الفكر النسكي في تعاليم قداسة البابا شنوده الثالث
| الكتاب | الفكر النسكي في تعاليم قداسة البابا شنوده الثالث |
| المؤلف | أمير نصر يوسف |
| دار نشر | كنيسة السيدة العذراء بالزيتون/ رقم 1021 |
| الطبعة | الأولى، يوليو 2021م |
| رقم الإيداع بدار الكتب | 16312 / 2021م |
| الترقيم الدولي | 978-977-85702-6-7 |
طُرس البركة لقداسة البابا تواضروس الثاني
وإن مات فهو يتكلم بعد..
غزارة المعرفة وعمقها في حياة المتنيح قداسة البابا شنوده الثالث جعلته يترك لنا تُراثًا
ورغم أنه نُشر أكثر من 150 كتابًا بأحجام متنوعة وفي موضوعات عديدة تغطي مساحات كبيرة من المعارف المسيحية الروحية والكنسية والآبائية، والتي تُرجمت معظمها إلى العديد من اللغات، حتى صار اسمه معروفًا عالميًا أنه "مُعلم الأجيال".. إلا أنه ما زال يوجد الكثير مما لم يُنشر بعد. وننشر لكم بعضًا من ذلك التُراث الخالد والذي لم يُنشر من قبل..
ونقدم لكم كتاب:
الفكر النسكي في تعاليم البابا شنوده
وسوف تجد عزيزي القارئ متعة خاصة وأنت تستمع لصوت قداسته عبر الصفحات وبعد رحيله.. يُعلِّمنا ويروينا من فيض معرفته وروحياته وخبراته العميقة.
تقديري ومحبتي لكل من ساهم في إخراج هذه الكتب إلى النور.. خاصة مركز "معلِّم الأجيال لحفظ ونشر تُراث البابا شنوده الثالث" في كنيسة السيدة العذراء مريم بالزيتون بالقاهرة.
نفَّعنا الله ببركة صلواته لأجلنا كنيسةً وشعبًا وضعفي. ونعمته تشملنا جميعًا..
البابا تواضروس الثاني
بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية الـ 118
قداسة البابا شنوده الثالث في سطور
1- وُلِدَ في 3 أغسطس 1923م، باسم نظير جيد روفائيل. في قرية سَلاَّم بأسيوط.
2- حصل على ليسانس الآداب - قسم التاريخ - من كلية الآداب جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا).
3- التحق بالقوات المسلحة - مدرسة المشاة - وكان أول الخريجين من الضباط الاحتياط سنة 1947م.
4- تخرَّج في الكلية الإكليريكية "القسم المسائي" سنة 1949م، وكان الأول على الخريجين - فعُيِّنِ مُدرّسًا فيها.
5- عمِلَ مُدَرِسًا للغة الإنجليزية والعربية، في إحدى المدارس الأجنبية.
6- أتقَنَ الشعر منذ عام 1939م، وكتب كثيرًا من القصائد الشعرية.
7- في سنة 1949م: تَكَرَّسَ للخدمة في الكلية الإكليريكية وبيت مدارس الأحد في روض الفرج بشبرا، وتولى رئاسة تحرير مجلة مدارس الأحد.
8- صار راهبًا في دير العذراء الشهير بالسريان في 18 يوليو 1954م.
9- تمت سيامته بيد البابا كيرلس السادس، أول أسقف للتعليم والكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، باسم الأنبا شنوده في 30 سبتمبر 1962م.
10- بدأ الاجتماعات الروحية التعليمية منذ سنة 1962م، واستمر فيها حتى نياحته سنة 2012م.
11- أصدر مجلة الكرازة في يناير 1965م، واستمر في تحريرها حتى نياحته سنة 2012م (واستمرّ قداسة البابا المُعَظَّمْ تواضروس الثاني في إصدارها).
12- اختارته السماء بالقرعة الهيكلية وتمَّ تجليسه البابا الـ 117 للكنيسة القبطية الأرثوذكسية يوم 14 نوڤمبر 1971م.
13- نَمَتْ الكنيسة القبطية في عهده، داخل مصر وخارجها؛ في كل قارات العالم: أفريقيا
وآسيا وأوروبا وأستراليا والأمريكتين: الشمالية والجنوبية
14- حصل على تسع شهادات دكتوراه فخرية من كبرى جامعات أمريكا وأوروبا.
15- امتدت الكلية الإكليريكية في عهده، وأصبح لها 16 فرعًا في مصر وخارجها.
16- حصل على العديد من الجوائز مثل؛ جائزة أفضل واعظ ومعلم للدين المسيحي في العالم 1978م من مؤسسة Browning الأمريكية، وجائزة أوجوسبورج الألمانية للسلام. كما حصل على وسام الصليب الأكبر للقديس أغناطيوس من الكنيسة السريانية.
17- كتب أكثر من 150 كتابًا ونبذة في كثير من المجالات الكتابية والروحية، واللاهوتية والعقائدية وفي الخدمة والرعاية والتربية.
17- قامَ بسيامة بطريركين لكنيسة إريتريا و5 مطارنة و112 أسقفًا وأكثر من 2000 كاهن و1000 راهب.
18- قامَ برحلات رعوية ورسمية لكثير من بلدان العالم، وصلت إلى 104 رحلة.. فمثلاً زار الولايات المتحدة (57 زيارة)، والمملكة المتحدة (31 زيارة) وغيرها.
19- أحضر إلى مصر رفات القديس أثناسيوس الرسولي البطريرك الـ 20، في 10 مايو 1973م.
20- اهتم بخدمة المرأة؛ وقام بتشكيل لجنة المرأة، وسمح للمرأة بالدراسة بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، وقام بتعيينها مدرسًا بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية لتدريس علم اللاهوت، وسمح لها بعضوية المجلس الملي، وعضوية مجالس الكنائس.
21- جلس قداسة البابا شنوده الثالث على الكرسي المرقسي لمدة 40 سنة، و4 أشهر، و3 أيام، وبهذا يعتبر سابع الباباوات من حيث طول مدة الجلوس على الكرسي المرقسي. عاش 88 سنة و7 أشهر، و14 يوم.
22- رقد في الرب في 17 مارس سنة 2012م، وكانت جنازة قداسته مهيبة وعظيمة، حضرها أكثر من اثنين ونصف مليون شخص. نيحَ الله نفسه في فردوس النعيم، ونَفَّعْنا بصلواته.
هذا الكتاب
هذا الكتاب
يواصل مركز معلم الأجيال لحفظ ونشر تراث البابا شنوده الثالث إصدار الكتب التي تحتوي
وهذا الكتاب "الفكر النسكي في تعاليم قداسة البابا شنوده الثالث"، هو الباب الخامس من كتاب سبق إصداره عام 1996م بمناسبة العيد الفضي لجلوس قداسته على كرسي مار مرقس الرسول، وهو كتاب "مَن هذه الطالعة من البرية"، والذي يسجل النهضة الرهبانية المعاصرة في عهد قداسته.
وقد حرص مركز معلم الأجيال على إعادة نشر هذا الجزء عن الفكر النسكي عند قداسته، مع إضافة بعض العظات التي ألقاها قداسة البابا شنوده الثالث على الآباء الرهبان. لتكون استكمالًا لمادة هذا الكتاب.. حيث يحدثنا قداسته عن وجود الله، وتدبير الروح، وتدبير الفكر، وتدبير الإرادة.
وقد قام الأستاذ أمير نصر بإعداد هذا الكتاب قبل نياحته 26 مايو 2021م، ليصدر بمناسبة تذكار رهبنة قداسة البابا شنوده الثالث.
لذا محبة وتقديرًا نود أن نذكر فضل الأستاذ أميــــر نصـــر، وخدمته للكنيسة عمومًا ولمركز معلِّم الأجيال خصوصًا ومحبته الصادقة لقداسة البابا شنوده، فقد تفانى في خدمته إلى آخر يومٍ في حياته على الأرض بتواجده في المركز.. فعلّمنا درسًا في التكريس والخدمة، والالتزام وكان دائمًا يقول: "إن ميعاد الخدمة هو ميعاد لمقابلة السيد المسيح".
والأستاذ أميـــر نصـــــر هو من مواليد فبراير 1949م- ولد في حي الظاهر بالقاهرة. نشأ في كنف كنيسة مار جرجس الظاهر.
أسس أسرة الأنبا شنوده رئيس المتوحدين، أصدر من خلالها عشرات الكتب الحاوية سير القديسين. فقد كان شفيعه بعد القديس مار مرقس هو الأنبا شنوده رئيس المتوحدين ففي كتابه "القديس العظيم أنبا شنوده رئيس المتوحدين" كتب عنه قائلاً: "أهدي هذا الكتاب إلى روحك المقدسة يا أبي القديس العظيم أنبا شنوده رئيس المتوحدين: فأنت معلمي وشفيعي العظيم أمام عرش النعمة الإلهي الذي أنتَ ماثل أمامه كل حين.. ابنك أمير نصر يوسف".
كما تتلمذ أميـــر نصــــر في الاعتراف لقدس أبونا ميخائيل إبراهيم بكنيسة مار مرقس بشبرا.
التحق بالكلية الإكليريكية في أواخر الستينيات، وتخرج فيها دفعة مايو 1972م من القسم النهاري.
حصل على ليسانس الآداب قسم تاريخ - من جامعة عين شمس سنة 1977م، وتقدم للماجستير.
تَكَرَّسَ في خدمة الدياكونية مع المتنيح الأنبا صموئيل أسقف الخدمات الأسبق عام 1978م. وحتى بلوغه سن التقاعد القانوني.
كلفه مثلث الرحمات البابا شنوده الثالث بالتدريس في الكلية الإكليريكية بالقاهرة سنة 1995م وحتى نياحته. وبالحقيقة صار أستاذًا ومؤرخًا للتاريخ الكنسي القديم والمعاصر، وحمل أمانة التعليم والتأريخ والبحث وكان يدعم كل أعماله وأقواله بالوثائق التاريخية.
أسس نشاط الحياة الكنسية بأسقفية الشباب، وخدم فيها أكثر من عشرين سنة.
خدم بمركز مُعلّم الأجيال بكنيسة السيدة العذراء بالزيتون منذ عام 2016م وحتى نياحته.
دَرّسَ في فروع متعددة للكلية الإكليريكية بمصر والخارج لمدة خمسة وعشرين عامًا أو أكثر في فروع (القاهرة– المحلة الكبرى – الفيوم – شبيين الكوم بالمنوفية– النمسا- الكويت- الأقصر- أبوظبي "الإمارات").
