الكبرياء والتواضع

تحدثنا في الأسبوعين الماضيين عن الكبرياء والتواضع: في الأسبوع الأول عن مظاهر الكبرياء، وفي الأسبوع الثاني عن نتائج الكبرياء… وما يقابل كل ذلك من اتضاع (مظاهره، ونتائجه).
ونريد في هذا الأسبوع أن نتكلم عن الكبرياء والاتضاع في الحياة الاجتماعية في معاملة الناس.
الكبرياء والتواضع1
الإنسان المتواضع هو إنسان مؤدب ومهذب، يحسن معاملة الآخرين، ويستطيع أن يكسب محبتهم، بأنواع وطرق شتى منها.
1- المتواضع يحترم غيره:
يحترم من هو أكبر منه سنا، ومن هو أكبر منه مقاما ومركزا، ومن هو أكثر منه علما وفهما، ومن هو أكبر منه من حيث القرابة أيضا. بل هناك ما هو أكثر من هذا:
المتواضع بطبعه يحترم حتى من هو أصغر منه أو أقل في كل شيء…
كل انسان يستطيع أن يحترم من هو أكبر منه أو يضطر إلى هذا. أما المتواضع فيحترم الكل، حتى من هو أصغر… السيد المسيح قال ليوحنا المعمدان “اسمح الآن”.
المتواضع يستطيع أن يحترم الرأي المعارض له…
المتكبر لا يحتمل أن يعارضه أحد. ومن الجائز أن يسفه كل رأى ضده. أما إذا جلست مع إنسان متواضع، فإنك تستطيع أن تتفاهم معه، حتى لو كان رأيك ضده. يتقبله في هدوء، وفي حب، وفي توقير. ولا يحطمه، ولا يحطمك.
المتكبر يطلب الاحترام لنفسه. أما المتواضع فيعطي الاحترام للآخرين.
المتكبر يطلب لنفسه احتراما، وكرامةً، وتوقيرًا، وتقديرًا، وإعجابًا، وإطراءً. يطلب أن يكبر في نظر الناس ويحترم. ويتعب من كل شخص لا يحترمه.
أما المتواضع فلا يأخذ الاحترام ولا يطلبه. وإنما يعطيه الناس. يحترم الكل. يتكلم في أدب مع الكل، مع الصغير، ومع الفقير، ومع المحتقر من غيره. لا يرى أحد تافهًا، ولا أحدًا ناقصًا، ولا يشوه أحد. وفي احترامه للناس يقدمهم على نفسه في كل شيء.
2-المتواضع يقدم غيره على نفسه:
دائما يعطي غيره المكان الأول والمكانة الأولى.
إذا مشى في طريق لا يسبق غيره، بل يجعل غيره يسبقه. لا يجلس وغيره واقف. وإن أراد أن يجلس مع من هو أكبر منه، يستأذنه قبل أن يجلس معه. يقول بستان الرهبان: إن كنت ماشيًا في طريق، فاجعل غيرك يسبقك حتى إذا تعب يمكنه أن يجلس ويستريح- دون أن يخجل- إلى أن تلحقه…
حتى في الصوم، وفي الطعام والشراب يقدم غيره. ولا يأخذ مظهر من هو أقوى أو أتقى من غيره. يقول البستان “ومن كان فيكم قويًا، فليقل لمن هو ضعيف – قبل الوقت- هلم بنا نأكل. أي يعطيه فرصة أن يأكل دون أن يجهل.
3-المتواضع يستر، ولا يكشف غيره:
لا يجرح أحدًا، ولا يخجل أحدًا، ولا يكشف أحدًا.
غيره قد يقابل إنسان ويظل يضغط عليه بالأسئلة في خاصياته، حتى يقف عريانًا أمامه ومكشوفًا. وكثيرون يخجلون من الانكشاف. ويشعرون بحرج عندما ينكشفون. أما المتواضع فلا يحب مطلقًا أن يحرج غيره أو يجرح غيره. ولا يسأل غيره عن أسرار يحرجه أن يبوح بها.
المتكبر يحب أحيانًا أن ينكشف الناس أمامه، لكي يعرف ضعفاتهم، ويقارن بينها وبين قوته. فيصغر الناس في عينيه، ويكبر هو في عيني نفسه. أما المتواضع فهو ليس كذلك.
