القيامة والملائكة

القيامة والملائكة1
قام السيد المسيح من الموت بطريقة معجزيه عجيبة، في وقت لم يعرفه أحد. وخرج من القبر وهو مغلق، بجسد ممجد يمكن أن يخترق العوائق. وبقي أن تعلن هذه القيامة لتلاميذه القديسين.
وقبل أن يعلن الرب قيامته بظهوره لأحبائه، أرسل الملائكة لتهيئ الطريق قدامه.
في ميلاده، قام القديس يوحنا المعمدان بتهيئة الطريق قدامه، واعتبره الله ملاكًا، كما قال “ها أنا أرسل أمام وجهك ملاكي الذي يهيئ طريقك أمامك” (مر1: 2).. ولكن في القيامة لم يكن مناسبًا في تهيئة إعلان القيامة، أن يقوم بها ملاك بشري، بل كان لابد من ملاك من السماء، ليعلن القيامة.
وهكذا “نزل ملاك الرب من السماء، ودحرج الحجر عن باب القبر، وجلس عليه” (مت28: 2).
لم يفعل ذلك لكي يخرج المسيح من القبر، لأنه كان قد خرج قبل ذلك… خرج في قيامته من قبر مغلق، كما حدث في ميلاده أن خرج من بطن العذراء وبتوليتها مختومة… إنما الملاك دحرج الحجر، لكي يرى الناس القبر فارغًا، فتثبت بذلك قيامة السيد المسيح…
وتقاليد الكنيسة تقول إن ملاك الرب هذا، الذي دحرج الحجر، هو رئيس الملائكة ميخائيل.
كما ورد في قسمة القيامة “رئيس الملائكة نزل من السماء، ودحرج الحجر عن فم القبر..” ويقول الإنجيل إن الملاك لما دحرج الحجر، حدثت زلزلة عظيمة. ويشرح هيبة وجلال ملاك الرب بقوله “كان منظره كالبرق، ولباسه أبيض كالثلج. فمن خوفه ارتعد الحراس، وصاروا كأموات” (متى28: 2- 4).
ارتعد هؤلاء الجنود، أمام رئيس جند الرب…
أمام ميخائيل العظيم رئيس الجمع غير المحصي الذي للقوات السمائية، الذي كان نوره عجيبًا ومنظره كالبرق. إن الملائكة يقال عنهم إنهم ملائكة النور (2كو11: 14). وفي طقس الكنيسة تشير إليهم الأنوار في الكنيسة…
باقي ملائكة القيامة لم يظهروا في مثل ذلك النور الذي لابد منه لكي يخاف الحراس…
وإن كان الحراس قد خافوا وصاروا كأموات، إلا أن ملاك الرب طمأن المريمتين القديستين اللتين كانتا قد جاءتا لتنظرا القبر. وقال لهما “لا تخافا أنتما. فإني أعلم أنكما تطلبان يسوع المصلوب. ليس هو ههنا، لكنه قام كما قال. هلما انظرا الموضع الذي كان الرب مضطجعًا فيه..” (متى28: 5، 6).
وهكذا أعلن لهما القيامة وأثبتها…
أعلن القيامة بقوله ليس هو ههنا، لكنه قام. وأثبتها بأمرين: أولهما بتذكيرهما بما قاله الرب من قبل بأنه سوف “يتألم كثيرًا من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة، ويقتل وفي اليوم الثالث يقوم” (متى16: 21) (متى20: 18، 19). كما أنه أثبت لهما القيامة بقوله “هلما انظرا الموضع الذي كان الرب مضطجعًا فيه”. وطبعًا ما كان ممكنًا لهما أن ينظرا، لولا أنه كان قد دحرج الحجر قبلًا…
عجيب أن رئيس الملائكة سمى الرب – حتى بعد قيامته – “يسوع المصلوب”.
ذلك لأن لفظ “المصلوب” له أهميته وعمقه في موضوع الخلاص. لأن بصلبه قد تم الفداء. وصلبه كان وسيظل طول الأجيال، دليل حبه للبشر، حسب قوله لتلاميذه “ليس لأحد حب أعظم من هذا: أن يضع أحد نفسه لأجل أحبائه” (متى15: 13).
وما دامت كلمة (يسوع) معناها (مخلص)، إذن عبارة يسوع المصلوب، تعني المخلص المحب لكم، قد عبر عن حبه لكم، بصلبه لفدائكم لكي يخلصكم.
