باركت طبيعتى فيك

باركت طبيعتي فيك1
حينما اتحد الرب بطبيعتنا البشرية، بارك هذه الطبيعة وطهرها وقدسها ومجدها، وأعاد إليها الصورة الإلهية التي خلقت بها منذ البدء (تك1: 26) بعد أن كنا قد فقدنا هذه الصورة الإلهية بالخطية جدد طبيعتنا، بل منحنا طبيعة جديدة، وكما يقول الرسول: “إن كان أحد في المسيح، فهو خليقة جديدة” (2كو5: 17) ويستطرد “الأشياء العتيقة قد مضت. هوذا الكل قد صار جديدًا” نعم، لقد خلعنا الإنسان العتيق مع أعماله ولبسنا الجديد (كو3: 9) وأصبح إنساننا الجديد هذا يتجدد حسب صورة خالقه… بعد أن صلب إنساننا العتيق في المعمودية (رو6: 6) “ليبطل جسد الخطية” ” كي لا نعود نستعبد أيضًا للخطية” “وهكذا نسلك في جدة الحياة”.
ولما بارك الرب طبيعتنا، أمكن أن نصبح هياكل للروح القدس.
الروح القدس يحل فينا في سر الميرون المقدس، وينطبق علينا قول القديس بولس الرسول “أما تعلمون أنكم هيكل الله، وروح الله ساكن فيكم” (1كو3: 16) … وإذا أصبحنا هياكل الروح، صار روح الله يعمل فينا، ويعمل معنا، ودخلنا في “شركة الروح القدس” (2كو13: 14) بل صرنا أهلًا أن ننال مواهب الروح التي يمنحها الروح لنا “قاسمًا لكل واحد بمفرده كما يشاء” (1كو12: 12).
وبعمل الروح فينا، نالت طبيعتنا قوة لم تكن لها من قبل.
وفي هذا قال السيد الرب “ولكنكم ستنالون قوة متى حل الروح القدس عليكم. وحينئذ تكونون لي شهودًا” (أع1: 8) وهذا الوعد الذي وعد به قبل صعوده قائلًا “أن تلبسوا قوة من الأعالي” (لو24: 49).
وإذ يتمتع الإنسان المؤمن بهذه القوة، يشكر الرب قائلًا “باركت طبيعتي فيك” بهذه القوة قال القديس بولس الرسول “أستطيع كل شيء في المسيح الذي يقويني” (في4: 13) عجيب هذا أن يقول إنسان “أستطيع كل شيء” ولكن لا يكون عجيبًا، حينما يضيف إليها عبارة “في المسيح الذي يقويني” لأنك باركت طبيعتي فيك وليست هذه مجرد عبارة للقديس بولس، بل هو وعد الرب نفسه. “كل شيء مستطاع للمؤمن” (مر9: 23)، نحن نعلم – كما قال الرب –”أن كل شيء مستطاع عند الله” (مر10: 27)، أما أن يكون كل شيء مستطاع للمؤمن، فهذا شيء يناله المؤمن في بركات العهد الجديد، حينما يقول الرب “باركت طبيعتي فيك بهذه نالت الطبيعة البشرية من الله القوة على عمل المعجزات، وما أكثر المعجزات التي وردت في سفر أعمال الرسل. ولكن أعجب عبارة قرأتها في هذا المجال، هي قول الرب لتلاميذه القديسين:
“الحق أقول لكم، من يؤمن بي، فالأعمال التي أنا أعملها، يعملها هو أيضًا، ويعمل أعظم منها ” (يو14: 12).
هنا وأقف مبهوتًا أمام هذا الوعد الإلهي، لا أستطيع أن أفسره إلا بعبارة “باركت طبيعتي فيك”، بهذه البركة، وبهذه القوة الممنوحة، أصبح لنا سلطان على الشياطين: في العهد القديم كان للشيطان سلطان مخيف، حتى أنه ألقى غالبية أهل العالم في عبادة الأصنام… “لولا أن الله أبقى لنا بقية” (إش1: 9).
وبلغ من قوة الشيطان في العهد القديم، قول الكتاب عن الخطية أنها “طرحت كثيرين جرحى، وكل قتلاها أقوياء” (أم7: 26) وأيضًا قد وصف الشيطان بأنه “رئيس هذا العالم”.
أما بتجسد السيد المسيح فقد قيل “رئيس هذا العالم قد دين” (يو16: 11) وقيل أيضًا “الآن يطرح رئيس هذا العالم خارجًا” (يو12: 31) وقال الرب أيضًا “رأيت الشيطان ساقطًا مثل البرق من السماء” (لو10: 18) وإذ هزم الرب الشيطان، أعطانا السلطان أن نهزمه أيضًا فقال: “أنا أعطيكم سلطانًا لتدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو” (لو10: 19) حقًا يا رب قد باركت طبيعتي فيك، إذ منحتها أن تدوس كل قوة العدو. وهكذا أعطيت تلاميذك “سلطانًا على الأرواح النجسة ليخرجوها” (مت10: 1) وقلت لهم في مباركة طبيعتنا البشرية: “اشفوا مرضى، طهروا برصًا، أقيموا موتى، أخرجوا شياطين” (مت10: 8) وقبل صعودك إلى السماء قلت “هذه الآيات تتبع المؤمنين: يخرجون الشياطين باسمي. ويضعون أيديهم على المرضى فيبرأون” (مر16: 17، 18
السيد الرب في تجسده اتحد بطبيعة بشرية غلب بها العالم. وقال في ذلك “في العالم سيكون لكم ضيق. ولكن ثقوا أنا قد غلبت العالم” (يو16: 33) نعم أنت الرب قد غلبت العالم. ولكن ماذا يعني هذا بالنسبة إلينا؟ سنغلبه مثلك؟ وكأن الرب يقول: أنا غلبته كابن للإنسان غلبته بهذه الطبيعة التي اتحدت بها، وأعطيت هذه الطبيعة القدرة على حياة الغلبة.
