اللقــاء مع الله

في التجربة على الجبل نلاحظ أمراً عجيباً، وهو أن الشيطان تقابل مع السيد المسيح. الرب أعطى فرصة- حتى للشيطان- أن يقابله!!
لو كان السيد قد جاء للأبرار فقط، ولو كان قد التقي بالقديسين لا غير… لظن الخطاة أنه ليس لهم فيه نصيب.. ولكن السيد المسيح قبل أن يبدأ خدمته، أعطى فرصة للشيطان أن يقابله والشيطان- كعادته- لم يستفد من هذه الفرصة، بل أضاف بها ثقلا جديداً على خطاياه. فلنتحدث اليوم عن اللقاء مع الله…
اللقــاء مع الله1
+ قابلوا الرب، ولم يستفيدوا…
الرب من محبته يتقابل مع الكل. يشرق شمسه على الأبرار والأشرار، ويمطر على الصالحين والطالحين.
تقابل الرب مع قايين، أول قاتل على الأرض، ولم يستفد قايين من هذا اللقاء. وتقابل الرب مع آدم وحواء بعد سقطتهما، وأعطاهما فرصة للاعتراف والتوبة، ولم يعترفا…
وزار بيت سمعان الفريسي. وكان الفريسيون مشهورين بالكبرياء والعجرفة. فاستقبله سمعان في بيته، دون أن يستقبله في قلبه. وفي أثناء الزيارة ظل يرقبه باحثاً له عن غلطة…
تقابل المسيح مع بيلاطس، ومع هيرودس، ومع حنان وقيافا… أعطى كل هؤلاء فرصة أن يروه، ولكنهم لم يستفيدوا…
بيلاطس تأثر، وأراد أن يطلقه، وغلبه الجبن. وهيرودس أستهزأ به، ورؤساء الكهنة أعماهم الحسد، ووقف دون استفادتهم.
الشاب الغني: التقي بالمسيح، ومضى حزينا، يا للعجب…!
كثيرون تقابلوا مع المسيح، ولم يستفيدوا. كانت هناك عوائق في داخلهم، أو حولهم، تمنع هذه الاستفادة.
الذي يتقابل مع الرب ويستفيد، هو القلب المستعد، القلب المتضع، والمحب، الذي يريد أن ينتفع…
+ ما معنى اللقاء مع الرب…
كثيرون يظنون أنهم تقابلوا مع الرب، وهم لم يتقابلوا…
أننا نقصد باللقاء، اللقاء الحقيقي، الذي يتلاقى فيه قلب مع قلب
هناك أناس يتقابلون مع المسيح بالجسد، وقلوبهم بعيدة عنه.
عن هؤلاء قال الرب موبخاً.
“هذا الشعب يعبدني في بشفتيه. أما قلبه فمبتعد عنى بعيدا”.
ربما يقف إنسان 1/4 ساعة أو 1/2 ساعة مصليا، دون أن يتقابل مع الرب.
أنه يردد الفاظاً لا غير.
الصلاة صلة مع الله. أتراك تشعر بهذه الصلة في صلاتك؟
هل تشعر أثناء الصلاة أنك في حضرة الله، وأنك رأيته، وتمتعت به، وتكلمت معه؟ لذلك فالذي يعيش في شكلية الصلاة، وفي مجرد طقسية الصلاة دون الدخول إلى روحها، هؤلاء لم يتقابلوا مع الله.
لهؤلاء قال الرب في سفر إشعياء “حين تبسطون أيديكم، أستر وجهي عنكم. وإن أكثرتم الصلاة، لا أسمع. أيديكم مملوءة دماً”.
القلب هو الوسيلة الوحيدة، التي تلتقي مع الله.
