المرحلة الثانوية والسكن مع أخيه روفائيل

المرحلة الثانوية والسكن مع أخيه روفائيل
انتقلوا بعد ذلك إلى القاهرة في عام 1938م، حيث عمل شقيقه رئيس قسم بوزارة المالية. وسكنوا في 8 شارع حسن باشا حلمي بشبرا واستقروا جميعًا هناك.
بعد ذلك أصبح الصبي نظير على عتبة مرحلة أكبر، تمهيدًا لحصوله على الثقافة العامة أو الثانوية العامة، لكن أوراقه لم تُقبل لعدم وجود شهادة ميلاد لأنه "ساقط قيد" فتم تسنينه، وبسبب تعقد الإجراءات ظل عامين في المنزل امتدت من سن 11 إلى 13 سنة، وبقي نظير فى البيت بلا مدرسة أو عمل للمرة الثانية، ولم يجد أمامه مرة أخرى سوى المكتبة، سواء الموجودة بالمنزل أو دار الكتب بأسيوط، ينهل منهما أضعاف ما يمكن أن يحصّله في المدرسة، لدرجة أن تلك السنوات لعبت في حياته أدوارًا غاية في الأهمية لتكوين وعيه المبكر، فقد قرأ خلالها أكثر من 500 كتاب تقريبًا في كل أوجه المعرفة، والعجيب أن ذاكرة الصبي الطازجة كانت تستقبل كل هذه القراءات وتحتفظ بها لفترات طويلة، ومن هنا فقد استفاد من قراءاته المتعددة كثيرًا وأسست بنيانه الفكري مُبكرًا.
كان عقله مُزدحمًا بالمعرفة، مُنشغلًا بأفكار جيل عملاق من المثقفين أنجبتهم ثورة سنة 1919، ذلك الجيل الذي قاد حركة النهضة المصرية خلال الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين في جميع المجالات.
زاد على ذلك أن هذا الشغف بالمعرفة والتحصيل دفع الفتى نظير للتردد على دار الكتب المصرية بالقاهرة يوميًا للقراءة خلال فترة المساء، وكان وهو في هذه السن شغوفًا جدًا بما قرأه عن الزعيم الهندي المهاتما غاندي الذي عاصر بنضاله الزعيم الوطني سعد زغلول وكانت مصر تموج وقتها بكثير من الأفكار حول التحديث والتطوير والاستقلال.
وقرأ مرة في دار الكتب كتابًا يضم مرثيات الأدباء في فقيد الأمة بعنوان "دموع الشعراء في سعد زغلول"، فحفظ أبياته عن ظهر قلب، ولم تغب عن خاطره قصائد الديوان على كثرتها، بل ظل دائمًا يذكرها حتى بعد سنوات طويلة من حياته، منها قصيدة كان يرددها البابا كثيرًا كلما ذكر سعد زغلول في مجلسة تقول أبياتها:
قف في فم الدنيا وحدثنا |
التحق نظير جيد بمدرسة الإيمان الثانوية بشبرا. وكان متفوقًا جدًا كعادته وكان مجتهدًا في دراسته وكان دائمًا يحصد المركز الأول على زملائه.
تزوج "روفائيل" من السيدة "جوليا حليم" وكان لا بد أن توافق على أن يسكن معهما شقيقاه. ووافقت بل إنها أحبتهم جدًا وكانت تحب نظير جدًا وتعتبره ابنها فعلًا. روى قداسته أنها إن مرض أحدهم كانت تعتني به وتمرَّضه ولا تتركه حتى يُشفى تمامًا، وكانت ترفض أن يحضر روفائيل ممرضات بل كانت تجلس على كرسي بجواره وتظل ساهرة طوال الليل حتى تطمئن عليه. وأنها كانت له بمثابة الأم وإن تأخر تظل تنتظره في شرفة منزلهم حتى يعود.
ويقول أحد أصدقاء قداسة البابا من شبرا: "كانت له حجرة مستقلة بها مكتبته وكتبه وأغراضه، وكانت كمثل صومعة أو مكان للتعبد".
