الملكوت
يتحدث قداسة البابا شنوده الثالث عن ملكوت السماوات باعتباره محور رسالة السيد المسيح منذ بداية خدمته على الأرض. فالملكوت ليس فكرة بعيدة أو مستقبلية، بل هو عمل روحي يبدأ داخل الإنسان، وينمو تدريجيًا بنعمة الله وبمشاركة الإنسان في حياته الروحية.
١. بداية الكرازة بالملكوت
منذ أول عظة قالها السيد المسيح: “قد كمل الزمان واقترب ملكوت الله، فتوبوا وآمنوا بالإنجيل”. وهنا يوضح قداسة البابا أن بداية الملكوت كانت على الصليب، عندما ملك الرب على خشبة، وأعاد للبشر سلطان الله بعد أن اختطفه إبليس.
٢. طبيعة الملكوت
الملكوت هو ملكوت روحي يبدأ داخل القلب: “ملكوت الله داخلكم”.
الله يملك على الأفكار والمشاعر والإرادة بحرية الإنسان لا بالقهر، لأن ملكوته قائم على الحب والحرية لا على السلطان الأرضي.
الملكوت دائم لا يزول، كما قيل: “لا يكون لملكه انقضاء”، وهو يمتد إلى الأبد حين يكون الله الكل في الكل.
٣. نمو الملكوت في حياة الإنسان
يشبه السيد المسيح نمو الملكوت بنمو البذرة التي تُزرع في الأرض، تنمو ليلًا ونهارًا دون أن يعرف الإنسان كيف.
كذلك الحياة الروحية تنمو تدريجيًا – من مرحلة إلى أخرى – بنعمة الله وعمل الروح القدس داخل القلب.
قداسة البابا يوضح أن النمو لا يأتي دفعة واحدة، بل بالتدرج مثل النبات الذي يصير سنبلًا ثم قمحًا ممتلئًا.
٤. تعاون النعمة مع الجهد البشري
الله هو الزارع الذي يضع البذرة (النعمة) في الإنسان، لكن على الإنسان أن يتجاوب معها بالإيمان والفضيلة والجهاد الروحي.
يشير البابا إلى كلمات القديس بطرس: “لكي تصيروا شركاء الطبيعة الإلهية هاربين من الفساد”.
أي أن الإنسان يشترك في العمل الإلهي بنشاطه وجهاده، لتثمر البذرة وتأتي بحياة مقدسة.
٥. سرّ النمو الروحي
النمو يحدث في الخفاء – في الليل والنهار، في الضيق والفرج – لأن النعمة تعمل بلا توقف.
حتى في التجارب والظروف الصعبة، تستمر البذرة الإلهية بالنمو داخل النفس، فتتحول الضيقات إلى بركات.
والمؤمن لا يشعر دائمًا بهذا النمو، لأن الله يعمل في الخفاء، لكن الثمر يظهر بمرور الوقت.
٦. النضوج الروحي والحصاد الأبدي
عندما تنضج البذرة وتثمر، يكون هذا رمزًا لاكتمال حياة الإنسان في القداسة، وحينئذٍ “يحصدها” الله إلى ملكوته الأبدي.
فالحياة المسيحية كلها هي نمو مستمر نحو الاتحاد بالله حتى يبلغ الإنسان كمال الشركة الإلهية.
الرسالة الروحية:
ملكوت الله ليس مكانًا بعيدًا، بل هو حياة يحياها المؤمن حينما يملك الله على قلبه.
وكل من يقبل عمل النعمة، ويجاهد في التوبة والإيمان، ينمو في هذا الملكوت حتى يكتمل مجده الأبدي.


