يهيئ الطريق قدام المسيح دعيَ ملاكًا ورعاة الكنائس السبع دعوا ملائكة…
الاهتمام بخدمة القرى:
تعال يا حبيبي نذهب إلى الحقول “ونبيت في القرى” إن الله يبدي هنا اهتماما خاصًا بالقرى، لا نذهب إليها فقط، بل نبيت فيها لأنها أكثر احتياجًا، لأن عمل الرب هناك: هل أزهر الكرم، هل نور الرمان… نكمل تأملاتنا في هذا الموضوع في العدد المقبل.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السادسة (العدد الأول) 3-1-1975م



