باب الطقوس الأنوار- والشموع

باب الطقوس
الأنوار- والشموع[1]
لماذا الأنوار في الكنيسة؟
كنيستنا القبطية فيها غذاء للإنسان كله: لروحه ونفسه وعقله وجسده…
وحواس الإنسان الجسدية تجد شبعها في الكنيسة فيها يغذيها من طقوس، وبخور، وأنوار، وأيقونات، وألحان، وموسيقي.
ونود اليوم أن نتكلم عن الأنوار في الكنيسة.
الأنوار والشموع
الكنيسة الأرثوذكسية تتميز بأنوارها. وتستخدم الشموع في صلواتها، وعند قراءة الإنجيل، وأمام أيقونات القديسين، وعلى المذبح، وأمامه في شرقيته، وفي الهيكل عمومًا. وتبقي الكنيسة مضيئة باستمرار. ولها برج عال يسمي المنارة… والبروتستانتية لا تستخدم شيئًا من هذا كله، بكل ما يحوي من رموز.
لذلك سنتعرض في هذا المقال المختصر عن الأنوار في الكنيسة والحكمة فيها، وما تحويه من معان روحية.
1- الكنيسة نفسها لُقبت في الكتاب المقدس بلقب منارة. وهذا واضح في سفر الرؤيا. إذ رأي يوحنا الإنجيلي الرب يسوع وسط سبع منائر من ذهب. وكانت “المنائر السبع هي السبع الكنائس” (رؤ1: 20).
2- والكنيسة نشبهها بالسماء، على اعتبار أنها بيت الله أو مسكنه كالسماء. وقد كان هذا هو تقريبًا التعبير الذي أُطلق على أول بيت لله، إذ قال أبونا يعقوب أبو الآباء: “ما أرهب هذا المكان. ما هذا إلاّ بيت الله، وهذا باب السماء” (تك28: 17).
وفي تشبيه الكنيسة بالسماء، ينبغي أن تضئ فيها الأنوار كالكواكب في السماء.
3- أو قد تمتد الأنوار في الكنيسة إلى ملائكة السماء، أو الملائكة التي كانت تصعد وتنزل على السلم الذي رآه أبونا يعقوب في بيت إيل (بيت الله) (تك28: 12). والملائكة يمكن أن يرمز إليهم النور، إذ يسمون أيضًا بملائكة النور (2كو11: 14).
4- أو قد ترمز أنوار الكنيسة إلى القديسين، الذين يقول لهم الرب: “فليضيء نوركم هكذا قدام الناس” (مت5: 16). وشبههم في تلك المناسبة بالسراج الذي يوضع على المنارة (مت5: 15). وذكر الإنجيل أيضًا أن “الأبرار يضيئون كالشمس في ملكوت أبيهم” (مت13: 43). والقديس يوحنا المعمدان – كمثال – قال عنه السيد المسيح لليهود: “كان هو السراج الموقد المنير. وأنتم أردتم أن تبتهجوا بنوره ساعة” (يو5: 35).
ولما كانت الكنيسة مملوءة بالملائكة وبالقديسين، إذن ينبغي أن تكون مملوءة بالأنوار.
5- بل ينبغي أن تكون الكنيسة مملوءة بالأنوار، أولًا وقبل كل شيء لحلول الله فيها، والله نور (1يو1: 5) وقد قال السيد المسيح عن نفسه: “أنا هو نور العالم” (يو8: 12).
6- والكنيسة تضاء بالأنوار، على مثال خيمة الاجتماع والهيكل وكلاهما كانتا مملوءتين بالأنوار. لا تنطفئ سرجهما أبدًا. وأمر الرب بإضاءة السرج بزيت الزيتون النقي، ويشرف على هذا الأمر هارون وبنوه كفريضة أبدية. وقال في ذلك: “وأنت تأمر بني إسرائيل أن يقدموا إليك زيت زيتون نقي مرضوض نقيًا للضوء لإصعاد السرج دائمًا. في خيمة الاجتماع خارج الحجاب الذي أمام الشهادة، يرتبها هارون وبنوه من المساء إلى الصباح أمام الرب، فريضة دهرية في أجيالهم” (خر27: 20، 21).
