اليقظة الروحية

في هذا الباب سنتابع معكم نشر محاضرات يوم الجمعة بالكاتدرائية التي يلقيها قداسة البابا شنوده وسننشرها كما هي، على قدر إمكاننا، حتى يحس القارئ، كأنه يسمع المحاضرة، بنفسه، وبنفس الأسلوب وسنبدأ اليوم محاضرة عن:
اليقظة الروحية1
الإنسان الذي يعيش في الخطية بعيدًا عن الله، هو إنسان نائم، إنسان مخدر لا يشعر بما هو فيه. أنه محتاج أن يستيقظ لذلك فإن معلمنا بولس الرسول يقول “إنما الآن ساعة لنستيقظ”… يكفي الوقت الذي قضيناه في النوم… وهكذا فإن الكنيسة تضع لنا تسبحه في نصف الليل تنادينا فيها قائلة “قوموا يا بني النور، لنسبح رب القوات لأنه أنعم علينا بخلاص نفوسنا.” والمرنم يقول في المزمور “أستيقظ يا مجدي أستيقظ أيها المزمار والقيثار”. قم. قم أيها النائم. وبولس الرسول استعمل هذا التعبير أيضًا في رسالته الى أفسس فقال: “استيقظ أيها النائم، وقم من الأموات، فيضيء لك المسيح”.
إنها دعوة إلى الاستيقاظ. كان هذا الإنسان الخاطئ شخص نائم، ومحتاج إلى أن يستيقظ، ويصحو لنفسه، ويفيق، يفيق من غفوته.
الإنسان الخاطئ يعيش كأنه نائم، لا يشعر بنفسه، “سارقاه السكينة”، لا يدري بما هو فيه، إحساسه الروحي معطل. إنسان قد نسى نفسه، ونسى علاقته بالله.
ربما يظن أنه في ملء اليقظة، يملأ الدنيا نشاطاً وحركة، بينما تصيح الملائكة “إن هذا الإنسان نائم، لا يدري أين روحه وأين مصيره” ويحاول الملائكة أن يوقظوه…
عندما يريد الشيطان أن يوقع إنسانًا في خطية، يخدر ضميره أولًا حتى لا يحس، وحتى لا ينتبه، ولا يدري ماذا يعمل… هل تدرون أي شيء يشبهه هذا الخاطئ.
مثل كرة رماها إنسان من فوق جبل، في زاوية معينة، وظلت الكرة تتدحرج وتتدحرج من فوق إلى تحت، وهي لا تشعر، ولا تملك ذاتها لتقول “أين أنا؟ وإلى أين أنا أتجه؟”… وتظل دحرجة تدفعها إلى دحرجة، وهي تنحدر، بلا فكر، بلا وعي، بلا حس… لا تدري إلى أين هي ذاهبة…؟
كل ما تحسه أنها تتدحرج وقد لا تحس هذا أيضًا.
إلى أن يصدمها حجر في الطريق، ويوقفها. ويقول لها “قفي” كفاكي دحرجة. إلى أين أنت ذاهبة؟ وإلى أين المصير… هكذا الخاطئ.
هذا الخاطئ يحتاج إلى أن يستيقظ. وإن لم يستطع، لابد من أن يوقظه غيره. اسمعوا ماذا يقول المزمور… “أنا اضطجعت، ونمت، ثم استيقظت، لأن الرب معي “.. أنا اضطجعت. لم أكن أدري بما أنا فيه… ثم استيقظت…
سعيد هو الانسان الذي لا يطول به النوم. كما يقول المزمور “أنا استيقظ مبكراً” ….
ماهي اذن اسباب هذا النوم أو الغفوة؟
وكيف يستيقظ الإنسان من النوم؟ هذه الأسباب كثيرة نذكر من بينها:
- المشغوليات:
الإنسان الخاطئ إنسان مشغول، غير متفرغ لله، ليس لديه وقت يفكر فيه في نفسه أو في أبديته، وليس لديه وقت يقضيه مع الله، أو يفكر خلاله في تغيير حالته.
إن الشيطان الحكيم في الشر، إذا أراد أن يوقع إنسانًا في الخطية لابد أن يشغله أولًا، لا يعطيه فرصة ليجلس إلى نفسه حتى لا يفكر في شيء روحي، وحتى لا ينصت إلى صوت الله داخله..
لذلك يقول الشيطان: لابد أن أجعل هذا الشخص مشغولا باستمرار… لا يهم أن تكون مشغولية بالخطية، وإنما أية مشغولية بغض النظر عن نوعها.
تلميذ مثلا: يشغله بالمذاكرة، بالعلم حتى يتخرج، فيشغله في وظيفة، في دراسات عليا، في زوجة، في مسائل عائلية، في مشاكل، في نشاط، في رياضة، في أي شيء… المهم أنه لا يترك له وقتًا يفكر فيه في نفسه أو في الله.
أن عالمنا في هذا العصر التكنولوجي، العصر الآلي، هو عالم مشغول، عالم يلف مثل الماكينة، مثل الآلة، يدور في سرعة عجيبة… كل إنسان يجري، وهو مشغول، كأنه في دوامة.
