الله يكرم قديسيه

إن الله يحب قديسيه، ويكرمهم على الأرض وفي السماء. وقد أمرنا بإكرامهم واعتبر ذلك إكرامًا له هو. فإكرامهم تعليم كتابي إلهي، من يخالفه يخالف الله…
الله يكرم قديسيه[1]
والذي يكرم القديسين، إنما يكرم الله الذي يحبهم…
لعل من أجمل الصور التي تعبر عن إكرام الرب لقديسيه، هي صورة الرب على جبل التجلي مع قديسيه…
لقد ظهر حوله موسى وإيليا في المجد، لدرجة أن بطرس طلب أن تُصنَع ثلاث مظال، للثلاثة… (مر9). ومع أن المجد للرب وحده، إلا أنه سيقيم قديسيه في مجد “لِيَكُونَ عَلَى صُورَةِ جَسَدِ مَجْدِهِ”(في21:3).
عجبت أيضًا – في إكرام الرب لقديسيه – من صورة رآها القديس يوحنا ووصفها في سفر الرؤيا، عن الكهنة.
رأى “حَوْلَ الْعَرْشِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ عَرْشًا. وَرَأَيْتُ عَلَى الْعُرُوشِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ شَيْخًا جَالِسِينَ مُتَسَرْبِلِينَ بِثِيَابٍ بِيضٍ، وَعَلَى رُؤُوسِهِمْ أَكَالِيلُ مِنْ ذَهَبٍ”(رؤ4:4).
كيف يمكن لهؤلاء أن يجلسوا على عروش أمام عرش الله، وعلى رؤوسهم تيجان؟! أيُّ مجد هذا يمنحه الله لأولاده، ولا يعتبره إطلاقًا انتقاصًا من مجده؟!
ونفس الوضع، نفس المجد، منحه الله لرسله الاثني عشر.
“مَتَى جَلَسَ ابْنُ الإنسان عَلَى كُرْسِيِّ مَجْدِهِ، تَجْلِسُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ كُرْسِيًّا تَدِينُونَ أَسْبَاطَ إِسْرَائِيلَ الاثْنَيْ عَشَرَ”(مت28:19) حقًّا إن في هذا لعجبًا، يجلسون على عرش، حول عرش مجده، لكي يدينوا الأسباط…
بل إن بولس الرسول يقول أكثر من هذا: “أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّنَا سَنَدِينُ مَلاَئِكَةً؟ فَبِالأَوْلَى أُمُورَ هذِهِ الْحَيَاةِ!”(1كو3:6). أليست الدينونة للرب، وهو الديان العادل؟! ولكنه يسمح لأولاده أيضًا أن يدينوا. وهذا ينقلنا إلى نقطة أخرى:
الله يعطي من ألقابه، ومن أسمائه، لقديسيه…
هو الديَّان، ويعطيهم أيضًا أن يدينوا.. هو الملك والكاهن، ويعطيهم أيضًا أن يصيروا ملوكًا وكهنة. يملكون معه، ويرثون معه، ويجلسون معه في مجده.
هو نور العالم، ويقول لهم: “أنتم نور العالم”.
هو الكرمة الحقيقية، ويقول عن الكنيسة إنها كرمة..
هو الراعي والمعلم. وأعطى تلاميذه أن يكونوا رعاة ومعلمين.
يخطئ من يظن أن الله يمنع المجد عن قديسيه، أو من يظن أن إكرام القديسين إنقاص من مجد الله!!
بل ما أعجب قول الرب لتلاميذه: “اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مَنْ يُؤْمِنُ بِي فَالأَعْمَالُ الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا يَعْمَلُهَا هُوَ أَيْضًا، وَيَعْمَلُ أَعْظَمَ مِنْهَا”(يو12:14).. وأمام كلمة أعظم منها، يقف العقل منذهلًا أمام محبة الله لأولاده، وتكريمه لقديسيه.
فبقوله: “مَن يكرمكم يكرمني” جعل إكرام القديسين إكرامًا لله نفسه، وليس إنقاصًا لكرامته.
هل تغارون أنتم لله ولمجده؟! إن هذا يذكرني بقصة يشوع بن نون، الذي غار لأجل مجد معلمه موسى النبي، وأراد أن يمنع من وجدهم يتنبأون، لكي يبقى موسى النبي الوحيد!! وهنا قال له معلمه القديس: “هَلْ تَغَارُ أَنْتَ لِي؟ يَا لَيْتَ كُلَّ شَعْبِ الرَّبِّ كَانُوا أَنْبِيَاءَ إِذَا جَعَلَ الرَّبُّ رُوحَهُ عَلَيْهِمْ”(عدد29:11).
إننا نكرم القديسين، لأن الله نفسه يكرمهم.
