الكاهن الروحي يهتم بكل أحد ليخلصه

الكاهن الروحي يهتم بكل أحد ليخلصه[1]
ينبغي أن يكون الكاهن روحيًا، لأن العمل الروحي يتلخص في العبارة الآتية التي وردت في الدسقولية. “فليهتم الأسقف بكل أحد ليخلصه”. والأسقف يعمل عن طريق كهنته، والكهنة يعملون عن طريق شمامستهم. إذن فعمل الأسقف والكاهن والشماس هو الاهتمام بكل أحد ليخلصه. ما دام العمل خلاصيًا، إذن ينبغي أن يكون صاحبه شخصًا روحيًا.
وعبارة “كل أحد” تعني الجميع الكبار والصغار يشمل الذين يحضرون إلى الكنيسة والذين لا يحضرون، والمتدينين وغير المتدينين. يخطئ الكاهن الذي يظن أن خاصته هم الذين يحضرون إلى الكنيسة. ويخطئ مدرس مدارس الأحد الذي يظن أن خاصته هم المكتوبون فى الكشف. إنما فليهتم بكل أحد، بالشبان الذين يتمشون ويدخلون إلى دور اللهو. يهتم الكاهن بعدوه وصديقه ليخلصه، يهتم بأعضاء اللجنة الذين يضايقونه ليخلصهم.
وكلمة كل أحد لا تعني الأرثوذكس فقط، وإنما جميع الطوائف لأنهم رعيته.
إن عمل الرعاية له جانب كرازي، أي الكرازة لغير المؤمنين لكي يؤمنوا. يهتم بكل أحد. آباؤنا الرسل كانوا يذهبون إلى مناطق وثنية “ليعملوا فيها” وكانوا يرسمون أساقفة على بلاد لا يوجد فيها شخص مسيحي واحد.
أنتم تدخلون على ما لم تتعبوا فيه. تدخلون على كنيسة مؤسسة ومؤمنين حاضرين لتخدموهم. أما الرسل فكانوا يذهبون إلى بلاد لا كنائس فيها، ولا إيمان ولا شعب مسيحي، وكانوا يشعرون إن هؤلاء الوثنيين هم رعيتهم.
وإذا كان الأسقف يسعى لتخليص كل أحد فيجب أولًا أن يعرف من هم هؤلاء.
ما هي أسماؤهم وأين يسكنون. ومن هنا كان لا بد من عملية مسح شامل للمنطقة التي يعمل فيها، ليعرف رعيته. لأن السيد المسيح يقول إنه يعرف خرافه ويناديها بأسمائها “يو10” ولا نقصد أن نعرف أسماءها فقط، وإنما أيضا ظروفها ومشاكلها، والعقبات التي تقف بينها وبين الالتصاق بالله.
ما أجمل أن يكون للراعي ذاكرة قوية.
كثير من الناس يشعرون أنهم تاهوا في وسط الزحام، وأسماؤهم قد نسيت وسط كثرة الأسماع وأن كل واحد منهم لا يجد في ذاكرة الكاهن مكانًا يسند رأسه. وهكذا يشعر بعدم الاهتمام من الكاهن. وإذا حدث وضل أحد هؤلاء وأخذه دين آخر، أو طائفة أخرى ربما حينئذ يتذكر الكاهن أن هذا كان ابنه.
ما أكثر أن يحتج الرعاة على تدخل الغرباء، بينما هم أنفسهم لا يعملون شيئا. وما أكثر ما يوجهون اللوم إلى غيرهم، وهو لا يعملون شيئا.
إذن لا بد للكاهن أن يعرف الرعية، ويدرس حالتها. وإن لم يستطع – وغالبًا لا يستطيع – فليستخدم معه معاونين كثيرين. وما أكثر الطاقات المعطلة في الكنيسة التي لا تجد أحدًا يستخدمها! فيستخدمها الشيطان، أو تستخدمها الطوائف أو تستخدمها أنواع الأنشطة الأخرى في العالم.
