الهروب من الله

الهروب من الله!1
أمس كان عيد يونان.. واليوم أريد أن أحدثكم بعض الشيء عن بعض التأملات الروحية في قصة يونان.. فكلما يقرأ الإنسان قصة يونان يجد فيها أشياء تدعو للتأمل.
وقصة يونان النبي، هي قصة علاقة الله بالإنسان، ونحن كلما نقرأ هذه القصة، نتذكر أن الله لا يزال يحب الناس، ولا يزال يعمل لخلاصهم.. إن الله المحب الحنون، لا يزال يسعى إلى الناس من أجل خلاصهم.. ولكن الناس– رغم ذلك يهربون من الله.
وعندما نقرأ قصة يونان ونتأمل فيها، نتذكر الإنسان في جحوده وبعده عن الله، وهروبه منه ففي هذه القصة، – ومن أولها– نرى عبارة تقول: “فقام يونان ليهرب إلى ترشيش من وجه الرب”!
شيء عجيب حقا، أن نرى الإنسان يهرب من الله، المخلوق يهرب من الخالق– عجيب أن نرى الإنسان المحتاج يهرب من الله الذي فيه كل احتياجات البشر.. الإنسان المسكين الضعيف، يهرب من الله القوي القادر…!
وعجيب أيضًا أن نرى الله غير المحتاج هو الذي يسعى وراء الإنسان الضعيف!
ربما يكون عاديًا أن يهرب الإنسان من خطر أو شر– أما أن يهرب الإنسان من الله فذلك أمر غريب.. لأن الله هو الخير والحب والقداسة.. فكيف يهرب الإنسان من هذه الأمور التي هي الله!
ولكن.. هكذا الإنسان، لا يقابل محبة الله بمحبة تشبهها وطوال عمره، الإنسان ناكر للجميل، لا يقدر محبة الله الذي يحبه، بل يجرح قلب هذا المحب باستمرار.. إن الله يفتح قلبه وصدره، بينما الإنسان يدير وجهه بعيدًا، ولا يهتم بقلب الله المفتوح!
ومع ذلك.. فما يزال الله يفتح قلبه للإنسان، وما يزال الإنسان مستمرًا في جحوده وخيانته، وبعده عن الله، وهروبه منه..
لقد كان “آدم” أول شخص هرب من وجه الله.. كانت بين آدم والله صداقة ومحبة، وكان الله يأتي إليه في الجنة ويتحدث معه.. وفي لحظه، شعر آدم أن علاقته بالله لم تعد كما كانت.. فهرب من الله خوفًا وخجلًا وقال: “سمعت صوتك فخشيت.. وهربت”! وكثيرون– مثل آدم يهربون من الله نتيجة الخوف والخجل لأنهم وقعوا في الخطية، ولكنهم– بهذا الهروب لا ينجون وإنما تزداد حالتهم سوءًا. لأن الخطية لا يجب أن تكون دافعًا لهذا الهروب بل على العكس.. فالله يقول: ” تعالوا إلىَّ يا جميع المتعبين، والثقيلي الأحمال، وأنا أريحكم”!
كثيرًا ما نهرب من الله خوفًا، وخجلًا من خطايانا، ولكن الإنسان المليء بالخطايا والنجسات، أولى به ألا يهرب من الله، بل يهرب من خطاياه.. لأنه لو هرب من الله فسوف لا يجد الوسيلة التي يتطهر بها ويخلص.. بل إنه سوف يمضي في طريق الانزلاق خطوة خطوة حتى يضيع ولا يبقي الشيطان منه شيئا.
إن الذي يهرب من الله خوفًا وخجلًا– لا يعرف طبيعة الله المملوءة بالمحبة والمغفرة.. وهو يزيد– بالهروب– حياته تعقيدًا وسوءًا..
والذي يقع في الخطية– بدلًا من أن يهرب من الله – عليه أن يتجه إليه، ويقف أمامه، ويحدثه عن سقطته وخطئه.. وعن خجله.. لا تهرب من الله.. إن اخطأت- بل قف أمامه وحدثه عن خجلك بصراحة، وقل له إنك خائف.. وكن مثل “العشار” الذي كان متعبًا من خطاياه، فلم يهرب، وإنما أتى بكل خطاياه إلى الله.. ووقف.. في خوف وخجل، ولم يستطيع أن يرفع عينيه إلى فوق.. وقف بعيدًا يقرع صدره ويصرخ الى الله قائلًا: “اللهم ارحمني فإنني خاطئ”!!