هذا أمر إلهي. أصدره الله الذي قال” ليكن نور، فكان نور” في اليوم الأول “ورأي الله النور أنه حسن” (تك1: 3، 4).
7- والسرج التي تضاء بالزيت، لها معنى روحي، لأن الزيت يرمز للروح القدس. وكان يستخدم في المسحة فيحل روح الرب. كما مسح صموئيل داود فحل عليه روح الرب (1صم16: 13) وكما يذكر الإنجيل عن المسحة المقدسة (1يو2: 20، 27).
وحتى الشموع التي نوقدها في الكنيسة هي أيضًا من زيت. والسرج في الكنيسة كانت فتائل تضئ بالزيت لنفس الرمز.
8- نلاحظ أن الله أمر بعمل منارة في بيته، سواء خيمة الاجتماع أو الهيكل وكانت السرج، والمنارة، من الذهب النقي (خر25: 31؛ 37: 17؛ 2أي4: 20). وكل هذا يدل على اهتمام الله بالأنوار في بيته.
9- كانت السرج تضاء باستمرار حسب أمر الرب. وكان اطفاء السرج وعدم الاهتمام بإضاءتها يعتبر خيانة للرب تستحق العقوبة الشديدة. وفي هذا يقول الكتاب: “لأن آباءنا خانوا وعملوا الشر في عيني الرب إلهنا، وتركوه… وأطفأوا السرج، ولم يوقدوا بخورًا… فكان غضب الرب على يهوذا وأورشليم، وأسلمهم للقلق والدهش…” (2أي29: 6، 7).
كل هذا يرينا مدي اهتمام الرب بإضاءة الأنوار في بيته.
10- ولإضاءة السرج معنى روحي عميق خاص، يرمز إلى الاستعداد الدائم، والسهر المستمر والاحتفاظ بعمل الروح القدس في القلب. ويقول لنا الرب عن هذا الاستعداد: “لتكن أحقاؤكم ممنطقة وسرجكم موقدة وأنتم تشبهون أُناسًا ينتظرون سيدهم متى يرجع من العرس… طوبى لأولئك العبيد الذي إذا جاء سيدهم يجدهم ساهرين” (لو12: 35- 37).
وضرب الرب لنا مثلًا بالعذارى الحكيمات اللائي كانت مصابيحهن موقدة، بينما الجاهلات انطفأت مصابيحهن (مت25: 1- 12).
إن الزيت في المصابيح يرمز إلى عمل الروح القدس في القلب واستمراره موقدًا يرمز إلى السهر الدائم في حفظ القلب مرتبطًا بعمل الروح فيه.
11- وما يقال عن الافراد يقال عن الكنيسة كلها. ورؤية الناس للنور في الكنيسة يوحي إليهم بواجبهم في احتفاظهم بالنور داخلهم، وأن يكون مصابيحهم دائمًا موقدة. ويتذكرون أن الكنيسة من العذارى الحكيمات اللائي احتفظن بمصابيحهن مضيئة.
12- أما إضاءة الشموع وقت قراءة الإنجيل، فهذا بلا شك أفضل من قراءته بدون إضاءة. إن ذلك يذكرنا بقول المزمور: “سراج لرجلي كلامك ونور لسبيلي” (مز119). وأيضًا يقول المرتل: “وصية الرب مضيئة تنير العينين عن بعد” (مز19).
13- والكنيسة الأولى منذ عصر الرسل كانت مهتمة بهذه الأنوار وما تحمله من رموز. ويسجل لنا سفر أعمال الرسل عن العلية التي كان يعظ فيها بولس بعد كسر الخبز، أنه “كانت مصابيح كثيرة في العلية التي كانوا مجتمعين فيها” (أع20: 8).
14- والشموع التي نضعها أمام صور القديسين، إنما تذكرنا بأنهم كانوا أنوارًا في أجيالهم. وبأنهم كانوا كالشموع، يذوبون لكي “يضئ نورهم هكذا قدام الناس”.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة السنة السادسة عشرة – العدد الرابع عشر 9-12-1988م



