الله هو البادئ

الله هو البادئ1
قصة الخلاص بدأها الله بنفسه، وشرح وسيلتها. وذلك حينما قال إن نسل المرأة يسحق رأس الحية (لو3: 15).
وهو الذي أعد العذراء التي سيولد منها. وهو الذي أرسل لها رئيس الملائكة جبرائيل؛ ليبشرها بأنها ستلد ابناً تسميه يسوع. فلما قالت:” لست أعرف رجلاً، أجابها الروح القدس يحل عليك، وقوة العليِّ تظللك. فلذلك أيضاً القدوس المولود منك ُيدعى ابن الله” (لو1: 26-35).
وهو الذي أعد “الملاك الذي يهيئ الطريق قدامه”(مر1: 2). وأرسل ملاكاً يبشر به زكريا الكاهن، ويقول عنه إنه:” من بطن أمه يمتلئ من الروح القدس”(لو1: 15).
ولما كان قد عزم أن يكون في تجسده “ابن داود ابن إبراهيم”(مت1: 1). لذلك أعدَّ أيضاً إبراهيم وأعدَّ داود..
ففي يوم ما كان يعرفه إبراهيم وما كان ينتظره، أتاه صوت الله – من حيث لا يدري – يقول له:” اذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض التي أريك. فأجعلك أمة عظيمة وأباركك وأعظّم اسمك. وتكون بركة.. وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض”(تك12: 1-3).
وفي يوم من الأيام، ما كان يعرفه داود، ولا كان ينتظر ما سوف يحدث فيه، استدعوه إلى بيت أبيه فيما كان يرعى الغنيمات القليلات في البرية. وإذ هناك صموئيل النبي “فأخذ صموئيل قرن الدهن ومسحه (مسح داود) في وسط إخوته. وحل روح الرب على داود من ذلك اليوم فصاعداً”(1صم13:16).
وهكذا أعد الله كل الأشخاص لقصة الميلاد. منذ آلاف السنين… وهيأهم وميزهم بالفضائل. إلى أن يأتي “ملء الزمان الذي يُولد فيه”(غل4: 4).
ما كان إبراهيم ولا داود يحلم أو يفكر أو يسعى أن يكون جداًّ للمسيح. وما كان يوحنا المعمدان يحلم أنه سيكون الملاك الذي يهيئ الطريق قدامه. أو أنه سيكون الشخص الذي يعمده. وما كانت العذراء مريم تظن في يوم ما أنها ستكون أماًّ، بل أماًّ لمخلص العالم كله!!
ولكن الله هو الذي أراد، وهو البادئ في تحقيق هذه الخطة، منذ أن أخطأ آدم وحواء، إلى أن “جاء ملء الزمان”.. والله نفسه هو الذي أعد ملء الزمان، وحدد موعده.” ولما جاء ملء الزمان” كان الله قد أعدّ كل شيء يختص بالتجسد الإلهي. أعد النبوءات والرموز، في الناموس والأنبياء والمزامير.
أعدَّ أنه سيولد من عذراء وتدعو اسمه عمانوئيل (إش7: 14). وأنه “تكون الرياسة على كتفه. ويدعى اسمه عجيباً مشيراً، إلهاً قديراً، أباً أبدياًّ، رئيس السلام”(إش9: 6). وأنه سيولد في بيت لحم اليهودية (ميخا5: 2)، (مت5:2). بل تحدثت النبوءات أيضاً عن مجيئه إلى مصر (إش19: 1)، وعن آلامه بالتفاصيل (في قصة الفداء) كما ورد في (إش53)، (مز22).
إن الله هو البادئ في المصالحة، كما في التجسد بصفة عامة، وكما في المصالحة الفردية مع كل إنسان.. هو الذي قاد السامرية الخاطئة إلى الإيمان والتوبة، حينما شاء أن يقابلها عند البئر، ويحدثها عن الماء الحيِّ، والسجود لله بالروح والحق، ويستدرجها للاعتراف بخطاياها(يو4).