كتب وأصدر العديد من الكتب والنبذات، ومن بين مؤلفاته (سلسلة المواطنة) عن المشاركة الوطنية للأقباط، وكتاب هذه الطالعة من البرية الذي أصدره (بمناسبة اليوبيل الفضي لقداسة البابا 1971-1996م).
كما أصدر عدة كتب عن القديس مار مرقس؛ والذي كان تربطه به علاقة محبة قوية، فكانت صورة مار مرقس الرسول ملازمة له دائمًا، وكل متعلقاته كان يضع عليها صورة القديس وكان يفسر هذه المحبة بقوله: "إنني أشعر بأنه صاحب الفضل علينا".. ويردد عبارة البابا شنوده عن مار مرقس: "إننا مدينون لهذا القديس العظيم الذي كرز في بلادنا باسم المسيح وسفك دمه الطاهر على أرضنا من أجل توصيل الرب إلينا".
ويقول الأستاذ أميــر نصــر في مقدمة كتابه (تاريخ وترجمة مار مرقس الرسول) "القديس مار مرقس هو الأب الأول لنا في الإيمان بالمسيح إلهنا وفادينا ومخلصنا.. وهو النور الذي أضاء علينا وبدد الظلمة التي كنا نعيش فيها.. لذلك فالقديس مار مرقس هو عطية الله لنا وهو النعمة التي نتمتع بها على الدوام.. القديس مار مرقس هو سرّ وجودنا في المسيح يسوع.. وهو سر الحب المتدفق في قلوبنا نحو الله إلهنا".
ومن بين مؤلفاته عن القديس مار مرقس (مار مرقس الرسول ومدرسة الإسكندرية - ناظر الإله الإنجيلي القديس مار مرقس الرسول في حياتنا الكنسية - تاريخ وترجمة مار مرقس الرسول، كاروز الديار المصرية الأسقف إسيذوروس - كتاب القديس العظيم مار مرقس الرسول بين كرسي الإسكندرية وكرسي روما).
أيضًا من بين مؤلفاته؛ كلمة في الرهبنة- الأنبا باسليوس مطران أورشليم، مع دراسة عن الرهبنة والتكريس في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية). وكتاب القديس الأنبا شنوده رئيس المتوحدين – وكتاب الأيام المشهودة في دير القديس الأنبا شنوده.
كما قام بإعداد كتاب إليكم يا أولادي الجزء الأول والثاني لقداسة البابا شنوده الثالث.
رأس تحرير دورية مُعلِّم الأجيال البابا شنوده، التي تصدر عن مركز مُعلِّم الأجيال وهي دورية مطبوعة تنقسم إلى قسمين رئيسيين الأول يضم تعاليم البابا شنوده، والثاني يضم دراسات وأبحاث وكلمات عن قداسة البابا شنوده.
كما رأس تحرير دورية ينبوع الحياة، وهي رسالة إلكترونية تصدرها مجموعة الحياة الكنسية بأسقفية الشباب، وكان يشرف على إخراجها وإعدادها وتجميعها بنفسه، ويحرص على صدورها في ميعادها في أول يوم من الشهر القبطي.
تنيح في 26 مايو 2021م، وأقيمت الصلاة في اليوم التالي، ورأس صلاة الجناز نيافة الأنبا ميخائيل الأسقف العام، لحدائق القبة والوايلي ومنشية الصدر وتوابعها، ووكيل الكلية الإكليريكية بالأنبا رويس بالعباسية في كنيسة السيدة العذراء بالزيتون، حيث حضر العديد من أحبائه وأبنائه من كهنة ورهبان وإكليريكين وخدَّام وعلمانيين.
نياحًا لروح هذا الخادم الأمين المكرس المحب للرب، نصلي أن يعوضه إلهنا الحنون عن أتعابه بأكاليل نورانية، ويتمتع بعشرة السيد المسيح والسيدة العذراء وشفيعه القديس مار مرقس، والقديس الأنبا شنوده رئيس المتوحدين والأنبا موسى الأسود، وقداسة البابا شنوده الثالث.
نطلب من الرَّبِ أن يبارك هذا العمل، ويكون هذا الكتاب نافعًا لنا، بشفاعة والدة الإله القديسة مريم العذراء، ومثلث الرحمات قداسة البابا شنوده الثالث، وصلوات أبينا الطوباوي قداسة البابا المعظم الأنبا تواضروس الثاني خليفة القديس مارمرقس الرسول. ولإلهنا المجد والسبح دائمًا...
18 يوليو 2021م - تذكار رهبنة البابا شنوده الثالث
القمص بطرس بطرس جيد
مركز معلم الأجيال
لحفظ ونشر تراث البابا شنوده الثالث
مدخل
مدخل
البابا شنوده الثالث... ذهبي الفم الثاني...
الذي صاغَ فكرَ الكنيسة وعقلها. الذي أنار أرجاء الكرازة المرقسية بتعاليمه.. الذي أفاض على أولاده من أفكاره واختباراته الروحية.. الذي قدم لأولاده خبراته العملية.. الذي شهد العالم بعلمه الغزير.. الذي لم يدخِر جُهدًا أو وقتًا من أجل تعليم أولاده في كل مكان وزمان.. الذي وضع التعليم على رأس جدول أعماله واهتماماته اليومية.. الذي جعل التعليم هو العمل الرعوي الأول في الكنيسة.. الذي قدم نفسه في قدوة صالحة، ومثالًا للسهر على تعليم شعبه..
ولا شك أن محبة قداسة البابا شنوده الثالث للرهبنة ومبادئها الروحية والنسكية، والتي اختبرها بعمقٍ عندما سار في دروبِ البريةِ، وعاشَ في مغائرِ القديسين، وذاقَ حلاوةَ حياة الوحدة، تاركًا الكل ليتحد بالواحدِ... فضلًا عن آلاف الكتب التي قرأها في سير الآباء، وتعاليمهم واختباراتهم النسكية القائمة على فكر إنجيلي مُعاش.. قد ساهم في تشكيل وجدانه وفكره وعقله وحدد معالم فلسفته الروحية والنسكية.
ولذلك نجد الكثير من الفكر النسكي من أقوال الآباء القديسين، وفي قصص واختبارات من حياتهم المقدسة، لها مكانة واضحة في تعاليم قداسة البابا... فقداسته وبكل اقتدار يوظف هذا الفكر النسكي بمكوناته في تدعيم تعاليمه، والقضايا التي يطرحها في عظاته، ومحاضراته، وكتاباته، وأشعاره، ومقالاته، وكتبه. حيث يسعى في تنوعها إلى بناء وتكوين أولاده روحيًا وكنسيًا وكتابيًا ولاهوتيًا ومجتمعيًا... ولكي يتسنى الوقوف على هذا الفكر النسكي في تعاليم قداسة البابا سوف نعرض:
أولًا
جزء هام من مقال لقداسته نُشر في مجلة الكرازة، نظرًا لاِرتباطه بعنوان كتابنا "هذه الطالعة من البرية". حيث تأمل قداسة البابا في النص الكتابي من نشيد الأنشاد "مَنْ هذِهِ الطَّالِعَةُ مِنَ الْبَرِّيَّةِ كَأَعْمِدَةٍ مِنْ دُخَانٍ، مُعَطَّرَةً بِالْمُرِّ وَاللُّبَانِ وَبِكُلِّ أَذِرَّةِ التَّاجِرِ؟.. مَنْ هذِهِ الطَّالِعَةُ مِنَ الْبَرِّيَّةِ مُسْتَنِدَةً عَلَى حَبِيبِهَا؟" (نش 3: 6 – 8: 5).
ثانيًا
نماذج من بعض النصوص التي أصدرها قداسته تبرز استخدامه للفكر النسكي في موضوعاته التي تعتبر بالمئات وآلاف العناوين الهامة.
ثالثًا
نماذج من الشعر النسكي التي كتبها قداسته وخاصة أثناء وجوده بالمغارة. وقد نُشرت في كتاب انطلاق الروح.
من هذه الطالعة من البرية
من هذه الطالعة من البرية[1]
مَن هذه الطالعة؟ تأمل في جمال الكنيسة، أو جمال النفس البشرية الطالعة من البرية، وطالعة في جمال، معطرة بالمر واللبان وبكل أذرّة التاجر، كأعمدة من دخان، صاعدة من المجمرة. فهذه..
أغنية تُنشد لقديسي البرية
يمكن أن يقال هذا النشيد عن القديسين الذين ملأوا البرية بالصلوات والتسابيح والألحان. وصلواتهم طالعة من البرية.
في كل يوم يغنون للرب أغنية جديدة. وفي كل يوم يهمس الملائكة في آذانهم قائلين: "هُوَذَا بَارِكُوا الرَّبَّ يَا جَمِيعَ عَبِيدِ الرَّبِّ، الْوَاقِفِينَ فِي بَيْتِ الرَّبِّ بِاللَّيَالِي، ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ نَحْوَ الْقُدْسِ، وَبَارِكُوا الرَّبَّ.." (مز134: 1، 2)، ينظر الملائكة إلى صلوات هؤلاء القديسين الطالعة من البرية، ويقولون للرب: "طوبَي لِكلِّ السُّكانِ في بَيْتِكَ، يُبارِكونَكَ إلَي الأبَدِ" (مز83: 4).
أهل العالم - حتى إن دخلوا الكنيسة - ربما يسرحون في أمور العالم أثناء الصلاة. أما هؤلاء القديسون، فحتى إن شغلوهم بشيء من أمور العالم، يسرحون أثناءها في الله.
عاشوا في البرية المقفرة بدون أية معونة، مستندين على حبيبهم. واستطاعوا أن يقدسوا البرية بصلواتهم وبحياتهم، حتى تحولت البرية إلى سماء ثانية، واجتذبت إليها طالبي الروح من أقصاء الأرض كلها. عاشوا في طقس الصلاة الدائمة، ولقَبوهم بملائكة أرضيين أو بشر سمائيين. عندما تصعد أرواح هؤلاء القديسين إلى السماء، لا شك ستجري الملائكة لاستقبال أرواحهم الطاهرة وهي تهتف: "مَن هذه الطالعة من البرية".
سليمان الحكيم، كاتب سفر النشيد، أتراه في حلم أو في رؤيا، أبصر جماعات السواح والمتوحدين، والرهبان طالعة من البرية، فاستقبلها بهذا النشيد؟
يوحنا كاسيان عندما زار برية مصر قال: "إن المسافر من الإسكندرية إلى طيبة (الأقصر)، لم يكن صوت التسبيح والألحان والصلوات ينقطع من أذنيه طول الطريق، لكثرة الأديرة والقلالي والمغارات المنتشرة في كل مكان في البرية، يسكنها هؤلاء القديسون، الذين أحبوا الرَّب فأحبوا الوحدة، وعاشوا كملائكة على الأرضِ".