وهكذا أبقى الرب أثار جروحه…
هذه التي قال عنها توما “إن لم أبصر في يديه أثر المسامير، وأضع أصبعي في أثر المسامير، وأضع يدي في جنبه، لا أؤمن” (يو20: 25). وقد حقق له الرب هذه الرغبة أو هذا الشرط، وقال له “هات أصبعك إلى هنا وأبصر يدي، وهات يدك وضعها في جنبي. ولا تكن غير مؤمن بل مؤمنًا” (يو20: 27).
وبقيت أثار هذه الجروح حتى في السماء.
فعلى الرغم من قيامة الرب الممجدة، وعلى الرغم من صعوده إلى السماء بجسد روحاني لا تقوى عليه إطلاقًا كل قوانين الجاذبية الأرضية (أع1: 9)، وعلى الرغم من جلوسه عن يمين الآب (مر16: 19)، إلا أن القديس يوحنا الرسول يقول عنه في رؤياه “ورأيت وإذا في وسط العرش… خروف قائم كأنه مذبوح” (رؤ5: 6) … ليس هذا الذبح عيبًا ولا ضعفًا، وإنما هو الحب، الذي به وضع ذاته عنا، فصار ذبيحة حب…
ونحن نفتخر بهذا المصلوب، ونفتخر بصليبه.
كما قال القديس بولس الرسول “حاشا لي أن أفتخر، إلا بصليب ربنا يسوع المسيح، الذي به قد صلب العالم لي، وأنا للعالم” (غل6: 14). وهكذا نضع الصليب فوق كنائسنا وهياكلنا، ونحلي به كل نقوشنا، ونرشمه على أيدينا، ونرشم به أنفسنا، ونرشم به الطعام ليتبارك، ويرشم الكهنة به الشعب لمباركتهم. ويكون الصليب أيضًا على كل ملابس الكهنوت، وتبدأ به الصلوات، وتتم به الرسامات، يدخل في كل تفاصيل حياتنا، متذكرين عبارة الملاك “يسوع المصلوب”.. حقًا إنني معجب بملاك الرب:
فهو إذ يتحدث عن المصلوب، يقرن ذلك بربوبيته.
فيقول بعد ذلك مباشرة… “هلما أنظرا الموضع الذي كان الرب مضطجعًا فيه”. إنه هو الرب، حتى لو رأيتموه مصلوبًا. لقد كنا ننشد حول صليبه ونقول: لك القوة والمجد والبركة والعزة إلى الأبد آمين…
ورأينا أن ملاك الرب له سلطان – كسفير للرب – أن يبلغ رسالة منه إلى المريمتين.
فقال لهما “اذهبا سريعًا وقولا لتلاميذه إنه قد قام من الأموات. ها هو يسبقكم إلى الجليل، هناك ترونه” (متى28: 7). وكانت هذه هي نفس رسالة المسيح إليهما، لما قابلهما الرب وهما ذاهبتان، وأمسكتا بقدميه وسجدتا له. فقال لهما الرب: لا تخافا، اذهبا وقولا لإخوتي أن يمضوا إلى الجليل، هناك يرونني” (متى28: 9، 10).
كانت رؤية الملاك تمهيدًا لرؤية المسيح.
من الصعب على إنسان أن يفاجأ برؤية شخص أمامه كان قد رآه ميتًا من قبل… وكان هذا ما حدث للمريمتين إذ شاهدتا عملية دفن السيد. إذ يقول الكتاب عن يوسف الرامي كيف كفنه “ثم دحرج حجرًا كبيرًا على باب القبر ومضى. وكانت هناك مريم المجدلية ومريم الأخرى جالستين تجاه القبر” (متى27: 60، 61).
لذلك أرسل الله ملاكه، لكي يدحرج الحجر عن فم القبر ويكشفه، ويبلغهما بأمر القيامة، ثم يريهما القبر فارغًا، حتى إذا رأتا الرب أمامهما، يكون عندهما استعداد نفسي لرؤيته، بعد أن مهد الملاك الطريق أمامه…
نقطة أخرى نذكرها لملاك القيامة وهي القوة.