وعلى الرغم من مرحه الذي ظل يتسم به "نظير" طيلة عمره، إلا أنه كان جادًا في حياته العائلية والدراسية بالتزام تام. فقد كان ذا شخصية قوية منذ صباه. كانت زوجة أخيه الأكبر ورفائيل لا تدخل حجرته قبل استئذانه. فقد كان منذ الصغر يحب أن تكون له خصوصيته. لم يكن ينادي إخوته بأسمائهم مجردة. بل يسبقها بكلمة أستاذ أو أخويا. رغم أن فارق السن بينه وبين أخيه المتنيح القمص بطرس جيد كان خمس سنوات فقط. وهكذا عاش جادًا يحترم الجميع بحب وطاعة منذ الصغر.
مرض ابن الأخ
ذات يوم مرض عادل ابن شقيقه الأكبر روفائيل بمرض خطير وكان يحتاج لعملية جراحية ضرورية ونسبة الشفاء ونجاح العملية تكاد تكون معدومه، وكانت نسبة النجاح فيها ۱٪ حسب تصريح الدكتور المنياوي باشا في ذلك الوقت.
ووقفت الأسرة كلها تصلي، وكان قداسته في حجرته يُصلي بمفرده وكان يتشفع بالملاك ميخائيل منذ صغره. فجاء للأم في حلم في ذات الليله الملاك ميخائيل وأخبرها أن ابنها شُفي تمامًا وفي الصباح أحضرو الطبيب. وأخبرهم أنه شُفي فعلًا ولكن لا يعلم كيف تم هذا، مُبديًا تعجبه، فعلموا أنها شفاعتهم بالملاك ميخائيل، ونذرت حسب رواية قداسته نذرًا أن تعمل فطيرًا كل عيد للملاك حتى نياحتها سنة 1967".
وقد روى قداسته هذه القصة لبعض محبيه، وعلق باسمًا "أصل أنا والملاك ميخائيل عِشرة قديمة". وكان قداسة البابا يحرص دائمًا على الاحتفال بتذكار عيد الملاك ويقوم بتوزيع فطير الملاك.
مشكلة شهادة الميلاد
لم يجد "نظير" مدرسة ثانوية يلتحق بها، فلم تكن في بنها غير المدرسة الثانوية الأميرية، ولم تقبله حيث لم تكن لديَّه شهادة ميلاد.
يتذكر قداسته هذا الموقف فيقول "طبعًا رُفِعت قضية على والدي، لأنه لم يسجلني بعد ولادتي، وأدخلوني في سواقط القيد، ثم أرسلوني إلى طبيب ليقوم بتسنيني، بمعنى أن يُقّدر عمري كم يكون".
نصيحة للطبيب من طفل صغير
أراد أخوه الأكبر "روفائيل" تسجيله واستخراج شهادة ميلاد له، وذهب به لاستكمال تلك الإجراءات.
عن ذلك يقول قداسة البابا: "يخطر لي مثلًا أنه بسبب وفاة والدتي بعد ولادتي وانشغالهم بها، أهملوا تسجيل تاريخ ميلادي في موعده. تم تقديم دعوى بالمحكمة للتسنين، وأرسلوني إلى الطبيب من أجل تقدير سني الحقيقية، وكنت على ما أظن في الحادية عشر من عمري. وقبل أن يُقدِّر الطبيب سني قلت له: آمل أن لا تخطيء في تسنيني، فتعجب الطبيب من كلامي كيف أن طفلًا صغيرًا ينصحه، فقال لي: وأي خطأ تعني؟ قلت له: من الجائز جدًا أن يولد الإنسان بعد وفاة أبيه إذ كان الأب قد توفي وترك الأم حاملًا به. قال: جائز. قلت: لكن من المستحيل أن يولد الإنسان بعد وفاة أمه، فضحك الطبيب. ثم قلت له: توفيت أمي في حمى النفاس التي تصيب المرأة بعد الولادة، وتاريخ وفاتها معروف وهو مسجل في صك الوفاة، فلا بد إذًا من أن تستند في تقدير سني إلى هذه الوثائق الخاصة بي. وقد كان تاريخ ميلادي فعلًا هو الثالث من أغسطس يوم وفاة والدتي، ولم يقع الطبيب في خطأ".
"قضيت سنتين، لا أذهب إلى مدارس، لأنه لم توجد مدارس أهلية، وشهادة ميلادي لم تكن قد استخرجت بعد، وتم ذلك وأنا في السنة الثانية الثانوية، كما يقولون يوم الحكومة بسنة- في ذلك الحين - ومكثت بغير التحاق بالمدارس في هذه الفترة".
