اللقاء مع الرب

بمناسبة الأربعين المقدسة، ولقاء السيد المسيح مع تلاميذه، أود أن أحدثكم عن:
اللقاء مع الرب1
كثيرون يظنون أنهم تقابلوا مع الرب، وهم لم يتقابلوا…
إننا نقصد باللقاء، اللقاء الحقيقي، الذي يتلاقى فيه قلب مع قلب.
هناك أناس يتقابلون مع المسيح بالجسد، وقلوبهم بعيدة عنه. عن هؤلاء قال الرب موبخًا..
“هذا الشعب يعبدني بشفتيه. أما قلبه فمبتعد عني بعيداً“.
ربما يقف إنسان ربع ساعة أو نصف ساعة مصليًا، دون أن يتقابل مع الرب. إنه يردد ألفاظًا لا غير.
الصلاة صلة مع الله. أتراك تشعر بهذه الصلة في صلاتك؟
هل تشعر أثناء الصلاة أنك في حضرة الله، وأنك رأيته، وتمتعت به، وتكلمت معه؟ لذلك فالذي يعيش في شكلية الصلاة، وفي مجرد طقسية الصلاة دون الدخول إلى روحها، هؤلاء لم يتقابلوا مع الله.
لهؤلاء قال الرب في سفر إشعياء “حين تبسطون أيديكم، أستر وجهي عنكم. وإن أكثرتم الصلاة، لا أسمع. أيديكم مملوءة دمًا”.
تعجبني عبارات المرتل الذي ذاق الله والتقى به، حينما يقول “طلبت وجهك، ولوجهك يا رب ألتمس. لا تحجب وجهك عني” “بكل قلبي طلبتك”.
عذراء النشيد لم تكتف بالطلب، وإنما أيضًا طافت الشوارع باحثة عنه، مجاهدة لأجل هذا اللقاء.
هناك إنسان يصلي، ولا يشعر بمتعة، لأنه لا يلتقي بالله في صلاته. علامة المتعة واللقاء في الصلاة، أنك لا تشاء أن تتركها. تنزع حياتك منك، أسهل من أن تفصل عن متعة الحديث مع الله…!
هناك أشخاص يلتقون مع عبارات الصلاة، ومفهومها، وعقلانيتها، ولكنهم لا يلتقون مع الله. أما الذين التقوا به، فقد قال عنهم مار اسحق:
من حلاوة اللفظة في أفواههم وقت الصلاة، لا يشاءون أن يتركوها لينشغلوا بلفظة أخرى“.
اسم الله محبوب عند هؤلاء، كما غنى داود النبي “محبوب هو اسمك يا رب، فهو طول النهار تلاوتي”، وكما نقول في التسبحة “اسمك حلو ومبارك، في أفواه قديسيك”.
من يصلي هكذا، لا يشعر بنفسه: كم من الوقت قد مضى عليه. ولا يدري أهو في الجسد أم خارج الجسد، ليس يدري…
ولكي تلتقي بالرب ينبغي أن تكون لك رغبة في اللقاء.
ولكن هذه ليست قاعدة، فمن أعجب الأمثلة أيضاً قصة شاول الطرسوسي، الذي كان في طريقة لاضطهاد الرب وأولاده، بكل قسوة وعنف، يحمل خطابات يجر بها رجالًا ونساءً إلى السجن… وفي الطريق قابله الرب وجذبه إليه..
خاطب الرب وقل له: أريد يا رب أن ألتقي بك، أن أعاشرك وتراك عيناي. أريد كما دخلت عقلي، أن تدخل قلبي أيضًا.
أريد أن أعرفك، وأختبرك وأحبك: وألتصق بك. أريد أن تدخل إلى قلبي، وأدخل إلى قلبك، أريد أن تقول لي “أسرع وأنزل”. أترك الجميزة، أترك الزحام، وأفتح لي بيتك، لتتعشى معي، وأنا معك.
إن امتلك الله عواطفك، سيكون لقاؤك به لقاء حب. ستقول “أحلفكن يا بنات أورشليم… إن وجدتن حبيبي، أن تخبرنه بأني مريضة حبًا”. إن بعدت عن الله لحظة، ستشعر إنك مريض حبًا…
إن كنت لم تحب الله، فأنت لم تلتق به بعد…
زكا العشار كان يسمع عن الرب بسمع الأذن. فاشتهى أن يلقاه. رآه من بعيد، وسط الزحام. وظل الرب يقترب منه، حتى ناداه باسمه، ودخل بيته، وصار خلاص لأهل ذلك البيت…
القلب هو الوسيلة الوحيدة، التي تلتقي مع الله.