القوة التي بها دحرج الحجر، إذ قيل إن ذلك الحجر “كان عظيمًا جدًا” (مر16: 4). والمعروف أن الملائكة أقوياء. قال عنهم داود النبي “باركوا الرب يا ملائكته المقتدرين قوة، الفاعلين أمره عند سماع صوت كلامه” (مز103: 20)، أي أنهم ينفذون أمره بسرعة بمجرد سماع صوت كلامه.
ومجرد رفع الحجر العظيم جدًا الذي كان على فم القبر ليس شيئًا كبيرًا بالنسبة إلى الملاك. فإن ملاكًا واحدًا في أيام موسى النبي قتل كل ابكار مصر من بكر فرعون الجالس على كرسيه إلى بكر الجارية التي خلف الرحى وكل بكر بهيمة” (خر12: 5). إنه الملاك المهلك.
وملاك آخر ضرب من جيش آشور مائة وخمسة وثمانين ألفًا، نتيجة لكبرياء سنحاريب وتهديده (2مل19: 35).
نقطة أخرى وهي أن ملائكة القيامة كانوا يلبسون ثيابًا بيضاء هي رمز للنقاوة.
قيل عن ملاك القيامة في الإنجيل لمارمرقس إنه كان “لابسًا حلة بيضاء” (مر16: 5). وقيل عن زيارة النسوة للقبر في الإنجيل للقديس لوقا “إذا رجلان وقفا بهن بثياب براقة” (لو24: 4). وقيل في الإنجيل للقديس يوحنا عن مريم المجدلية وهي خارج القبر تبكي إنها “رأت ملاكين بثياب بيض جالسين، واحدًا عند الرأس، والآخر عند الرجلين حيث كان جسد يسوع موضوعًا” (يو20: 12). وقيل في الإنجيل للقديس متى إن ملاك الرب “كان منظره كالبرق، ولباسه أبيض كالثلج” (مت28: 3).
كل هذا يدل على النقاوة العجيبة التي للملائكة.
ولذلك نجد أن الآباء الكهنة في خدمة القداس الإلهي يلبسون ثيابًا بيضاء متشبهين بالملائكة. وترمز تلك الملابس إلى النقاوة والطهارة التي تليق بخدمة سر الإفخارستيا المقدس…
حتى في قصة الصعود بعد أربعين يومًا من القيامة، عندما ارتفع السيد المسيح إلى السماء، والتلاميذ شاخصون أيضًا إلى السماء وهو منطلق “إذا رجلان قد وقفا بهم بلباس أبيض وقالا..” (أع1: 9- 11).
نلاحظ أيضًا أن ملائكة القيامة، كما كان لهما سلطان إرسال النسوة برسالة إلى التلاميذ، كذلك كان لهما سلطان التبكيت أيضًا…
فقال الملاكان للنسوة حاملات الطيب.. في تبكيت خفيف “لماذا تطلبن الحي بين الأموات؟ ليس هو ههنا، لكنه قام. اذكرن كيف كلمكن وهو بعد في الجليل، قائلًا إنه ينبغي أن يسلم ابن الإنسان في أيدي أناس خطاة، ويصلب، وفي اليوم الثالث يقوم. فتذكرن كلامه” (لو24: 5- 8).
كان الملائكة يقومون بعدة أعمال في القيامة وهي:
1-دحرجة الحجر، حتى يسهل الدخول إلى القبر.
2– دعوة النسوة إلى نظر المكان الذي وضع فيه جسد السيد، للتأكد أن الجسد غير موجود.
3 – إعلان القيامة، والتذكرة بكلام السيد المسيح من قبل عن موته وقيامته.
4– إرسال النسوة لأخبار التلاميذ بأمر القيامة.
5– تكليف النسوة أيضًا بإخبار التلاميذ أن يمضوا إلى الجليل، وهناك سيرون الرب.
6– تبكيت النسوة حاملات الطيب، كما لو كان المسيح لا يزال ميتًا، ويحتاج جسده إلى حنوط، بينما هو حي قد قام كما سبق وقال…
7– تعزية المجدلية وهي تبكي بقول الملاكين لها: يا امرأة لماذا تبكين (يو20: 13).
8– بكل هذا مهدوا الطريق أمام ظهور السيد المسيح لتلاميذه، بعد أن صار خبر القيامة معروفاً لهم بعد إعلان الملائكة عنه ورؤية القبر الفارغ…
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 7-5-1995م