إذا جلس المتواضع ليأكل مع غيره، لا يسمح لنفسه أن يتطلع إليهم، ليعرف كيف يأكلون. وكمية ما يأكلونه، وأي صنف يحبونه. لا ينظر، لأنه لا يحب أن يكشف الناس.. ليس في الأكل فقط، وإنما أيضًا في الكلام، وفي اللبس، وفي كل شيء. هناك شخص قد ينظر إلى ملابس غيره، ويركز نظراته على ما فيها من عيوب حتى يحرج غيره.
أما المتواضع فقد يرى كل شيء، وكأنه لم ير شيئًا على الإطلاق. ويلاحظ وكأنه لم يلاحظ.
إن الذي يكشف غيره، هو إنسان غير متضع. ربما يكشف غيره في كلامه. ولا يجعل غلطة تمر، حتى إن كانت لعثمة أو ثأثأة، أو خطأ في النطق.
المتكبر يكشف غيره في أخطائه، والكشف على أنواع:
نوع شديد يقابل أخطاء غيره بالتهكم والاستهزاء. ونوع آخر بدرجة أقل بمجرد الكلام والكشف. ونوع ثالث ينظر ويبتسم بطريقة يفهم منها أنه (واخد باله). أظهر له أنه كشف العيب الذي فيه.
أما المتواضع فلا يكشف غيره. ولا ينتقده، ولا يستهزئ به، ولا يتهكم عليه، ولا يضعه مجالًا لفكاهاته، ولا يحرجه، ولا يجرحه، ولا يهينه، ولا يخجله. بل على العكس يستر الناس.
4-المتكبر يحب الغلبة والانتصار:
المتكبر يحب أن ينتصر على غيره. يحب أن يبقى فوق غيره. يحب أن يغلب. أما المتواضع فلا يحب أن يغلب غيره، ولا يفرح بالانتصار على الناس. بل يضع نفسه تحت الكل وأقل من الكل. بل على العكس إن وجد أن الناس يفرحهم إن انتصروا عليه، يعطيهم الفرصة للانتصار، مادام هذا لا يتنافى مع أبديته، ولا يهدد مبادئه في الحياة.
الوحي المقدس قال عن يعقوب أبي الآباء إنه جاهد مع الله والناس وغلب. من تواضع الله انه سمح ليعقوب أن يغلب… أعطيكم مثالا:
أب يمسك بيده شيئا، ويقبض عليه. ثم يأتي طفله ويريد أن يفتح يد أبيه بالقوة ليأخذ ما في قبضته. والأب يريد أن يعطي ابنه فرحة الانتصار فيلين قبضته، ويعطي فرصة لابنه أن يفتحها، فيفرح، ويظن أنه انتصر. ويفرح الأب بفرحه. ويكون الانتصار ليس لقوة الابن، إنما لتواضع الأب الذي لا يفرحه أن ينتصر، وإنما أن ينتصر ابنه ولو عليه…!
المتكبر إذا ناقش غيره، يحب أن يهزمه ويظهر ضعفه، ويفرح بهزيمته له. أما المتواضع، فيقنعه بالحق دون أن يشعره بالانهزام. يجعله يستنتج الحقيقة، ويخرج بالوضع السليم، كأنه من فكره. فإذا وصل، يقول له “على رأيك. هذا حق. استنتاجك سليم. أنا أتفق معك في هذا. أنا معجب بما وصلت إليه”، دون أن يشعره بهزيمة.
– من أشهر القديسين في هذا المجال، كان القديس ديديموس الذي كان أسلوبه “ليس أن يهزم مناقشيه، وإنما أن يكسبهم، إلى جوار الحق”. لذلك لم يستخدم في مناقشاته اللاهوتية الأسلوب العنيف، وإنما أسلوب المحبة المقنع الذي استطاع به أن يجذب كثيرا من الوثنيين إلى المسيحية.
إن بين المتكبر والمتواضع فروقا في أسلوب المناقشة وهدفها.
المتكبر يفكر في ذاته كيف ينتصر لو حطم أخاه. أما المتواضع فيفكر في أخيه كيف يكسبه للحق. لذلك فالمتكبر ربما يظهر في مناقشاته روح العجب والاعتداد بالذات، وربما الحدة والقسوة، والرغبة في التحطيم، والفرح بسقوط غيره. أما المتواضع فإنه مؤدب في مناقشاته ورقيق، ويستطيع أن يصل إلى هدفه بالحب. إن ديديموس الرقيق المؤدب استطاع أن يكسب جيروم الجبار في علمه وشخصيته.
