القديس مار جرجس أمير الشهداء

تحدثنا في هذه الصفحة عن كثير من الكارزين، بعضهم بطاركة والبعض أساقفة وكهنة وشمامسة. أما اليوم فنتحدث عز طراز آخر من الكارزين، هو الشهداء القديسين بشروا في عذاباتهم بالإيمان أكثر من آلاف الواعظين.
نذكرهم بمناسبة عيد النيروز المبارك. وفي مقدمتهم البطل الشجاع والفرس المقدم
القديس مار جرجس أمير الشهداء1
أمير الشهداء.
لا يوجد قديس حظي بمكانة شعبية بين الشهداء أكثر من مار جرجس. ما أكثر الكنائس التي يطلق عليها اسمه، هي في الكرازة المرقسية لا تقل عن المائتين، تُقام له أيضًا الأعياد وتنشد له المدائح والترانيم والتماجيد، ويتسمى الكثير من المسيحيين باسمه، ويندر أن يخلو أحد بيوتهم من صورته، وهو موضع ثقة الجميع يتشفع به الكل مسيحيين وغير مسيحيين. أخبار معجزاته على كل لسان.
قد أعطاه الرب كرامة عظيمة بمقدار ما تعب وتألم من أجله.
لسنا نريد في هذا المقال أن نتحدث عن شجاعة مار جرجس وبطولته أثناء جنديته، أو عن شجاعته عندما مزق منشور الإمبراطور دقلديانوس الخاص باضطهاد المسيحيين، وكيف ألقى ذلك المنشور إلى الأرض وسط دهشة الجمهور واعجابهم، ولا كيف جاهر بإيمانه أمام دقلديانوس وكبار رجال دولته في جرأة لم يألفوها من أحد. وسوف لا نتحدث عن آلامه وعذاباته الكثيرة.
إنما نريد أن نتحدث عنه ككارز. عن طريق مار جرجس آمن الآلاف، واستشهدوا على اسم المسيح، وقد سجل لنا التاريخ في ذلك قصص شهيرة نذكر منها:
لما تحير دقلديانوس أمام إصرار مار جرجس على إيمانه، ظن أنه يستطيع إغراءه بالنساء. فأرسل إليه في سجنه إحدى محظيات الإمبراطور حتى إذا خضع لأنوثتها يمكن أن تلين عريكته فيبخر للأوثان. ولكن مار جرجس لم يلتفت إلى تلك المرأة عندما حاولت إغراءه في السجن، وإنما ركع مصليًا. وشعرت المرأة بهيبة أمام طهارته وما لبثت أن سألته عن إيمانه، وكلمها عن المسيح. وفي الصباح رجعت هذه المحظية إلى الإمبراطور لتعترف بالإيمان، واحتدم غيظًا وأمر بقتلها، وصارت شهيدة.
ووصلت أخبار مار جرجس إلى كل مكان وعرف الكل بطولته في التمسك بالإيمان. وكان ممن اُعجبن به ابنه الإمبراطور نفسه هذه وبخت أباها دقلديانوس على ظلمه لمار جرجس وجاهرت بإيمانها بالمسيح، فانقض عليها أبوها انقضاضًا وقتلها بنفسه، وصارت شهيدة، وانتشر خبرها وسط الناس، فآمن كثيرون بالمسيح وتقدموا للاستشهاد.
ولما تضايق دقلديانوس أمر أشهر سحرة إمبراطوريته ويُدعى “أثناسيوس” بأن يعد كأسًا من السم من أخطر المواد الفتاكة تكفي جرعة واحدة منه للقضاء على شاربه. وفي محضر من أكابر رجال الدولة وفي حضور الساحر العظيم أمروا مار جرجس بشرب هذا الكأس المميت. فأخذ كأس السم في شجاعة نادرة ورشم عليه بعلامة الصليب، وتجرع كل ما فيه دون أن يصيبه أي أذى معترفًا باسم المسيح، فما كان من الساحر العظيم إلا أنه تقدم نحو مار جرجس مجاهرًا بالمسيح، فأمر الإمبراطور بإعدامه فمات مستشهدًا. وصاح كثيرون من الحاضرين معلنين إيمانهم بإله مار جرجس، فأمر الإمبراطور بقتلهم جميعًا.
وتضايق دقلديانوس جدًا، فأعد للقديس العظيم آلات العذاب: أدار جسده في آلة تعذيب تبرز منها نصال مدببة حادة قاطعة، فكانت تتناثر أعضاء جسده، حتى تركه المعذبون ظانين أنه مات. وما لبث السيد المسيح أن أقامه مُعافى لا أثر فيه للجروح، فآمن كثيرون لما رأوا هذه المعجزة وجاهروا بإيمانهم. فأمر الإمبراطور بجره على الأرض حتى تكسرت جميع أعضائه، وأقامة الرب أيضًا مُعافى، فذهل الناس وتقدموا معترفين بمسيحيتهم.
الإمبراطورة إلكسندرا ذاتها، لما آمنت ابنتها واستشهدت، جلست هي الأخرى مع مار جرجس، وسألته عن إيمانه. فحدثها عن المسيح. وآمنت الإمبراطورة، واستشهدت هي الأخرى، ودخلت الملكوت ضمن كرازة مار جرجس.
ثم دعا الإمبراطور القديس مار جرجس ليبخر للأوثان، وظن أنه سيفعل. واجتمع الآلاف ليروا الحادث المذهل. ووقف مار جرجس أمام الأصنام، ورفع يديه بالصلاة إلى الله، فوقعت الأصنام محطمة على الأرض. وصاح آلاف من الحاضرين يعلنون إيمانهم بإله مار جرجس. وفي ذلك اليوم استشهد كثيرون على اسم المسيح. وأخيرًا لم يجد دقلديانوس بدًا من الأمر بقتل القديس، خوفًا من حياته على الوثنية، فاستشهد في سنة 303م (23 برمودة).
إن إيمان محظية الإمبراطور، وإيمان الأميرة ابنته، وإيمان الساحر أثناسيوس، وإيمان الإمبراطورة إلكسندرا، وإيمان الآلاف من الشعب، لهو دليل أكيد على أن مار جرجس كان كارزًا..
كان كارزًا في شهادته للمسيح، وفي تبشيره وتعليمه به سواء أثناء محاكماته أو في مقابلاته.. كما كان كارزًا عن طريق المعجزات التي حدثت أثناء تعذيبه وبالمعجزات التي ما تزال تحدث في شتى البلاد بشفاعته، وفي الكنائس التي تحمل اسمه. بركة هذا القديس العظيم، الكارز والشهيد، فلتكن معنا، آمين.
- مقال لنيافة الأنبا شنوده أسقف التعليم – مجلة الكرازة السنة الثانية –العدد السابع – سبتمبر 1966





