اهتموا بالعمق

اهتموا بالعمق[1]
إن كل عبادتنا وروحياتنا، تفقد قيمتها، إن كانت بلا عمق. لذلك ندعو الكل إلى الاهتمام بعنصر العمق في حياتهم، لكي تنجح حياتهم، في الروح، وفي كل مجال.
اهتموا بالعمق
النمو في الحياة الروحية، والكمال فيها، لا يقاس بمقياس طول، أو بمقياس علو. بقدر ما يقاس بالعمق.
والعمق هو عمق الحب نحو الله، وعمق الشعور الروحي داخل القلب، لذلك شدد الرب على هذه النقطة فقال: “يَا ابْنِي أَعْطِنِي قَلْبَكَ، وَلْتُلاَحِظْ عَيْنَاكَ طُرُقِي” (أم23: 26).
وما أجمل قول المزمور: “كل مجد ابنة الملك من الداخل” (مز45: 13)، على الرغم من إنها “مشتملة بأطراف موشاة بالذهب، ومزينة بأنواع كثيرة”، إلا أن كل مجدها هو في الداخل في العمق، في القلب، في الفكر، في المشاعر…
والاهتمام بالعمق، بدأ مع المسيحية، من بدء كرازتها..
فحينما دعا الرب تلاميذه، أمر بطرس أن يلقي شباكه في العمق، وهكذا اسـتطاع أن يأتي بصيد كثير، وأخذنا بهذا درسًا في أهمية العمق…
ويعجبني قول داود في المزمور “مِنَ الأَعْمَاقِ صَرَخْتُ إِلَيْكَ يَا رَبُّ” (مز130: 1). من عمق قلبي وعاطفتي، من عمق إيماني وثقتي، من عمق احتياجي وعوزي، من عمق ضعفي وعجزي. من عمق مشاعري، صرخت إليك، بعمق له تأثيره عندك.
إن الأرملة التي دفعت فلسين، أعطتنا فكرة عن عمق العطاء.
فالرب اعتبرها أعطت أكثر من الجميع، ليس لأنها دفعت كثيرًأ، وليس لأن ما دفعته كانت له قيمته، وإنما لأن عطاءها كان فيه عمق. إذ أنها أعطت كل أعوازها لا من فضلاتها، وفضلت غيرها على نفسها، فظهر عمق بذلها فيما قدمته…
ونري العمق في الصلاة، يبدو في أمثلة كثيرة:
فالعشار قال عبارة واحدة، خرج بها مبررًا، بعكس صلاة الفريسي الطويلة الكثيرة التفاصيل. ذلك لأن صلاة العشار لم يقسها الرب بطولها، وإنما بعمقها، عمق الانسحاق والتواضع، وعمق الاعتراف، وعمق الاستغاثة.
كذلك اللص اليمين، قال عبارة واحدة، أدخلته الفردوس. عبارة تحمل أعماقًا عجيبة، فيها الإيمان بالمسيح ربًا وملكًا، والإيمان بأنه ذاهب إلى ملكوته، وأنه قادر على إدخاله الملكوت. كما كانت صلاته تحمل عمقًا آخر في صلته بالمصلوب…
وما أجمل قول بولس الرسول في هذا العمق، إنه يريد أن يقول خمس كلمات بفهم، أفضل من عشرة آلاف كلمة بلا منفعة. ليس المهم إذن في طول الصلاة، وإنما في عمقها…
والعمق في الصلاة يشمل أمور كثيرة منها:
مقدار ما في الصلاة من صلة، ومن حب، ومن فهم، ومن تأمل، ومن خشوع، ومن تواضع وانسحاق قلب، ومقدار ما في الصلاة أيضًا من إيمان، ومن ثقة ورجاء..
فهل أنت تصلي بهذا العمق؟ أم تراك تركز كل اهتمامك بطول الصلاة، أو نوع الكلمات ولو كانت غير خارجة من قلبك؟!
وفي قراءاتك الروحية، هل تهتم بعدد الأصحاحات التي تقرؤها أم بتأثير كل كلمة في نفسك!!