5- المتواضع يكرم غيره، ويطوبه:
دائما يسمع منه الناس كلمة حلوة. إنه على الدوام ينظر إلى النقط البيضاء في غيره وليس إلى النقط السوداء. أسماء الناس حلوة في فمه. يمدح الناس فوق ما يستحقون. يشجع. ينفخ حتى في الفتيلة المدخنة.
إن الله قال عن نينوى “المدينة العظيمة” على الرغم من خطيئتها وجهلها واستحقاقها للمناداة عليها بالهلاك. ومع ذلك كانت في نظره عظيمة، من جهات أخرى. وقال عن أيوب أنه “رجل كامل ومستقيم” على الرغم من أنه ليس أحد كاملًا إلا الله، والجميع زاغوا وفسدوا. والمرأة السامرية الخاطئة رأى فيها الرب شيئا حسنًا فقال لها “حسنا قلت…هذا قلت بالصدق”.
إن المتواضع يتخير الألفاظ المهذبة وينتقيها. ولا يستخدم لفظًا جارحًا. ولا لفظًا خشنًا، ولا لفظًا شديدًا، ولا لفظًا محرجًا… يعامل الناس دون أن يسئ إليهم. أما المتكبر فألفاظه كالسهام. يرجم الناس بالحجارة، ولا يهمه مشاعرهم. أما المتواضع فيعتبر أن نفسيات الناس التي يخاطبها هي وديعة في يديه، يحافظ عليها..
6-المتواضع يتميز بالهدوء:
المتواضع يبعد عن الصخب والضجيج. هو هادئ، فيه الوداعة الحلوة، يتصرف في كل أمر بالهدوء: هدوء في الفكر وفي القلب، هدوء في الاعصاب، هدوء في التعامل… يحل كل مشكلة بهدوء. يملك السلام على قلبه وألفاظه.
أما المتكبر فلا يعرف الهدوء ولا الوداعة، يظنهما لونًا من الضعف. لذلك فتصرفاته تتميز بالعنف. حتى صوته كثيرًا ما يكون صاخبًا أو حادًا. ما أجمل ما قيل عن السيد المسيح، إنه كان “لا يخاصم ولا يصيح، ولا يسمع أحد في الشوارع صوته. قصبة مرضوضة لا يقصف، وفتيلة مدخنة لا يطفئ”. وقيل عن الله عندما كلم إيليا النبي” وإذا صوت منخفض خفيف، يقول له: مالك ههنا يا إيليا”. بعكس ذلك المتكبر فهو عاصفة هوجاء تحب أن تقتلع كل شيء.
كثيرا ما يكون المتكبر مدمرا.. عينه ناقدة لا ترى سوى الاخطاء. ضباب العظمة يغطي عينيه، فلا ترى فضائل الناس وحسناتهم. الكل إلى جواره لا شيء. لا يبقى سوى المادحين والتابعين، ويحطم الباقين، ليبقى هو وحده.
لذلك فالتواضع يرتبط بحب الآخرين، أما المتكبر فتسوده الأنانية، وفي طريق محبة ذاته يدمر، ويخرب، وينتقد، ويشهر، ويدين…
والمحبة التي يتميز بها المتواضع تجعله يترفق، ولا يحتد، ولا يقبح، ولا يطلب ما لنفسه، ولا يظن السوء… (1كو13).
7- المتكبر يحب السيطرة والسلطة:
المتكبر يحب السلطة والنفوذ ويبحث عنهما. فاذا ما حصل على سلطة، يستخدمها الى آخر حدودها، أو يسئ استخدامها، أو يجاوز حدوده وحقوقه وسلطته، ويستخدم نفوذا ليس له. ويتسلط. كالابن الأكبر الذي يستخدم مع أفراد أسرته ومع أخوته الصغار سلطانا ليس له، ويسئ إليهم، بينما والده له سلطان وفي محبة واتضاع لا يستخدمه.
المتواضع لا يحب السيطرة، ولا يستخدم السلطة وهي في يده. ولا يحب أن يأمر كثيرًا، وفي سلطانه الأمر. وقد يكون رئيسًا لعمل فيقول لمرؤوسه” من فضلك” و “إذا سمحت”.. بعكس المتكبر الذي يحب إصدار الأوامر، وفي عظمة وتعال… أما المتواضع فقلبه فوق هذا المستوى.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة السنة الخامسة – العدد التاسع 30-11-1974↩︎





