الهاربون من الله

يهمنا أن تكون أيام الصوم فترة مقدسة نلتقي فيها مع الله، ونصفي حسابنا معه. إن لم تتقابل مع الله في فترة الصوم، لا يمكن أن تشعر بقدسية هذه الفترة ولا بفاعليتها في حياتك. حاول أن تتقابل مع الله وأن تكون علاقة معه. على عكس هذا، هناك أشخاص هاربون من الله، باستمرار…
الهاربون من الله1
الهروب من الله قديم جدًا، منذ بدء الخليقة، من أيام أبينا آدم…
آدم هرب من الله، بسبب الخوف، عندما أخطأ اختبأ من الله خلف الشجرة، وقال للرب “سمعت صوتك في الجنة فخشيت، لأني عريان فاختبأت”.
عندما كان يرتبط مع الله بعامل الحب، لم يكن يخاف، ولم يكن يهرب. كان يشتهي لقاء الله. أما الآن فإن مقابلة الله عسيرة عليه، لذلك يهرب منه.
يونان النبي هرب أيضًا من الله، عندما أختلف فكره مع فكر الله، بسبب كبرياء يونان واعتداده بكرامته الخاصة.
إيليا النبي هرب من إيزابل، وفي الواقع أنه كان هاربًا من الله أيضًا، بسبب المشاكل والضيقات التي هدد فيها بالموت.. حتى قابله الله في الطريق وقال له “مالك ههنا يا إيليا؟!”.
هناك أشخاص يهربون من الله بسبب المشاكل المحيطة بهم.
فتشغلهم، وتشغل أفكارهم، فيبعدون عن الله. أما أنت فإن أحاطت بك مشكلة، اذهب إلى الله. افتح له قلبك اكشف له عن متاعبك. أشركه معك، لا تهرب منه.
إنسان يهرب من الله، لأنه متأثر من الشعور بإهمال الله له (واخد على خاطره من ربنا) شاعر أنه واقف وحده في مشاكله، بلا معونة، بلا إنقاذ، والله متباعد. مثل هذا عليه أن يعاتب الله كما عاتبه داود قائلا “لماذا يا رب تقف بعيدًا؟! لماذا تختفي في أزمنة الضيق” (مز 1:10).
هناك أشخاص يهربون من الله بسبب الشهوة. يشعرون أن تقابلهم مع الله سيحرمهم من شهواتهم التي لا يريدون تركها.
يوجد إنسان يقول “أنا تعبان، ولكني مستريح لهذا الوضع!!”
أن سرت مع الله، سأنقسم على ذاتي، سأدخل في صراع بين الروح والجسد، وصراع بين الخير والشر. وأنا لا أريد أن أدخل في صراعات… كثيرون من هذا النوع لا يريدون أن يواجهوا الواقع إطلاقًا، لأنهم يخافونه. كإنسان مريض بمرض خطير، يهرب من الطبيب، ومن الكشف، ومن الأشعة والتحاليل. لكي يستريح، ولو راحة وهمية، هاربًا من الواقع، لأن الواقع يتعبه.
قد يهرب إنسان من الله، لأن الله يكلفه برسالة تتعبه، وهو لا يريد أن يتعب نفسه. فيقول إن الله نيره ثقيل، وحمله صعب… بينما يقول السيد المسيح إن نيري هين، وحملي خفيف”. ويقول يوحنا الحبيب عن الله إن “وصاياه ليست ثقيلة”. مثال ذلك إنسان يهرب من الخدمة ومتطلباتها وأعبائها وواجباتها ومسئولياتها العديدة… إنه هارب من الله.
من هذا النوع الذي هرب من الخدمة موسى النبي وإرميا النبي.
عندما أرسل الله موسى النبي لمقابلة فرعون، هرب من هذه المهمة وقال أنا لست صاحب كلام، لا اليوم ولا أمس ولا قبلًا من أمس، “أنا إنسان ثقيل الفم واللسان” ربما لا يسمع لي فرعون… وإرميا قال للرب “لا أعرف أن أتكلم لأني ولد”.
