النقد الكتابي – هل كتب موسى خبر موته وبكاء الناس عليه كما ورد في الكتاب؟

يجيب قداسة البابا شنوده الثالث على هذا السؤال موضحًا أن الجزء الأخير من سفر التثنية، الذي يروي وفاة موسى النبي وبكاء الشعب عليه، لم يكتبه موسى نفسه، بل أضافه تلميذه يشوع بن نون ليُكمل القصة التاريخية ويسجل نهاية حياة موسى، حتى يكون السفر وحدة متكاملة.
1. سبب الإشكال:
سفر التثنية هو آخر الأسفار الخمسة المنسوبة إلى موسى النبي، ويختتم بقول الكتاب:
“فمات موسى عبد الرب هناك… فبكى بنو إسرائيل موسى ثلاثين يومًا.” (تثنية 34:5–8)
ومن الطبيعي أن يُثار السؤال: كيف يكتب موسى خبر موته وبكاء الناس عليه وهو قد مات؟
2. الرد البسيط:
الجزء الذي يسجل موت موسى لم يكتبه موسى نفسه، بل كتبه يشوع بن نون، تلميذه وخليفته، الذي كان شاهدًا على الأحداث بعد موت موسى، وهو الذي قاد الشعب بعده إلى أرض كنعان.
إضافة هذا المقطع كانت أمرًا طبيعيًا ومنطقيًا ليُغلق القصة بسياقها الكامل.
3. الدليل المنطقي:
هذا الأسلوب معروف في كتابة الأسفار التاريخية القديمة:
-
يُكمِّل التلميذ أو الكاتب التالي السرد لتكتمل السيرة.
-
مثلما كمل يشوع ما بدأه موسى، هكذا كتب تلاميذ الأنبياء من بعدهم تفاصيل ما جرى لاحقًا دون أن يُنسب ذلك إلى النبي نفسه.
4. الشرح الروحي:
الأسفار الخمسة تمثل وحدة متكاملة تبدأ بالخلق وتنتهي بانتقال موسى، وتمهّد لدخول الشعب أرض الموعد.
فكان من الطبيعي أن يُضاف خبر وفاته في النهاية لتكتمل الرسالة التاريخية والروحية — أن موسى تمم خدمته وأكمل المسيرة، وأن العمل الإلهي مستمر عبر الأجيال.
5. ملاحظة لغوية:
الأسفار الخمسة تُنسب إلى موسى لأنه كتب معظمها بوحي الروح القدس، لكن هذا لا يعني أن كل كلمة فيها خرجت بيده شخصيًا؛ فوجود إضافات تاريخية بسيطة مثل هذا الجزء لا ينفي الوحي، بل يُظهر أن روح الله استخدم خدامه ليُكملوا الشهادة التاريخية بصدق.
الرسالة الإيمانية:
الكتاب المقدس ليس سجلًّا بشريًا جامدًا، بل شهادة حية لعمل الله عبر خدامه.
موسى أكمل رسالته، ويشوع حفظ ذكراه بإخلاص، لتبقى القصة كاملة ومُلهمة للأجيال — عن قائد أمين أنهى جهاده في أمانة، وورثه تلميذ يسير على خطاه.



