تأملات في الثلاث تقديسات

تأملات في الثلاث تقديسات – 2
نظير القدوس الذي دعاكم كونوا أنتم أيضًا قديسين (1بط1: 15)[1]
ما دمنا قد خُلِقنا على صورة الله ومثاله – والله قدوس – إذًا ينبغي أن نكون قديسين، وما دمنا جسد المسيح – وهو الرأس – لا بد أن نكون قديسين. وما دمنا أولادًا لله – والابن يشبه أباه – فلابدَّ أن نشبهه في القداسة. وهكذا قال القديس يوحنا الرسول: “كُلُّ مَنْ هُوَ مَوْلُودٌ مِنَ اللهِ لاَ يَفْعَلُ خَطِيَّةً… وَلاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُخْطِئَ لأَنَّهُ مَوْلُودٌ مِنَ اللهِ”(1يو9:3). وقال أيضًا: “نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ مَنْ وُلِدَ مِنَ اللهِ لاَ يُخْطِئُ، بَلِ الْمَوْلُودُ مِنَ اللهِ يَحْفَظُ نَفْسَهُ، وَالشِّرِّيرُ لا يَمَسُّهُ”(1يو18:5).
والرب نفسه يطلب أن نكون مثله، قديسين.
فيقول في سفر اللاويين: “وَتَكُونُونَ لِي قِدِّيسِينَ لأَنِّي قُدُّوسٌ أَنَا الرَّبُّ”(لا26:20). ويقول أيضًا: “تَتَقَدَّسُونَ وَتَكُونُونَ قِدِّيسِينَ، لأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ”(لا44:11). وقد أشار القديس بطرس إلى هذا، فقال: “لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: كُونُوا قِدِّيسِينَ لأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ”(1بط16:1).
الله يريدنا أن نكون قديسين، لكي نكون معه.
لأن الكتاب يقول: “وَالْقَدَاسَةَ الَّتِي بِدُونِهَا لَنْ يَرَى أَحَدٌ الرَّبَّ”(عب14:12)، وبغير القداسة لن نكون معه في أورشليم السمائية التي قيل عنها إنها: “لَنْ يَدْخُلَهَا شَيْءٌ دَنِسٌ وَلاَ مَا يَصْنَعُ رَجِسًا”(رؤ27:21).
وبالقداسة نكون أيضًا في عشرة الملائكة، الذين وُصِفوا بأنهم الملائكة القديسون إذ قيل: “وَمَتَى جَاءَ ابْنُ الإنسان فِي مَجْدِهِ وَجَمِيعُ الْمَلاَئِكَةِ الْقِدِّيسِينَ مَعَهُ”(مت31:25)، (مر38:8)، (لو26:9). فبغير القداسة لا يمكن أن نشترك مع هؤلاء القديسين سواء من الملائكة أو من أرواح البشر القديسين، كما قيل أيضًا عن مجيء الرب: “هُوَذَا قَدْ جَاءَ الرَّبُّ فِي رَبَوَاتِ قِدِّيسِيهِ”(يه14:1).
كان المؤمنون في الكنيسة الأولى أيام الرسل، يدعون قديسين.
فالكنيسة هي جماعة من القديسين. فالقديس بولس يكتب إلى أهل رومية قائلًا: “إِلَى جَمِيعِ الْمَوْجُودِينَ فِي رُومِيَةَ، أَحِبَّاءَ اللهِ، مَدْعُوِّينَ قِدِّيسِينَ”(رو7:1). ويكتب إلى العبرانيين فيقول: “مِنْ ثَمَّ أَيُّهَا الإِخْوَةُ الْقِدِّيسُونَ، شُرَكَاءُ الدَّعْوَةِ السَّمَاوِيَّةِ”(عب1:3). ويقول في عبارة تُعمِّق هذا المعنى، فيقول: “سَلِّمُوا عَلَى كُلِّ قِدِّيسٍ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ”(في21:4). “يُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ جَمِيعُ الْقِدِّيسِينَ وَلاَ سِيَّمَا الَّذِينَ مِنْ بَيْتِ قَيْصَرَ”(في22:4).
ويقول القديس بطرس الرسول عن كتب الوحي الإلهي إنه: “تَكَلَّمَ أُنَاسُ اللهِ الْقِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ”(2بط21:1). وفي التسبحة التي سجَّلها القديس يوحنا الرسول في سفر الرؤيا، تترنَّم القوات السمائية قائلة للرب الإله: “عَادِلَةٌ وَحَقٌّ هِيَ طُرُقُكَ يَا مَلِكَ الْقِدِّيسِينَ!”(رؤ3:15).
حقًّا إنه مَلَك على هؤلاء القديسين الذين مَلَّكوه على قلوبهم، هؤلاء الذين نفذوا إرادة الله في حياتهم. وماذا كانت إرادته سوى قول الكتاب: “هذِهِ هِيَ إِرَادَةُ اللهِ: قَدَاسَتُكُمْ”(1تس4: 3).