إنسان آخر يهرب من الله لأن بابه ضيق وطريقه كرب…
يشعر أنه حالما يدخل في طريق الله، سيدخل في الضيق. فهو هارب من الله هربًا من صليبه. الناس يريدون شخصًا يكون مثلهم، يجاريهم في طريقهم، ويتمشى معهم في أساليبهم، يضحك لضحكهم ولو بمجون، ويرضى عن عملهم ولو كسرًا للقانون، ويغطي على سرقاتهم وأكاذيبهم ولو يكذب لينقذهم، فإن لم يفعل يضطهدونه ويتعبونه. لذلك فهو يهرب من طريق الرب…
أحيانًا يجد الإنسان أن البعيدين عن الله مستريحون، بينما أولاد الله في مذلة وضيق، فيقول الأفضل لي أن أبعد مثلهم…
أولاد العالم يستطيعون أن ينجوا أنفسهم بحيل كثيرة، ويقضوا مصالح بألف طريق. بكذبة بسيطة تتغطى كل غلطة، بشهادة مرضية مزورة يبرر كل غياب، بالرشوة والمحسوبية يقضي كل عمل، بالتساهل في الأخلاقيات يمكن كسب عديد من الأصدقاء… بعبارتين من عبارات التملق يمكن كسب الرؤساء ويمكن خداعهم، وبشيء من الرياء الخفيف يمكن الحصول على احترام الناس… وبضربة قاسية ومؤامرة خفية يمكن التخلص من جميع المقاومين…
أما أولاد الله فطرقهم مسدودة، وحيلهم قليلة، وكثيرًا ما يفشلون
لذلك يهرب كثيرون من الله. إنه لم يعد يناسب العصر، ووسائله ليست ناجحة. ولهذا يصرخ نبي عظيم مثل إرميا ويقول “أبر أنت يا رب من أن أخاصمك. ولكني أكلمك من جهة أحكامك: لماذا تنجح طريق الأشرار؟ اطمأن كل الغادرين غدرًا!!”.
هناك إنسان يهرب من الله، لأنه لا يريد أن يتحمل مسئولية خطيته..
ولا يريد أن يجابه نتائج الخطية، أو يتحمل مطالب التوبة… يقول لك: ماذا تعني بأن أتوب؟ هل أرجع وأتذكر خطاياي، وأبكت نفسي، وأدخل في مذلة الندم والبكاء وتبكيت النفس وتعب الضمير؟ مالي وكل هذا؟ … أتريد منى أن أدخل في عقدة الذنب sense of guilt? أتركني مستريحًا فهذا أفضل. مثل هذا كإنسان عنده دمل أو خراج. لا يريد أن يفتحه ولا أن يعصره، ويداوم العصر، وينظفه ويربطه. بل يريد أن يتركه ويستريح!!
التوبة صعبة في نظر هؤلاء، وسكة العالم حلوة ولطيفة وسهلة، وتنيم الضمير، وتسعد الإنسان ولو إلى حين.
هؤلاء يعيشون في حالة تخدير روحي، في حالة لا وعي بالنسبة إلى ضمائرهم. هم يهربون من الواقع، ومن مواجهة أنفسهم. ويهربون من التوبة ومن متطلباتها.
إنسان آخر يهرب من الله بسبب الناس: يقول إنني مهما عملت، فلن أستطيع أن أرضي الله. إنه يطالبنا بالقداسة وبالكمال، ويقول “إن عملتم كل البر فقولوا إننا عبيد بطالون”. ولهذا كثيرًا ما نرى القديسين يبكون على خطاياهم. وما دام الطريق طويلًا، ولن يمكنني أن أبلغه، فالأفضل أن أتركه.
وهناك من يهرب من الله، لأن لديه شيئًا يحرص عليه، فيخاف عليه من الله. هناك من يحرص على ماله أو كرامته أو ملاذه. بل قد يصل الأمر يحرص الإنسان إلى وضع مهين. كأن يهرب شاب من الله لأنه يحرص على طول شعره، أو تهرب فتاة من الله لأنها تحرص على تربية وتلوين أظافرها!! كأن الله في كفة، وهذه التافهات في كفة أرجح!
الخطير في الأمر، أن الذين يهربون من الله، يهربون من كل ما يتعلق به: يهربون من الكنيسة، من الاجتماعات، من التناول، من أب الاعتراف، من الكتاب المقدس، من كل ما يذكرهم بالله! لهؤلاء الهاربين أقول كملتين:
أولا: مهما هربتم سيبحث الله عنكم، ولن تستطيعوا الهروب.
