تأملات في سفر نشيد الأناشيد

تحدثنا في الأسبوع الماضي عن قول عذراء النشيد “في الليل على فراشي، طلبت من تحبه نفسي. طلبته فما وجدته”. ونتابع اليوم نفس الموضوع، مع قولها أيضًا “إني أقوم، وأطوف في المدينة، في الأسواق وفي الشوارع، أطلب من تحبه نفسي طلبته فما وجدته. وجدني الحرس الطائف في المدينة. فقلت لهم: أرأيتم من تحبه نفسي. فما جاوزتهم إلا قليلا، حتى وجدت من تحبه نفسي. فأمسكته ولم أرخه…” (نش3: 1- 4).
إني أقوم وأطوف…1
الاشتياق إلى الله:
“في الليل، على فراشي، طلبت من تحبه نفسي”
هذا يدل على أن الإنسان- مهما بعد عن الله- ففي قلبه اشتياق إلى هذا الإله، حتى لو دخل في الليل، ورقد على فراشه…!
ما يزال في قلبه حنين إلى الله… فينا نفخة إلهية. فينا روح على صورة الله ومثاله، تجعل الإنسان بطبيعته يشتاق إلى الله.
الاشتياق إلى الله جزء من طبيعة الإنسان ومن فطرته…
فإن قلنا إن محبة الأب والأم شيء طبيعي في الإنسان، يجري في دمه، كذلك شيء طبيعي أكثر أن يحب الله ويشتاق إليه.
أن محبة العالم شيء دخيل على الإنسان، ليس في طبعه الأصلي. أما محبة الله فهي طبيعة الإنسان الأصلية.
لذلك مهما بعد الإنسان عن الله، لابد أن يعود فيشتاق إليه. مثل عقرب البوصلة، لابد أن يتجه إلى الشمال، ومهما بعد عنه لابد أن يرجع إليه.
لهذا لا يصح أن ييأس أحد، فطبيعته ميالة إلى الله…
في الليل، على فراشي، عاد اشتياقي إليه. مثل الابن الضال: ذهب إلى كورة بعيدة ثم عاد واشتاق إلى أبيه. ومثل أوغسطينوس: بعد متاهة طويلة في اللذة، وفي الفلسفة، عاد يقول للرب “تأخرت كثيرًا في حبك، أيها الجمال الذي لا يوصف”.
كل إنسان مهما تاه ومهما بعد، في أعماقه محبة الله.
لا تظنوا أن الرعاة والوعظ والمرشدين والآباء والرسل هم الذين يدخلون محبة الله إلى قلوبكم!! كلا، فمحبة الله في قلوبكم من الأصل. كل ما في الأمر أنهم يكشفونها ويحركونها…
” في الليل، على فراشي، طلبت من تحبه نفسي”. هناك لحظات تمر على الإنسان، لا يعرف متى ولا كيف ولا أين، يجد نفسه مشتاقة إلى الله. لا نستطيع أن نحدد مواعيد لهذا الاشتياق. فالكتاب يقول عن ذلك:
“ملكوت الله، لا يأتي بمراقبة…” “الروح تهب حيث تشاء”.
أنت لا تعرف متى يتحرك شعورك نحو الرب. ولكن في وقت ما، تجد صوتًا يناديك في الداخل، ويحركك نحو الله، مهما كنت خاطئًا، ومهما بعدت ومهما ضللت… إنها زيارة من زيارات النعمة تأتي للإنسان. تحرك قلبه، تثير محبته القديمة.
عدم الاحساس بوجود الله:
من العجيب أن هذه العروس تقول “طلبته فما وجدته”، بينما هو داخلها، هو الذي حرك قلبها لكي تطلبه.
بدونه ما كان ممكنًا لها- وهي على الفراش- أن تطلبه. هو الذي مد يده من الكوة، فأنت عليه أحشاؤها… ولكن لماذا- على الرغم من وجوده فيها، تقول “ما وجدته”؟!
