القديس يوحنا ذهبي الفم

نقدم في هذا العدد كارزًا عظيمًا، بطريركًا اشتغل بالوعظ كل حياته. اشتهر بوعظه في أنطاكيا حينما كان شماسًا لها ثم قسًا. واشتهر بوعظة في القسطنطينية وهو بطريرك لها. كما كان من أعظم مفسري الكتاب المقدس. ذلك هو:
القديس يوحنا ذهبي الفم1
بطريرك القسطنطينية
(المتنيح السنة 407 م)
نشأته:
ولد في أنطاكية سنة 344 م (أو 347 م كما تقول مراجع أخرى). وتوفي أبوه في طفولته المبكرة، فترملت أمه وهي في العشرين من عمرها. ومن أجله لم تتزوج ثانية بل عكفت على تربيته.
تعلم على يد ليبانيوس، فيلسوف عصره. وكان أنبغ تلاميذه. حتى أن ليبانيوس عندما سُئل عمن يخلفه أجاب: (يوحنا، لو لم يسرقه المسيحيون) وبعد أن قضي سنتين في المحاماة يدافع عن المظلومين ببراعة نادرة اعتزل المهنة لاهتمامه بحياته الروحية.
درس بعد ذلك في معهد ديودور الذي صار فيما بعد أسقفًا لطرسوس. كما أعجب بأوريجانوس ودرس كتبه.
رهانيته:
اشتاق يوحنا إلى الحياة الرهبانية وعزم على ترك العالم هو وصديقه الحميم باسيليوس. ولكن والدته توسلت إليه أن يؤجل ذلك، فقبل توسلها حتى لا يجدد أحزانها لأنها تعبت حياتها كلها من أجله. وانفرد في منزله مواظبًا على العبادة بحرارة شديدة.
وفي الخامسة والعشرين من عمره وجد نفسه في خطر شديد، ذلك أن الأساقفة قرروا سيامته أسقفًا هو وصديقه باسيليوس.
فاضطر إلى الهروب في مكان لا يعرفه أحد. أما صديقه فقبض عليه الأساقفة في منزله وتمت سيامته بعد امتناع كثير. ولتعزيته أرسل له يوحنا كتابًا في الكهنوت شرح أهمية الوظيفة وعملها.
ولما توفيت “أنثوسا” (والدة يوحنا) قصد ديرًا في الجبال المجاورة لأنطاكية وأقام أربع سنوات مداومًا على العبادة والتقشف تحت إرشاد راهب شيخ.
ولما وجد صيته قد ذاع وقصده كثيرون للاسترشاد به، هرب من الشهرة وتوحد في مغارة في الجبل. وهناك أقام سنتين في نسك زائد، عكف فيهما على دراسة الكتاب القدس والتأمل فيه حتى قيل إنه حفظه عن ظهر قلب.
ولكثرة النسك ورطوبة المغارة أصابه مرض شديد هدده بالموت، فاضطر للرجوع إلى أنطاكية وكان ذلك سنة 380 م (سنة انعقاد مجمع القسطنطينية).
يوحنا واعظ أنطاكية:
لما رجع يوحنا من وحدته إلى أنطاكية تلقاه أسقفها بترحاب كبير وسامه شماسًا. فبدأ عمله في الوعظ حتى صار مرشدًا للمدينة ومعلمًا.
وفي سنة 386 سيم قسًا وعهد إليه بخدمة الوعظ. فنشط فيه جدًا وكانت تتوافد عليه الناس بكثرة لسماع عظاته وتعاليمه التي كانت تخلب الألباب لفصاحته وقوة حجته حتى لقبوه ذهبي الفم. وكان عمليًا في وعظه، يطرق مشاكل عصره ويندد بمساوئه، كالملاهي والمسارح، والاهتمام بسباق الخيل، والتبرج. كما كان مدافعًا عن الإيمان السليم، فانتشر صيته في كل مكان واجتمعت حوله الجموع الكثيرة، وكان يمتلك قلوبهم. وكثيرون منهم كانوا يذرفون الدموع أثناء وعظه. ومن براعته في الوعظ والتعليم دعوه أحيانًا “بولس الثاني”.
يوحنا البطريرك:
لما خلا كرسي القسطنطينية انتخبوا بطريركًا لها. فتمسك أهل أنطاكية به. ورفض هو هذا المنصب لعلمه بما يحمله من مسئوليات خطيرة. وهكذا أبى الذهاب إلى القسطنطينية. فأتى إلى نائب الملك، واستطاع أن يخرجه من أنطاكية بخدعة، حيث سيم بطريركًا في القسطنطينية سنة 398 م.
وكان ناسكًا يلبس الملابس الخشنة، ويوزع أمواله على الفقراء والمعوزين، ويفتقدهم في بيوتهم، ويزور المرضى والمسجونين، كما شيد مستشفيات وبيوتًا للغرباء وملاجئ وكان يتردد عليها بنفسه لرعايتها.
وظل واعظًا وهو بطريركًا. وكان الناس يأتون إليه أفواجًا من منازلهم وأماكن عملهم تاركين مباهجهم ومحافلهم ليسمعوه. واستطاع أن يضم إلى الإيمان كثيرًا من الوثنيين وخاصة الغوطيين.
وكثير من عظاته كانت تفسيرًا للكتاب المقدس. وهكذا خلف لنا تفسيرات عديدة: لإنجيل متى ويوحنا، وأعمال الرسل، ورسائل بولس الأربع عشرة، وينسب إليه أيضًا تفسير لسفر التكوين، واكسيماروس (شرح أيام الخليقة الستة). كما اهتم بتعليم المرأة واختار لذلك فضليات النسوة المختبرات.
وكانت بينه وبين شعبه محبة فائقة لا يعبر عنها.
رجل الآلام:
ينسب إليه أنه قال: (إن قول الحق ما أبقى لي صديقًا). وكان في مقدمة أعدائه الملكة أفدوكسيا الشريرة التي وبخها كثيرًا ولم ترعو. كذلك كثير من الأغنياء من النسوة المتبرجات ومن رجال الإكليروس الذين وبخهم على إهمالهم. على أنه كانت بينه وبين الشعب محبة فائقة. نتيجة لدسائس أفدوكسيا، نفي عن كرسيه وتوفي في منفاه سنة 407 م. وتعيد له الكنيسة في 17 هاتور، و12 بشنس، بركة صلواته تكون معنا آمين.
- مقال لنيافة الأنبا شنوده أسقف التعليم – مجلة الكرازة السنة الثانية –العدد السادس – أغسطس 1966