يقول السيد الرب: “وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ يَخْدِمُنِي يُكْرِمُهُ الآبُ”(يو26:12). والآب يكرم هؤلاء ليس في السماء فقط، إنما على الأرض أيضًا. أثناء حياتهم، وبعد انتقالهم أيضًا.
من أمثلة هذا الإكرام، تسمية الشريعة باسم موسى.
إنها شريعة الله، ومع ذلك يسميها “شَرِيعَةِ مُوسَى”. إنه ناموس الرب، ومع ذلك يسميه ناموس موسى. ويقول: “إِنَّ مُوسَى مِنْ أَجْلِ قَسَاوَةِ قُلُوبِكُمْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تُطَلِّقُوا نِسَاءَكُمْ”(مت8:19)، بينما الله هو الذي أذِن، ولكن على فم موسى… والله لا يجد غضاضة من أن ينسب أوامره وأقواله إلى موسى، بل هذا فيض من حبه.
وكثير من أسفار الله المقدسة منسوبة إلى قديسيه.
لقد حملت أسماءهم، بينما هي كتب الله وحده.. أوحى بها الروح القدس، الناطق في الأنبياء، وبعد ذلك جعلها تحمل أسماءهم، حتى الأناجيل.
إنه تواضع الله.. وأيضًا إنها محبة الله لقديسيه.
وبنفس الوضع سمح أن تُبنى الكنائس على أسماء قديسيه، وسمح أن تُجرَى المعجزات على أيدي قديسيه. وسمح أن يتعلق أولاده قلبيًّا بهؤلاء القديسين، بل دعاهم إلى ذلك. وقال: “من يكرمكم يكرمني”، “وَالَّذِي يُرْذِلُكُمْ يُرْذِلُنِي”(لو16:10).
بل إن الله أكثر من هذا، سمَّى نفسه بهم.
فقال: “أَنَا إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ وَإِلهُ يَعْقُوبَ”(خر6:3)، (مت32:22). إنه إله القديسين، إله آبائنا الذي نكرمهم فنكرمه. وأحس القديسون بهذا فكانوا ينادون الرب بأسماء قديسيه “يَا رَبُّ إِلهَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَإِسْرَائِيلَ آبَائِنَا”(1أخ29: 10 – 18)، يا إله الآباء (1مل18: 36- 38)، (حك9: 1 – 4).
ولعل كمقدمة لإكرام الآباء، قال: “أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ”(تث16:5).
فإن كنا نكرم الآباء حسب الجسد، بوصية، هي أولى الوصايا في العلاقات البشرية بين الوصايا العشر، وأول وصية بوعد، أفلا نكرم آباءنا الروحيين بالأولى؟ أفلا نكرم مرشدينا الذين قادونا في الإيمان، الرسل والأنبياء؟ ويكون إكرامهم حسب الوصية الإلهية، حسب كلمة الله المقدسة… هؤلاء الذين يكرمهم الله نفسه بقوله: “أُكْرِمُ الَّذِينَ يُكْرِمُونَنِي”(1صم30:2).
ومن إكرامه لهم جعل الناس يطلبون صلواتهم.
فلما حدث أن أبيمالك أخذ امرأة أبينا إبراهيم، أن قال له الله في حلم: “… رُدَّ امْرَأَةَ الرَّجُلِ، فَإِنَّهُ نَبِيٌّ، فَيُصَلِّيَ لأَجْلِكَ فَتَحْيَا. وَإِنْ كُنْتَ لَسْتَ تَرُدُّهَا، فَاعْلَمْ أَنَّكَ مَوْتًا تَمُوتُ، أَنْتَ وَكُلُّ مَنْ لَكَ”(تك7:20).
إنه يُظهِر لأبيمالك مدى فاعلية صلاة إبراهيم لأجله، ليحيا.
ونفس الكلام يقول الرب لأصحاب أيوب الصديق: “… وَاذْهَبُوا إِلَى عَبْدِي أَيُّوبَ، وَأَصْعِدُوا مُحْرَقَةً لأَجْلِ أَنْفُسِكُمْ، وَعَبْدِي أَيُّوبُ يُصَلِّي مِنْ أَجْلِكُمْ، لأَنِّي أَرْفَعُ وَجْهَهُ لِئَلاَّ أَصْنَعَ مَعَكُمْ حَسَبَ حَمَاقَتِكُمْ”(أي8:42).
إن الرب يشترط صلاة أيوب لأجلهم ليغفر لهم ونلاحظ أن عبارة: “فَإِنَّهُ نَبِيٌّ” بالنسبة إلى إبراهيم، هي إظهار لمدى كرامة هذا الإنسان. وعبارة: “عَبْدِي أَيُّوبَ” مع عبارة “أَرْفَعُ وَجْهَهُ”، فكليهما تحملان إكرام الله لهذا القديس في أعين أصحابه.
إن اهتمام الله بصلوات هؤلاء القديسين، تعني أنه منحهم أمام الناس (مفاتيح السماء)، كما قال للرسل.