كثيرون يعبدون الله خارج نفوسهم وخارج قلوبهم. ويصلون ويصومون، ولا يلتقون مع الله. يخرجون من كل ذلك كما هم، دون تغير، دون تقدم في الروح، لأنهم لم يلتقوا بالرب الذي يعبدونه. الله ما يزال يطلب “يا ابني، أعطني قلبك”…
الذي يتقابل مع الله، هو الذي يدخل إلى قلب الله، ويدخل الله إلى قلبه، ويصير مع الله واحدًا في الحب، وفي المشيئة...
إن كنت لا تتقابل مع الله ههنا على الأرض، فلن تتقابل معه هناك، في السماء. هنا مذاقه الملكوت…
هنا تبتدئ العلاقة مع الله، تبتدئ العشرة والصلة والصداقة… هنا نأخذ عربون الملكوت ومذاقته. هنا لابد أن تتمتع بملكوت الله في داخلك، كيما يمكنك أن تتمتع بملكوته في السماء.
إذن، فملكوت الله (في داخلكم)، لابد أن يسبق ملكوت السموات.
إن اللقاء مع الله، يحتاج إلى إنسان كالمعمدان، يهيئ للرب شعبًا مستعدًا. هذا الاستعداد للقاء، هو الذي قال عنه الكتاب “لباس العرس”. لابد أن تلبسه، قبل أن ندخل العرس للقاء المسيح.
القلب المستعد، هو قلب يشتاق إلى الله، وإلى الحياة معه.
إن السيد المسيح لا يطلب مجرد اللقاء، وإنما بالأكثر الثبات فيه “اثبتوا فيَ وأنا فيكم” ما معنى هذا الثبات المتبادل؟ إنه تعبير أكبر من عقولنا، وأكبر من قلوبنا.
كما تثبت الأغصان في الكرمة، كما يثبت الجسد في الرأس… حقًا كما قال الكتاب: إن هذا السر عظيم… ليس الأمر إذن مجرد لقاء، إنه سكنى، سكنى الله فيك. كما يقول “أنتم هياكل الله، وروح الله ساكن فيكم”. ينظر الله إلى قلبك ويقول “ههنا موضع راحتي إلى أبد الأبد، ههنا أسكن لأني اشتهيته”.
قلبك هو المكان الذي يريد المسيح أن يسند فيه رأسه.
من أجل هذا أنت تنادي “آمين، تعال أيها الرب يسوع” تعال يا رب وأسكن. أنا سأفتح لك الأبواب كلها. فيجيب الرب “ينبغي الليلة أن أدخل إلى بيتك”.
إذن اللقاء بالرب، هو لقاء في الداخل، وليس في الخارج. كثيرون يبحثون عن الله هنا وهناك، بينما الله داخلهم وهم لا يشعرون.
الله موجود في كل مكان، حواليك وداخلك، وأنت لا تشعر. لما أدرك أوغسطين هذه الحقيقة، قال “كنت يا رب معي، ولكنني من فرط شقوتي لم أكن معك “.
إذن الالتقاء بالله، معناه الشعور بالله في حياتك.
أنت يا رب في داخلي. أنت معي. أما أنا فينقصني الحس والإدراك. ينقصني الحواس المدربة التي أرى بها الله، لذلك يوبخنا الرب قائلًا “لكم عيون، ولكنها لا تبصر”.
كثيرون كان الرب معهم ويكلمهم، ولم يشعروا به ولا عرفوه.
تلميذا عمواس قابلهما الرب ولم يعرفاه. وكلم مريم المجدلية، فظنته البستاني. وكلم صموئيل فظنه عالي الكاهن. موسى النبي أيضًا لم يدرك الرب عند العليقة، فصاح فيه الرب “اخلع نعليك.. فالأرض التي أنت واقف عليها أرض مقدسة”…
الله موجود في حياتك، وفي حياة الناس. ولكن المشكلة هي أن الحواس غير مدربة… تلتقي بالرب ولا تعرفه.
لكي تلتقي بالرب أيضًا، ينبغي أن تتلاقى معه في الهدف. وعلى رأى المثل “من شروط المرافقة، الموافقة”.
إن أردت أن ترى الله، انشغل به، فكر فيه…
ليكن هو هدفك وشاغلك، وكل ما عداه أمورًا ثانوية. هناك من يبعدهم عن الرب، محبة أخرى تشغل القلب..