إن الهروب من الله، لعبه من الشيطان يريد بها تغيير حاله الإنسان بالخطية.. إن لك أن تخجل بسبب الخطية.. وأن تخاف الله.. داخل قلبك.. ولكن لا تهرب منه.. لقد كان آباؤنا القديسون في خجلهم يصلون إلى الله بدموع وبانسحاق قلب، ويصلون بخجل.. مثل النبي دانيال الذي عندما صلى قال: ” أما نحن فلنا خزي الوجوه، ولنا ولآبائنا وملوكنا”! وهكذا قال “عزرا” أيضا إن الخطية ليس معناها أن نهرب.. فالذي يهرب من الخطية مثله كمثل إنسان يقع في حفرة، وبدلًا من أن يقوم، يستمر في الانزلاق والانحدار.. إلى غير نهاية.. ذلك هو عمل الشيطان من أجل أن يوقع الإنسان في “اليأس”.. إن الخاطئ يحتاج لمن يمسك بيده وينقذه، بينما “شيطان الخجل” يحاول تسليمه “لشيطان اليأس”، الذي يسلمه إلى “شيطان الهروب”…!
إن “داود”– وهو نبي وملك– وقع في خطية الزنا والقتل، ومع ذلك لم يهرب من الله بل تقدم إلى الله في خطيته، وقال: “انضح علىَّ بزوفاك فأطهر.. اغسلني فأبيض أكثر من الثلج!” تلك هي صرخة الأمل فقد كان داود في عمق خطيته محتفظًا بالأمل والرجاء.. وفقدان الأمل والرجاء هو لعبة الشيطان من أجل أن يوقع الإنسان في اليأس.
لقد كان داود في خطيته يعرف أنها متعبة ومع ذلك لم ييأس ولم يهرب من الله.. وإنما اتجه إليه وقال: “يا رب لا تبكتني بغضبك، ولا تؤدبني بسخطك، أرحمني يا رب فإني ضعيف، اشفيني يا رب فإن عظامي قد اضطربت ونفسي قد انزعجت جدًا “. ذلك لأن “شيطان اليأس” يجعل الإنسان يهرب من الله ويبتعد عنه!
أما أولاد الله فإنهم لا يهربون إذا سقطوا في الخطية، وإنما يهرعون إليه ويطلبون الرحمة، عارفين أن باب السماء مفتوح.. فهو القائل: “من يقبل إلىَّ لا أخرجه خارجًا”!
إن الهروب من الله، خوفًا وخجلًا بسبب الوقوع في الخطية.. هو أول الأنواع وهناك نوع آخر للهروب من الله:
ذلك هو الهروب من صعوبة الطريق!!
عندما كان المسيح يتكلم عن التناول من جسده ودمه – يقول الكتاب المقدس “من ذلك الحين بدأ كثيرون يتركونه ويرجعون إلى الوراء.. لدرجة أنه قال لتلاميذه الإثنى عشر.. “حتى أنتم أيضًا تريدون أن تمضوا…!” فأجابه بطرس قائلًا: “لمن نذهب وكلام الحياة الأبدية عندك!”. “إن الإنسان عندما يجد الطريق صعبًا فإنه يترك الله ويبتعد.. دون أن يعرف أن الطريق– مهما كان صعبًا– فهناك “نعمة الله”. فهذه النعمة هي التي تمكنهم من اجتياز هذا الطريق الصعب، فيعرفون كيف يحبون أعدائهم ويحسنون إلى مبغضيهم.. وكيف يصلون إلى الكمال.. وكيف يستطيعون الدخول من الباب الضيق “ويحملون الصليب”!
كثيرون يهربون من طريق المسيح، شاعرين أن طريقه صعب لأنهم يريدون اليسر ولا يريدون العسر.. وقد تكون هذه الصعوبة لعبة شيطانية…!
إذا وجدت أن الخير طريقه صعب، واسودت الدنيا أمامك، وبدأت تشعر باليأس.. فاعلم أن هذه هي حروب الشيطان.. لأن الشيطان يجعل دائمًا الطريق صعبًا أمام أولاد الله، لكي يقودهم إلى اليأس..
