تأملات في سفر نشيد الأناشيد – أنا سوداء وجميلة

نتأمل اليوم في قول عذراء النشيد: “أنا سوداء وجميلة، يا بنات أورشليم” (نش 1: 5). هذه العبارة قيلت طبعًا عن كنيسة الأمم، التي تعتبر سوداء، لأنها بلا ناموس، بلا آباء، بلا أنبياء، بلا وعود ولا عهود ولا معرفة إيمانية بالله. فهي من هذه الناحية – في نظر اليهود، أو في نظر بنات أورشليم – سوداء، ولكنها جميلة في نظر الله.
أنا سوداء وجميلة1
+ النفس البشرية – وهي في حالة الخطية – نفس سوداء في نظر الناس. ولكنها جميلة بدم المسيح الذي يطهرها من كل خطية. فهي تقول: أنا سوداء الآن، في حالة الخطية. ولكني جميلة فيما بعد في حالة التوبة. سوداء في حاضري وماضي. وجميلة بالرجاء في المستقبل.
أنا سوداء في حالتي الملوثة بالخطية، البعيدة عن الله. ولكني أؤمن أن حالتي في الخطية لن تستمر، لن يبقى سوادي هذا إلى الأبد. أنا أؤمن أنني جميلة، لأنني خُلقت على صورة الله ومثاله. هناك نفخة قدسية قد خرجت من فم الله واستقرت فيَّ…
+ أنا جميلة لأنني خلقت على صورة الله.. وهذه الخطية ليست من طبعي. إنها دخيلة عليَّ، من سبب خارجي لأن الشمس قد لوحتني…
أنا جميلة، لأن نعمة الله سوف تفتقدني في يوم ما، وسيعمل روحه القدوس فيَّ. لن يتركني في سوادي. لقد كنت سوداء بخطيئتي الأصلية، ثم دخلت جرن المعمودية، فصرت بيضاء وجميلة. ثم اسودت بشرتي لأن الشمس قد لوحتني. وأنا واثقة أنني سأدخل جرن التوبة، وأخرج جميلة، كما خرجت من جرن المعمودية.
+ أنا جميلة، لأنه سينضح عليَّ بزوفاه فأطهر، وسيغسلني فأبيض أكثر من الثلج، ويردني بنعمته إلى رتبتي الأولى…
أنا سوداء، لأني في مرحلة من التخلي، “طلبته فما وجدته”. ولكني واثقة بالرجاء أنني لابد سأجده ولو بعد حين. وعندئذ سيلقي عليَّ بره، فأصبح جميلة كما كنت. أنا سوداء يا بنات أورشليم البيض الجميلات… ولكني أحذركن:
لا تشمتن بي، ولا تهدئن بسوادي كأنه عار، فالرسول يمنعكن.
إنه يقول: “اذكروا المقيدين كأنكم مقيدون معهم، واذكروا المذلين كأنكم أنتم أيضًا في الجسد”(عب 13: 3).”من هو قائم، فلينظر لئلا يسقط”(رو 11). كلكم معرضون أن تلوحكم الشمس مثلي!
+ كانت لي أخت سوداء وصارت جميلة، هي الأرض في يومها الأول…
“كانت خربة وخالية، وعلى وجه الغمر ظلمة” (تك 1: 2). هذه الظلمة تعني أنها كانت سوداء… ثم قال الله: “ليكن نور، فكان نور”.. وصارت الأرض الخربة جميلة، وامتلأت بالأثمار والأزهار…
+ وأنا أيضًا انتظر اليوم الذي سيقول لي الرب فيه: ليكن نور، فيكون نور. ويرى الله النور أنه حسن، وأصير جميلة…
إنني أعيش برجاء ذلك اليوم. لست أعيش في ظلمتي الحاضرة، وإلا خنقني اليأس. إنني بالرجاء انتظر النور الآتي. انتظر أن يغسلني الرب، فأبيض أكثر من الثلج. إن عبارة “أبيض أكثر من الثلج” عبارة معزية، مملوءة بالرجاء، سأعيش فيها… إن كنيسة الأمم عندما قالت: “أنا سوداء وجميلة” كانت في عمق الإيمان بالخلاص الآتي، بمجيء من يحمل خطايا العالم كله…
وعندما قالت: “أنا جميلة” إنما ذكرتني بمزمور داود “ارحمني فإني بار”. وفي قوله هذا لم يتكلم عن بره الذاتي، وإنما عن البر الآتي بالدم المسفوك، الذي سيغسله فيبيض أكثر من الثلج، متبررً مجانًا بالنعمة. وهكذا قولي عن نفسي “جميلة”.