كل شبرٍ من تلك الأرض المقدسة قد باركه القديسون. ودشنوه بصلواتهم ومزاميرهم. حبات الرمل تقدست، إذ وطئتها أقدامهم الطاهرة.
هذه الحياة المقدسة الطالعة من البرية، كأعمدة من دخان، صاعدة إلى عرش الله، يهتف لها أهل السماء قائلين: "مَن هذه الطالعة من البرية"...
إن الحياة التي شهدها العالم في براري مصر، في القرنين الرابع والخامس، كانت كأنها حلم. نسمع الآن عنها وكأنها قصة..!! كيف عملت النعمة في نفوس القديسين بكل تلك القوة وبكل ذلك العمق. وكيف كانت أرواحهم في كل يوم كأنها على سلّمِ يعقوب صاعدة إلى السماء ونازلة منها... وفي كل درجة تصعد على هذا السلم الروحي يصرخ السمائيون في عجبٍ وإعجاب، وفي تقدير "مَن هذه الطالعة من البرية"؟!
إنه منظر عجيب حقًا أن ترى ملائكة نازلة من السماء إلى الأرض، ولكن الأعجب منه أن ترى بشرًا لهم صورة الملائكة صاعدين من الأرض إلى السماء.
وليس فقط فرادي قلائل، وإنما جماعات عديدة لها نفس الصورة، نفس القداسة والبر والشفافية والزهد والعفة.. فيصرخ الجميع لمرآها: "مَن هذه الطالعة من البرية".
ووجه العجب الكبير أن هؤلاء الصاعدين كالملائكة، لهم أجساد مادية، وقد سكنوا في هذا العالم، في وسط شهواته. هم بشر تحت الآلام مثلنا... ولكنهم عاشوا صورة لله ومثالًا... دخلوا النار كالثلاثة فتية، ولم يحترقوا، وإنما صعدوا من النار، كأعمدة من دخان، معطرة بالمر واللبان.
[1] جزء من مقال "من هذه الطالعة من البرية" الكرازة، 7 يوليو 1974م
الوجود مع الله
الوجود مع الله
يؤكد قداسة البابا شنوده الثالث على أن الله هو الهدف الرئيسي في حياتنا، وأن الوجود معه هو الغاية التي نسعى إليها.. وأن أي شيء في العالم لا يساوي شيئًا أمام الارتباط والاتحاد بالله... فكتب قداسته يقول[1]:
1-الإنسان الروحي هدفه الله وحده لا غيره.
كل هدفه هو أن يسعى إلى الله ويعرفه ويحبه ويعاشره ويثبت فيه، ويكُوّن علاقة معه، يسكن الله في قلبه، ويسكن هو في قلب الله. ويقول لله في حبٍ: "مَعَكَ لاَ أُرِيدُ شَيْئًا فِي الأَرْضِ" (مز 73: 25).
والرهبنة هي مجرد وسيلة توصيل إلى الله. ولذلك عَرَّفوها بأنها الانحلال من الكل للارتباط بالواحد. ولكن إن تحولت الرهبنة إلى هدف، وتحولت الوحدة إلى هدف، والصمت إلى هدف، فما أسهل أن تكسر وصايا الله من أجلها... فيتخاصم الراهب مع الدير من أجل حياة الوحدة. يعيش كمتوحد دون أن تكون له فضائل الوحدة، ودون أن ينمو في محبة الله! وفي هذا قال مار إسحاق: "هناك من يجلس خمسين سنة في القلاية، وهو لا يعرف طريقة الجلوس في القلاية".
2-لكي تحب الله، ينبغي أن تنشغل به كثيرًا، وأن تفكر فيه كثيرًا...
إن كان الله في فكر الإنسان، فسينقي هذا الفكر ويقدسه، ويحلَّ فيه، ويمنحه محبته. ولا نقصد أن يخطر الله على فكر إنسان، إنما أن ينشغل هذا الفكر بالله، ويلتصق به، ويجد لذته فيه. وبهذا يكون قد ارتبط بالحب الإلهي. فيقدس الله هذا الفكر، ولا يسمح بأية خطية تدخل إليه. لأن الفكر يكون في سمو لا يقبلها. ويكون قد ارتبط بمحبة الله[2].
وكأن كل واحد منهم يقول لله: "لا أريد محبة أخرى تشغلني عن التفرغ لك، فليس لي سواك. أنتَ الذي تشغل فكري وقلبي، وتشغل حياتي ووقتي، وتشغل حواسي وعواطفي. أنت شغلي الشاغل، قلبي ملآن بك، وفرحان بك، ولا يعوزه أحد غيرك، لا يوجد فيه فراغ يتسع لأحد غيرك... هذه مشاعر القديسين سكان البراري"[3].
3-الرهبان الذين عاشوا حياة التجرد الكامل حياة النسك والزهد..
لا يملكون شيئًا.. بل قد نذروا الفقر الاختياري، وارتفعوا فوق مستوى البيت والأولاد، وفوق المادة، وجالوا في البراري والقفار، معتازين. هؤلاء من عظم محبتهم للملك المسيح قالوا له: "معك لا نريد شيئًا من العالم".
منهم أمراء تركوا المُلك، مثل الأميرين مكسيموس ودوماديوس، وأصحاب مناصب كبيرة، تركوا مناصبهم مثل الأنبا أرسانيوس معلم أولاد الملوك. وأغنياء تركوا غناهم مثل العظيم أنطونيوس.
ومتزوجون تركوا زوجاتهم مثل الأنبا آمون، والأنبا بولس البسيط. كلهم قالوا للرَّب: "معك لا نريد شيئًا على الأرض"... لعل هذا يذكرنا بمَثلِ التاجر الذي قال عنه السيد المسيح: "أَيْضًا يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ إِنْسَانًا تَاجِرًا يَطْلُبُ لآلِئَ حَسَنَةً. فَلَمَّا وَجَدَ لُؤْلُؤَةً وَاحِدَةً كَثِيرَةَ الثَّمَنِ، مَضَى وَبَاعَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ وَاشْتَرَاهَا" (مت 13: 45- 46). هذه اللؤلؤة الكثيرة الثمن، هي الحياة مع الله، وعشرته والتمتع به، التي من أجلها يبيع الإنسان الحكيم كل ما يكون له، ويقول للرب: "يكفيني أنت، معك لا أريد شيئًا على الأرض".
ما أجمل المبدأ الرهباني: "الانحلال من الكل، للارتباط بالواحد[4]"!
أي أن القلبَ ينحل من كل شيء ومن كل أحد، لكي يرتبط بالواحد الذي هو الله. وهذا الواحد، هو الذي يشبعه ويملأ كل كيانه ويكون سبب سعادته وفرحه... هكذا عاش الآباء، بفكر منشغل بالله وحده.
4-من أجل الوجود مع الله، عاش آباؤنا في البراري.
وكما نقول في القسمة في القداس الإلهي: "سكنوا الجبالَ والبراري وشقوقَ الأرضِ مِن أجلِ عظم محبتهم للملك المسيح". من أجل متعة الوجود معه، تركوا الأهل والمال، وعاشوا في وحدة كاملة، ليتمتعوا فيها بحبه، منفردين معه في البرية المقفرة، جاعلين شعارهم "الانحلال من الكل للارتباط بالواحد"[5].
5-والقديس أنطونيوس كان قلبه قد مات عن العالم وكل رغباته.
ترك الأهل والبلد والمال والجاه والعلم وكل شيء. ولم يعد يشتهي شيئًا عالميًا. لذا استطاع أن يسكن في مقبرة، وأن يسكن في القفر، وأن يحتمل الجوع والعطش والوحدة... لقد عاش حياة الصلاة، وحياة التأمل، منشغلًا بالله كل وقته. فكرًا وقلبًا، فلم يمل، ولم يعُد محتاجًا إلى عزاء بشري يسليه. وصارت الوحدة بالنسبة إليه متعة روحية، بسبب العشرة الإلهية التي شغلت حياته.. لم يعش وحده في البرية، إنما كان الله معه. عرف أن "الْحَاجَةَ إِلَى وَاحِدٍ" (لو10: 42) ونجح في الارتباط بالواحد[6].
6-لست أريد شيئًا من العالم، فليس في العالم شيء أشتهيه...
أما هذه الرغبات والآمال العالمية فقد تخلصت منها منذ زمان، إنها تجارب تحارب المبتدئين. لست أريد شيئًا من العالم، لأن العالم أفقر من أن يعطيني (لو كان الذي أريده في العالم) لانقلبت هذه الأرض إلى سماء، ولكنها ما تزال أرضًا كما أرى، ليس في العالم إلاَّ المادة والماديات، وأنا أبحث عن السماويات، عن الروحِ، عن الله.
لست أريد شيئًا من العالم، فأنا لست من العالم، لست ترابًا كما يظنون، بل أنا نفخة إلهية، كنت عند الله منذ البدء، ثم وضعني الله في التراب، وسأترك هذا التراب بعد حين وأرجع إلى الله. لست أريد من هذا التراب شيئًا، "خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِ الآبِ، وَقَدْ أَتَيْتُ إِلَى الْعَالَمِ، وَأَيْضًا أَتْرُكُ الْعَالَمَ وَأَذْهَبُ إِلَى الآبِ" (يو16: 28).
لست أريد شيئًا من العالم، لأن كل ما أريده هو التخلص من العالم. أريد أن أنطلق منه، من الجسد، من التراب! وأرجع كما كنت إلى الله، نفخة "قدسية" لم تتدنس من العالم بشيء.
لست أريد شيئًا من العالم، لأني أبحث عن الباقيات الخالدات، وليس في العالم شيء يبقى إلى الأبد، كل ما فيه إلى الفناء، والعالم نفسه سيفنى ويبيد. وأنا لست أبحث عن فناء.
لست أريد شيئًا من العالم، لأن هناك من أطلب منه. هناك الغني القوي الذي وجدت فيه كفايتي ولم يعوزني شيء. إنه يعطيني قبل أن أطلب منه، يعطيني النافع الصالح له. ومنذ وضعت نفسي في يده لم أعد أطلب من العالم شيئًا.
لست أريد شيئًا من العالم، لأن العالم لا يعطيني لفائدتي، وإنما يعطي ليستعبد. والذين أخذوا من العالم صاروا عبيدًا له، يعطيهم لذة الجسد، ويأخذ منهم طهارة الروح.