إن وصايا الله – حتى لو كانت صعبة، فهناك “النعمة” لتحفظ الإنسان.. وحيثما كثرت الخطية، تكثر النعمة.. فإن وجدت نفسك محاطًا بالخطية، فاعلم أن نعمة الله تحيطك أيضًا، وروحه القدوس من حولك: وقوة العلي تظللك.. وأن الله لا يتركك وحيدًا.. فأنت لست وحيدًا في جهادك، لأن هناك الملائكة، وأرواح القديسين، وروح الله القدوس، ونعمة الله.. وهناك قوات خفية من حولك، تساعدك دون أن تدركها! ولذلك فلا تخف من صعوبة الطريق ولا تيأس.. فكلما صعب الطريق، اطمئن، وقل إن طريق الله فيه صعوبات، ولو وجدت أن الحياة سهلة أمامك، فهنا يجب أن تخاف لأنك عند ذلك ربما لا تكون سائرًا في طريق الله.
ومع ذلك: فإذا كان الطريق أمامك صعبًا، خذه بالتدريج.. إن أطول مسيرة في الدنيا-تبدأ بخطوة واحدة.. خطوة واحدة.. عندما تخطوها- فهي جزء من الطريق.
والله لا يطالبك إلا بهذه “الخطوة الواحدة”.. ولا يريد الطريق كله.. خطوة واحدة فقط.. بعدما تخطوها.. سوف يطالبك الله بخطوة واحدة- مرة أخرى- وهكذا.. لتجد أنك قطعت الطريق الصعب الطويل!!
عليك فقط أن تخطو خطوة.. وعندما تجد الطريق طويلًا.. قل لنفسك “أريد خطوة واحدة فقط من هذا الطريق الطويل.. قرر ثم نفذ.. خطوة.. خطوة وتأكد أنك كلما خطوت خطوة في طريق الله ستجد أنك لبست “نعمة”، وستجد أن روح الله بدأ يعمل معك وبداخلك.. إن الخطوة التي تخطوها ستعطيك حرارةً وقوةً وأملًا.
إن تصعيب الطريق لعبة من ألاعيب الشيطان لكي تهرب من الله..
ومن مهمة “آباء الاعتراف” والمرشدين الروحيين تسهيل الطريق على الناس.. والذين يصعبون الطريق على الناس إنما يدفعونهم – بذلك إلى اليأس والهروب.. والقديس يوحنا يقول: إن وصايا الله ليست ثقيلة.. والباب الضيق هو هكذا في أوله، لكنه واسع.. وداود يقول: “ذوقوا وانظروا ما أطيب الرب” ويقول أيضًا: “ومحبوب هو اسمك يا رب، وهو دائمًا تلاوتي” وهو بذلك كأنه يقول: أيها الهاربون من الله، البعيدون عنه، لا أريدكم أن تندمجوا في الحياة الروحية لأعماقها، ولكن: ذوقوا.. وجربوا!!
“والمرأة السامرية” عندما راحت تدعو الناس لم تقل لهم تعالوا آمنوا.. وإنما قالت: تعالوا “وانظروا”.. ثم جاء الناس “ونظروا” فآمنوا بالمسيح بعدما أحبوه!
حذار من تصعيب الطريق أمام أولاد الله.. إن بعض الناس يتصورون أنها “مهارة” عندما يعقدون الأمور ويصعبون الطريق.. لا تحملوا الناس فوق طاقتهم، بل كلًا حسب قدرته واستطاعته.. ولا يجب أن نصعب الحياة الروحية أمام الناس فإن الشيطان يصعب الطريق، والذي يصعب الطريق يتعاون مع الشيطان، وصعوبة الطريق تجعل الإنسان يهرب من الله تمامًا…!!
يجب أن يؤخذ الدين خطوة خطوة، وبعض الناس– من حماسهم– يريدون أن يرتفعوا مرة واحدة.. ولذلك يقول الآباء الرهبان: “إن وجدت شابًا يصعد إلى السماء، فاجذبه من رجليه، خشية ألا يقدر أن يكمل.. فييأس، ويضيع…!”. والشيطان يصعب الطريق، ويلقي الإنسان في يأس، ثم يعود به إلى الطريق العكسي.. وكما يقول داود في المزمور: “كثيرون يقولون لي ليس له خلاص بإلهه!!”