+ لي أخت آخري كانت سوداء، وصارت جميلة. هل تعرفنها يا بنات أورشليم؟ إنها أورشليم نفسها كما وصفها سفر حزقيال.
قال لها الرب وهي مطروحة بنجاستها على الأرض: “مررت بك، ووجدتك مدوسة بدمك، فقلت لك بدمك عيشي”. هكذا كانت حالتها وهي سوداء… ثم يقول لها الرب بعد ذلك: “فمررت بك ورأيتك وإذا زمنك زمن الحب. فبسطت ذيلي عليك، وسترت عورتك…ودخلت معك في عهد، فصرتِ لي. فحممتك بالماء (أي المعمودية)، وغسلت عنك دماءك، ومسحتك بالزيت (أي الميرون)، وألبستك مطرزة وكسوتك بزًا (بسر التوبة)، وحليتك بالحلي… فتحليتِ، وجملتِ جدًا جدًا، وخرج لك اسم في الأمم لجمالك، لأنه كان كاملاً ببهائي الذي جعلته عليك…” (حز 16).
هذه قصة السوداء التي صارت جميلة، إذ افتقدها الرب في “زمن الحب”، أي الزمن الذي رآه الرب مناسبًا لإظهار حبه.
وما أدق عبارة “جمالك كان كاملاً ببهائي الذي جعلته عليكِ”. إنه جمال الله وليس جمال النفس، بر المسيح وليس البر الذاتي. إنه منحة الله للنفس، وليس عمل الذراع البشري…
+ نفوس كثيرة كانت سوداء، وصارت جميلة، مثل نفوس التائبين جميعًا، كموسى الأسود، وأوغسطينوس، وبيلاجية، ومريم القبطية…
ولكن هذه النفس لا تقول: “أنا سوداء وصرت جميلة” وإنما تقول: “أنا سوداء وجميلة” لأنها تعيش بالرجاء، فترى المستقبل كأنه قائم أمامها. إنها واثقة من أنها نفس غالية مهما سقطت.
+ هناك نفوس ترونها أنتم سوداء، ويراها الرب جميلة…
مثال ذلك شاول الطرسوسي المضطهد للكنيسة، كم كان أشد سواد هذه النفس في نظر المؤمنين. أما الرب فنظر إلى نفس شاول – ولا أقول السوداء بل الجميلة – وقال له: “صعب عليك أن ترفس مناخس”. إنني أغسلك، وأنت ترفس الصابون والماء والليف. ومع ذلك سأظل أغسلك حتى تبيض أكثر من الثلج… وبعد أن تبيض، “سأريك كم ينبغي أن تتألم من أجلي”. سيرجمونك، ويضربونك بالسياط، ويسيل الدم على نفسك البيضاء، وأغني لك أنشودتي “حبيبي أبيض وأحمر”.
+ أنا نفس سوداء، قد أكون مائتة، مثل الابن الضال أو لعازر، ولكن أمامي قول الرب: “من آمن بي ولو مات فسيحيا”.
قد يقولون عني: “ابني هذا كان ميتًا”، أو يقولون: “قد أنتن”. ولكني واثقة من أنني سأخرج من القبر، وسأرجع إلى بيت عنيا، وهناك سيزورني الرب ومعي مريم ومرثا…
+ أنا نفس ساقطة، ولكنني لست ضائعة…
سيمسك أحد السارافيم جمرة من على المذبح، ويمسح بها شفتي قائلاً لي: “قد طهرت”. وسيأتي الرب بلقان، ويأتزر بمئزر، ويغسل قدمي، لكي أصير طاهرًا كلي، كباقي التلاميذ…
+ أنا سوداء وجميلة… الخطية تلطمني من الخارج، ولكن محبتي لله تملأ قلبي من الداخل، مثل بطرس الناكر…
لقد أنكر المسيح ثلاث مرات، وسب ولعن، وقال لا أعرف الرجل… ومع كل ذلك قال للرب بعد القيامة: “أنت تعلم يا رب كل شيء، أنت تعلم أني أحبك”.
الخطية غريبة عني، وأنا غريب عنها. نفسي من الداخل بيضاء.
النكران والسب واللعن هو نفسي الخارجية السوداء، أما الحب فهو نفسي الحقيقية الجميلة. نفسي الخارجية يلطمها الشيطان فتسود، أما قلبي من الداخل فجميل. وهذا السواد الخارجي، سأخلعه حتمًا: سأخلعه الآن، وسأخلعه عندما ألبس جسمًا نورانيًا روحانيًا، لا يخطئ، ولا يتصل بالمادة بعد…
أنا سوداء وجميلة كخيام قيدار، كشقق سليمان. وكأنه قيل عني:
“كنت خلال ذلك، أكافح نفسي وأجاهد، حتى كأنني اثنان في واحد. هذا يدفعني، وذاك يمنعني”.