يعطيهم متعة الدنيا، ويأخذ منهم بركة الملكوت. يعطيهم ممالك الأرض كلها ليخروا ويسجدوا له. يعطيهم كل ما عنده لكي يخسروا أنفسهم. أما أنا فقد "خَسِرْتُ كُلَّ الأَشْيَاءِ، وَأَنَا أَحْسِبُهَا نُفَايَةً لِكَيْ أَرْبَحَ الْمَسِيحَ" (في3: 8) وهذا العالم الذي يأخذ أكثر وأفضل مما يعطي، هذا العالم الذي يستعبد مريديه، لست أريد منه شيئًا.
لست أريد شيئًا من العالم لأني أرقى من العالم.. إنني ابن الله، صورته ومثاله. إنني هيكل للروح القدس ومنزل لله. إنني الكائن الوحيد الذي يتناول جسد الله ودمه فيحل فيه ملء اللاهوت. إنني أرقى من العالم، وأجدر بالعالم أن يطلب مني فأعطيه، أنا الذي أُعطيت مفاتيح السموات والأرض. أنا الذي شاء الله في محبته وتواضعه أن يجعلني نورًا للعالم وملحًا للأرض (مت5).
لست أريد شيئًا من العالم لأنني أريد أن أحيا كآبائي، الذين لم تكن الأرض مستحقة أن يدوسوها بأقدامهم. هكذا عاشوا، لم يأخذوا من العالم شيئًا بل على العكس كانوا بركة للعالم، من أجل صلواتهم أنزل الله الماء على الأرض، ومن أجلهم أبقى الله على العالم حتى اليوم...
لست أريد شيئًا من العالم لأن الخطية قد دخلت إلى العالم فأفسدته. في البدء نظر الله إلى كل شيء فرأى أنه حسن جدًا، إذ لم تكن الخطية قد دخلته بعد، حتى التنين العظيم في البحر باركه الرب ليثمر ويكثر، أما الآن وقد تشوهت الصورة البديعة التي رسمها الله في الكون فقد مجّت نفسي العالم، ولم أعد أشتهي فيه شيئًا، هذا العالم الذي أحب الظلمة أكثر من النور.
لست أريد شيئًا من العالم، لأني أريدك أنت وحدك، أنت الذي أحببتني حتى المنتهى، وبذلت ذاتك عني. أنت الذي كونتني إذ لم أكن، ولم تكن محتاجًا إلى عبوديتي بل أنا المحتاج إلى ربوبيتك، أريد أن أنطلق من العالم وأتحد بك، أنت الذي أعطيتني علم معرفتك
[1] من كتاب: الوجود مع الله، 1982م
[2] من كتاب: المحبة قمة الفضائل
[3] من كتاب: اليقظة الروحية، 1982م
[4] من كتاب: الله وكفى 1982م
[5] من كتاب: الوجود مع الله 1982م
[6] من كتاب: تأملات في حياة القديس أنطونيوس، الطبعة الثالثة، 1984م
في تدبير الروح
في تدبير الروح
يحرص قداسة البابا شنوده الثالث أن تكون تعاليمه للبناء الروحي، وتشكيل الحياة الروحية، وأن يكون لها العمق والنمو. لذلك يحدد قداسته المعالم الأساسية لهذا البناء الروحي. نذكر منها:
الصلاة
1-الصلاة في معناها البسيط حديث مع الله[1]..
وفي معناها الأعمق صلة بالله. صلة حب. صلة عاطفة، قبل أن تكون كلامًا. والكلام بدون حب لا معنى له...
الصلاة هي جسر يوصل بين الأرض والسماء، شبهوها بسُلّمِ يعقوب الواصلة بين السماء والأرض. والصلاة هي مفتاح السماء، وهي لغة الملائكة وهي عملها، وهي حياة الروحيين... والصلاة هي اشتياق النفس للوجود مع الله، هي اشتياق المحدود إلى غير المحدود، واشتياق المخلوق إلى خالقه، واشتياق الروح إلى مصدرها وإلى شبعها...
في الصلاة يرتفع الإنسان عن مستوى المادة لكي يلتقي مع الله.
من أجلها هرب القديسون من العالم والأشياء التي في العالم. وبحثوا عن الهدوء والسكون وأحبوه بكل قلوبهم لكي ينفردوا بالله..
هناك قديس نكتب سيرته الكاملة في كلمة واحدة ونقول: "كانت حياته صلاة"، صلاة دائمة غير منقطعة، صلاة لم يمر وقت تنقطع فيه ولو لحظة... حتى في نومه لا ينقطع حديثه مع الله، بالعقل الباطن وفي اللاوعي، أترى هذا تفسير العبارة "كنت أذكرك على فراشي"؟
2-وطبيعي أن القديسين كانوا يقضون لياليهم في العمل الروحي..
في الصلاة، والتسبيح، والتأمل، وأحيانًا في القراءة الروحية أو في التأملات الروحية.
القديس أرسانيوس، كثيرًا ما كان يقضي الليل واقفًا يصلي... وهو رافع يديه نحو السماء... كان يقف متجهًا إلى الشرق وقت الغروب، والشمس خلفه، ويظل واقفًا يصلي حتى تطلع الشمس من أمامه وكان يقاوم النوم...
والقديس الأنبا بيشوي كانت له طريقته في السهر... كان يقضي الليل ساهرًا، وإذ يخشى أن يغلبه النوم كان يربط شعره بسلسلة مثبتة في الحائط، حتى إذ غفا من ضعف الجسد، تشده السلسلة فيصحو. وهكذا يرغم جسده على السهر...
على أن أعجب ما قرأته عن سهر القديسين هو تدريب القديس مقاريوس الإسكندري... دخل في تدريب شديد جدًا، قضى فيه عشرين يومًا لم يطبق فيه جفن على جفن. حتى قال: "أحسست بعدها أن أعصاب مخي قد يبست". كل ذلك وهو سهران ليلًا ونهارًا، وقائم في الصلاة بعقل مجتمع غير مشتت، وبسيطرة عجيبة على جسده وفكره، مفضلًا الصلاة على الراحة[2]!
3-وحرارة الروح كما تكون في الكلمة، تكون أيضًا في الصلاة وفي العبادة...
عندما صلّى مكسيموس ودوماديوس، رأى القديس مقاريوس الكبير صلاتهما كأنها أشعة من نار تخرج من شفاههما، وعندما يصلي القديس شنوده رئيس المتوحدين - حتى في صغره - كانت أصابعه تبدو وكأنها شموع متقدة. وهكذا كانت الحرارة لا تشمل الروح فقط، وإنما الجسد أيضًا، إننا نصلي، ولكن هل في صلواتنا نار البنديكوستي؟ هل في صلواتنا حرارة يوم الخمسين؟ إن الصلاة الحارة تنبع من عمق القلب، وتكون ألفاظها حارة. حتى الجسد نفسه يكون ساخنًا، مثلما تكون الروح حارة أيضًا[3].
4-الصلاة الروحانية تكون أيضًا بفهم وتركيز.
وبالتركيز تبعد عنها أيضًا طياشة الفكر. كذلك عنصر الفهم يجعل الذهن مركزًا، والعاطفة أيضًا تركز الفكر. أما الذي يصلي بدون قلب، وبدون فهم، وبدون عاطفة. فبالضرورة تشرد أفكاره في موضوعات متعددة، لأن قلبه لم يتخلص بعد من الاهتمام بهذه العالميات، ولا يزال متعلقًا بها حتى وقت الصلاة. فلا تكن صلاته طاهرة لأنها ملتصقة بماديات العالم...
لهذا عندما سُئل القديس يوحنا الأسيوطي: "ما هي الصلاة"؟
أجاب: "هي الموت عن العالم"...
لأنه حينما يموت القلب عن أمور العالم، لا يسرح فيها أثناء صلاته، فتصبح صلاته طاهرة بلا طيش[4].
5-خشوعك أمام الله هو خشوع الروح، وخشوع الجسد أيضًا...
أما عن خشوع الجسد: فيشمل الوقوف والركوع والسجود، بحيث لا تقف وقفة متراخية ولا متكاسلة، ولا تستسلم للشيطان الذي يحاول أن يشعرك في وقت الصلاة بتعب الجسد أو بمرضه أو إنهاكه أو حاجته إلى النوم... هناك أشخاص، إذا وقفوا للصلاة يشعرون بالتعب، بينما يقفون مع أصدقائهم بالساعات دون شعور بالتعب.. لذلك احترس من التعب الوهمي، الذي هو من حروب الشيطان.
قال القديس باسيليوس الكبير: "لا تعتذر عن الصلاة بالمرض، لأن الصلاة وسيلة للشفاء من المرض". وكما قال مار إسحاق: "إذا بدأت الصلاة الطاهرة، فاستعد لكل ما يأتي عليك"، أي استعد لحروب الشيطان الذي يريد أن يمنعك عن الصلاة.[5]
الصوم. النسك. الزهد
1-من محبة آبائنا الرهبان للصوم، جعلوه منهج حياة.
صارت حياتهم كلها صومًا ما عدا أيام الأعياد، ووجدوا في ذلك لذةً روحية، ولم يشعروا بأي تعب جسدي. بل استراحوا للصوم وتعودوه. ورُوي أنه لما حلَّ الصومُ الكبير في إحدى البراري، أرسلوا من ينادي في البرية لينبه الرهبان إلى حلول هذا الصوم المقدس، فلما سمع أحد الشيوخ من المنادي هذا التنبيه قال له: "ما هو يا ابني هذا الصوم الذي تقول عنه. لست أشعر به لأن حياتي كلها واحدة (لأنها كلها كانت صومًا)".
والقديس الأنبا بولا السائح، كان يأكل نصف خبزة يوميًا، وفي وقت الغروب، كنظام حياة ثابت.. وبعض الرهبان كان يصوم كل أيامه حتى الغروب، مثل ذلك الراهب القديس الذي قال: "مرت عليَّ ثلاثون سنة، لم تبصرني فيها الشمس آكلًا... والقديس مقاريوس الإسكندري لما زار أديرة القديس باخوميوس. كان يأكل في يوم واحد من الأسبوع طوال أسابيع الصوم الكبير، وكان يطوي باقي الأيام...
ولم يقتصر صوم أولئك الآباء على طول فترات الصوم، أو طي الأيام، وإنما شمل النسك أيضًا نوع طعامهم... أبا نفر السائح كان يتغذى بالبلح من نخلة في مكان توحده، والأنبا موسى السائح كان يقتات بحشائش البرية. وكذلك كان الأنبا بجيمي السائح يشرب من الندى.
