القس منسىًّ يوحنا

نقدم في هذا العدد كارزًا إكليريكيًا عظيمًا. لم يكن فقط أشهر وعاظ الصعيد في عصره. وإنما انتفعت به الكرازة كلها. من الناس لم يستفد منه؟! إن الذي فاته أن يتمتع بعظاته انتفع ولا شك من كتبه العديدة.
القس منسىًّ يوحنا1
(ولد سنة 1899 وتنيح في 16 مايو 1930)
أنه حدث صغير السن يتيم الأب بلده هو مركز ملوي، تقدم للكلية الإكليريكية وهو بعد في السادسة عشر من عمره فتردد مديرها أولًا في قبوله، ولكنه ما أن التحق بها حتى أثبت نبوغه الفذ وصار موضع إعجاب الجميع.
كان كثير القراءة إلى حد بعيد، واستطاع أن يستوعب مئات الكتب وهو بعد في حداثة سنه.
حصل على دبلوم الإكليريكية سنة 1920م، وهو في الحادية والعشرين من عمره. وعاش بعدها عشر سنوات فقط في حياة الخدمة، نصفها في الكهنوت، ورقد في الرب شابًا صغيرًا في الحادية والثلاثين.
أنه عمر قصير عابر، ولكنه دسم، عامر بالإنتاج الذي لم يستطعه الشيوخ.
تعين الشماس منسي واعظًا بكنيسة ملوي. واستمر يعمل بها طول حياته على الرغم من العروض الكثيرة التي وصلته من الآباء المطارنة ومن شعوب البلاد التي أحبته وتعلقت به حين كان يذهب إليها للوعظ.
إنه يذكرنًا ببلدة هبو الصغيرة، التي كانت مركزًا لخدمة القديس أوغسطينوس العظيم. وبلدة نيازينزا المغمورة التي عمل فيها القديس اغريغوريوس الناطق بالإلهيات. وبلدة نصيص اسقفية القديس اغريغوريوس أخي باسيليوس الكبير. إنما شهرة الإنسان لا تأتي من عظمة البلد التي يعمل فيها، وإنما قد تأتي شهرة البلد من عظمة الخادم العامل فيها، وإنما قد تأتي شهرة البلد من عظمة الخادم العامل فيها.
لقد تعلق أهل ملوي تعلقًا شديدًا بواعظهم الشماس منسي، وعندما أعجب به أهل سمالوط وأرادوا نقله إليهم ثار أهل ملوي وتوجهوا إلى نيافة المطران(السابق) فهدأ روعهم ووافقهم على التمسك بواعظهم.
وفي ينابر1925م رسم منسي يوحنا قسًا لكنيسة ملوي وكان يومًا مشهودًا إشترك فيه أهل المدينة كلهم على اختلاف المذاهب.
وعاش القس منسي حركة لا تهدأ في نشر كلمة الله، بطريقة روحية محببة إلى الجميع حتى أحبته أيضًا الطوائف غير الأرثوذكسية وبكوه بكاء حارًا عندما تنيح وأرسل سكرتير السنودس تعزية حارة لشقيقه. وكان القس منسي محبوبًا جدًا من المسلمين، حتى أنهم كانوا يتهافتون على حمل نعشه يوم وفاته. وقد اشترك في الحركة الوطنية وكان خطيب ملوي المفوه.
لقد بلغ من اهتمامه لخدمة الوعظ أنه ألف اتحادًا من زملائه قساوسة ووعاظ البلاد المجاورة وعمل معهم على إقامة مجامع يتبادلون فيها الوعظ في الكنائس، وكان لتلك النهضة الروحية أثرها الفعال..
ولم يقتصر نشاطه على الوعظ فقط وإنما اشتغل بالكتابة أيضًا، فنشر العديد من البحوث الروحية والمقالات في الصحف والمجلات، وأصدر مجلة الفردوس وعكف على تحرياها وإدارتها.
كما أصدر في مدة خدمته القصيرة عددًا وفيرًا من الكتب الروحية والتأريخية والعقيدية نالت شهرة كبيرة في الكنيسة. لم يتمكن من نشرها جميعًا أثناء حياته فكتب خطابًا قبل وفاته بدقائق يكلف فيه صديقه، قداسة القمص إبراهيم لوقا بنشر تلك المؤلفات وتخصيص دخلها لأحد المشروعات الخيرية. وقد قامت جمعية المحبة بمجهود كبير في هذا المجال تشكر عليه.
ومن أشهر كتبه الروحية: طريق السماء- يسوع المصلوب- وقارورة طيب كثيرة الثمن. ومن كتبه اللاهوتية والعقيدية: كمال البرهان لأثناسيوس- وشمس البر- والدليل الصحيح على تأثير دين المسيح. ومن مؤلفاته عن الكتاب المقدس: حياة آدم- وحل مشاكل الكتاب- والنور الباهر في الدليل إلى الكتاب الطاهر. أما عن كتبه في التاريخ فأشهرها: تاريخ الكنيسة القبطية- وتاريخ إنتصار المسيحية- وتاريخ يوحنا ذهبي الفم.
وأخيرًا عرف القس منسي يوم نياحته. فقال لمن حوله يوم 16 مايو سنة 1930: (سأموت الليلة، فأرجو أن تصلوا علىّ في ملوي وتدفنوني في هور). ورقد في تلك الليلة.
- مقال لنيافة الأنبا شنوده أسقف التعليم – مجلة الكرازة السنة الأولى– العدد الخامس- يونيو 1965



