بين الخدمة الطقسية والخدمة الروحية

بين الخدمة الطقسية والخدمة الروحية[1]
بعض الآباء الكهنة وقتهم كله تقريبًا مشغول في الخدمات الطقسية، بحيث لا يبقى لهم وقت لخدمة الروحيات …
تبتلع وقتهم دوامة لا تنتهي من صلوات الأكاليل والخطوبات، والجنازات، والأربعين، والعشيات. وفي الصباح أوقات للقناديل والمعموديات والثوالث والقداسات الخصوصية…
وربما لا يكتفون بهذا، إنما يقومون بخدمات طقسية مماثلة في كنائس أخرى، بدعوة من بعض أحبائهم ومعارفهم، أو مجاملة منهم لبعض أصدقائهم وأقاربهم في مناطق أخرى…
وبعض كهنة الريف أو الصعيد، يجدون أنفسهم خاضعين لعادات محلية تبتلع وقتًا أكثر، مثل السير في الجناز في الشوارع، والذهاب إلى المدافن، والبقاء في سرادقات العزاء إلى ساعة متأخرة من الليل… هذا من جهة العزاء…
أما من جهة الأكاليل، فهناك عادات ريفية في المشاركة في الأفراح والولائم تأخذ وقتًا آخر. وإن شارك فيها الكاهن بالنسبة إلى الأغنياء، يلومه الفقراء إن لم يعاملهم بالمثل…
فإذا إرتبطت بهذه الخدمات الطقسية والمجاملات، أمور مالية تتعلق بإيراد الكاهن، فإن إرتباط الكاهن بهذه الخدمات يزداد تعقيدًا…
ووسط كل هذا نسأل. وأين الخدمة الروحية؟
نقول إن العلاج يحتاج إلى سيامة عدد آخر من الآباء الكهنة. وقد يرسم هؤلاء الكهنة الجدد، وتبقى المشكلة كما هي! كل ما يحدث أن الجنازات والأكاليل والمجاملات يزداد عدد الكهنة الذين يحضرونها، بحيث قد تجد جنازًا ربما يحضره سبعة من الآباء الكهنة، واجتماعات روحية لا يحضرها أب كاهن واحد، بحجة ضيق الوقت…!!
وبهذا الوضع يقل العمل الروحي للكاهن، وتكون لهذا نتائجه الخطيرة والسيئة التي لا تُخفى على أحد …
1- يتغير إتجاه الأب الكاهن، ويقل إهتمامه بالعمل الروحي، وبالتالي تقل روحياته الخاصة، وتتغير نظرة الناس إليه من شخص روحي، إلى إنسان مجامل، وخادم طقسي…
2- وربما في الخدمة الطقسية أيضًا، يقل طابعها الروحي، وتتميز بالسرعة أو الروتينية، ولا تصطبغ بروح الصلاة… وربما أيضًا لا تكون عظات أثناء العشية أو القداسات من الأب الكاهن، ويعهد بهذه المسئولية إلى بعض العلمانيين…
3- وربما إذا قلت خدمات الكاهن الروحية، تقل معها كذلك قراءاته الروحية وتأملاته، وتتغير شخصيته.
4- ويصاب الناس بتعب روحي، لأنهم ما كانوا ينتظرون مثل هذا. وقد يحاربهم فكر أن خدمة الكهنوت تعطل الروحيات!!
وبعكس ذلك إن رأوا أمثلة طيبة من الكهنة المهتمين بالخدمة الروحية، والذين ينجح الله عمله على أيديهم المباركة…
5- ويشعر الكاهن أنه مقصر في عمله الروحي، وأن الخدمة بهذا الوضع لا يمكن أن تريح ضميره أو ضمائر الناس…
الأمر إذن يحتاج إلى علاج، فما هو:
اقتراحات مقدمة للعلاج:
1- ينبغي على الأب الكاهن أن يشعر بأن عمله الروحي هو الأول بين كل مسئولياته واهتماماته. وبالتالي يشعر بإلتزام قوي نحو الخدمة الروحية، ويتناولها بجدية أكثر.
2- لا بد أن يرتبط الأب الكاهن بخدمات ثابتة، لا يستطيع التقصير فيها. ويشعر أفراد الشعب بثبات هذه الخدمات وإرتباط الكاهن بها، فلا يطلبونه في خدمة أثناءها، شاعرين مقدمًا أن مثل هذا الطلب، معطل للخدمة، وغير ممكن التنفيذ…
3- على الأب الكاهن أن لا ينسى نفسه وخدمته الروحية خلال المجاملات التي يراها لازمة. فيزور، ويقوم بالواجب، وفي محبة ينصرف دون أن يضيع في المجاملة وقتًا أكثر مما يلزم.
4- على الأب الكاهن أن يخلط خدمته الطقسية بعمل روحي.
فإذا صلى عشية أو قداسًا، لا بد أن يلقي عظة، أو على الأقل تكون له عظاته الثابتة في الكنيسة.
وإذا زار بيتًا في أية مناسبة، يكون له عمله الروحي الواضح والمثمر خلال هذه الزيارة.
وهذا هو الفرق بين المجاملات الاجتماعية والعمل الروحي.
فعمل الأب الكاهن هو عمل روحي خالص، حتى أثناء المجاملات، وحتى أثناء العمل الطقسي أيضًا..
5- فالخدمة الطقسية التي تؤدى بروح الصلاة والتضرع، وبغير روتينية، لا شك أنها تترك في نفس سامعها أثرًا روحيًا.
وبهذا لا تكون الصلوات الطقسية مجرد عمل طقسي، فلها روحياتها
إنها تدخل في الطقوس فعلًا، ولكنها عمل روحي.
[1] مقالة لقداسة البابا شنوده الثالث: صفحة الآباء الكهنة – بين الخدمة الطقسية والخدمة الروحية، بمجلة الكرازة 21/ 8 /1981