فيخلصه:
كثيرون من الرعاة يهتمون بالناس، ولكن ليس لخلاص نفوسهم، فبعضهم يهتمون بالأمور الفرعية مثل حل مشاكل مادية أو اجتماعية أو عائلية، ويقتصرون على هذا الوضع دون أن يفكروا في خلاص أنفس هؤلاء الناس.
تمامًا مثل الوالدين اللذين يهتمان بأولادهما: كيف يذهب الأولاد إلى المدارس وكيف يتعلمون، وكيف تكبر أجسامهم وتتحسن صحتهم، وكيف يأكلون ويشربون ويلبسون… بينما لا يهتمون إطلاقًا بخلاص أنفسهم. والأب يتقد نارًا إذا مرض ابنه، ولكن لا يهتم إذا كان ابنه سالكًا في طريق الله أم لا. الأم تهتم بأناقة ابنتها، ولا تهتم هل تدخل الملكوت أم لا!
خلاص النفس هو أهم شيء. هو الحجر الأساسي في عمل الراعي. كل الأعمال الأخرى هي مجرد وسائل للوصول إلى هذا الغرض.
ربما يهتم الراعي كثيرًا أن يحضر الناس إلى الكنيسة، لكن هذا الحضور هو مجرد وسيلة لخلاص النفس. لأن الإنسان قد يحضر إلى الكنيسة ولا تخلص نفسه! وكثير من الرعاة يهتمون بالمظاهر الخارجية للحياة المسيحية، دون أن يدخلوا إلى أعماق القلب ومدى اتحاده بالله.
وللأسف الشديد فإن بعض الرعاة يظنون أن كلمة الخلاص، كلمة قاصرة على جمعيات خلاص النفوس! فإذا تكلم عنها أحد من الخدام يتهمونه بأشد الإتهامات. ولو استطاعوا لحذفوا من الكتاب الآية: “نَائِلِينَ غَايَةَ إِيمَانِكُمْ خَلاَصَ النُّفُوسِ” (1بط1: 9)، وينذر أن يعظ أحد منهم عن قول بولس الرسول لتيموثاؤس: “لاَحِظْ نَفْسَكَ وَالتَّعْلِيمَ وَدَاوِمْ عَلَى ذَلِكَ، لأَنَّكَ إذَا فَعَلْتَ هَذَا تُخَلِّصُ نَفْسَكَ وَالَّذِينَ يَسْمَعُونَكَ أَيْضًا” “1تي4: 16”. إن الخلاص هو أهم وأول وأعمق ما نسعى إليه. ونحن نسعى إليه أكثر من جمعيات خلاص النفوس، التي تؤمن أن شعبها قد خلص وانتهى أمره.
وينبغي أن يعمل الراعي كل هذه الأمور بنوع من الاهتمام. ليس كمجرد وظيفة ولا كمجرد واجب، ولكن بقلب مشتعل بالغيرة.
كما قال بولس الرسول: “مَنْ يَضْعُفُ وَأَنَا لاَ أَضْعُفُ؟ مَنْ يَعْثُرُ وَأَنَا لاَ أَلْتَهِبُ؟” (2كو11: 29). ومثل ما قيل عنه عندما دخل أثينا “احْتَدَّتْ رُوحُهُ فِيهِ إِذْ رَأَى الْمَدِينَةَ مَمْلُوءَةً أَصْنَامًا” (أع17: 16)، ومثل ما قال الكتاب: “غيرَةُ بَيْتِكَ أكلَتْني” (مز119: 139)، وكما قال: “فاضت عيني بالدموع لأنهم تركوا ناموسك”.
نحن نحتاج إلى الرعاة الذين يهتمون. نشعر بأن علمهم الرعوي ممزوج بالعاطفة وبالقوة وبالاهتمام. قلبهم يحترق من الداخل من أجل رعيتهم.
يكونون أمام الله ليلًا ونهارًا من أجل توبة أولادهم. يجاهدون ويتعبون ويسعون. لا يعطون لأنفسهم نومًا، ولا لأجفانهم نعاسًا، إلى أن يجدوا موضعًا للرب في قلب كل أحد. ونشرع فيهم باهتمام بالافتقاد، واهتمام بالوعظ، واهتمام بالخدمة عمومًا، من أجل خلاص أنفس الناس.
