القديس مرقس الرسول

تحدثنا في الأعداد الماضية عن أربعة من الكارزين في هذا الجيل هم القمص فيلوثيئوس ابراهيم، والارشيدياكون حبيب جرجس، والارشيدياكون إسكندر حنا، والقس منسي يوحنا. أما في هذا العدد فسنرجع إلى العصر الأول الرسولي ونتحدث عن كاروزنا العظيم
القديس مرقس الرسول1
كرز في العالم القديم كله:
هذا الكاروز العظيم بدأ عمله الكرازي وهو شاب صغير. ولم يكن كاروزًا لديارنا المصرية فقط، وإنما كرز أيضًا في شمال أفريقيا في الخمس المدن الغربية، واشترك مع بولس الرسول في تبشير بعض كنائس آسيا الصغرى، واشترك في تأسيس كنيسة رومه، وعمل أيضًا في كولوسي، وفي غير ذلك من مدن أوروبا. وهكذا نرى أن القديس مرقس قد كرز تقريبًا في كل قارات العالم القديم التي كانت معروفة في أيامه.
يضاف إلى هذا أنه أحد الإنجيليين الأربعة الذين بشروا بأناجيلهم العالم أجمع. كما أنه وضع القداس الذي عرف فيما بعد باسم القداس الكيرلسي. كما أسس مدرسة لاهوتية في الإسكندرية أصبحت منهلًا للعلوم الدينية لطالبي المعرفة في كافة أنحاء العالم المسيحي.
نشأ في أسرة متدينة كانت من أقدم الأسرات أيمانًا بالمسيحية وخدمة لها. فهو يمت بالقرابة للقديس بطرس (1)، والقديس برنابا (كو 10:4)، والقديس توما (2). على أنه لم يسمع عن السيد المسيح في هذه البيئة الدينية فحسب، بل رآه وجالسه وعاش معه، ولذا تسميه الكنيسة ” ناظر الإله”. ويذكر ابن كبر أن القديس مرقس كان واحدًا من رسل الرب السبعين (3).
كان بيت مرقس من البيوت المشهوة في تاريخ المسيحية، فيه صنع السيد المسيح الفصح الأخير مع التلاميذ، وفيه غسل أرجلهم الطاهرة. كان هذا البيت مشيدًا على جبل صهيون المقدس وقد شهد القديس أبيفانيوس أسقف قبرص والقديس كيرلس أسقف أورشليم أنه العلية التي كان يجتمع فيها التلاميذ والتي شهدت حلول الروح القدس (4).
وكان بيت مرقس هو أول كنيسة في العالم، اجتمع فيها المسيحيون في أيام الرسل (أع12: 12).
كرازة مرقس:
يسجل لنا سفر أعمال الرسل أن القديس مرقس وهو شاب صحب الرسولين بولس وبرنابا في رحلة تبشيرية منتقلين من إنطاكية إلى قبرص إلى الساحل الجنوبي من آسيا الصغرى، حيث اشترك معهما في تأسيس كنائس غلاطية ثم رجع مرقس ولم يكمل معهما هذه الرحلة لأسباب نجهلها، ثم رجع فيما بعد وتعاون مع بولس الرسول في تأسيس كثير من كنائس أوربا.
(1) تاريخ البطاركة لأنبا ساويرس أسقف الآشمونين.
(2) نفس المرجع وأيضًا تاريخ البطاركة لأنبا يوساب أسقف فوه
(3) مصباح الظلمة: الباب الرابع.
(4) Hasting’s Dictionary of the Bible V. 3
وقد قصد مرقس الخمس المدن الغربية وجميع أعمالها، وبشر فيها بكلام الله فآمن كثيرون بالسيد المسيح، وصنع هناك آيات وعجائب كثيرة. ثم أمره الروح القدس بالذهاب إلى الإسكندرية ليزرع فيها الزرع الجيد الذي هو كلام الله. فذهب إلى هناك وأسس الكنيسة القبطية وقضي مدة في ديارنا المصرية رسم خلالها القديس أنيانوس أسقفًا. وهو أول من آمن على يد هذا القديس عندما دخل الإسكندرية لأول مرة.
ثم عاد القديس مرقس ليشترك في عمل الكرازة في أوربا وآسيا ثم رجع إلى مصر حيث استشهد فيها.
مرقس الرسول يشترك في تأسيس كنيسة روما
لقد تأسست كنيسة روما على يدي القديس العظيم بولس الرسول، وساعده في ذلك كثيرون، في طليعتهم القديس مرقس.
