تأملات في سفر نشيد الأناشيد – تخت سليمان 3

الروحيون يقرأون هذا السفر فيزدادون محبة لله… أما الجسدانيون فيحتاجون في قراءته إلى مرشد، لئلا يسيئوا فهمه، ويخرجوا من معناه السامي إلى معان عالمية…
“نتابع تأملاتنا في قول النشيد “تخت سليمان حوله ستون جبارًا… كلهم حاملون سيوفًا ومتعلمون الحرب. كل رجل سيفه على فخذه من هول الليل”.
هوذا تخت سليمان.. حوله ستون جَبّارًا..1
+ متعلمون الحرب:
المحاربون الروحيون “المتعلمون الحرب”، يفهمون الحرب الروحية جيدًا. يعرفون من أين تأتي الخطية، وكيف تأتي، وما هي الوسيلة التي يقاتلونها بها…
إذا حاربك الشيطان بالكسل، تقاتله بالتغصب. وإن حاربك بالمجد الباطل، ترد عليه بتذكر خطاياك. وإن حاربك باليأس، تشرح أمامه مراحم الله. وإن صور لك صعوبة الطريق، تذكر له عمل الروح القدس والمعونة التي تقدمها النعمة…
أحد القديسين كان- إذا حاربه الشياطين بالمجد الباطل- يقول لهم” العلي بلغت ما بلغه الأنبا أنطونيوس أو الأنبا بولا. إنني إنسان خاطئ”. فإن قالوا له “أنت إنسان خاطئ، وأجرة الخطية هي الموت”، يجيبهم قائلًا “وأين ذهبت مراحم الله؟”. فكانوا يتعجبون منه قائلين “إن رفعناك اتضعت، وإن وضعناك ارتفعت”… إنه واحد من “المتعلمين الحرب”، يعرف نوع السلاح الصالح لاستخدامه في كل نوع من الحروب.
الإنسان المتعلم الحرب يعرف ضربات اليمين وضربات الشمال. يعرف متى يصمت ومتى يتكلم، متى يأكل ومتى يصوم. يعرف الطريق الوسطى التي خلصت كثيرين، ومتى يقف في موقف سليم بين الإفراط والتفريط. يقول كما قال بولس الرسول “تدربت أن أشبع، وأن أجوع”.
هناك أشخاص ليسوا فقط متعلمين الحرب، وإنما صاروا بالأكثر قادة في الحروب. يشرحون لغيرهم الطريق ويرشدونهم فيه…
القديس مار أوغريس له كتاب عن “الأفكار”، يشرح فيه الأفكار التي من الله، والتي من النفس، والتي من الشيطان. ويشرح طريقة الرد على كل فكر خاطئ.
وثيئوفان الناسك له كتاب عن “الحروب الروحية”. والقديس يوحنا الأسيوطي له مقالات عديدة في هذا المضمار. والشيخ الروحاني ومار اسحاق لهما ميامر كثيرة تحت عنوان: “رؤوس المعرفة”، يشرحان بها معرفة الطريق، ويعلمان أولادهما الحرب…
والقديس الأنبا أنطونيوس كان يعلم أولاده “الإفراز”، أي التمييز والمعرفة، لكي يتعلموا الحرب. وكذلك كان القديس يوحنا الرسول يقول لأولاده “ميزوا الأرواح”. وكذلك بولس الرسول نصح الناس ألا ينخدعوا بحيل الشيطان لأنه يستطيع أن يتشكل في زي ملاك نور…
وكان هذا هو عمل المرشدين الروحيين وآباء الاعتراف.
يجلس معهم المبتدئ لكي يتعلم الحرب، ويميز الأرواح، ويفصل الجداء من الخراف، ويعرف صوت الله من صوت عالي… بل يعرف أيضًا الأحلام والرؤى. وهل هي من الله أم من الشيطان أم من مصدر آخر… ويعرف نوع السلاح الذي يستخدمه في كل حرب…
الإنسان المتعلم الحرب يتفادى السقوط. وإن سقط، لا يسقط بسرعة، وبسرعة يقوم. ولا يتكرر سقوطه. كما قال أحد القديسين “لا أتذكر أن الشياطين أطغوني في خطية واحدة مرتين”… والمتعلم الحرب له خبرات في الحياة الروحية: درس الطريق، وعرف علاماته ومعالمه، ويستطيع أن يرشد آخرين في الطريق…
الشيطان حيله كثيرة وماكرة، ولكنها مكشوفة أمام المتعلمين الحرب.
إنهم لا يجهلون حيله، بل يدركونها من بعيد، مهما لبست ثياب الحملان. يعرفون وسائله وطرقه وأساليبه ويستنتجون مواعيد هجومه. كل خططه مكشوفة أمامهم. مخابراتهم الحربية تدرك كل أعماله، وتعرف كل جنوده. هؤلاء هم المتعلمون الحرب، الذين يربطون الشيطان، ولا يكون له موضع فيهم…
والقديسون يتعلمون الحرب، لا بطول مدتها وإنما بعمق خبرتها.
يتعلمون الحرب بالحرب، وبالتدقيق والحرص والمعرفة والحكمة، وبما يكشفه لهم الرب، وبما يمتصونه من روح الآباء والمعلمين والمرشدين بكثرة المشورة، وبما يأخذونه من تأمل، وما يمنحهم الرب إياه من حكمة نازلة من فوق…
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السادسة (العدد الرابع) 24-1-1975م