هذا الصوم الدائم كان يجعل حياة الآباء منتظمة ومستقرة على وضع ثابت، استراحت له أجسادهم، واستراحت له أرواحهم... وضع لا تغيير فيه، اعتادوه ونظموا حياتهم تبعًا له[6].
2-قد يمتنع الإنسان عن الطعام، ولكنه يشتهيه.
لذلك فليس السمو في الامتناع عن الطعام، إنما في الزهد فيه. الارتفاع عن مستوى الأكل، يوصل إلى الزهد فيه، وإلى النسك فيه، وبالتالي إلى فضيلة التجرد... بالصوم كانت الكنيسة تدرب أولادها على الزهد.. وبالزهد كانت تدربهم على ترك الدنيا والاستشهاد...
القديس الأنبا بولا أول السواح؛ عاش ثمانين سنة كسائح لم يرَ خلالها وجه إنسان، أي عاش حوالي المائة سنة وغالبية السواح عاشوا أعمارًا طويلة. ولم يكن هؤلاء نباتيين فحسب، بل كانت حياتهم كلها زهدًا. وكانت أطعمتهم زهيدة. ومع ذلك كانت صحتهم قوية...
والقديس الأنبا أنطونيوس[7] أب جميع الرهبان عاش 105 سنة، وكانت حياته صومًا مستمرًا. وكان في صحته يمشي عشرات الأميال ولا يتعب.
3-اهتم الآباء الرهبان القديسون بالصوم الكبير...
حياتهم كلها كانت صومًا. ولكن أيام الصوم الكبير كانت لها قدسية خاصة في الأجيال الأولى، حيث كانوا يخرجون من الأديرة في الأربعين المقدسة، ويتوحدون في الجبال. ولعلنا نجد مثالًا لهذا في قصة القديس زوسيما القس ولقائه بالقديسة مريم القبطية التائبة. وهكذا أيضًا نفس الاهتمام في رهبنة القديس الأنبا شنوده رئيس المتوحدين وفي كثير من أديرة أثيوبيا[8].
4-سمعنا عن أطفال قديسين كانوا يصومون.
ولعل من أمثلة هؤلاء القديس مرقس المتوحد بجبل أنطونيوس الذي بدأ صومه منذ طفولته المبكرة، واستمر معه الصوم كمنهج حياة... وكذلك القديس الأنبا شنوده رئيس المتوحدين الذي كان في طفولته يعطي طعامه للرعاة، ويظل منتصبًا في الصلاة، وهو صائم حتى الغروب وهو بعد في التاسعة من عمره... كان الصوم للكل كبارًا وصغارًا، منحهم جميعًا صحة وقوة...
وقد خلّص أجسادهم من الدهن والماء الزائدين. وهكذا حُفظت لنا كثير من أجساد القديسين دون أن تتعفن. بسبب البركة التي حفظ بها الرب هذه الأجساد مكافأة على قداستها.. هذا من جهة.
ومن جهة أخرى لأن هذه الأجساد كانت بعيدة عن أسباب التعفن، بسبب قلة ما فيها من رطوبة ومن دهن. وبالصوم لم يجد التلف طريقًا إليها[9].
الجهاد ضد الشياطين
1-يعمل الشيطان بكل قسوة، بلا رحمة.
وتظهر في محارباته للقديسين وفي المناظر المُخيفة... ففي حربه مع القديس أنطونيوس الكبير، كان يظهر له في مناظر مفزعة جدًا. وأحيانًا في هيئة وحوش مخيفة تصيح حوله بأصوات مرعبة. وفي إحدى المرات ضرب القديس بضربات شديدة مؤلمة للغاية، وتركه بين حي وميت.. والذي يقرأ سيرة القديس قرياقوس السائح، يجد أمثلة أخرى تشبه هذا النوع وأشد[10].
2-ومن وسائل اليأس التي يستخدمها الشيطان أن يغري الإنسان بمستويات أعلى منه..
يضربه ضربات يمينية، ويقنعه بمستويات لا يستطيع الوصول إليها، ويشجعه على ذلك بكل قوة.
ويُروى عن القديس الأنبا أنطونيوس، أن الشيطان أيقظه ذات ليلة لكي يصلي، فلم يقبل القديس نصيحته وقال له: أنا أصلي حينما أريد، ومنك لا أسمع شيئًا. إن الشيطان يرفع الإنسان لكي يسقطه. وإن سقط يدفعه إلى اليأس في شماتةٍ[11].
3-حينما كانت الشياطين تهجم على القديس الأنبا أنطونيوس الكبير في البرية.
كان يقول لهم: "أيها الأقوياء؟ ماذا تريدون مني أنا الضعيف؟ أنا أضعف من أن أقاتل أصغركم. فلما كانوا يسمعون هذه الصلوات المملؤة اِتضاعًا، كان ينقشعون مثل الدخان. أما في أعماقه فكانت عبارة: "ارحمني يا رب فإنني ضعيف"[12].
4-لا تخف مطلقًا من الشيطان.
فهو رغم من كل مواهبه وقوته كائن ضعيف أمام أولاد الله... ليتك تقرأ سير القديسين الذين لم يخافوا الشياطين. اقرأ عن القديس الأنبا أنطونيوس الذي كانت الشياطين تظهر له على هيئة أسود ونمور ووحوش مفترسة، تصيح بأصواتها المرعبة لتخيفه فيترك البرية، ولكنه لم يخف، وكان يجيبها بهدوء.
أو اقرأ عن القديس مقاريوس الكبير الذي نام في مقبرة وقد وضع جمجمة تحت رأسه. فكلم الشياطين صاحبة هذه الجمجمة بصوت مسموع لكي تقوم معهم. فلم يضطرب القديس، بل رفع رأسه قليلًا عن الجمجمة، وقال لها: "إن أردتِ، قومي واذهبي معهم إلى الجحيم"[13].
5-لقد قدم لنا السيد المسيح في تجسده الصورة المثالية لحياة الغلبة والانتصار، إذ كان منتصرًا في كل شيء.
لقد انتصر في كل حروب الشياطين، كما في التجربة على الجبل. وانتصر في كل حوار له مع الكتبة والفريسيين والصدوقيين، وكل قيادات اليهود. وانتصر وهو على الصليب إذ أمكنه أن يقدم فداء وخلاصًا للعالم كله وداس على الموتِ بموته. كما انتصر على الموتِ بقيامته، وانتصر على العالم أيضًا...
ويقدم لنا الكتاب وتاريخ الكنيسة أمثلة لانتصارات القديسين. القديس الأنبا أنطونيوس مثلًا، كيف انتصر على محبة المال، ووزع كل أمواله على الفقراء. وانتصر في حروب الشكوك، وفي كل المخاوف والمفزعات التي وضعها الشيطان في طريقه. وانتصر في احتمال الوحدة والفقر والنسك، وفي بقائه في البرية بلا مرشد أو أنيس لعشرات السنوات، وانتصر أيضًا في قيادته لكثيرين في هذا الطريق الملائكي حتى أصبح نورًا للعالم.
ونضع مع القديس أنطونيوس في موكب المنتصرين، كل آباء الرهبنة الكبار، والنساك والمتوحدين والسواح والعموديين. وكل صفوف هؤلاء "الملائكة الأرضيين أو البشر السمائيين" كما سماهم التاريخ... هؤلاء الذين انتصروا ثابتين في حياة الوحدة والصلاة والتأمل والموت عن العالم، والبعد عن المناصب والشهرة[14].
6-الله يحب أن يقودنا دائمًا في موكب نصرته، يريدنا في كل حياتنا الروحية أن نجاهد ونغلب.
وننتصر في الحروب الروحية فهذا الانتصار جربه الآباء السواح والمتوحدون في الجبال. عاشوا في وحدة شبه كاملة. في البراري والقفار وشقوق الجبال. ومع ذلك تعرضوا لحروبٍ شديدة جدًا من الشيطان. كما حدث للقديس أنطونيوس مثلًا: حروب بالشكوك، وبالمخاوف والمناظر المفزعة، وأحيانًا بالإيذاء، وحروب بالأفكار، وبالعثرات.
وبعض المتوحدين حوربوا بالرؤى وبالمناظر الكاذبة، والأحلام التي من الشياطين، إلى جانب حروب المللِ والضجرِ والكآبةِ، وحروب الكبرياء... وفي كل ذلك كان يرن في آذانهم قول المزمور: "يَنْصُركَ اِسْمُ إلَهِ يَعْقوبَ" (مز20: 1).[15]
الاتضاع
1-والمعروف أن الاتضاع هو أقوى الأسلحة التي ينهزم بها الشياطين..
وقد استخدمه القديس الأنبا أنطونيوس، حينما كان يقول لهم: "أنا أضعف من أن أقاتل أصغركم"... ثم يصرخ إلى الرَّب قائلًا: "أنقذني يا ربّ من هؤلاء الذين يظنون أنني شيء".[16]
2-والقديس مقاريوس الكبير كان يغلب الشيطان بالاتضاع.
ففي إحدى المرات ظهر الشيطان للقديس مقاريوس وقال له: "ويلاه منك يا مقاره"! أي شيء أنت تعمله ونحن ما نعمله؟! أنت تصوم ونحن لا نأكل. أنت تسهر ونحن لا ننام. أنت تسكن البراري والقفار ونحن كذلك. ولكن بشيء واحد تغلبنا "فسأله القديس ما هو؟" فأجاب: "باتضاعك تغلبنا".[17]
3-حقًا إن سير القديسين تطرد من نفوسنا كل محاربات الكبرياء والمجد الباطل، إن حاربنا العدو بها...
مهما انسحقنا لن نصل إلى اتضاع القديسين. هؤلاء الذين على الرغم من كل فضائلهم قيل أنهم كانوا يبكون على خطاياهم! القديس مقاريوس الكبير مؤسس الرهبنة بالإسقيط سألوه بعد رؤيته لسائحين في البرية الجوانية، فقال: "أنا لست راهبًا. ولكني رأيت رهبانًا[18]".
4-ونسمع عن القديس مقاريوس الكبير أنه طلب كلمة منفعة من الصبي زكريا!! فتعجب الصبي وقال له: "أنت يا أبي كوكب البرية ومنارها، تطلب مني كلمة أنا الصغير"؟! فأجابه القديس مقاريوس في اتضاع: "أنا واثق يا ابني بالروح القدس الذي فيك، أن عندك شيئًا ينقصني أن أعرفه"... ونسمع عن القديس مقاريوس أيضًا أنه أخذ كلمة منفعة من صبي كان يرعى بقرًا[19].