لا تكتسحهم روتينية الخدمة، ولا تشغلهم الخدمات الطقسية، وإنما خلاص النفس.
عندهم هو كل شيء.
الاهتمام بالنسبة إلى الكاهن والراعي، يحمل معنى العاطفة في الخدمة، والتعب والافتقاد، وعدم تغطية التقصير بالأعذار. الخادم الذي يهتم في الخدمة، لا ييأس بسرعة، من أشد النفوس صلابة وبعدًا عن الدين.
يهتم بكل أحد ليخلصه. والذي يهتم بخلاص نفس إنسان، لا يستريح حتى يراه يخلص، باذلًا كل الوسائل في سبيل ذلك. كما نقول للرب في القداس الإلهي: “ربطتني بكل الأدوية المؤدية إلى الحياة”. والناس يستطيعون أن يفرقوا بين روح الاهتمام والرسميات.
الكاهن ورعاية الخدام
أود أن أكلمكم عن رعاية الخدام الذين يرعون غيرهم. وهذا الأمر يشمل نقاطًا عديدة في عملهم، وفي فكرهم، وفي نمو الخدمة.
من ضمن رعاية الخدام، ضمان أرثوذكسية التعليم.
لأن بعض الخدام يهتمون بتعليم مفاهيمهم الخاصة، وقد تكون ضد تعليم الكنيسة، أو نتيجة لتأثرهم بقراءات غريبة. وقد رأينا فعلًا في السنوات السابقة أسماء مشهورة لهذا النوع، سواء في القاهرة أو بعض المحافظات. ومنهم من ترك العقيدة الأرثوذكسية وانضم إلى الطوائف. ومنهم من يشكل مجموعة من الشباب أو من الخدام يتبعون فكره، ويتحمسون له ويدافعون عنه.
وقد وصل الأمر إلى أن بعض فروع الخدمة لكل منها طابعه الخاص في الخدمة، بحيث لا توجد روح واحدة تضم الجميع. بل لكل منهم ما يميزه روحيًا، وفكريًا، وما يميزه في نوع نشاطه أيضًا.
ومن النواحي البارزة استقلالية الخدمة والخدام.
وقد تجد أمينًا عامًا لخدمة أحد الفروع، يعزل ويعين من يشاء من الخدام. ويفعل هذا طبعًا لتثبيت من يتفق معه فكرًا ويطيعه، ويعزل أي صاحب رأي آخر. ويصبح كل خدام الفرع مجرد أتباع له يوجههم حيث يشاء، ويطبعهم بأسلوبه.
*ويوجد بعض خدام انحرفوا في روحياتهم إلى حد مهاجمة الكهنوت بالمنشورات والمطبوعات، وقادوا جيلًا بنفس الروح.
وإعادة كل هؤلاء إلى المسار الروحي السليم، هو عمل رئاسة الكنيسة ومسئوليتها. وهو واجب الآباء سواء في درجة الأسقفية أو في درجة القسيسية…
لأنه حقًا من الذي يرعى الخدام حاليًا ويشرف على خدمتهم؟ وإن كانوا بلا رعاية وبلا مرشد، فسيكون هذا خطرًا على الكنيسة، وخطرًا على الخدام أنفسهم، وعلى الأجيال المقبلة.
*المفروض أن يوجد منهج واحد للتعليم، بكل تفاصيله.
هذا المنهج يلتزم به الكل، ويشمل كل مراحل السن: من مرحلة ما قبل المدرسة، إلى التعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي، إلى التعليم الجامعي. مع منهج للشباب، وآخر للعمال، وللقرية.
وتقوم بإعداد هذه المناهج اللجنة العليا لمدارس التربية الكنيسة، ويطبع وينشر ويوزع على الكنائس. ويكون من عمل الآباء الكهنة الإشراف على الأمناء والخدام لتنفيذه.