لا شك أن القديس الأنبا أنطونيوس، كان قد سمع كثيرًا من كلمات الكتاب في تردده على الكنيسة. ولكن الآية التي تقول: “اِذْهَبْ بِعْ كُلَّ مَا لَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ” (مر10: 21)، كان لها عمق خاص في قلبه، استطاع أن يغير حياته كلها…
بل إن عمق هذه الآية، تجاوز القديس أنطونيوس…
إذ أنها استطاعت أن توجد في الكنيسة كلها طقسًا من الملائكة الأرضيين إنضم إليه مئات الآلاف من الناس، في أجيال كثيرة… ذلك لأن الآية فُهمت بعمق.
إن آيات الكتاب، لا تؤخذ بسطحية، لأن لها أعماقًا تحتاج من القاريء أن يصل إليها، ومن أجلها يصلي قائلًا: “اكْشِفْ عَنْ عَيْنَيَّ فَأَرَى عَجَائِبَ مِنْ شَرِيعَتِكَ” (مز119: 18).
هذه الأعماق ما كان يدركها الكتبة والفريسيون في حرفيتهم، على الرغم من كثرة قراءتهم وحفظهم. ولعل من أمثلة هذا الأمر شريعة السبت، التي بدأ الرب يشرح لهم عمقها…
بل أن التلاميذ أنفسهم، ما كانوا يدركون ما في الكتب من عمق، فبدأ الرب يفتح أذهانهم ليفهموا ما في الكتب…
وكما تكلمنا عن شيء من عمق الصلاة، ومن عمق الكتاب، نتعرض أيضًا لموضوع العمق في الخدمة!
إن عظة واحدة من بطرس الرسول استطاعت أن تحول ثلاثة آلاف شخص إلى الإيمان بالمسيح، وإلى التوبة والمعمودية، وقبول المغفرة وعطية الروح القدس… عظة واحدة!!
أي عمق تراه كان في هذه العظة؟ أعني عمق الروح، وعمق الفاعلية والتأثير، وعمق الاشتراك مع الله في الخدمة…
وانظروا إلى عمق التأثير أيضًا في كلمات بولس الرسول: “وَبَيْنَمَا كَانَ يَتَكَلَّمُ عَنِ الْبِرِّ وَالتَّعَفُّفِ وَالدَّيْنُونَةِ الْعَتِيدَةِ أَنْ تَكُونَ، ارْتَعَبَ فِيلِكْسُ” (أع24: 25)، ارتعد الوالي من أسيره، أو ارتعد من تأثيره، لأنه كان يتكلم بعمق. أخرج الوالي من موضوع القضية، وأدخله إلى أعماق نفسه، فخاف الدينونة وارتعد…
وكانت خدمة الرسل في عمق، لذلك نرى الكتاب يقول: وكان “مَلَكُوتَ اللهِ قَدْ أَتَى بِقُوَّةٍ” (مر9: 1). وفي سنوات قليلة، رأينا هؤلاء الذين لم يكن لهم صوت ولا كلام، إلى أقطار المسكونة بلغت أقوالهم. وانتقلت المسيحية من أورشليم واليهودية، حتى وصلت إلى أقاصي الأرض…
عمق هذه الخدمة، كان نابعًا من إيمان، وكان ممتزجًا بغيرة مقدسة، ومحبة للرب وملكوته، وإخلاص لا مثيل له..
كانت خدمة عميقة، لأنها كانت أمينة حتى الموت… “فِي أَتْعَابٍ، فِي أَسْهَارٍ، فِي أَصْوَامٍ، فِي طَهَارَةٍ، فِي عِلْمٍ، … فِي كَلاَمِ الْحَقِّ، فِي قُوَّةِ اللهِ بِسِلاَحِ الْبِرِّ…” (2كو6: 5- 7).