كثيرون يعبدون الله خارج نفوسهم وخارج قلوبهم. ويصلون ويصومون، ولا يتلقون مع الله. يخرجون من كل ذلك كماهم، دون تغير، دون تقدم في الروح، لأنهم لم يلتقوا بالرب الذي يعبدونه. الله ما يزال يطلب “يا ابني، أعطني قلبك”…
الذي يتقابل مع الله، هو الذي يدخل إلى قلب الله، ويدخل الله إلى قلبه، ويصير مع الله واحدا في الحب، وفي المشيئة…
أن كنت لا تتقابل مع الله ههنا على الأرض، فلن تتقابل معه هناك، في السماء. هنا مذاقه الملكوت…
هنا تبتدئ العلاقة مع الله، تبتدئ العشرة والصلة والصداقة… هنا نأخذ عربون الملكوت ومذاقته. هنا لابد أن تتمتع بملكوت الله في داخلك، كيما يمكنك أن تتمتع بملكوته في السماء.
إذن، فملكوت الله (في داخلكم)، لابد إن يسبق ملكوت السموات. إن اللقاء مع الله، يحتاج إلى إنسان كالمعمدان يهيئ للرب شعباً مستعداً. هذا الاستعداد للقاء، هو الذي قال عنه الكتاب “لباس العرس”. لابد أن تلبسه، قبل أن ندخل العرس للقاء المسيح.
القلب المستعد، هو قلب يشتاق إلى الله، وإلى الحياة معه.
أقول لكم هذا الكلام الآن. لئلا تظنوا أن الصوم الكبير مجرد تغيير أكل بأكل… فترة الصوم هي لقاء مع الله، فترة تقول فيها لله: أريد أن أتقابل معك، أريد أن أسمع منك عبارة “ينبغي أن أكون اليوم في بيتك، نجلس على مائدة واحدة، ونشرب من نتاج هذه الكرمة”.
+ لقـاء معرفة:
اللقاء مع الله، لقاء معرفة. ومعرفة الله ليست هينة.
بولس الرسول يقول “لأعرفه، وقوة قيامته، وشركة آلامه، متشبهاً بموته”. ولكي أعرف المسيح “خسرت كل الأشياء، وأنا أحسبها نفاية” “من أجل فضل معرفة المسيح ربى” (في 3). لكي أعرفه “وأوجد فيه”…
وهذه المعرفة ليست مجرد معرفة عقلية “بهذا نعرف أننا قد عرفناه، أن حفظنا وصاياه” (1يو 3:2)
أن الذين عرفوا الله، أحبوه، وتركوا كل شيء لأجله..
أوغسطينوس تاه 30 سنة إلى أن عرف الله. ولما عرفه أحبه، ووجده جمالا لا ينطق به، وفرحاً لا يعبر عنه. فذاق ما أطيب الرب. وقال له في انسحاق “تأخرت كثيراً في حبك…”
“ذوقوا وانظروا، ما أطيب الرب”. أن ذقته، ستشعر بلذة الحياة معه، وتقول له “جيد يا رب أن نكون ههنا”…
كانت مريم أخت مرثا تجلس عند قدمي المسيح، تتأمله لتعرفه. الذين عرفوا الرب حق المعرفة جروا وراءه كل الطريق، ولم يحبوا أن يعرفوا شيئاً آخر سواه… وأنت، هل تظن أنك تعرف الله، لمجرد ترديدك عبارة “بالحقيقة نؤمن بالله واحد، الله الآب ضابط الكل، خالق السماء والأرض…”.
كلا، أن المعرفة العقلية وحدها لا تكفي. فالشياطين يعرفون “ومؤمنون ويقشعرون” (يع2). إنما المعرفة الحقيقة، هي معرفة عشرة ومذاقة، معرفة حب وليست معرفة كتب…
كم من أناس قرأوا الكتاب، ولم يعرفوا الله. الشيطان نفسه كان يجادل بآيات من الكتاب. المعرفة الحقيقة هي معرفة اختبارية، قال فيها يوحنا الحبيب “الذي رأيناه بعيوننا، الذي شاهدناه ولمسته أيدينا”.