انظروا إلى إيليا، كيف يقول بسلطان: “حَيٌّ هُوَ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ الَّذِي وَقَفْتُ أَمَامَهُ، إِنَّهُ لاَ يَكُونُ طَلٌّ وَلاَ مَطَرٌ فِي هذِهِ السِّنِينَ إِلاَّ عِنْدَ قَوْلِي”(1مل1:17). إن عبارة (إِلاَّ عِنْدَ قَوْلِي). تظهر مقدار ثقة هذا النبي بمكانته عند الله، ومدى قوة كلمته وقوله.
بل حتى غضب القديسين، وعقوباتهم لغيرهم، كان يعتمدها الله.
إيليا يقول لقائد الخمسين: “إِنْ كُنْتُ أَنَا رَجُلَ اللهِ، فَلْتَنْزِلْ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ وَتَأْكُلْكَ أَنْتَ وَالْخَمْسِينَ الَّذِينَ لَكَ. فَنَزَلَتْ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ وَأَكَلَتْهُ هُوَ وَالْخَمْسِينَ الَّذِينَ لَهُ”(2مل10:1).
وتتكرر المعجزة أكثر من مرة، لترينا مدى قوة إيليا.
وإليشع النبي، يوبخ تلميذه جيحزي الذي جرى وراء نعمان السرياني يطلب منه حسنات، وأنكر على معلمه، فيقول له: “فَبَرَصُ نُعْمَانَ يَلْصَقُ بِكَ وَبِنَسْلِكَ إِلَى الأَبَدِ”(2مل27:5). فخرج جيحزي من أمامه أبرص كالثلج.
واللعنة التي أوقعها نوح على حفيده كنعان، اعتمدها السيد المسيح في حديثه مع المرأة الكنعانية..
وفي الإنجيل، في العهد الجديد، نجد نفس الهيبة بالنسبة إلى القديسين: بطرس الرسول، بكلمة منه، يسقط حنانيا ميتًا، ثم تسقط سفيرة زوجته ميتة مثله، بكلمة.
وبولس الرسول، بأمره: يصير عليم الساحر أعمى.
إنها هيبة القديسين، والكرامة التي منحها الله بكلمتهم…
وكما كانت عقوباتهم سارية المفعول، كذلك كانوا أيضًا بركة..
إيليا، كان بركة في بيت الأرملة. قال لها في وقت المجاعة: “كُوَّارَ الدَّقِيقِ لاَ يَفْرُغُ، وَكُوزَ الزَّيْتِ لاَ يَنْقُصُ، إِلَى الْيَوْمِ الَّذِي فِيهِ يُعْطِي الرَّبُّ مَطَرًا عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ”(1مل14:17)، وقد كان. وبنفس البركة أقام إيليا ابن الأرملة من الموت.
ويوسف الصديق كان بركة في بيت فوطيفار. وبنفس الوضع كان يعقوب بركة في بيت لابان. والله يقول لأبرام: “وَأُبَارِكَكَ وَأُعَظِّمَ اسْمَكَ، وَتَكُونَ بَرَكَةً، وَأُبَارِكُ مُبَارِكِيكَ”(تك12: 2، 3).
ومن إكرام الله لقديسيه، أنه كان يأخذ رأيهم.
إن الله قبل أن يعاقب سدوم، عرض الأمر على إبراهيم، قائلًا: “هَلْ أُخْفِي عَنْ إِبْرَاهِيمَ مَا أَنَا فَاعِلُهُ، وَإِبْرَاهِيمُ يَكُونُ أُمَّةً كَبِيرَةً وَقَوِيَّةً، وَيَتَبَارَكُ بِهِ جَمِيعُ أُمَمِ الأَرْضِ؟” (تك18: 17، 18). وتفاهم الله مع إبراهيم، ونفَّذ له طلبه، وفي قوله: “لا أُهلِك لأجل العشرة” إكرامًا لإبراهيم، وللعشرة إن وُجِدوا.
ونفس الأمر حدث بين الله وموسى، حينما أراد الله أن يُهلِك الشعب كله. وما أعجب قول الكتاب بعد حديث الرب مع موسى: “فَنَدِمَ الرَّبُّ عَلَى الشَّرِّ الَّذِي قَالَ إِنَّهُ يَفْعَلُهُ بِشَعْبِهِ”(خر32: 7 – 14)، وقَبِل الرب شفاعة موسى.
ومن أمثلة إكرام الله لقديسيه، قوله: “من أجل.. عبدي”.
“مِنْ أَجْلِ إِبْرَاهِيمَ عَبْدِي”(تك24:26)، “لأَجْلِ دَاوُدَ عَبْدِي”(1مل13:11). وقول المرتل: “مِنْ أَجْلِ دَاوُدَ عَبْدِكَ لاَ تَرُدَّ وَجْهَ مَسِيحِكَ”(مز10:132).
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة العاشرة – العدد العشرون 18-5-1979م


