الموت والحياة الأبدية

الموت والحياة الأبدية[1]
ليس هو الضياع، وليس وهو الفناء، وليس هو النهاية، وليس هو المجهول المخيف الذي يرتعب منه الناس، وليس هو السيف البتار الذي يقطع صلتنا بالحياة.. إذن ما هو الموت؟
الموت هو انفصال الروح عن الجسد، وليس شرفًا كبيرًا للروح أن تكون مرتبطة بهذا الجسد المادي، يضغط عليها أحيانًا ومجرها معه في شهواته ونزواته!
لذلك كان انفصال الروح عن الجسد، هو نوع من التحرر.. تتحرر به من المادة، وتفرح به الروح الطاهرة القديسة.
والموت هو رحلة جميلة نحو الأبدية، نحو الفردوس والنعيم وشركة القديسين والملائكة، هناك في الموضع الذي هرب منه الحزن والكآبة والتنهد.. في عشرة الأنبياء والرسل والشهداء والنساك والأبرار، وفي عشرة الملائكة الأطهار، في العالم أفضل..
ليست حياتنا الأرضية بالحياة المثالية التي يتمسك بها الحكماء! وليست هذه المادة اللاصقة بنا بالدرجة السامية التي نحرص عليها! وليس هذا الصراع الدائم بين الجسد والروح شيئًا يهفو إليه الناس، بل سعيد من يتخلص من مثل هذا الصراع، ويحيا في سلام داخلي..
سيأتي الوقت الذي نسمو فيه على المادة، أو الذي نتخلص فيه من المادة نهائيًا.
يستطيع الأبرار بشيء من التدريب الروحي أن يسموا على المادة، ويعيشوا روحانيين. أما التخلص من المادة، فيكون هناك في الأبدية. حيث يعتقنا الله من نير الجسد والمادة، ويكتب صك حريتنا.
وعندما نموت، نتخلص من هذا الجسد المادي..
ولكننا لا نترك هذا الجسد تركًا كاملًا بالموت، لأن أجسادنا ستقوم في اليوم الأخير، وتقدم حسابًا عن أعمالها.
لقد اشترك الجسد مع الروح في أعمال وشئون هذه الحياة الدنيا، فيجب أن يقف الأثنان أمام منبر الله العادل، ويثاب الأثنان، أو يعاقب الأثنان. ومن هنا كان لا بد من قيامة الأجساد..
ولكن الأجساد سوف لا تقوم بحالتها المادية الحالية، لأن الأبدية السعيدة بعيدة عن المادة. ستقوم الأجساد، ولكن في حالة روحية وفي حالة نورانية، وفي وضع غير قابل للفساد.. أجسادًا لا تحتاج إلى نوم أو إلى راحة، وليست في حاجة إلى غذاء، أو دواء.. أجسادًا روحانية. وكما قال القديس أوغسطينوس: (نحن سوف لا نقوم أرواحًا، وإنما سنقوم بأجساد روحانية).
هذه الأجساد الروحانية سوف لا تكون في حاجة إلى كل ما قد سبقت فاقتنته في العالم من عقارات وأموال ولهو وملاذ.. ستترك الكل هنا.. وكما خرج الإنسان عريانًا من بطن أمه، سيترك هذا العالم عريانًا أيضًا.
لذلك فإن الحكماء لا يتعبون أنفسهم في اقتناء أشياء لا يخذونها معهم عند موتهم.
إن الحكماء يهتمون بأبدتيهم، ولا يضيعون جهدهم من أجل الحياة الحاضرة. إن حياتنا في الجسد، لا يمكن أن تقاس بالأبدية التي لا نهاية لها. فحياتنا على الأرض مجرد فترة غربة عن وطننا الدائم في السماء. وهكذا كان القديسون ينظرون إلى أنفسهم كغرباء على الأرض. فيقول داود النبي في صلواته: “غريب أنا على الأرض، فلا تخف عنى وصاياك”، بل يصرخ قائلًا: “ويل لي فإن غربتي قد طالت علىَّ”..
لذلك فإنني أثناء التأمل في هذه الحياة الدنيا ومقارنتها بالحياة الأخرى، كتبت ذات مرة قصيدة بعنوان “تائه في غربة” جاء فيها”.
| يا صديقي لست أدرى ما أنا أنت مثلي تائه في غربة نحن ضيفان نقضي فترة عاش آباؤنا قبلًا حقبة |
أو تدري أنت ما أنت هنا؟ وجميع الناس أيضًا مثلنا وسنمضي حين يأتي يومنا ثم ولي بعدها آباؤنا |
نعم، هذه هي الحياة، لا شيء.. سراب يشغل الإنسان عن أبديته، فينساها، ويبقى متفكرًا بهذا التراب الذي يعيش فيه..
ليتنا نفكر في أبديتنا.. نحلم بالحياة الأخرى، ونتأمل فيها.. نفكر في السماء، وفي الملائكة، وفي أرواح الذين سبقونا إلى هناك.. ليتنا نفكر في الله، وفي الحياة معه، هنا وهناك..
ما أجمل أن ننشغل بالمصير الذي لا بد سننتهي إليه، قصرت المسافة أو طالت وما أحلى أن نعد أنفسنا لهذا المصير، ولا نسمح للعالم أن يشغلنا، أو أن يعطلنا، أو أن يستحوذ على قلوبنا وأفكارنا، ناسين الأبدية، وزوال هذا العالم الحاضر.
إن الله قد وضع في قلوبنا الاشتياق إليه وإلى العالم الآخر.. وكثيرًا ما نجري في هذه الدنيا ونتعب، ونشعر أخيرًا أننا نتجول في فراغ، لا يشبع الروح، ولا يرضى الفكر.
علينا أن نفكر في الموت والحياة، وندرك أن الحياة الحقيقية هي الثبات في الله، وإن الموت هو البعد عنه. كما قال القديس أوغسطينوس: (إن موت الجسد، هو انفصال الروح عن الجسد، أما موت الروح، فهو انفصال الروح عن الله)..
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثالثة عشرة – العدد السادس عشر 11-10-1985م