والد نظير جيد
يتذكر قداسة البابا شنوده علاقته بأبيه فيقول: "أحيانًا كنا نمكث مع والدي، وأحيانًا أخرى كنا نسافر عند أخي الأكبر. بالطبع، وقد أدركت مشاعري لأبي بعد أن انتقل من الصعيد إلينا".
"كنت دائمًا أحب والدي، ومقدرش أزعله أبدًا وهو كان يحبني جدًا.. وكان يقول: نظير ده أمير..!! بس امتى كان بيزعل مني؟! لما كنا بنلعب طاولة كان لما يلاقيني هاكسب يقول لي وبعدين يا واد.. إنت هتكسبني علشان انت بتقرص على الزهر.. طيب نلعب تاني من أول وجديد!!".
نذر الأخ شوقي توفيه السيدة العذراء
في تلك السنة فكر الأخ شوقي، بل وأصر، على أنه لا بد أن يلتحق بالكلية الإكليريكية، وكان أول شخص في العائلة يُكرِس نفسه لله، وفعلًا دخل الكلية الإكليريكية، وكان سفره إلى الكلية الإكليريكية بمعجزة. كان قد نذر أن يذهب من بنها إلى الكلية الإكليريكية بالقاهرة سيرًا على الأقدام وحمل حقيبته، وربما أنه ما كان يعرف أن المسافة بينهما حوالي 45- 48كم.. وبعد أن مشى حوالي 2 أو 3كم، وتعب، وجد أن عربة وقفت بجانبه وفيها سيدة جميلة جدًا، ولها هيبة ووقار عظيم.
وقالت له: يا ابني، أنت رايح فين؟
قال لها: أنا رايح الكلية الإكليريكية في مصر
قالت له: تعالى، اركب معايا، المسافة طويلة
قال لها: ده أنا نادر إني أذهب مشيًا على الأقدام
قالت له: ندرك عليَّ أنا.
ركب معها وفي لحظات بسيطة كان قد وصل إلى الكلية الإكليريكية، ونزل وأخد حقيبته، وبحث عن العربة وعن السيدة، فلم يجد لا السيدة ولا العربة التي حملته.. وهو يعتقد أنها كانت السيدة العذراء.
ومن ذلك الحين كان جادًا جدًا في دراسته، وكان ترتيببه باستمرار الأول، وأحيانًا كان الفارق بينه وبين الثاني في الترتيب 100 أو 120 درجة".
حبه للعطاء
كان "نظير جيد" مُحبًا للعطاء، فقد نمى وتطور العطاء عنده منذ الصغر، ومن ذلك أنه أثناء رئاسته لبيت مدارس الأحد، جاء فقير إلى الملجأ لطلب صدقة، فرفضت المشرفة إعطائه أخر كمية لحم موجودة بالجمعية، فألزم المشرفة بإعطاء هذه الكمية للمحتاج لتتفاجئ بعدها مباشرة بوصول تبرع للدار عبارة عن عجل كامل".
وكان يومًا في بيت شقيقه ينظر من النافذة ورأى شابًا يجمع القمامة ويبحث فيها عما ينفعه. فتأثر به وتحرك قلبه تجاهه وأصبح كل يوم يضع كيسًا مُحكمًا به طعام وفاكهة حتى بجدها هذا الشاب وينتفع بها. وحسب رواية قداسته أنه كان يتركها له لأنه كان يكبره في السن وكان يخشى أن يجرح شعوره".
"وقد فوجيء أصدقاء الأستاذ نظير جيد أنه بعد ذهابه للرهبنة، بمجيء الكثيرين لمنزله طلبًا للمساعدة المنتظمة التي كان يعطيها لهم الأستاذ نظير".
خدمته في مدارس الأحد
بدأ الأستاذ نظير جيد خدمته في مدارس الأحد سنة 1939م، وكان عمره وقتها نحو 16 سنة، وهو ما زال طالبًا في المرحلة الثانوية، وبعد ذلك نمى في خدمة مدارس الأحد، إلى أن أتى عليه وقت، كان يخدم في عدة فروع في أسبوع واحد.
يقول قداسته: "أول مدارس أحد دَرَسْتَهَا كانت في كنيسة مهمشة، لأن كنيسة مهمشة كانت هي كنيسة الكلية الإكليريكية في ذلك الحين، قبل أن تصبح كنيسة للشعب..
