تأملات في سفر نشيد الأناشيد – الحب المتبادل، والمديح المتبادل

تأملات في سفر نشيد الأناشيد
الروحيون يقرأون هذا السفر، فيزدادون في محبة الله. أما الجسدانيون فيحتاجون في قراءته إلى مرشد لئلا يسيئوا فهمه، ويخرجوا من معناه السامي إلى معان عالمية..
نلاحظ في سفر نشيد الأناشيد ملاحظة واضحة ومستمرة وهي الحب المتبادل، والمديح المتبادل، بين العريس وعروسه.
حب متبادل بين المسيح والكنيسة، بين الله والنفس البشرية…
الحب المتبادل، والمديح المتبادل1
الكنيسة تحب عريسها المسيح وتمتدحه وتفرح به. والسيد المسيح يحب كنيسته ويمتدحها ويفرح بها. حب متبادل بين النفس البشرية وخالقها. هذا الحب المتبادل هو الذي قال عنه يوحنا الرسول: ” نحن نحبه، لأنه هو أحبنا أولًا” (1يو4: 19)
إن الله إذ يحب كنيسته يمتدحها، لأنها كنيسة مقدسة بلا عيب، قد طهرها الرب وقدسها بدمه. ولهذا نجده يناديها بعبارة تكررت مرات عديدة في سفر النشيد، وهي:
“أيتها الجميلة بين النساء” (نش1: 8)
حقًا إن الكنيسة جميلة بين جميع الطوائف المختلفة، حتى لو بدت سوداء في بابها الضيق وطريقها الكرب، حاملة صليبها “في تعب وكد، في جوع وعطش، في برد وعري” (2كو11: 27) “في شدائد، في ضرورات، في ضيقات، في ضربات” (2كو6: 4). إلا أنها في كل هذا جميلة بين النساء، ويغني أولادها معها “كمضلين، ونحن صادقون، كمائتين، وها نحن نحيا، كحزانى ونحن دائمًا فرحون، كفقراء ونحن نغني كثيرين. كأن لا شيء لنا، ونحن نملك كل شيء” (2كو6: 8- 10)
نعم إن النفس البشرية جميلة في عيني الله، يناديها بقوله:
“ها أنت جميلة يا حبيبتي، ها أنت جميلة، عيناك حمامتان” (2نش1: 15).
إنها جميلة، وهي مغسولة بالدم الكريم، وقد صارت “أبيض من الثلج”. جميلة وهي “صورة الله ومثاله”. جميلة وهي “هيكل للروح القدس” الروح القدس ساكن فيها، وعيناها حمامتان. نعم، إن هذه النفس جميلة وقد “لبست المسيح” (غل3: 27). جميلة وهي تغني قائلة: “مع المسيح صلبت، فأحيا- لا أنا- بل المسيح يحيا فيّ” (غل2: 20).
هذه الجميلة بين النساء، يتغنى الله بصفاتها الجميلة، فيناديها قائلًا: “لقد شبهتك يا حبيبتي بفرس في مركبات فرعون” (نش1: 9) هنا يتكلم الرب على القوة التي ينبغي أن تتصف بها النفس البشرية في مواجهة الشر، والقوة التي تتصف بها الكنيسة في محاربة الشيطان وكل قواته الشريرة: في محاربة الإلحاد، والبدع والهرطقات، والمادية والإباحية، وفي الشهادة للمسيح في كل موضع…
الفرس في مركبة فرعون يتصف بالقوة، وأيضًا بالزينة والجمال. وهكذا النفس، وهكذا الكنيسة… متزينة بالفضائل، بالبر والقداسة، ولها هيبة ووقار أمام الكل…
فلا يصح أن تتخاذل النفس، أو تتكاسل، أو تتراخى، أو تتهاون في عمل الرب. أو تحتج بالضعف أو بالعجز، أو بعدم القدرة على السير في طريق الله.
كلما حاربك الشيطان بالكسل أو بالنوم أو بالاستسلام للخطية، تذكر قول الرب لنفسك “شبهتك يا حبيبتي بفرس في مركبات فرعون” كن فرسًا في مركبات الله. ولا تخف من قوة العدو، واعرف أن الكسالى لا يصلحون لملكوت الله، ولا الخائفون يدخلون ملكوته (رؤ21: 8). قف صامدًا في حروبك الروحية، ولا تجبن أمام الشياطين. واذكر قول الرب لإرميا النبي: “لا ترتع من وجوههم لئلا أريعك أمامهم. هأنذا قد جعلتك اليوم مدينة حصينة، وعمود حديد، وأسوار نحاس على كل الأرض… فيحاربونك، ولا يقدرون عليك، لأني أنا معك، يقول الرب”(أر1: 18، 19).