رغبة أخرى، شهوة أخرى. قلبهم متعلق بها لذلك فهم مشغولون بها عن الرب هكذا الذي يحب الرب ينشغل به. يراه في كل شيء. إن أتته بركة أو معونة أو إنقاذ، يقول هذا من الله. وإن سمع كلمة طيبة، يقول هذا صوت الله. وإن رأى إنسانًا صالحًا، يقول إنه صورة الله. الله دائمًا على لسانه وفي قلبه.
“محبوب هو اسمك يا رب، فهو طول النهار تلاوتي”.
“اسمك حلو ومبارك، في أفواه قديسيك”.
إن مشكلة اللقاء كلها، تتعلق بالحب، بمحبة الله.
إن الله يجد من يعظون عنه، ومن يبنون له بيوتًا، ويفسرون شريعته. لكن الأهم هو أين الذين يحبونه؟ والله يقول “يا ابني أعطني قلبك”.
أتريد أن تلتقي بالله؟ ينبغي أن تحبه.
هل تظن أن اللقاء بالله مجرد شعارات نضعها وعناوين؟ كلا، إنه حب وعاطفة. ولا تستطيع أن تحب الله إن كانت هناك محبة أخرى تشغلك. هناك من يحب أناسًا، ومن يحب ألقابًا، ومالًا أو علمًا، أو سلطة، أو شهوات. وفي كل ذلك يقول الرب:
” من أحب أبًا أو أمًا أكثر منى فلا يستحقني… “
ويقول الكتاب “محبة العالم عداوة لله. إن أحب أحد العالم، فليست فيه محبة الآب”.
لذلك سر الرب من بطرس حينما قال “تركنا كل شيء وتبعناك”. فهل تركت أيضًا كل شيء من أجل الله، وصار الله لك الكل في الكل؟
اِنشغلوا بالله، حبوه من كل قلوبكم، أعطوه عاطفتكم.
“الله محبة. من يثبت في المحبة، يثبت في الله والله فيه”. بهذا الشكل يمكن الالتقاء بالله…
لا يكفي أن تقرأ الكتاب، وإنما ينبغي أن تحبه…
في ناموس الرب مسرتك، وفي ناموسه تلهج النهار والليل. تقول للرب “فرحت بكلامك كمن وجد غنائم كثيرة”، “باسمك أرفع يدي فتشبع نفسي كما من شحم ودسم”، “وجدت كلامك كالشهد فأكلته”.
بهذا تلتقي بالله في كلماته، إن كنت تفتح لها قلبك بالحب.
وكما تحب كلام الله، تحب كنيسته، تحب خدمته، تحب ملكوته، تحب سماءه، تحب أولاده.
هل قلبك هو مسكن لله، أم أجرته من الباطن لآخرين؟!
يقول لك الله “يا ابني أعطني قلبك” تقول له “لقد جئت يا رب متأخرًا!! سبقك آخرون وأخذوه. قلبي أخذه فلان، والشيء الفلاني. لو كان قلبي شاغرًا، لقدمته لك، لكن آسف، إنه مشغول.
الله يعمل بنعمته على إخلاء قلبك لتصير له. فيلتقي بك. وانت به. وهذا الإخلاء يأتي بالتجرد…
تشعر أن كل شيء تافه إلى جوار الله. فتتجرد من كل شيء، يصير الله الكل في الكل. وبهذا تلتقي به بدون عائق… ولا يمكن أن تتجرد من العالم وأموره إلا إن فقد هذا العالم قيمته في نظرك… يعجبني في ذلك قول بولس الرسول. “خسرت كل الأشياء، وأنا أحسبها نفاية لكي أربح المسيح.. وأوجد فيه” “ما كان لي ربحًا، فهذا حسبته خسارة، من أجل فضل معرفة المسيح”.
ابراهيم ابو الآباء ترك من أجل الرب أهله وعشيرته وبيت أبيه. بل من أجله أيضًا ذهب ليقدم ابنه وحيده محرقة. وكأنه يقول للرب ” أنا يا رب ليس لي غيرك، لا أهل ولا عشيرة، ولا ابن. أنت لي كل شيء، وليس سواك. منذ التقيت بك، لم أعد أعرف أحدًا سواك…
داود في محبته لله – قال ما هو أصعب من هذا: “صرت كبهيمة عندك، ولكني معك في كل حين” (مز 73).