ودَرّست في جمعية النهضة الروحية في شارع فؤاد بشبرا.. حيث كان كاهن الكنيسة يعتبر أن مدارس الأحد ضد النظام وضد الهدوء، وكان لا يسمح لنا بالتدريس فكنا ندرّس في جمعية مجاورة هي جمعية النهضة الروحية بشبرا.. ودَرّست في كنيسة مار مينا.. ودَرست في كنيسة العذراء في روض الفرج.. ودَرّست في بيت مدارس الأحد في روض الفرج.. وتخصصت في كنيسة الأنبا انطونيوس في شبرا..
ولكن مع وجودي في كنيسة الأنبا أنطونيوس في شبرا، كنت أُدَرِس يوم الأحد الساعة 7,15 مساءً فصل شباب يحضره غالبية المدرسين في مدارس الأحد.. وكنت في نفس اليوم الساعة 5 أو 5,30 أُدَرِس في كنيسة العذراء روض الفرج.. وفي صباح يوم الجمعة كنت أُدَرِس في بيت مدارس الأحد.. وكان الفصل الذي أُدَرِسه في كنيسة العذراء بروض الفرج في مستوى ثقافة وتوجيهية، يعني ثانوية عامة، والفصل الذي كنت أُدَرِسه كنت أُدَرِسه في بيت مدارس الأحد في مستوى أولى في الجامعة.. والفصل الذي كنت أُدَرِسه في كنيسة الأنبا أنطونيوس مدرسين أو إعداد مدرسين".
وكان الأستاذ نظير قد بدأ خدمة مدارس الأحد في كنيسة الأنبا أنطونيوس ابتداء من عام 1946م، حيث قاد اجتماع أسرة الأنبياء في منتصف الأربعينيات، كما خدم باجتماع الشباب، وصار يُدرِّس في الفصل الكبير، أي الفصل الذي يحضره مدرسون أو إعداد مدرسين.
يقول قداسته: "الواقع أن نشاطي كان مُتعددًا، فقد كان عليَّ أحيانا التدريس في ثلاث كنائس خلال الأسبوع. كان الدرس الرئيسي لديَّ في كنيسة الأنبا أنطونيوس في شبرا، وكان هناك درس آخر في كنيسة العذراء في روض الفرج، ودرس ثالث في بيت مدارس الأحد في روض الفرج. كان الدرس الأول يوم الجمعة صباحًا، والثاني بعد ظهر الأحد، والثالث في السابعة مساءً".
ومنذ ذلك الوقت بدأت ميوله للرهبنة وفاتح أب اعترافه فيها الذي أخذ يدربه على حياة الصلاة والهدوء والتأمل والنسك. دون أن يعلم أي حد بهذا.
كان وشقيقاه خطهم جميعًا جميل. ولكنه كان يحرص أن يجتهد كل عمل وكل موهبة يجدها في ذاته. فلكي يتقن الخط أكثر إلتحق لعدة أشهر بمدرسة للخطوط ليدرس الخط العربي بأصوله وقواعده حتى أنه نسخ كتبًا بخط جميل وظل يحب الكتابة حتى نياحته. وهكذا كان يتقن كل أمر في حياته بدقة. ودرب نفسه على السير بجدية وأمانة فى كل أمر صغيرًا أو كبيرًا".
على هذا النحو خدمته في مدارس الأحد فقد بدأت في جمعية النهضة الروحية المجاورة لكنيسة العذراء بمسرة، ثم انتقل إلى كنيسة الأنبا أنطونيوس بشبرا حيث قاد اجتماع أسرة الأنبياء في منتصف الأربعينيات، كما خدم باجتماع الشباب الشهير بكنيسة الأنبا أنطونيوس بشبرا.
النبوءة تتحقق
في إحدى أمسيات شتاء ۱۹۳۹م التقى مجموعة من الشبان الخدام برائدهم مُعلم الجيل الأرشیدیاكون حبيب جرجس فقال مُشجعًا إياهم:
حسبكم أن تقدموا لمسيحكم ولكنيستكم هذه الخدمة الجليلة وهي تربية النشء الصغير داخل الكنيسة، ورعاية الشباب رعاية روحية في أحضان بیت الله.. فمنكم سيكون الكاهن والراعي في المدينة والقرية، والراهب المتعبد في الدير.. ومنكم سيكون الأسقف.. ومن يدري فلعله يكون منكم البطريرك..!! ولم تمض سوى سنوات قليلة حتى انطلق الأستاذ نظير جيد إلى دير السريان عام 1954 وصار راهبًا.