في شرح هذه القوة الروحية التي يجب أن تتصف بها النفس، يقول الوحي الإلهي في سفر النشيد (3: 7، 8)
” تخت سليمان حوله ستون جبارًا…”
” كلهم قابضون سيوفًا، ومتعلمون الحرب”
” كل رجل سيفه على فخذه من هول الليل”
إن الرب يشبه المؤمنين بجبابرة، يخوضون حروب الرب، ينتصرون على العالم والشهوة والشيطان. كلهم متدربون على الحرب الروحية. وكلهم قابضون على سيوفهم وفي وضع استعداد لمهاجمة أفكار الشيطان وشهواته وأحاسيسه ورغباته…
وكما قال بولس الرسول إن مصارعتنا ليست مع لحم ودم بل مع أجناد الشر الروحية… على أن هذا الموضوع سنتركه الآن إلى حين لكي نتحدث عنه فيما بعد، في محاضرة أو أكثر. المهم أن يكون أولاد الله جبابرة في حروب الروح، متعلمين الحرب، قادرين أن يقفوا أمام هول الليل.
كما يمدح الله النفس البشرية في قوتها الروحية، كذلك تتغنى النفس بصفات الله الجميلة فتقول:
” حبيبي أبيض وأحمر” (نش5: 10).
أبيض في نقاوته وقداسته، وأحمر في دمه المسفوك على الصليب من أجل خلاصنا.
أبيض في جماله لأنه “أبرع جمالًا من بني البشر” (مز45: 2). أبيض لأنه قدوس بلا عيب… لأن البياض يرمز إلى النقاوة. ولذلك فإن الكهنة يلبسون في الهيكل ثيابًا بيضاء رمزًا للنقاوة. وكذلك ظهر الملائكة وقت القيامة في ثياب بيض (مت28: 3، مر16 :5). حبيبي أبيض ترمز أيضًا لأزليته. قيل عنه في سفر الرؤيا: “رأسه وشعره أبيضان كالصوف الأبيض كالثلج… ووجهه كالشمس وهي تضيء في قوتها” (رؤ1: 14، 16). صورة السيد المسيح عندما صلب وقام وصعد إلى السموات تمثله رجلًا أقل من الرابعة والثلاثين من عمره. فمن أين أتى هذا الوصف: أن شعره أبيض كالصوف الأبيض كالثلج، إلا إذا كان رمزًا لأنه قديم الأيام، وإنه كان موجودًا قبل تجسده بزمان، وكما قال: ” قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن” (يو8: 58).
حبيبي أبيض لهيبته، لذلك فإن وجهه يضيء كالشمس في قوتها… حبيبي أبيض وأحمر، معلّم بين ربوة:
الربوة هي عشرة آلاف، ومعلّم بين ربوة معناها مميز بين عشرة آلاف شخص. ولما كان عدد 10 يدل على الكمال، فتكون مضاعفاته هي كمال الكمال. أي أن هذا الحبيب مميز بين ما لا يحصى عدده من الناس.
مميز في كل شيء، في جلاله، في جماله، في معجزاته، في تعاليمه، في سيرته، في صفاته. لا نستطيع أن نقارنه بأحد…
في ميلاده ولد من عذراء، أمر لم يحدث لأحد، ولن يحدث. هو في هذا الأمر معلّم بين ربوة. وبعد وفاته، قام من الأموات، قام بذاته، بقوة لاهوته، لم يقمه أحد… خرج من القبر، والقبر مغلق، مثلما خرج من بطن العذراء وبتوليتها مختومة… في كل هذا لا شبيه له، بل هو معلّم بين ربوة… في معجزاته، عمل ما لم يعمله أحد من قبل. قوة الخلق، والإبراء والمشي على الماء، وانتهار البحر وإقامة الميت بعد أربعة أيام، والسيطرة على الطبيعة، وقهر الشياطين، والدخول من الأبواب المغلقة… في كل ذلك هو معلّم بين ربوة…
في تعاليمه العميقة الروحية، التي كان يقولها كمن له سلطان، في ذلك أيضًا كان معلمًا بين ربوة، حتى بهت الناس من تعاليمه، وقالوا ما سمعنا قط مثل هذا.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة السنة الخامسة – العدد الخامس 2-11-1974