هؤلاء الذين يتمجَّد الله في حياتهم. ويرى الناس أعمالهم الصالحة، فيمجدون أباهم الذي في السموات (مت16:5). وكما يقول الرسول عن الله إنه: “يَتَمَجَّدَ فِي قِدِّيسِيهِ”(2تس10:1). وهكذا ينصح المؤمنين قائلًا: “فَمَجِّدُوا اللهَ فِي أَجْسَادِكُمْ وَفِي أَرْوَاحِكُمُ الَّتِي هِيَ للهِ”(1كو20:6).
إذًا حينما نحيا في القداسة، إنما نمجد الله بحياتنا. أما حينما نحيا في الخطية، فإننا لا نستحق أن نستمر في عضوية رعيته. وفي الكنيسة الأولى كانوا يعزلون الخطاة عنهم، خارج مجمع المؤمنين Excommunication كما أمر الرسول قائلًا: “اعْزِلُوا الْخَبِيثَ مِنْ بَيْنِكُمْ”(1كو13:5)، “أَيَّةُ خِلْطَةٍ لِلْبِرِّ وَالإِثْمِ؟ وَأَيَّةُ شَرِكَةٍ لِلنُّورِ مَعَ الظُّلْمَةِ؟”(2كو14:6).
وفي الحياة الأبدية يُطرَح أولئك الخطاة “فِي الظُّلْمَةِ الْخَارِجِيَّةِ”(مت30:25) خارج المدينة المنيرة، أورشليم السمائية التي “وَلَنْ يَدْخُلَهَا شَيْءٌ دَنِسٌ”(رؤ27:21).
القديس بولس الرسول كان يدعو المؤمنين قديسين، في رسائله.
فقد بدأ رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس بقوله: “… إِلَى كَنِيسَةِ اللهِ الَّتِي فِي كُورِنْثُوسَ، الْمُقَدَّسِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، الْمَدْعُوِّينَ قِدِّيسِينَ مَعَ جَمِيعِ الَّذِينَ يَدْعُونَ بِاسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ فِي كُلِّ مَكَانٍ، لَهُمْ وَلَنَا”(1كو2:1).
وفي بدء رسالته الثانية إلى كورنثوس الثانية يقول: “… إِلَى كَنِيسَةِ اللهِ الَّتِي فِي كُورِنْثُوسَ، مَعَ الْقِدِّيسِينَ أَجْمَعِينَ الَّذِينَ فِي جَمِيعِ أَخَائِيَةَ”(2كو1:1).
وفي بدء رسالته إلى أفسس يقول: “إِلَى الْقِدِّيسِينَ الَّذِينَ فِي أَفَسُسَ، وَالْمُؤْمِنِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ”(أف1:1). وفي بدء الرسالة إلى فيلبي يقول: “إِلَى جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، الَّذِينَ فِي فِيلِبِّي، مَعَ أَسَاقِفَةٍ وَشَمَامِسَة”(في1:1).
وفي بدء رسالته إلى كولوسي يقول: “… إِلَى الْقِدِّيسِينَ فِي كُولُوسي، وَالإِخْوَةِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْمَسِيحِ”(كو2:1).
وفي الرسالة الأولى إلى تيموثاوس، يتكلم عن صفات الأرملة التي تكتتب في الكنيسة فيقول، تكون “مَشْهُودًا لَهَا… أَضَافَتِ الْغُرَبَاءَ، غَسَّلَتْ أَرْجُلَ الْقِدِّيسِينَ”(1تي10:5) وفي الرسالة إلى تيطس، يقول عن العجائز إنه يجب عليهن أن يكنَّ “فِي سِيرَةٍ تَلِيقُ بِالْقَدَاسَةِ”(تي3:2). ويقول للمؤمنين جميعًا: “فَإِذْ لَنَا هذِهِ الْمَوَاعِيدُ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ لِنُطَهِّرْ ذَوَاتِنَا مِنْ كُلِّ دَنَسِ الْجَسَدِ وَالرُّوحِ، مُكَمِّلِينَ الْقَدَاسَةَ فِي خَوْفِ اللهِ”(2كو1:7).
وهناك أسباب عديدة لاعتبار المؤمنين قديسين.
لأنهم تبرَّروا بالإيمان في المعمودية، حيث صُلِب إنسانهم العتيق، ووُلِدوا من الماء والروح (رو6: 4 – 6)، (يو5:3). وفي المعمودية قد لبسوا المسيح (غلا27:3)؛ أي لبسوا برَّه وقداسته “بِغُسْلِ الْمِيلاَدِ الثَّانِي وَتَجْدِيدِ الرُّوحِ الْقُدُسِ”(تي5:3).
وفي سر المسحة المقدسة، قد مسحوا بالروح القدس فصاروا قديسين وفي مواهب العهد الجديد يقول لهم الكتاب: “لكِنِ اغْتَسَلْتُمْ، بَلْ تَقَدَّسْتُمْ، بَلْ تَبَرَّرْتُمْ بِاسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ وَبِرُوحِ إِلهِنَا”(1كو11:6).
وفي تقدمنا للأسرار المقدسة، نرى ملامح هذا التقديس.