ولعل من أبرز الأمثلة لعمق الخدمة، يوحنا المعمدان…
عاش في البرية ثلاثين سنة، إلى أن ظهر لإسرائيل وبدأ خدمته. وبعد ستة أشهر فقط، بدأ المسيح الخدمة. وفي هذه المدة القصيرة، ستة أشهر فقط تمتد بالأكثر إلى عام، أو أقل من عام، استطاع المعمدان أن يهيء الطريق أمام المسيح، وأن يقود الناس إلى التوبة، وإلى المعمودية، معترفين بخطاياهم…
أي عمق كان في تلك الأشهر القليلة…
أترى خدمتك أنت أيضًا لها مثل هذا العمق؟
هل كل كلمة تقولها، لها تأثيرها في نفوس الناس؟
هل تهتم بعدد تلاميذك، أم بعمق فاعلية الكلمة فيهم؟
هل لك مظهرية الخدمة، من أنظمة وكراسات ومواعيد وأنشطة متعددة، أم لك عمق الروح، الذي يقود الناس إلى عمق محبة الله، وعمق الصلة به؟ …
هذا العمق هو الذي يميز الخادم الروحي الناجح، عن الخادم العادي، أو الخادم المظهري، أو الخادم غير المنتج.
قد يوجد خادم يقيس خدمته بنوعية الفصول التي يدرسها، بينما يوجد خادم آخر، لا فصل له، ولا مظهر، ولكنه عجيب في العمل الفردي، في كل يوم يضم إلى ملكوت الله عناصر جديدة عرفت الله عن طريقه وبتأثير خدمته!
الذي يهتم بالمظهرية، يركز على عدد المطانيات التي يضربها كل يوم. أما الذي يهتم بالعمق، فإنه يسر لا بأن تلصق رأسه بالتراب، إنما يهمه ان تلصق نفسه بالتراب، في انسحاق أمام الله. هنا العمق..
الذي يعيش في شكلية الإيمان، قد يرى أن الإيمان هو مجرد الاعتراف بالمسيح ربًا ومخلصًا، ويقول آمن فقط، دون أن يأخذ عنده الإيمان معنى أعمق من هذا.
أما الذي يدخل إلى العمق، فالإيمان يشمل عنده كل شيء…
في المعنى العميق، المؤمن لا يستطيع أن يخطئ، والشيطان لا يمسه، “لأَنَّهُ مَوْلُودٌ مِنَ اللهِ” (1يو3: 9).
هنا الإيمان المثمر، العامل بالمحبة، الذي تتركز فيه كل الحياة المسيحية، وليس هو مجرد الإيمان ببعض الحقائق اللاهوتية. أي أن الإيمان العملي، يمتزج بالحياة السلمية.
يا ليت كل واحد منا، يقرر أن يصحح مقاييسه الروحية، ويترك السطحية في حياته، لكي يدخل إلى العمق…
والعمق ليس في الممارسات الخارجية، إنما في القلب من الداخل. الممارسات لا تكون إلا تعبيرًا عن القلب… والعمق ليس في الكلام، وإنما في العمل… فالاتضاع ليس هو عبارات اتضاع يرددها الإنسان، دون أن يعنيها عمليًا، إنما هو الاتضاع القلبي قبل كل شيء…
والغيرة ليس هو كلام الحماس، كما قال بطرس الرسول!
“لو أدى الأمر أن أموت معك” (مت26: 35)، “لو أنكرك الجميع، فأنا لا أنكرك” (مت26: 33). وليست الغيرة أن يرفع السيف ليضرب عبد رئيس الكهنة! لذلك فإن السيد المسيح ترك كل هذه الكلمات، ودخل إلى العمق، إلى القلب، وقال لبطرس: “أَتُحِبُّنِي أَكْثَرَ مِنْ هؤُلاَءِ؟” (يو21: 15) …
وإذا ما تكلمنا عن العمق، لعلنا نذكر أيضًا أن الألم هو عمق آخر في الحياة الروحية، لأنه دليل على البذل…
لذلك فإن الله أظهر عمق محبته لنا، بآلامه من أجل خلاصنا. وكذلك فإن الشهداء والمعترفين برهنوا على عمق إيمانهم، وعمق محبتهم لله، بقبولهم للعذاب والآلام من أجله…
وأنت، ما هو عمق الألم في حياتك مع الرب؟
وإلى أي حد أنت مستعد أن تتعب وتتألم من أجله؟
[1] مقال: قداسة البابا شنوده الثالث “اهتموا بالعمق”، مجلة الكرازة 28 سبتمبر 1979م.