+ هذه النفوس المجاهدة، التي تحارب حروب الرب، فتسقط حينًا، وتقوم أحيانًا. وقد يجرحها الشيطان، وقد يشوه بعض أعضائها، هي – على الرغم من سقوطها – سوداء وجميلة…
مهما جرحت في الحرب، هي جميلة، لأنها لم تلق سلاحها، ولم تسلم سلاحها، ولم تفقد إخلاصها للرب، مهما جرحت…
+ كلما عاش الإنسان في حياة الاتضاع، يجد نفسه سوداء…
ولكنها في نفس الوقت جميلة. مثل نفس العشار الذي لم يجرؤ أن ينظر إلى فوق، وإنما بانكسار قلب، وبخجل، قال: “ارحمني يا رب فإني خاطئ”، نفس سوداء وجميلة…
العشار نفسه سوداء وجميلة، والفريسي لم يكن جميلاً وهو أبيض
نفس أخرى كانت سوداء وجميلة، هي نفس اللص اليمين على الصليب. كان لصًا، ومازلنا نسميه اللص اليمين… كلمة لص ترمز إلى سواده، وكلمة اليمين ترمز إلى بره في المسيح…
راحاب الزانية، كاللص اليمين، كانت سوداء وجميلة..
كانت امرأة مشهورة في المدينة، ولكن الحبل القرمزي كان يقول إنها أكثر جمالاً من كل سكان أريحا، كالسامرية…
+ كل نفس سوداء وجميلة تناديكم: لا تحكموا حسب الظاهر.
الظاهر لا يعطي الحقيقة أبدًا. داود في نظر إخوته، كان صغيرًا ومحتقرًا. ولكنه كان مختار الرب، وصار مسيحه…
+ إنها نفس سوداء وجميلة، التي تحب الرب، وتخطئ عن ضعف.
ولكنها ليست جميلة، تلك النفوس السوداء، الخائنة للرب، التي تخطئ بعناد، وتصر على خطيئتها، وتعيش في الاستهتار واللامبالاة.
+ عبارة: “أنا سوداء وجميلة” قد تطلق أيضًا على الضعفاء الذين اختارهم الرب: جهالاً يخزي بهم الحكماء، وضعفاء يخزي بهم الأقوياء.
كل نفس من هؤلاء، في نظر الناس محتقرة، وفي نظر الله جميلة. هو” المقيم المسكين من التراب، والرافع البائس من المزبلة، ليجلس مع رؤساء شعبه”. هذا المسكين الخارج من المزبلة والتراب، تغني نفسه قائلة: “أنا سوداء وجميلة”.
أنا ضعيفة أعمل بقوة الله، وجاهلة أتكلم بحكمة الله…
أنا من المزدرى وغير الموجود، ولكن الرب منحني وجوداً. في إحدى المرات، أخذ الله حفنة من تراب، ونفخ فيها نسمة حياة، فصرخت قائلة: “أنا سوداء وجميلة”.
كنت تراباً على الأرض تدوسه الحيوانات، فأصبحت صورة الله ومثاله.
لقد اختار الله صيادين وعشارين، وأجلسهم مع رؤساء شعبه وهكذا اختار العذراء اليتيمة، خطيبة النجار، وجعلها أسمى من الشاروبيم، وأعظم من السارافيم، وقبل رؤساء الملائكة…
+ يمكن أن نستخدم عبارة “أنا سوداء وجميلة” لتصف غير الإنسان، كقرية بيت لحم، وكمذود البقر، وكالناصرة المحتقرة.
بيت لحم الصغرى في يهوذا، والناصرة التي لا يخرج منها شيء صالح، صارت بلادًا مقدسة شهيرة، سوداء وجميلة.
ومذود البقر الذي تعافه النفس، أتى إليه أباطرة وملوك، ليتبركوا منه، ويسجدوا فيه. وكل حبة تراب فيه تغني قائلة: “أنا سوداء وجميلة، يابنات أورشليم”…
+ لقد وضع الله لنا قيمًا جديدة للأمور… لعل فضيلة الاحتمال التي تقدم الخد الآخر، تقول هي أيضًا “أنا سوداء وجميلة”.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السادسة (العدد الثامن والأربعون) 28-11-1975م