5-ومرة قال القديس الأنبا أنطونيوس: "أبصرت فخاخ الشياطين مبسوطة على الأرض كلها. فصرخت إلى الله: يا رب مَن يفلت منها؟ فأتاني صوت من السماء "المتواضعون يفلتون منها"[20].
التوبة - فحص النفس
1-التوبة الحقيقية هي ترك الخطية، بلا رجعة.
وهكذا تروي قصص القديسين الذين تابوا، مثل القديس أغسطينوس والقديس موسى الأسود، والقديسات مريم القبطية، وبيلاجية، وتاييس وسارة... إن التوبة كانت في حياة كل هؤلاء وغيرهم هي نقطة تحول نحو الله، استمرت مدى الحياة بلا رجعة إلى الخطية... ويذكرنا هذا بقول القديس شيشوي: "لا أتذكر أن الشياطين قد أطغوني في خطية واحدة مرتين".[21]
2-لقد اهتم الآباء جدًا بالدعوة إلى التوبة.
قال القديس أنطونيوس: "اطلب التوبة في كل لحظة". وقال القديس باسيليوس الكبير: "جيد ألاَّ تخطئ. وإن أخطأت، فجيد ألاَّ تؤخر التوبة. وإن تبت، فجيد ألاّ تعود إلى الخطية. وإن لم تعد، فجيد أن تعرف أن هذا بمعونة الله. وإن عرفت، فجيد أن تشكره على ما أنت فيه". وقال إسحاق السرياني: "في كل وقت من هذه الأربع والعشرين ساعة من اليوم، نحن محتاجون إلى التوبة".[22]
3-لا تؤجل التوبة ولا تضيع الفرصة لأن التباطؤ في التوبة قد يهلك الإنسان.
كل قصص التوبة في سير القديسين تتميز أيضًا بعدم التأجيل... مريم القبطية حالما أمكنها أن (تسير وتتقدم) وتتبارك من الأيقونة للحال نفذت ما عزمت عليه في توبتها، وهكذا صارت سائحة قديسة. وبيلاجية لما تأثرت بعظة القديس نونيوس، لم تتركه حتى منحها نعمة العماد[23].
4-انظروا إلى الحرارة الروحية التي تابت بها القديسة مريم القبطية، بحيث تدرجت من خاطئة تائبة إلى قديسة راهبة تنمو في النعمة، إلى أن وصلت إلى درجة السواح، واستحقت أن يتبارك منها القديس الأنبا زوسيما. كذلك الحرارة الروحية التي تاب بها أغسطينوس الشاب، حتى أصبح راهبًا وأسقفًا، وأحد مصادر التأمل الروحي الذي انتفعت به أجيال كثيرة... ويعوزنا الوقت أن نتحدث عن الحرارة الروحية التي تاب بها القديس موسى الأسود حتى أصبح من آباء الرهبنة الكبار.
والحرارة الروحية التي صاحبت توبة كبريانوس الساحر، حتى صار القديس كبريانوس رئيس أساقفة قرطاجنة ورئيسًا للمجمع المقدس الذي نظر في معمودية الهراطقة في القرن الثالث.[24]
5-القديس موسى الأسود، حينما رجع إلى الله، رجع بكل قلبه. ولم يعد إلى خطاياه الأولى مرة أخرى. بل ظلَّ ينمو وينمو حتى تحول إلى مرشد روحي وقدوة لكثيرين... ومريم القبطية وبيلاجية وأغسطينوس. وغيرهم. كل أولئك رجعوا إلى الله ولم ينفصلوا عنه مرة أخرى، إنما تقدموا باستمرار في النمو الروحي، من حياة التوبة إلى حياة القداسة[25].
6-اجلس إلى نفسك، كما كان يفعل أرسانيوس، وافحص نفسك... كان هذا القديس العظيم يفحص نفسه باستمرار، ليعلم أين هو سائر. كذلك أنت أيضًا، اهدأ إلى نفسك وافحص ذاتك، ما هي علاقتك بالله؟ أم أنت تسلك فيها بطريقة روتينية سطحية بعيدة عن محبة الله؟[26]
7-أنت محتاج أن تجلس إلى نفسك لتعرف أخطاءك.
سواء أخطاء اللسان، أو الفكر أو الحواس، أو مشاعر القلب، أو أخطاء الجسد... لتعرف أخطاءك ضد الله وضد الناس، وأيضًا ضد نفسك... اجلس يا أخي إلى نفسك وتذكر قول القديس مقاريوس الكبير: "احكم يا أخي على نفسك، قبل أن يحكموا عليك"[27].
8-إدانة النفس فضيلة، توصل إلى الاتضاع، وإلى التوبة والنقاوة، وإلى امتصاص الرغبة في الإدانة بطريقة سليمة...
وقد قال القديس الأنبا أنطونيوس: "إن دنا أنفسنا. رضى الديان عنا". كذلك إن الذي يدين نفسه، ويوبخ ذاته لكي يقّومها، هذا لا يجد دافعًا داخليًا لإدانة غيره، لأنه يشعر أنه مخطئ مثل ذاك وربما أكثر... وقال القديس موسى الأسود عن انشغال الإنسان بخطاياه، انشغالًا لا يسمح له أن يتفرغ للحديث عن خطايا غيره.[28]
الدموع
1-إن حياة الدموع كانت ميزة لأولاد الله، وليس فقط الخطاة التائبين، وإنما أيضًا كانت ميزة للقديسين الكبار... ما أجمل الكلمات التي قالها القديس مقاريوس الكبير قبيل وفاته. وكان قد شاخ، وأصبح في التسعين من عمره، وقارب الوفاة. وقد اجتمع الرهبان حوله، ليودعوه فقال لهم كلامًا كثيرًا معزيًا، اختتمه بقوله: "فلنبكِ يا إخوتي ههنا، بدلًا من أن نبكي هناك. حيث لا ينفع البكاء". وبكى. وبكى الإخوة معه[29].
2-اشتهر القديس إيسيذورس بالبكاء أيضًا...
إنه قسُ القلالي الذي كان تحت إرشاده الروحي حوالي ثلاثة آلاف راهب. وكان هو أب اعتراف القديس موسى الأسود. وكان رجل رؤى وعجائب، وكان الشياطين يخافونه ويهابونه جدًا ويهربون منه... ومع ذلك كان هذا القديس يبكي بدموع غزيرة، ويجهش بالبكاء بصوت عال.
لدرجة أن تلميذه الذي يسكن إلى جواره سمعه مرة يبكي، فدخل إليه وسأله: "لماذا تبكي يا أبي"؟ فأجابه: "أنا يا ابني أبكي على خطاياي". فقال التلميذ: "حتى أنت يا أبانا، لك خطايا تبكي عليها"؟! فأجابه القديس: "صدقني يا ابني، لو أن الله كشف لي كل خطاياي، ما كان يكفي ثلاثة أو أربعة يبكون معي عليها"!
إنها حساسية في القلب المرهف، والضمير الدقيق. يبكي لأنه أغضب الله المحب، ولأنه نزل عن المستوى الروحي اللائق به كصورة الله، ولأنه سقط وما كان ينبغي أن يسقط. ويبكي خجلًا من حاله[30].
3-القديسون يبكون طول عمرهم على خطية، أو يبكون بلا خطية ونحن نشرب الخطية مثل الماء، ولا نبكي!
لنا قلوب بدون حساسية، كأن الله الذي أغضبناه ليس عزيزًا إلينا... V ومن أمثلة الحساسية للبكاء على الخطية: القديس بفنوتيوس. كان تلميذًا للقديس مقاريوس الكبير، وخلفه في رئاسة الإسقيط. وكان قديسًا عظيمًا. منحه الله موهبة إخراج الشياطين. وكان البابا ثيؤفيلس يطلب أن يسمع منه كلمة منفعة... هذا القديس العظيم قال ذات يوم لتلميذه: "يا أولادي، حدث في إحدى المرات وأنا صبي صغير بينما كنت سائرًا في الطريق، أني رأيت خيارة على الأرض، ربما كانت قد وقعت من الجمالين، فأخذتها وأكلتها. وكلما أذكر هذه القصة أبكي"... كان ذلك قد حدث في طفولته. وقد كبر وترهب وصار أبًا لآلاف من الرهبان، ونما في القداسة جدًا. ومع ذلك يقول: "كلما أذكر هذه القصة أبكي"[31].
4-القديس أرسانيوس من القديسين الذين اشتهروا كثيرًا بالبكاء...
حتى قيل إن رموش عينيه تساقطت من كثرة البكاء. وتكَون أخدودان (حفرتان) على خده من كثرة البكاء... وكان في الصيف يبلل الخوص بدموعه. وكان يضع على ركبتيه قطعة من القماش تسقط عليها دموعه. وساعة موته بكى كثيرًا. فقال له تلاميذه: "حتى أنت يا أبانا تخاف من هذه الساعة"؟! فقال لهم: "إن فزع هذه الساعة ملازم لي منذ دخلت إلى الرهبنة".
إن كان القديس العظيم أرسانيوس يبكي هكذا، فماذا نقول نحن عن أنفسنا؟ وماذا نقول عن فزع تلك الساعة الذي كان يلازمه؟! ويلازم مَن؟ يلازم أرسانيوس العظيم مثال الوحدة والصمت في بستان الرهبان، الذي كان البابا ثيؤفيلس يشتهي أن يقابله. وكان القديسون يقولون له: "لماذا تهرب منه يا أبتاه"؟! فيجيب: "يعلم الله أنني أحبكم جميعًا. ولكنني لا أستطيع أن أتكلم مع الله والناس في نفس الوقت"... أرسانيوس العظيم الذي كان يقف للصلاة وقت الغروب والشمس وراءه، ويظل واقفًا يصلي حتى تشرق أمامه من جديد مقضيًا الليل طوله في الصلاة.
أرسانيوس المتضع، معلم أولاد الملوك، الذي كان يستشير ذلك المصري الأمي، ويقول له إنه لم يعرف بعد ألفا فيتا (أول حروف اللغة القبطية) التي يتقنها ذلك المصري. بل يقول أيضًا أنه تعلم اللاتينية واليونانية، ولكنه لم يعرف بعد كيف ينقي الفول مع رهبان الإسقيط.
أية خطايا فعلها القديس أرسانيوس حتى يبكي ويفزع من تلك الساعة؟! هل بعد كل هذا نسرع نحن إلى العزاء والفرح من مبدأ الطريق. ونتباهى بأن خطايانا قد غفرت؟! ونبحث عن المواهب؟! ونطالب بنصيبنا في الميراث؟! وننسى أنفسنا!!