وهو الذي قاد زكا رئيس العشارين إلى التوبة. وقال له:” ينبغي أن أمكث اليوم في بيتك” وقال.. أيضاً:” اليوم حصل خلاص لهذا البيت، إذ هو أيضاً ابن لإبراهيم”(لو19: 5- 9).
ما كانت السامرية تحلم بالتوبة والخلاص، ولا كان زكا يحلم بأن السيد المسيح يدخل إلى بيته. ولكن الله كان هو البادئ.
نفس الوضع حدث أيضاً مع شاول الطرسوسي الذي كان “ينفث تهديداً وقتلاً على تلاميذ الرب” “ويسوقهم موثقين إلى أورشليم”(أع9: 1، 2) … هذا الذي قال عن نفسه:” أنا الذي كنت قبلاً مجدفاً ومضطهداً ومفترياً”(1تي13:1).. كما قال:” أنا الذي لست أهلاً لأن أدعى رسولاً، لأني اضطهدت كنيسة الله”(1كو15: 9).
شاول هذا بدأ معه طريق التوبة، بل طريق الدعوة، حينما قابله بنور عظيم في طريق دمشق، وعاتبه قائلاً:” شاول شاول، لماذا تضطهدني”(أع4:9). بل الرب كان البادئ معه قبل ذلك بكثير، قبل أن يولد، حسبما قال شاول نفسه:” لكن لما سرّ الله الذي أفرزني من بطن أمي ودعاني بنعمته أن يعلن ابنه فيَّ لأبشر به بين الأمم للوقت لم أستشر لحماً ولا دماً”(غل1: 15، 16).. الله إذن كان هو البادئ مع شاول في التوبة والدعوة.
كذلك الدعوة – بأمثلة عديدة – مادام الداعي هو الله، فبالضرورة يكون البادئ هو الله. عرفنا كيف دعا الله إبراهيم (تك12) وداود (1صم 16). ولعل من أبرز الأمثلة أيضاً، دعوته لإرميا النبي، إذ يقول له:” قبلما صورتك في البطن عرفتك، وقبلما خرجت من الرحم قدستك. جعلتك نبياًّ للشعوب”(إر1: 5).
وبالمثل دعوته لموسى النبي عند العليقة (خر3). ما كان إرميا ولا موسى يحلم في يوم من الأيام أنه سيكون نبياًّ! بل أن موسى قال لله:” لست أنا صاحب كلام، منذ أمس ولا أول من أمس، ولا من حين كلمت عبدك. بل أنا ثقيل الفم واللسان”(خر4: 10).
وكذلك قال إرميا:” آه يا سيد الرب، إني لا أعرف أنا أتكلم لأني ولد”(إر6:1). الدعوة جاءت أيضاً من الرب لمتى العشار – وهو جالس في مكان الجباية – إذ قال له الرب:” اتبعني”(مت9: 9).
وأيضاً سمعان بطرس وأندراوس حينما كانا يلقيان شباكهما في البحر، قال لهما:” هلمّ ورائي فأجعلكما صيادي الناس”(مت4: 18، 19). ونفس الوضع مع يعقوب بن زبدي ويوحنا أخيه (مت4: 21، 22).. ومع باقي الرسل.
وفسرّ ذلك بولس بقوله:” إن الذي سبق فعرفهم، سبق فعينهم.. والذين سبق فعينهم. فهؤلاء دعاهم أيضاً”(رو8: 29، 30). وقال عن رتبة الكهنوت:” لا يأخذ أحد هذه الوظيفة من نفسه، بل المدعو من الله كما هرون أيضاً”(عب4:5). الله هو البادئ للدعوة في موضوع الكهنوت، وفي كل موضوعات الخدمة. وهو الذي قال لتلاميذه القديسين:” لستم أنتم اخترتموني، بل أنا اخترتكم، وأقمتكم لتأتوا بثمر ويدوم ثمركم”(يو15: 16).
صوت الله يأتي، إلى من يشاء الله من الناس.. المهم أن نميز صوته، وأن نستجيب لهذا الصوت.. جاء صوت الرب لصموئيل الطفل، فلم يميزه أولاً، وظنه صوت عالي الكاهن. ولكنه أدرك أخيراً أنه صوت الله، فأجاب:” تكلم يا رب، فإن عبدك سامع”(1صم3: 9، 10). وسمع الرسالة وأوصلها.