غلبت العالم بطبيعتكم. كعربون لكي تغلب طبيعتكم العالم.
بارك الرب طبيعتنا فيه، وأعطاها السلطان أن تغلب العالم. باركها وأعطاها السلطان أيضًا أن تغلب الجسد، وأن تغلب الموت، وأن تنال كل الوعود التي وعد بها الغالبين (رؤ2: 3). وإذ بارك طبيعتنا، بارك الروح والجسد أيضًا وهكذا يقول القديس بولس الرسول” “مجدوا الله في أجسادكم وفي أرواحكم التي هي لله” (1كو6: 20) وصار الجسد بهذا أداة لتمجيد الرب، جسدًا باركه الرب. ومن أعجب ما قيل فيه أنه “كان يؤتى عن جسد (بولس) بمناديل أو مآزر إلى المرضى، فتزول عنهم الأمراض، وتخرج الأرواح الشريرة منهم” (أع19: 12).
في العهد القديم كان من يلمس جسد ميت يتنجس (لا21: 1) ذلك لأنه لمس جسدًا مات، وهو حكم الدينونة، لم يتبرأ من الخطية بعد. أما في العهد الجديد، لما بارك الرب طبيعتنا تغير الوضع تمامًا.
أصبحنا نلمس أجساد الذين انتقلوا أو رفاتهم فنتبارك.
إننا نتعب حينما تسيطر الخطية على الجسد وتستخدمه لأغراضها وفي الحقيقة نقول عن العيب هو في الخطية وليس في الجسد، وحتى لو خضع الجسد للخطية، لا يكون العيب في طبيعة الجسد، إنما في خضوعه، أما الجسد فقد باركه الرب وقدسه.
كذلك بما بارك الرب طبيعتنا، أعطاها النصرة على الموت فطبيعتنا المائتة، وهبها الرب ببركته عدم الموت. كما قال الرسول عن جسدنا المائت “هذا الفاسد لابد أن يلبس عدم فساد. وهذا المائت يلبس عدم موت” (اكو15: 53) قد كان أمنية الشيطان أن يموت الإنسان ويستمر في الموت. ولأجل هذا الهدف نصب كل فخاخه وحبائله، وكل مكره وحيله. ولكننا بمباركة طبيعتنا أصبحنا نغني:
“أين شوكتك يا موت؟! أين غلبتك يا هاوية؟! (1كو15: 55)
وأصبحت القدرة التي منحها الرب للتلاميذ لإقامة الموتى، هي مجرد عربون للقيامة الخالدة التي لا موت بعدها، وهكذا نقول في صلواتنا على المنتقلين أنه “لا موت لعبيدك بل هو انتقال” حقًا يا رب إنك قد باركت طبيعتنا فيك، ولم يعد الموت يخيفها بل أصبح مقدمة للقيامة العامة التي نلبس فيها أجسادًا روحانية…
ولعل من أعمق وأجمل ما قيل عن طبيعتنا في المعمودية
“لأن جميعكم الذين اعتمدتم بالمسيح، قد لبستم المسيح” (غل3: 27)، أي لبستم البر في المسيح، ولبستم النصرة في المسيح، وفيما بعد سوف تلبسون الذين يمجدكم به المسيح في القيامة الذي سيغير شكل جسد تواضعنا، ليكون على صورة جسد مجده” (في3: 21).
لقد أعطى الرب لطبيعتنا بركة أخرى هي حياة البر في تجسده عاش بلا خطية، بطبيعة بشرية تحيا في حياة الطاعة تعمل مشيئة الآب. وإذ بارك طبيعتنا بهذا البر، والمشيئة الواحدة مع الآب منح طبيعتنا أن تكون هكذا، إذا لم تستسلم للشيطان. وعلمنا أن نقول للآب في كل يوم “لتكن مشيئتك”.
فإن أخطأت في يوم ما، لا تقل “طبيعتي هكذا”…لا تيأس من طبيعتك، بل سبح الرب بعبارة “باركت طبيعتي فيك” لقد بارك الرب طبيعتك، ومنحها البنوة لله، وبررها وقدسها، ومنحها التناول من الأسرار المقدسة لكي تثبت فيه (يو6: 56) وأعطانا مثالًا عمليًا لكي نسلك كما يسلك هو، وأعطانا النعمة التي نستطيع بها ذلك وكل عمله روحه القدوس فينا.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 2-1-2000م