عالم فقد الهدوء والسكون وعاش في مشغوليات دائمة…
حتى لو أخذ الإنسان عطلة من عمله، وجلس في بيته، لا يتركه العدو هادئًا في بيته، بل يرسل له مشغولية… زيارة ينشغل فيها بأحاديث لا تنتهي ولا تفيد… وإن لم تكن هناك زيارة ينشغل بالحديث مع أفراد الأسرة… أو يجلس إلى الراديو أو إلى التليفزيون ينشغل بالرؤية أو بالسمع أو بكليهما… المهم أنه لا يجلس إلى نفسه، ولا يجلس مع الله، لئلا يصحو… فيفكر في حياته.
وإذا أصر الإنسان أن يخرج من مشغوليته ويجلس إلى نفسه. يقول له الشيطان “إذا كنت مصرًا على هذا فلا مانع، لكن على شرط أن أجلس معك، أفكر معك وأقدم لك النصيحة السليمة”.
وهكذا يربكه حتى في وحدته وخلوته. ويشوش أفكاره. ويسرح بها في ميادين متنوعة بعيدة عن التركيز. وهكذا يدخل الإنسان في مشغولية أخرى هي “طياشة الفكر ومشغوليته”…
عجيب أن يظل الناس هكذا مشغولين. ليس فقط طول الحياة. بل صدقوني حتى لو أتاهم الموت لوجدهم أيضًا مشغولين… وعندما يأتي المسيح في مجيئه الثاني، لينقلنا إلى الأبدية. أليس من الجائز أيضًا أن يجد العالم مشغولًا؟!…
عالم مشغول متى تراه سيفرغ من هذه المشغولية، ويعطي ولو جزءًا من وقته لله؟ متى؟ متى يقتطع جزءًا من وقته ليقضيه مع الله؟ متى يحصل على فترة هدوء أو سكون؟ فترة يقضيها في التأمل لأجل راحته النفسية وراحته الروحية.
فترة يستريح فيها اللسان من الكلام، وتستريح فيها القدمان من المشي والجري، وتستريح فيها اليدان من العمل…!
إن الله يقول لنا إنني أريد أن أريحكم ولكنكم لا تريدون أن تريحوا أنفسكم، لأنكم دائمًا في مشغولية. فماذا أعمل لكم؟ سأعطيكم يومًا للراحة، يومًا كل أسبوع تستريحون فيه وتهدأون لأنفسكم. وفي هذا اليوم تجلسون معي…
مثل خطيب يقول لخطيبته، سأتفرغ يومًا في الأسبوع نقضيه معًا، نخرج معًا، نتنزه معًا، نتحدث معًا. فيأتي هذا الخطيب فيجد خطيبته دائمًا مشغولة، لا تلتفت إليه، وراءها الكنس والمسح والغسل والتوضيب فتقول له “ليس الآن. إنني مشغولة بالعمل في البيت؛ لست أجد وقتًا لك”.
نسأل الناس عن علاقتهم بالله فيقولون إنهم مشغولون.
إن كانوا حقا مشغولين طول الأسبوع، فماذا عن يوم العطلة، يوم الرب… إنه ليس لهم، إنه مكرس لله، إن انشغلوا فيه، لا يكون لله أهمية في قلوبهم…
لسنا نجد وقتًا لله، لأننا مشغولون، ما تزال الكرة تتدحرج من فوق الجبل ولم تجد حجرًا يوقفها ليقول لها أين أنت؟
مرثا كانت مشغولة. ولم تشعر مطلقًا أنه يجب عليها أن تترك مشغوليتها وتجلس مع الرب. بل أكثر من هذا ظلت تلوم مريم الجالسة في هدوء عند قدمي المسيح…! لماذا تجلس في هدوء؟ لماذا لا تنشغل مثلي ومعي؟ ما فائدة جلوسها مع الله… مثل الذين يلومون الرهبان ويطلبون أن ينزلوهم معهم في ارتباكاتهم ومشغولياتهم، خارج الهدوء.
لا بد يا أخوتي أن ننظم وقتنا ونجعل للرب نصيبه فيه، ولا نتنازل عن نصيب الرب لأية مشغولية أخرى مهما كانت الأسباب…
قلل مشغولياتك. وإذا جعلت في نفسك الأهمية القصوى لجلوسك مع الله، ولزوم هذا لحياتك ولأبديتك. فلا بد أنك ستجد وقتًا… لابد أنك سترتب وقتك.
إنك لست في مثل مشغولية داود النبي والملك.. كان ملكًا، وقائدًا للجيش، وقاضيًا للشعب كله، وأبًا وزوجًا لأسرة كبيرة… ومع كل تلك الشواغل وجد وقتًا لله، وقتًا طويلًا ودسمًا للمزمار والقيثار، وللتسييح والترتيل.
العجيب أنه حتى بين المكرسين لله، المتفرغين له، هناك عدد كبير لا يجد وقتاً لله يجلس فيه معه، وسط شواغل الخدمة…
نقول له: أين صلواتك ومزاميرك وتأملاتك وهدوءك؟ يقول لك “لست أجد وقتًا… الخدمة، والافتقاد، وتحضير الدروس، والاجتماعات، والجلسات مع المخدومين… كل ذلك ما أبقى لي وقتًا…!! حقًا صدق الأديب الذي قال:
“قضيت عمرك في خدمة بيت الرب، فمتى تخدم رب البيت؟!”
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة السنة الخامسة – العدد الأول 05-10-1974