من ذلك غسل يد الكاهن قبل القداس، وهو يقول: “طَهِّرْنِي بِالزُّوفَا فَأَطْهُرَ. اغْسِلْنِي فَأَبْيَضَّ أَكْثَرَ مِنَ الثَّلْجِ”(مز7:51)، “أَغْسِلُ يَدَيَّ فِي النَّقَاوَةِ، فَأَطُوفُ بِمَذْبَحِكَ يَا رَبُّ”(مز6:26)، وكذلك الملابس البيضاء التي لخدمة المذبح، ورمزها إلى الطهارة أو القداسة اللائقة بهذه الخدمة.
كذلك صلاة القداس الإلهي الخاص بالتناول نسميه “قداس القديسين”.
وذلك تمييزًا له عن الصلوات السابقة له التي يسمح للموعوظين بحضورها ونسميه “قداس الموعوظين”. أما قداس القديسين فنقول فيه بعد تقديس السرائر: “القداسات للقديسين”، أي لهؤلاء القديسين الذين لهم الحق في التناول من الأسرار المقدسة. لذلك قال صموئيل النبي في العهد القديم: “تَقَدَّسُوا وَتَعَالَوْا مَعِي إِلَى الذَّبِيحَةِ”(1صم5:16).
فإن كان هذا في العهد القديم. فماذا نقول عن ذبيحة العهد الجديد المملوءة سرًّا!! لذلك نحن نصلي قبل التناول ونقول: “اجعلنا مستحقين كلنا يا سيدنا أن نتناول من قداستك طهارة لأنفسنا وأجسادنا وأرواحنا”. ونقول أيضًا: “طهر نفوسنا وأجسادنا وأرواحنا وعيوننا وأفهامنا ونياتنا..”.
ونكرر هذه الطلبات في صلوات أخرى طالبين من الله أن يمنحنا من عنده الطهارة والقداسة.
فنقول في تحليل الساعة الثالثة: “أرسل لنا نعمة روحك القدوس، وطَهِّرنا من دنس الجسد والروح وانقلنا إلى سيرة روحانية، لكي نسعى بالروح ولا نكمل شهوة الجسد”. وفي القطع نبتهل إلى الروح القدس قائلين: “هلمَّ تفضَّل وحِل فينا وطَهِّرنا من كل دنس أيها الصالح، وخلص نفوسنا”.
وفي تحليل آخر كل ساعة نطلب هذه القداسة قائلين: “قدِّس أرواحنا، طهِّر أجسامنا، قوِّم أفكارنا، نقِّ نياتنا.. أحطنا بملائكتك القديسين لكي نكون بمعسكرهم محفوظين ومُرشَدين..”. وفي صلاة نصف الليل نقول: “انظري يا نفسي لئلا تثقلي بالنوم فتلقي خارج الملكوت. بل اسهري واصرخي قائلة: قدوس قدوس قدوس، أنت يا الله، من أجل والدة الإله ارحمنا…”.
القداسة هي طلبة ربنا يسوع إلى الآب لأجلنا، وهي طلبة القديسين لأجلنا.
ففي مناجاة الابن للآب التي سجلت في (يو17) يقول سيدنا لله الآب عنا: “قَدِّسْهُمْ فِي حَقِّكَ. كَلاَمُكَ هُوَ حَقّ”(يو17:17).
ويقول القديس بولس الرسول: “وَإِلهُ السَّلاَمِ نَفْسُهُ يُقَدِّسُكُمْ بِالتَّمَامِ. وَلْتُحْفَظْ رُوحُكُمْ وَنَفْسُكُمْ وَجَسَدُكُمْ كَامِلَةً بِلاَ لَوْمٍ عِنْدَ مَجِيءِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ”(1تس23:5). ويقول القديس بطرس الرسول: “يَجِبُ أَنْ تَكُونُوا أَنْتُمْ فِي سِيرَةٍ مُقَدَّسَةٍ وَتَقْوَى؟ مُنْتَظِرِينَ وَطَالِبِينَ سُرْعَةَ مَجِيءِ يَوْمِ الرَّبِّ”(2بط3: 11، 12).
ولنعرف أننا جميعًا أعضاء في كنيسة جامعة مقدسة.
قد أسلم الرب ذاته عنها “لِكَيْ يُقَدِّسَهَا، مُطَهِّرًا إِيَّاهَا بِغَسْلِ الْمَاءِ بِالْكَلِمَةِ”. “لِكَيْ يُحْضِرَهَا لِنَفْسِهِ كَنِيسَةً مَجِيدَةً، لاَ دَنَسَ فِيهَا وَلاَ غَضْنَ… بَلْ تَكُونُ مُقَدَّسَةً وَبِلاَ عَيْبٍ”(أف5: 26، 27).
كل عضو في هذه الكنيسة يجب أن يكون مقدَّسًا.
ولهذا يجب أن نسعى إلى هذه القداسة.. “الْقَدَاسَةَ الَّتِي بِدُونِهَا لَنْ يَرَى أَحَدٌ الرَّبَّ”(عب14:12).
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 7-10-2007م