إن الدموع تحتاج إلى تواضع القلب، ويناسبها جدًا أن يعرف الإنسان ذاته، ويحاسب نفسه ويلومها... قيل إنه لما حانت وفاة القديس، أن البابا ثيؤفيلس قال: "طوباك يا أنبا أرساني، لأنك بكيت طول حياتك من أجل هذه الساعة".. وعندما سمع أنبا بيمن أن القديس أرسانيوس قد تنيح، قال: "طوباك يا أنبا أرسانيوس لأنك بكيت على نفسك في هذا العالم"[32].
5-سأل الأنبا نوح القديس مقاريوس: "قل لي كلمة منفعة" فقال له الشيخ: "اهرب من الناس". فسأله الأنبا نوح: "ماذا تعني يا أبي بأن أهرب من الناس"؟ فقال له الشيخ: "اجلس في قلايتك واِبكِ على خطاياك"[33].
حياة التسليم
1-حياة التسليم هي أن تسلم الله حياتك تضعها في يديه، وتنساها هناك. وتثق من كل قلبك أنه يدبر حياتك حسنًا، حسب مشيئته الصالحة الطوباوية.. وبحياة التسليم عاش آباؤنا الرهبان السواح بدون أية معونة بشرية.. عاشوا تائهين في البراري والقفار. ومرت على الكثيرين منهم عشرات السنوات لا يرون فيها وجه إنسان. ومع ذلك كانوا سعداء بحياتهم التي سلموها للرب. ورأوا ورأت الأجيال كيف كان الله يعولهم روحيًا وماديًا في حياة التسليم التي عاشوها[34].
2-إن الذي يحيا حياة التسليم، لا يهتم، لا يحمل همًّا.
إنه قد ألقى على الله همومه، منذ أن سلمه حياته بكل ما فيها، ولم يعد يحمل همًّا بعد ذلك... إن الذي يهتم بالكل، يهتم به أيضًا... ما دام أبوكم السماوي يعلم جميع احتياجاتكم، وما دام هو يرعاكم فلا يعوزكم شيء، إذًا لماذا تهتمون؟!
القديس مقاريوس الكبير لما تعب في البرية في الطريق قال: "أنت تعلم يا رب أنه ما بقيت فيَّ قوة". وللحال وجد نفسه في الإسقيط... إن روح الله الذي قاد الآباء قديمًا قادر أيضًا أن يقودك. إن سلمته حياتك... إن الذين عاشوا حياة التسليم، اختبروا الرب وذاقوه وتقوى إيمانهم بالأكثر لكي يدخلوا درجة أعمق في حياة التسليم[35].
3-هوذا أنا هكذا يا رب أتدخل باستمرار فيما لا يعنيني!!
لست أقصد التدخل في شئون غيري من الناس، كيف يتصرف. وكيف تتصرف أنت معه – ولو أنني أقع كثيرًا في هذا الخطأ – وإنما أقصد تدخلي في شئون نفسي. بينما هي أمور لا تعنيني أنا بقدر ما تعنيك أنت!
نفسي ليست ملكي، وإنما هي ملكك، اشتريتها بدمك الكريم فأصبحت لك. وليس لي بعد أن أتدخل في شئونها، لأنك أنت تدبرها حسب مشيئتك الصالحة الطوباوية. عليَّ إذًا أن أنظر وأمجدك... متى يأتي الوقت الذي لا أتدخل فيه في شئون نفسي، وإنما أتركها لك: حيثما تسيرني أسير، وكيفما تصيرني أصير؟ متى أرضَ بحالتي التي ارتضيتها أنت لي، فلا ألحُّ عليك في تغييرها كأنك غافل عن صالحي؟! متى تتحول صلاتي من طلب إلى شكر؟ أو متى أبحث عن شيء أطلبه فلا أجد، لأني لست أجد شيئًا خيرًا لي الآن مما أنا فيه؟
متى يأتي الوقت الذي يصبح فيه عملي الوحيد هو ألاَّ أعمل شيئًا، وإنما أترك نفسي في يديك وأنساها هناك، ولا أذكر إلاَّ هاتين اليدين اللتين جبلتاني وصنعتاني واللتين كنت تضعهما على كل واحد فتشفيه[36].
الهدوء والسكون
1-مما يساعد على الهدوء الداخلي والهدوء الخارجي...
هدوء المكان، وهدوء البيئة، والبعد عن المؤثرات المثيرة... لذلك فإن الرهبان الذين يعيشون في هدوء البرية، بعيدًا عن الضوضاء، وعن صياح الناس، وعن إثارات الأخبار والأحداث، هؤلاء يكون تفكيرهم أكثر هدوءًا. وتكون قلوبهم وأعصابهم هادئة ويكونون في الغالب قد اعتادوا الهدوء.
وحياة الوحدة والانفراد، تجلب الهدوء عمومًا، بسبب هدوء الحواس. لأن الحواس هي أبواب الفكر كما يقول القديسون. فما تراه وما تسمعه وما تلمسه، يجلب لك فكرًا. فإن استراحت حواسك من جمع الأخبار، استراحت نفسك من الأفكار[37].
2-من هدوء القلب، ينبع هدوء الفكر...
الفكر الهادئ المتزن، الذي يعمل بغير اضطراب ولا قلق، فيفكر الإنسان بعيدًا عن صخب الانفعالات... وهذا الهدوء الفكري يساعد على الوصول إلى الحكمة. وهدوء الفكر يساعد على هدوء الحواس.
من أجل هذا سعى آباؤنا إلى حياة السكون، شاعرين أنه بهدوء الجسد يقتني هدوء النفس. ما أجمل قول الكتاب: "بِالرُّجُوعِ وَالسُّكُونِ تَخْلُصُونَ. بِالْهُدُوءِ وَالطُّمَأْنِينَةِ تَكُونُ قُوَّتُكُمْ" (إش30: 15)[38].
3-أما قصص هدوء القديسين في حياتهم، فهي عجيبة وطويلة... منها الهدوء الذي عاشه الآباء في البرية. هدوء الطبيعة العجيب، وهدوء النفس من الداخل، وهدوء الفكر في تأملاته.. بل أيضًا الهدوء الذي قابلوا به حروب الشياطين، بدون خوف ولا اِنزعاج... والهدوء الذي سلكوا به في معاملاتهم، حتى أنهم "ملائكة أرضيون أو بشر سمائيون"... وذلك بفضل حياة الوداعة التي اتصفوا بها، وهدوء الطبعِ الذي لا يثور ولا يغضب مهما كانت العوامل الخارجية ضاغطة عليه، ومهما تعرض لإهانات أو اتهامات باطلة.
ما أعجب هدوء القديسة مارينا كمثال..
حيثُ اُتهمت بأنها زنت – كرجل – وأنجبت ابنًا من فتاة مثلها! كيف تقبلت التهمة في هدوء، دون أن تدافع عن نفسها! وكيف قضت فترة توبة عن خطية لم ترتكبها. كل ذلك دون أدنى شكوى أو تذمر! وبالمثل القديسة التي كانوا يسمونها (الهبيلة) في أيام القديس الأنبا دانيال... كيف احتملت الإهانات المستمرة بكل هدوء، وبفرح، كأكاليل مجدٍ على رأسها[39].
4-هناك أشخاص أجسادهم غير هادئة، لا تستطيع أن تستقر في مكان واحد.
تريد أن تروح وتجيء، وتخرج وتدخل، وتقوم وتقعد، حتى البيت لا تستقر فيه كثيرًا. وإنما لا بد من الزيارات والفسح، ونزهة الجسد، والانتقال من مكان إلى آخر.. هؤلاء لهم طياشة في الجسد.. بعكس الرهبان الذين يتدربون على هدوء الجسد. فيستطيع الراهب المتوحد أن يمكث في قلايته أيامًا وأسابيع لا يخرج منها ولا يتحرك إلا لضرورة. وإن تحرك فيكون ذلك لعمل نافع.
5-الأصوات العالية تزعج الهدوء...
وصخب الأصوات في المدينة، يفقد أهلها هدوء الحواس.. وحتى في أحاديث الناس العادية. هناك من يتحدثون في هدوء، فلا تسمع لهم صوتًا. وغيرهم يتكلمون فيسببون ضوضاء تفقد المكان هدوئه... ومحبو الهدوء لا يستريحون إلى الصوت العالي ولا إلى الحاد، إذ ذلك يزعج حواسهم... القديس المتوحد الأنبا أرسانيوس، لما سمع صوت بوص تحركه الريح. قال: "ما هذا الزلزال؟!" لأن أذنيه تعودتا على الجو الهادئ[40].
6-وآباء البرية كانوا يعيشون في هدوء البرية. وهكذا عاشوا هادئين. لا توجد أسباب خارجية تثيرهم أو تزعجهم. لذلك كانت نفسياتهم هادئة. ولهم هدوء في الفكر والقلب، وطول أناة في معالجة الأمور، وكانوا يقدمون نصائح هادئة لمن يسترشد بهم. ووضعوا أمامهم ذلك المبدأ الرهباني: بهدوء الجسد نقتني هدوء النفس. والذي ما كان يجد هدوءًا كافيًا في المجامع الرهبانية، كان يلجأ إلى الوحدة في سكنىّ الجبال والمغارات، ويحيا بحواسٍ هادئة ومشاعر هادئة.
وهكذا فإن بعض الآباء يسمون حياة الرهبنة (حياة السكون)... وكان الآباء يفضلون هدوء الليل على ضجيج النهار. وتكون صلواتهم في الليل الهادئ، أكثر عمقًا وتأملًا مما في النهار الصاخب. حتى أن مار إسحاق يقول: "الليل مفروز لعمل الصلاة"[41].
7-إن كل إنسان في الدنيا، مهما تعمق في الحياة الروحية.. هو محتاج إلى فترات هدوء، يجلس فيها إلى الله، وإلى نفسه.. يهدأ بعيدًا عن المشغوليات، وبعيدًا عما تجلبه الحواس من أفكار.. وفي هدوء يأخذ من الله.
وأيضًا يفحص ذاته، ويأخذ من أعماق أعماقه، حيث يسكن الله أيضًا... هذا أول ما يجذبنا في الحياة العميقة التي عاشها قديسنا الأنبا أنطونيوس... وحياة السكون هذه، لها دلالتها الروحية الكثيرة: فليس كل إنسان يستطيع أن يحيا حياة السكون في البرية.