*وإلى جوار المنهج، توجد كتب منهجية Text Books
لأنه ما أسهل أن يلتزم الخادم بتدريس رأس الموضوع، ولكنه في التفاصيل يذكر ما يشاء حسب مفهومه الخاص وحسب اتجاهه. أما الكتاب المنهجي فيُلزمه بالتعليم السليم الذي لا يستطيع أن ينحرف عنه. كما أن هذا الكتاب المنهجي يكون وسيلة لتوحيد الفكر في التعليم…
كذلك ينبغي وضع منهج لإعداد الخدام.
إعدادهم روحيًا وتربويًا، وأيضًا من جهة العلم الديني، بحيث نضمن أننا نقدم للتعليم في الكنيسة أناسًا أمناء أكْفَاء قادرين على توصيل رسالة الكنيسة للآخرين. وهكذا نضمن أن يكون جميع الخدام في الجيل المقبل لهم روح واحدة وفكر واحد.
وإن كانت غالبية الكهنة تختار حاليًا من بين صفوف الخدام، فإننا بالعناية بالخدام، نعتني بإعداد كهنة المستقبل.
رعاية الخدام إذن تهتم بها الرئاسة العامة للكنيسة، واللجنة العامة للتربية الكنيسة وأحبار الكنيسة الأجلاء كل منهم في حدود إيبارشيته. ولكن ماذا إذن عن عمل كل أب كاهن في كنيسته؟
هنا علينا أن نعرض لبعض النقاط المهمة:
1- الاهتمام بمكتبة الكنيسة في كفايتها وأرثوذكسيتها.
ولا مانع من مراجعة ما فيها من كتب، وضمان سلامة ما فيها من التعليم، واستبعاد الكتب غير السليمة. وفي نفس الوقت التأكد من أن المكتبة تحوي ما ينفع لكل مراحل السن.
2- الإشراف على الحياة الروحية الخاصة لكل خادم.
من جهة مواظبته على الاعتراف والتناول، وعلى الصلاة والصوم وباقي وسائط النعمة. وكذلك سؤاله في الاعتراف عن نوعية قراءاته، وضمان أنه غير مرتبط بكتابات منحرفة أو مشبوه فيها لمؤلفين معينين.
3- احتفاظ الخادم بتلمذته، حتى لا يكبر في عيني نفسه.
وأتذكر أننا في أواخر الأربعينات وفي أوائل الخمسينات، وفي مدارس أحد كنيسة الأنبا أنطونيوس بشبرا، كان كل خادم يحضر أربعة اجتماعات يتتلمذ فيها: اجتماع الأسرة، والاجتماع العام للخدام، واجتماع الشبان كل يوم خميس والفصل الكبير الذي كان يجتمع بعد الساعة السابعة يوم الأحد (وكان يقوم بالتدريس فيه الدكتور راغب عبد النور. ثم تسلمته منه بعد تعيينه طبيبًا في الأقصر وفي غزه).
4- الاهتمام بمؤتمرات الخدام لتوحيد الروح.
وهذه المؤتمرات تضم خدامًا للعديد من الكنائس تحت قيادة واحدة (يشرف عليها حاليًا نيافة الأنبا موسى، ومعه نيافة الأنبا رافائيل). وكثيرًا ما يشترك معهما بعض الآباء المطارنة والأساقفة والكهنة، وبعض الخدام القدامى المشهورين. وهنا يتحد الفكر والمنهج وألوان المعرفة الدينية. ويكون هناك مجال للسؤال والجواب. وإلى حد ما نضمن القضاء على أي فكر غريب يكشفه والرد عليه.
وواجب الآباء الكهنة أن يضمنوا أن خدام كنيسة كل منهم ليسوا منعزلين عن التيار التعليمي العام في الكنيسة ممثلًا في تلك الحلقات الدراسية.
[1] مقال: قداسة البابا شنوده الثالث “الرعاية (10) – الكاهن الروحي يهتم بكل أحد ليخلصه”، وطني 13 أغسطس 2006م.