هناك مثل عادي في الرهبانية يقول: “الطريق الوسطى خلصت كثيرين.. ومن هنا، كان التطرف ضربة من ضربات الشيطان.. فالشيطان إذا أراد أن يسقط إنسانًا، يقوده إلى التطرف، ثم يصعب له الطريق، ثم يدفعه لليأس…!
والآباء القديسون يسمون “التطرف” ضربة يمينية.. – وهناك أيضًا ضربة شمالية هي السير في الخطية– أما الضربة اليمينية، فهي جريمة روحية قوية المستوى، لا يستطيع الفرد أن يواصل فيها أو يستمر.. ولذلك يقول الحكيم “لا تكن بارًا بزيادة”.. يعني زيادة عن مستواك وإمكانياتك وقدراتك.. بل سر في الطريق الروحي خطوة خطوة.. فالطريق الروحي يحتاج إلى حكمة..
هناك نوع ثالث من الهروب من الله.. هو الهروب بسبب “الذات”!
فهناك أناس تهمهم “ذواتهم”، وتحول بينهم وبين الله.. إنهم يفكرون في ذواتهم وكرامتهم الشخصية.. مثل يونان الذي قال: “آه يا رب أليس هذا كلامي إذ كنت بعد في أرضي، لذلك هربت إلى ترشيش”!
وكثيرًا ما يكون تفكير الإنسان في ذاته، وكرامته، وكبريائه، سببًا للهروب من الله!
إن المسيحية، تحتاج أن ينكر الإنسان ذاته، والمسيح يقول: “من أراد أن يتبعني فلينكر ذاته ويحمل صليبه ويتبعني”!
والملحدون– كالوجوديين مثلًا– يقولون: “إن وجود الله يلغي وجودي فالأفضل ألا يوجد الله، لكي أوجد أنا”!
وهم بذلك يهربون من الله.. بسبب ذواتهم!
بينما نجد أن يوحنا المعمدان قد انتصر على “مشكلة الذات”- هذه، وقال: “ينبغي أن ذاك يزيد وأنا أنقص”.. كما انتصر المرتل على هذه المشكلة أيضًا عندما قال: ” ليس لنا يا رب.. ليس لنا، ولكن لاسمك القدوس أعط مجدًا!!”
إن الذي يهتم بذاته وشخصيته، وكرامته.. وإلى آخر هذه الأمور، إنما يحجب بهذا الاهتمام وجه الله.. ومن ثم.. فهو بذلك يهرب من الله…!
وليت الإنسان– من هؤلاء– يفكر في ذاته بطريقة روحية صحيحة، غير منحرفة، وإنما هم– فيما يثبتون ذواتهم– يضيعونها، ولذلك قال المسيح: “من وجد نفسه يضيعها ومن أضاع نفسه– من أجلي يجدها!” إن الذي يريد أن يسير في طريق الله عليه أن ينسى ذاته وينكرها ولا يفكر إلا في الله.
نوع رابع من الهروب من الله.. يحدث من أجل شهوات العالم.. تماماً كما فعل “الابن الضال”.. وكما فعل “ديماس” أحد معاوني بولس الرسول الذي قال عنه: “ديماس تركني لأنه أحب العالم الحاضر!”
إن هناك أناسًا يتركون الله ليس لعيب في الله.. ولكن لأنهم يحبون العالم أكثر من الله.. ويحبون لذات العالم أكثر.. وهم لذلك– يهربون من الله!
هؤلاء يهربون من الله لأنهم يحبون شيئًا آخر أكثر منه، فأخرج هذا الحب الثاني، الله من قلوبهم، وحلت محله محبة العالم لأن “محبة العالم هي عداوة لله!”.
وإن أحب أحد العالم فقدت فيه محبة الآب.. وعندما يحب الإنسان العالم، فإنه يحاول الهروب من الله.. لأنه لا يستطيع الجمع بين حب الاثنين.. الله والعالم!
بينما العالم لا يستحق هذا الحب كله.. لأن الإنسان عندما يحب العالم، فإنه يكون إنسانًا ماديًا جسدانيًا…!
إن كنا– يا أخوتي– قد هربنا من الله في الماضي، فلا يصح أن نهرب منه الآن، ولا بعد حين، ويجب أن نعود إلى الله.. الله الذي يفتش عنا، ويسعى إلينا.. فلنصطلح معه، لأننا لا نستطيع البعد عنه!!
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 6-2-1972م