أحيانًا يكون ربنا فينا، ونحن لا نشعر به…
مثلما حدث لتلميذي عمواس، إذ كان الرب يسير معهما وهما لا يعرفانه. أو مثلما قال الكتاب في تجسد المسيح “النور أضاء في الظلمة، والظلمة لم تدركه”. ومثلما قال أوغسطينوس:
كنت معي، ولكنني من فرط شقوتي، لم أكن معك…!
إبراهيم أبو الآباء، ظهر له الرب مع ملاكين، ولكن لم يدرك وجود الرب، وإلا ما كان أحضر له لحمًا وجبنًا. هكذا قال الكتاب “لا تنسوا إضافة الغرباء، لأن بها أضاف أناس ملائكة، وهم لا يعرفون”. أحيانًا يكون الله معك، وأنت غير شاعر بوجوده. قد تظن أنه قد تخلى عنك، بينما أنت الذي ينقصك الإدراك الروحي لوجود الله معك. وقد تقول له “إلى متى يا رب تنساني؟! إلى الانقضاء”؟!
ولا يكون الرب قد نسيك، لأنه إن نسيت الأم رضيعها لا ينساك… إنما أنت الذي لم تعد تحس وجود الله فيك…
بالإيمان تستطيع أن تدرك وجوده معك، كما قال داود “تأملت فرأيت الرب أمامي في كل حين، لأنه عن يميني فلا أتزعزع. وكما قال إيليا “حي هو رب الجنود الذي أنا واقف أمامه”.
البحث عن الله:
أحيانًا يخفي الله ذاته عنك، لكي تبحث عنه… لا يسمح لك أن، ترى، لكي تشتاق إلى رؤيته. يظهر حينًا ويختفي حينًا، مثل النجم الذي للمجوس. لكي يتحرك القلب فيبحث ويسأل.
الله لا يريد أن تكون المحبة من طرف واحد: هو يحب، وأنت راقد على فراشك. يريدك أن تحبه كما يحبك، فتبحث عنه…
لهذا نرى أن العروس لما طلبته فلم تجده، قالت على التو: إني أقوم وأطوف في المدينة، في الشوارع، وفي الأسواق، أطلب من تحبه نفسي.. لاحظوا أنها لم تقل “أقوم”، بل “إني أقوم”، كنوع من التأكيد، والإصرار على البحث. وهكذا زال تكاسل النفس، إذ شعرت بالتخلي، ولو كان شكليًا…
يا ليت كل واحد منكم يخرج من الاجتماع بهذه العبارة “إني أقوم وأطوف… أطلب من تحبه نفسي”.
في الأسواق والشوارع:
اذهب واشتر لك زيتًا، لكي لا ينطفئ مصباحك. “أشير عليك أن تشتري ذهبًا مصفى بالنار، لكي تستغنى. وثيابًا بيضًا، لكي تلبس فلا يظهر خزى عريتك” (رؤ3: 18).”ومن ليس له سيف، فليذهب ويشتر سيفًا” اذهب إلى الأسواق، وادفع ثمن ما تشتريه، وابحث عن الرب هناك.
طف في الشوارع، ابحث أين تجد الله… هل في الكنائس، في الأديرة، في بيوت الخلوة، في أماكن الخدمة…؟
المهم أن تتنشط وتبحث، ولا تستمر راقدًا على فراشك…
أنظر أي طريق يوصلك إلى الله وسر فيه: طريق التوبة، طريق الصلاة، طريق التأمل، طريق الخدمة، طريق القراءة أو الاجتماعات.
الطريق المؤدية إلى الله كثيرة. المهم ما يناسبك منها…
كلمة أقوم تعطينا معنى طيبًا، وهو أن الخلاص يقوم به الله كله، ولكنك لابد أن تشترك، أن تطلبه وتبحث عنه… أقوم واذهب إلى أبي… وأقوم وأرد أربعة أضعاف لكل من ظلمته. حقًا إننا في بعض أوقات نقول “قم أيها الرب الإله، ولتتبدد جميع أعدائك”. والرب نفسه من أجل شقاء المساكين وتنهد المساكين، يقول “أقوم أصنع الخلاص علانية”.