ثانيا: أن طريق الله ليس كئيبا، وليس صعبا كما تظنون.
صدق داود حينما قال “أين أهرب من روحك؟ ومن وجهك أين أختفي؟”. لا آدم استطاع أن يهرب، ولا يونان…
أنت لن تستطيع الهروب، والهروب ليس من صالحك. يجب أن تواجه الواقع، وتواجهه في شجاعة وفي صراحة.
وأول واقع تواجهه هو أبديتك. هل يتفق طريق الأبدية، وطريقك الحالي؟ إلى أين يوصلك سلوكك الحالي؟ إلى إين، وإلى متى؟ أفرض أنك استطعت أن تخدر ضميرك، فهل سيبقي مخدرًا إلى الأبد؟ وعندما يصحو، ماذا تفعل بكل هذا الماضي؟ واجه الواقع…
ماذا يستفيد الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟!
لابد أن تتقابل مع الله.
ولكي تتقابل مع الله، ينبغي أن تتقابل أولًا مع نفسك.
اجلس مع نفسك أولًا مثلما جلس الابن الضال إلى نفسه وفكر في حالته ووجد الحل… تقابل مع الواقع. كن صريحًا مع نفسك. لا تهرب من الحقيقة، ولا تعط للأمور أسماء غير أسمائها، ولا تخدع نفسك.
أيضًا لا تظن أن الله مخيف، أو أنه سيرفضك. الابن الضال لما ذهب إلى أبيه فتلقاه بالأحضان الأبوية، وذبح له العجل المسمن.
مشكلة كبيرة تواجه الناس، وهي: كيف سيترك الخطية مع أنه يحبها!! يظن الشخص أنه سيترك الخطية ويظل بنفس القلب الذي يشتهيها. كلا، إن الله سيهب له قلبًا جديدًا وروحًا جديدًا قلبًا نقيًا لا يحب الخطية بل يرفضها، ولا يجد تعبًا في البعد عنها.
أنت الآن تشعر بثقل الوصية وصعوبتها، لأنك في بداية الطريق، ولم تصل إلى محبة الله بعد. هذا الوضع سوف لا يستمر.
إن الصراع القائم بين الجسد والروح “الروح يشتهي ضد الجسد، والجسد يشتهي ضد الروح” هو صراع في أول الطريق فقط، هو جهاد المبتدئين. فيما بعد، عندما يسمو الجسد ويتطهر ويتقدس، سوف لا يشتهي ضد الروح، وسوف يكابد صراعًا، وسيدخل في راحة أولاد الله.
أن الباب الضيق الذي دعانا إليه الرب، ليس ضيقًا على الدوام وإنما في أوله فقط، ثم ندخل إلى السعة.
ضيقه الأول، هو اختبار لإرادتنا. هل نحن مستعدون أن نحتمل من أجل الله أم لا. فإن أظهرنا استعدادنا، وصبرنا، وجاهدنا، تفتقدنا النعمة وترفع الثقل عنا. كذلك الصليب، سنحمله في فرح، ونسير به نحو الجلجثة، ولكن إن خررنا تحته، سيرسل الله لنا قيروانيًا يحمله عنا في الطريق…
إن الشيطان يحاول أن يخدعك حينما يصور لك صعوبة الطريق وطوله، وصعوبة التوبة واستحالتها.
إنك في لحظة واحدة تستطيع أن تتحول من خاطئ إلى قديس. ليس من خاطئ إلى تائب، بل إلى قديس. هكذا حدث لمريم القبطية، وبلاجية، وموسى الأسود، وغيرهم. الله سيتكفل بك، وستجد في الوصية لذة، وفي طريق الله متعة…
ولا تظن أن أولاد الله حزانى، وأولاد العالم في فرح. بل أن أمور العالم في أولها حلوة وآخرها مرارة. وطرق الأول في أولها مرارة، وفي آخرها حلوة.
وإن كان أولاد الله يظهرون تعابي من الخارج، لكنهم سعداء وفرحون في الداخل. كما قال بولس الرسولي “كحزانى، ونحن دائمًا فرحون. كأن لا شيء لنا، ونحن نملك كل شيء”…
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة السنة الخامسة – العدد الثاني عشر 21-12-1974↩︎