المهم أن أكون معك، ولا يهمني الوضع الذي أكون فيه. إن الذي يلتقي بك، لا يستطيع أن يبعد.
عندما خلق الله الإنسان، كان بالنسبة إلى الإنسان الكل في الكل. ثم بدأت محبات أخرى تدخل إلى قلب الإنسان، ومن ذلك الوقت قل التقاؤه بالرب، وحل الخوف محل الحب، وبدأ يهرب من وجه الله…
يعوزنا إعادة تقييم الأمور، بحيث نشعر أن كل شيء إلى جوار الله هو نفاية، فلا يعود ينافسه في قلبنا شيء…
وإن لم نتجرد من تلقاء أنفسنا، فإن نعمة الله تعمل على تجريدنا، حتى يبقى القلب للرب.
من أمثلة ذلك أيوب الصديق: جرده الرب من المال والأولاد والشهرة والهيبة والأصدقاء، ومن الصحة أيضًا… وفي هذا التجرد، التقى مع الله، ورأته عيناه…
واللقاء مع الله، هو الذي يحدد زمانه ومكانه وكيفيته…
من كان يظن أن المجوس الذين تتعلق أبصارهم دومًا بالنجوم، يلتقون مع رب النجوم كلها في مذود بقر!! ويكون لقاء الإيمان.
اللقاء مع الله، لقاء معرفة. ومعرفة الله ليست بالأمر الهين أو السهل… إن بولس الرسول يقول “لأعرفه وقوة قيامته، وشركة آلامه، متشبهاً بموته”.. ولكي أعرف المسيح “خسرت كل الأشياء، وأنا أحسبها نفاية” “من أجل فضل معرفة المسيح ربي” (في3). لكي أعرفه “وأوجد فيه”…
وهذه المعرفة ليست مجرد معرفة عقلية “بهذا نعرف أننا قد عرفناه، إن حفظنا وصاياه” (1يو2: 3).
إن الذين عرفوا الله، أحبوه وتركوا كل شيء لأجله…
أوغسطينوس تاه 30 سنة إلى أن عرف الله. ولما عرفه أحبه، ووجده جمالًا لا ينطق به، وفرحًا لا يعبر عنه. فذاق ما أطيب الرب. وقال له في انسحاق “تأخرت كثيرًا في حبك…”
“ذوقوا وانظروا، ما أطيب الرب“. إن ذقته، ستشعر بلذة الحياة معه، وتقول له “جيد يا رب أن نكون ههنا“…
كانت مريم أخت مرثا تجلس عند قدمي المسيح، تتأمله لتعرفه.
الذين عرفوا الرب حق المعرفة جروا وراءه كل الطريق، ولم يحبوا أن يعرفوا شيئًا آخر سواه… وأنت، هل تظن أنك تعرف الله، لمجرد ترديدك عبارة “بالحقيقة نؤمن بإله واحد، الله الآب ضابط الكل، خالق السماء والأرض…”.
كلا، إن المعرفة العقلية وحدها لا تكفي. فالشياطين يعرفون “مؤمنون ويقشعرون” (يع2). إنما المعرفة الحقيقية، هي معرفة عشرة ومذاقة، معرفة حب وليست معرفة كتب…
كم من أُناس قرأوا الكتاب، ولم يعرفوا الله. الشيطان نفسه كان يجادل بآيات من الكتاب. المعرفة الحقيقية هي معرفة اختبارية، قال فيها يوحنا الحبيب “الذي رأيناه بعيوننا، الذي شاهدناه ولمسته أيدينا”.
أيوب الصديق لما التقى بالرب، أدرك أن كل معرفته السابقة بالله كانت جهالة. فقال “قد نطقت بما لم أفهم، بعجائب فوقي لم أعرفها” (أى42). وقال في الفرق بين المعرفتين:
“بسمع الأذن سمعتك عنك، والآن رأتك عيني” (أى42: 5)
فهل أنت تعرف الله بسمع الُأذن، أم قد رأته عيناك؟ هل قالوا لك في العظات عن الله، وهل سمعت عنه في الكنيسة، أم اختبرته بنفسك، وذقته، والتقيت به؟
هل عرفته شخصيًا، أم أخذت معرفته عن آخرين؟
إنك تلتقي مع الكتب، ومع الأبنية، ومع الصور، ومع العلوم كلها تحدثك عن الله الذي ينبغي أن تلتقي به، فهل التقيت؟
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 25-4-1993م