ولكن على الرغم من ذلك، لابد أن نقوم مع المسيح، نعمل مع الرب، نرفع الحجر لكي يخرج الرب لعازر، نقدم الخمس خبزات والسمكتين، لكي يطعم الرب الألوف.. نرمي الشبكة والرب يأتي بالسمك. نغرس ونسقي، والرب ينمي… نعمل مع الرب.
عندما أعمل شيئًا، إنما ابرهن على محبتي للرب، ورغبتي في الخير. إن الله سوف لا يرغمني على الخير إرغامًا. ولكن سأقوم، من نفسي،
على فراشي قد أحلم بالرب. ولكني لا أجده إلا إذا قمت.
تأكدوا أن الملائكة يفرحون في السماء، وهم يرون هذه النفس تقوم وتطوف في المدينة وفي الشوارع بحثًا عن الرب..
هناك أشخاص عندما يقرأون في القداس “وعلمنا طرق الخلاص، يحبون أن يغيروها إلى كلمة طريق، بينما هي في القبطي طرق (‘’hanmwit)، على اعتبار أن الخلاص له طريق واحد…
حقًا أنه من جهة الله يوجد طريق واحد هو الفداء. أما من جهة عمل الطبيعة البشرية فتوجد طرق عديدة.
الرهبنة طريق يؤدي إلى الله، والخدمة طريق، والزواج طريق. الوداعة طريق يؤدي إلى الله، والحزم أيضًا طريق. والمهم هو الطريق الذي يناسب طبيعتك، وكما قال مار اسحق:
لمعرفة الله باختلاف الطبائع البشرية، لم يجعل طريقًا واحدًا مؤديًا إلى الخلاص، لئلا يفشل من لا يستطيع السير فيه، وإنما جعل أمام الإنسان طرقًا عديدة. حتى أن الذي لا يقوى على طريق لصعوبته، يسير في الآخر لسهولته…
وما دامت هناك طرق عديدة فلا تيأس. لم تجد في نفسك قابلية للصلاة اقرأ. ولم تجد قابلية للقراءة رتل. لم تجد قابلية للترتيل، أخرج وأخدم… ولكن لا تيأس أبدًا. أبحث في الطرقات، في الشوارع، في الأسواق.
ولهذا نحن لا نريد من أب الاعتراف أن يجعل أبناءه صورة منه. ربما الطريق الذي سار فيه، لا يناسبهم هم…
كذلك أنت: إن أعجبك طريق، لا تشجع كل إنسان على سلوكه، ربما ما يناسبك لا يناسبه.
هذه العروس طافت في الطرقات، ولم تجد الرب أيضًا. فلم تعتذر لنفسها بذلك وترجع، وإنما قابلت الحرس الطائف…
هؤلاء هم حراس المبادئ والقيم، أقامهم الرب على شريعته. نلاحظ أنهم لم يقولوا لها شيئًا ولم يرشدوها. ولكنها ما أن جاوزتهم قليلا، حتى وجدت من تحبه نفسها.
هناك أشخاص، يكفي أن نقول لهم المشكلة، ولا نحتاج أن نسمع ردًا. ولكن مجرد سماعهم بالمشكلة، يجعلها تنحل. المهم في صلواتهم، وفي بركتهم، وليس في الحلول أو في الإرشاد…
الملاحظة الأخيرة أن هذه العروس تعبت كثيرًا حتى وجدت من تحبه نفسها، ولم تجده من أول طلب، ولا من أول بحث. ولهذا حكمة إلهية، لكي تتمسك بما تعبت من أجله.
قال القديس باسيليوس، أن الأشياء التي تأتي بسهولة، قد تفقدها بسهولة، لهذا أحيانا لا يستجيب الله بسرعة.
ولأن هذه العروس تعبت حتى وجدت من تحبه نفسها، لذلك عندما وجدته قالت “أمسكته ولم أرخه”…
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السادسة (العدد الثالث والأربعون) 24-10-1975م