ففي رسالة بولس الرسول إلى كولوسي التي كتبها في روما يذكر أن مرقس كان معه هناك ويدعو أهل كولوسي لقبوله عندما يأتي إليهم. (كو4: 10)
وفي رسالته التي أرسلها إلى فليمون من روما أيضًا يذكر مرقس ضمن العاملين معه، بل يجعله في مقدمتهم قبل ارسترخوس وديماس ولوقا. (فليمون1: 24)
وأخيراً ففي الرسالة الثانية التي كتبها القديس بولس الرسول من روما إلى تلميذه تيموثيئوس، يقول له” إني الآن أسكب سكيبًا، ووقت انحلالي قد حضر.. خذ مرقس واحضره معك لأنه نافع لي للخدمة” (2تي4: 6، 11) وهكذا رجع القديس مرقس إلى روما وظل إلى جوار بولس يعمل معه في تأسيس تلك الكنيسة ثم رجع إلى مقره في مصر.
والكاثوليك أنفسهم يعترفون بأن القديس مرقس اشترك في تأسيس كنيسة روما ولكنهم يقولون إنه ساهم في ذلك مع القديس بطرس!! ” واشترك معه في أتعابه الرسولية “، وأنه قام “بخدمة هذه الكنيسة” فى غياب بطرس عنها، وإن المؤمنين طلبوا إلى القديس مرقس أن يكتب لهم خبر الإنجيل المقدس لكي يتعزوا بتلاوته ويدوم ذكره إلى الأبد فحرر لهم الأنجيل المقدس … ” (5).
أعماله الكرازية الأخرى في العالم أجمع
إنجيل مرقس، وقداسه، والمدرسة اللآهوتية بالإسكندرية، كانت ثلاثة عناصر أساسية للكرازة والعبادة. ولم يقتصر نفعها على مصر فقط وإنما شملت العالم المسيحي كله. وتؤيد الصفة المسكونية التي تحيط بمار مرقس الرسول.
استشهاد مار مرقس:
لما كان الرسول محتفلا برفع القرابين المقدسة يوم عيد الفصح، واتفق ذلك في يوم عيد سيرابيس أحد آلهة الوثنيين، هجم رعاع الشعب على الكنيسة التي كان المؤمنون قد أنشأوها عند البحر في المكان المعروف بدار البقر، وألقوا القبض على مرقس الرسول بعدما شتتوا المؤمنين. وبدأوا يجرونه في الطريق وساحات المدينة وهم يصرخون قائلين: جروا التنين في دار البقر.
ومازالوا يجرونه هكذا حتى تناثر لحمه وسالت دماؤه. وعند المساء وضعوه في سجن مظلم. وفي منتصف الليل ظهر له السيد المسيح فقواه ووعده باكليل الجهاد (6).
وفي الصباح أخرجوه وطفقوا يصنعون به ما صنعوه في اليوم السابق حتى أسلم الروح بيد السيد المسيح. ولم يكتف الظالمون بذلك بل أشعلوا نارًا هائلة، وضعوا عليها الجسد الطاهر ولكن أمطارًا غزيرة هطلت فأطفأت النار. فأخذ المؤمنون الجسد ووضعوه في تابوت بعدما كفنوه بما يليق به من الإكرام والاحترام (6).
رأس مار مرقس:
سرق أهل البندقية جسد القديس وبنوا عليه كنيسة في مدينتهم. أما رأسه فما تزال في الإسكندرية (7) وقد بنيت عليها الكنيسة المرقسية هناك.
(5) مروج الأخيار ص 233 (25 نيسان).
(6) السنكسار: 30 برمودة، تاريخ البطاركة
(7) مصباح الظلمة: الباب الرابع.
تقصيرنا في حق هذا القديس:
هذا القديس الذي عرفنا المسيح بواسطته ما أقل احتفالنا بأعياده! وما أقل الكنائس والمؤسسات التي تحمل اسمه. بينما توجد على اسم القديس مار جرجس أكثر من 200 كنيسة في مصر، لا تحمل اسم مار مرقس إلا حوالي اثنتي عشرة كنيسة فقط في القطر كله! هذا مثل من أمثلة لتقصير كثير
- مقال لنيافة الأنبا شنوده أسقف التعليم – مجلة الكرازة السنة الأولى– العدد السادس- اغسطس 1965