وجاء الصوت إلى الأنبا أنطونيوس من آية في الإنجيل يقول فيها الرب:” إن أردت أن تكون كاملاً، فاذهب وبع كل مالك وأعطِ للفقراء، فيكون لك كنز في السماء. وتعالَ اتبعني”(مت19: 21). فنفذ العبارة، وعاش لحياة العبادة. بينما الشاب الغني الذي سمعها من فم المسيح نفسه “ومضى حزيناً، لأنه كان ذا أموال كثيرة”(مت19: 22). لذلك حسناً قال الرسول:” إن سمعتم صوته، فلا تقسُّوا قلوبكم”(عب3: 7، 8).
بل إن القديس الأنبا أنطونيوس، وهو في بدء حياته في التعبد، على حافة النهر سمع نصيحة من فم امرأة مستهترة “إن كنت راهباً فلا تجلس ههنا، اذهب إلى البرية الجوانية”. فاعتبر كلمتها صوت الله إليه، وذهب ونفذ…
المهم أن نميز صوت الله. لأن القديس يوحنا الحبيب يقول في رسالته الأولى:” لا تصدقوا كل روح. بل امتحنوا الأرواح هل هي من الله. لأن أنبياء كذبة كثيرين قد خرجوا إلى العالم”(1يو4: 1).
هيرودس الملك سمع البشارة عن ميلاد الرب من أفواه المجوس. فلم يستجب، بل “اضطرب وكل أورشليم معه”(مت2: 3). ولجأ إلى الحيلة والخداع، ثم دبر كيف يقتل المسيح الطفل!
وهيرودس آخر – بعد 30 سنة – سمع كلمة من فم يوحنا المعمدان. لا يحل لك أن تأخذ امرأة أخيك (مت 14: 3، 4). فلم يستجب للصوت، بل سجن المعمدان، وأخيراً قتله.
والكتبة والفريسيون والصدوقيون والكهنة، سمعوا الكلمة من فم المسيح أكثر من مرة. فلم يستجيبوا. “والنور أشرق في الظلمة والظلمة لم تدركه”(يو1: 5)، “أحبوا الظلمة أكثر من النور، لأن أعمالهم كانت شريرة”(يو3: 19).
أولئك حصدوا نتيجة رفضهم وهلكوا! كذلك أورشليم التي رثاها المسيح بقوله:” يا أورشليم يا أورشليم، يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها، كم مرة أردت أن أجمع أولادك. كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها، ولم تريدوا. هوذا بيتكم يترك لكم خراباً”(مت23: 37، 38).
كان هو البادئ، لأجل خلاصهم. ولكنه لم يرغمهم على قبول الخلاص. وهكذا ضاعوا، لأنهم لم يقبلوا هذا الخلاص.. وهكذا رثا الرب هذه المدينة قائلاً لها:” لأنك لم تعرفي زمان افتقادك”(لو19: 44).
يا أخي إن الله قد يفتقدك في أي وقت، ويصل إليك صوته. ربما يأتيك صوته، أثناء قراءة الإنجيل، أثناء سماع الرسائل، أثناء صلاة المزامير، أثناء الاستماع إلى القداس، أثناء زيارة مريض، أثناء خلوة، أو فم واعظ، أو في أي وقت. وكما يقول الكتاب إن:” ملكوت الله لا يأتي بمراقبة”. ولكنه لابد يأتي.
المهم أن تدركه وتميزه، وتستجيب له. ولا تكن كعذراء النشيد التي قالت:” صوت حبيبي قارعاً”(نش5: 2). ومع ذلك تراخت في أن تفتح له. كان هو البادئ، وكانت هي المتكاسلة. لذلك قالت أخيراً في ألم:” حبيبي تحول وعبر. نفسي خرجت عندما أدبر. طلبته فما وجدته. دعوته فما أجابني”(نش5: 6).
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثانية والثلاثون – العددان 1،2 (16-1-2004م)