أيوب الصديق لما التقي بالرب، أدرك أن كل معرفته السابقة بالله كانت جهالة. فقال “قد نطقت بما لم أفهم، بعجائب فوقي لم أعرفها” (أي 42). وقال في الفرق بين المعرفتين:
“بسمع الأذن سمعت عنك، والآن رأتك عيني” (أي 5:42) فهل أنت تعرف الله بسمع الأذن، أم قد رأته عيناك؟ هل قالوا لك في العظات عن الله، وهل سمعت عنه في الكنيسة، أم اختبرته بنفسك، وذقته، والتقيت به؟
هل عرفته شخصيا، أم أخذت معرفته عن آخرين؟
إنك تلتقي مع الكتب، ومع الأبنية، ومع الصور، ومع العلوم. كلها تحدثك عن الله الذي ينبغي أن تلتقي به، فهل التقيت؟ أم أنت تقول مع عذراء النشيد “لماذا أكون كمقنعة عند قطعان أصحابك” (7:1).
أجر وراء الله، وقل له “أخبرني أين ترعى؟ أين تربض عند الظهيرة؟” “تحت ظلك اشتهيت أن أجلس”.
+ لقـاء حـب:
إن امتلك الله عواطفك، سيكون لقاؤك به لقاء حب. ستقول “أحلفكن يا بنات أورشليم… إن وجدتن حبيبي، أن تخبرنه بأني مريضة حباً”. إن بعدت عن الله لحظة، ستشعر أنك مريض حباً…
أن كنت لم تحب الله، فانت لم تلتق به بعد…
زكا العشار كان يسمع عن الرب بسمع الأذن. فاشتهي أن يلقاه. رآه من بعيد، وسط الزحام. وظل الرب يقترب منه، حتى ناداه باسمه، ودخل بيته، وصار خلاص لأهل ذلك البيت…
أقترب إلى الله خطوة وقل له: لا أريد أن تكون تداريبى في هذا الصوم: حفظ فصول من الكتاب، أو إزادة عدد المطانيات، والتشديد في النسك الجسدي وفترة الانقطاع..
إنما أريد في هذا الصوم أن التقي بك، إن أعاشرك وتراك عيناي. أريد كما دخلت عقلي، أن تدخل قلبي أيضًا.
أريد أن أعرفك، وأختبرك، واحبك: والتصق بك. أريد أن تدخل إلى قلبي، وأدخل إلى قلبك. أريد أن تقول لي “أسرع وانزل”. أترك الجميزة، أترك الزحام، وافتح لي بيتك لتتعشي معي، وأنا معك. هكذا اللقاء مع الرب، لقاء معرفة وحب. وماذا أيضًا؟
لقــاء متعـة:
هناك إنسان يصلي، ولا يشعر بمتعة، لأنه لا يلتقي بالله في صلاته. علامة المتعة واللقاء في الصلاة، أنك لا تشاء أن تتركها. تنزع حياتك منك، أسهل من إن تفصل عن متعة الحديث عن الله…!
هناك أشخاص يلتقون مع عبارات الصلاة، ومفهومها، وعقلانيتها، ولكنهم لا يلتقون مع الله. أما الذين التقوا به، فقد قال عنهم مار اسحق:
من حلاوة اللفظة في أفواههم وقت الصلاة، لا يشاءون أن يتركوها لينشغلوا بلفظة أخرى”.
اسم الله محبوب عند هؤلاء، كما غنى داود النبي “محبوب هو اسمك يا رب، فهو طول النهار تلاوتي”. وكما نقول في التسبحة “اسمك حلو ومبارك، في أفواه قديسيك”.
من يصلي هكذا، لا يشعر بنفسه: كم من الوقت قد مضى عليه ولا يدري أهو في الجسد أم خارج الجسد، ليس يدري…
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السابعة (العدد الثاني عشر) 19-3-1976م