وإن استطاع ذلك بضعة أيام أو أسابيع، فلا يستطيع أن يحيا في البرية العمر كله، إلاَّ إن كانت له دوافع روحية راسخة، كما كان للقديس أنطونيوس[42].
ولما عاش القديس أنطونيوس في حياة السكون، دخل السكون إلى قلبه أيضًا، وكما قال مار إسحاق: "بسكون الجسد، تقتني سكون النفس"... هدأت حواسه، وهدأت أفكاره، وهدأ قلبه من الداخل، وهدأت ملامحه أيضًا، وصار مصدرًا للسلام لكل من يتصل به. أحب الناس هذه الحياة الهادئة الساكنة المملؤة بالسلام[43].
[1] من كتاب: كلمة منفعة الجزء الثاني 1980م
[2] من كتاب: السهر الروحي، 1982م
[3] من كتاب: الروح القدس وعمله فينا، 1991م
[4] المرجع السابق
[5] من كتاب: الوسائط الروحية 1992م
[6] من كتاب: روحانية الصوم 1983م
[7] المرجع السابق.
[8] من كتاب: روحانية الصوم 1983م
[9] من كتاب: روحانية الصوم 1983م
[10] من كتاب: حروب الشياطين الكتاب الأول 1984م
[11] من كتاب: حروب الشياطين الكتاب الأول 1984م
[12] من كتاب: يا رب لا تبكتني بغضبك 1995م
[13] من كتاب: حروب الشياطين الكتاب الأول 1984م
[14] من كتاب: الإنسان الروحي 1992م
[15] من كتاب: يستجيب لك الرب 1981م
[16] من كتاب: حياة التوبة والنقاوة 1983
[17] من كتاب: حروب الشياطين الكتاب الأول
[18] من كتاب: الوسائط الروحية 1992م
[19] من كتاب: التلمذة 1987م
[20] من كتاب: تأملات في العظة على الجبل 1986م
[21] من كتاب: حياة التوبة والنقاوة 1983م
[22] من كتاب: حياة التوبة والنقاوة 1983م
[23] من كتاب: حياة التوبة والنقاوة 1983م
[24] من كتاب: الروح القدس وعمله فينا
[25] من كتاب: الرجوع إلى الله 1982م
[26] من كتاب: الله وكفى
[27] من كتاب: الوسائط الروحية
[28] من كتاب: إدانة الآخرين 1987م
[29] من كتاب: تأملات في العظة على الجبل
[30] من كتاب: حياة التوبة والنقاوة
[31] من كتاب: تأملات في العظة على الجبل
[32] من كتاب: الدموع في الحياة الروحية 1990م
[33] المرجع السابق
[34] من كتاب: معالم الطريق الروحي 1987م
[35] من كتاب: معالم الطريق الروحي 1987م
[36] من مقال: اتركيني الآن. بكتاب انطلاق الروح الطبعة الخامسة 1982م
[37] من كتاب: كلمة منفعة الجزء الأول الطبعة الخامسة 1985م
[38] من كتاب: كلمة منفعة الجزء الثاني 1980م
[39] من كتاب: الهدوء 1987م
[40] من كتاب: الهدوء 1987م
[41] من كتاب: الهدوء 1987م
[42] من كتاب: تأملات في حياة القديس أنطونيوس
[43] من كتاب: تأملات في حياة القديس أنطونيوس
في تدبير الفكر
في تدبير الفكر
يتميز قداسة البابا شنوده الثالث في تعاليمه عن "الفكر وتدبيره روحيًا"، بقدرة فائقة على التحليل، والدراسة العميقة، والفهم الدقيق لكل أبعاد البعد الفكري عند الإنسان. وهذا يساعد على التبصر الواعي لدور الفكر وأهميته ومقوماته في الحياة الروحية والإنسانية والاجتماعية... فيكتب قداسته عن:
الحكمة والإفراز
1-سُئل القديس الأنبا أنطونيوس. ما هي أعظم الفضائل؟
فأجاب: "الإفراز هو بلا شك أعظم الفضائل"... ومعنى الإفراز هو أن يفرز الإنسان الحقَّ من الباطل، ويميز الخير من الشر.. لأن كثيرًا من الناس يصومون، ويصلون، ويعترفون ويتناولون، ويقرأون الكتاب المقدس، ومع ذلك يفشلون في حياتهم الروحية، لأنه ليس لديهم إفراز... أي أنهم يمارسون كل ذلك بلا حكمة، بلا فهم، بلا تمييز...[1]
2-القديس الأنبا أنطونيوس في بدء رهبنته واسترشاده بالنساك، كان كالنحلة التي تمتص عصيرًا من كل زهرة.
كثيرون يطلبون الحكمة من إنسان واحد، ويصبحون صورة كربونية منه. أما القديس أنطونيوس فكان يتعلم من شخص النسك، ومن آخر الصلاة، ومن الثالث اتضاع القلب، ومن الرابع البشاشة، ومن الخامس المعرفة... وهكذا.[2]
3-وكان الأنبا أنطونيوس يحب الإفراز، أي الحكمة والتمييز والمعرفة. في إحدى المرات سأله أولاده عن الفضيلة العظمى في الرهبنة. فقال لهم: "إنها الإفراز". لأن كثيرين صاموا وأضروا أنفسهم بصومهم، وكثيرين صلوا وفشلوا في صلواتهم، بسبب عدم الإفراز. وله عظة عن الإفراز في بستان الرهبان. ذلك لأن الشخص الذي يقتني الإفراز والتمييز، يستطيع أن يميز بين النافع والضار، واللائق وغير اللائق. لذلك اهتم الأنبا أنطونيوس بفضيلة الإفراز. وهو أيضًا كانت له هذه الفضيلة. ولم يكن يفرح بالأراء بقدر ما كان يفرح بالعمل الروحي الفاضل، وبخاصة الباطني منه.
في إحدى المرات زاره بعض الرهبان، وسألهم رأيهم في تفسير آية معينة، فأبدى كل منهم وجهة نظره، وكان الأنبا يوسف معهم فبقى صامتًا، فسأله القديس الأنبا أنطونيوس عن رأيه في تفسير الآية، فأجاب: "صدقني يا أبي أني لا أعرف"... وهنا قال له الأنبا أنطونيوس: "طوباك يا أنبا يوسف، لأنك عرفت الطريق إلى كلمة لا أعرف[3]".
4-ونتعلم الحكمة من سير آباء البرية، حتى من الشبان الذين فيها.
أمثال: القديس يوحنا القصير، الذي قيل أن الإسقيط كله كان معلقًا بأصبعه. ومثل تادرس تلميذ باخوميوس. ومن حكمة الشيوخ مثل الأنبا أغاثون والأنبا إيسيذورس وغيرهم... إن حكمة الآباء كنز لمن يتعلم[4].
5-بعض الناس يقرأون وينفذون ما يقرأونه حرفيًا، ثم يتعبون نتيجة ذلك، وكثيرًا ما تحدث لهم نكسة... مثال ذلك من يقرأ بستان الرهبان، وينفذ ما فيه حرفيًا وينسى شيئين:
-أن البستان سجل درجات عالية وصل إليها الآباء بجهاد طويل. وهذه الدرجات ليست للمبتدئين.
-أن البستان سجل نصائح قالها الآباء لأشخاص معينين، ربما حالتهم غير حالتك أنت... وربما كان الأب القديس يأتيه أخ فينصحه بنصيحة. ويأتي أخ آخر، فيقول له نصيحة أخرى تناسبه... فلم يكن لهم إرشاد واحد يقولونه للكل.
ضبط الفكر
1-الإنسان الروحي يضبط أفكاره..
فلا يترك عقله يسرح في أي فكر ولا يقبل أي فكر خاطئ يأتي إليه، بل يطرده بسرعة، ولا يتساهل أبدًا معه.. بل لا يكتفي بضبط الفكر ومنعه من الخطأ. إنما بالأكثر يشغل عقله بأفكار روحية نقية. حتى إذا جاء الشيطان ليحاربه بفكر رديء، يجد عقله منشغلًا بتأمل روحي وغير متفرغ له. ويستطيع الجو الروحي الذي في عقله، أن يمنع أي فكر خاطئ من الاقتراب إليه... كحصن حصين...
ولما كانت الحواس هي أبواب الفكر. لذلك فالإنسان الروحي يضبط حواسه، لكي يضبط فكره. فهو يحفظ عينيه، ويحفظ سمعه. وإن وصل إلى حواسه شيء يجلب الفكر، يخليه خارجًا بسرعة... يلجأ إلى سياسية الإحلال. فيضع فكرًا بدلًا من فكر. كما كان القديس يوحنا القصير يفعل. إن سمع شيئًا غريبًا. أو كما قال الأنبا أور لتلميذه: "انظر يا ابني، لا تدخل هذه القلاية كلمة غربية".[5]
2-من مقاييس نقاوة القلب. النقاوة من الأفكار والظنون.
قال أحد القديسين: "ليست فقط أعمالك الخارجية هي التي تظهر حقيقتك، إنما بالأكثر أفكارك وظنونك، وهكذا حسب حالة القلب، تكون الأفكار والظنون.. فالإنسان ذو القلب النقي. دائمًا تكون أفكاره نقية، ولا يظن السوء. وعلى قدر إمكانه يأخذ الأمور ببراءة وطهارة[6].
التأمل
1-التأمل هو الدخول إلى العمق، سواء في عمل الفكر، أو في عمل الروح... وهو تفتُح العقل والقلب والروح لاستقبال المعرفة الإلهية من فوق، أو من داخل الإنسان، من روح الله الساكن فيه. والتأمل يناسبه السكون والهدوء. والبعد عن الضوضاء التي تشغل الحواس، وبالتالي تشغل العقل وتبعده عن عمل الروح منه... وهناك مجالات كثيرة للتأمل في الكتاب المقدس، أو في الصلاة والتراتيل والألحان. أو التأمل في الخليقة والطبيعة. أو في السماء والملائكة. وفي الموت والدينونة وما بعدها. وهناك تأمل في الأحداث وفي سير القديسين. وفي الفضيلة عمومًا وتفصيلًا[7].
2-إذا تأملت حياة القديسين الذين أحبوا الله، لا بد ستحبه مثلهم. وبخاصة إذا تأملت الدالة العجيبة التي كانت بينهم وبين الله، وكيف منحهم الرب مكانة سامية، واعتبرهم كأصدقاء الله، ويأتمنهم حتى على أسراره...
سير القديسين ترفع القارئ إلى مستوى روحي عال.
مستوى أعلى من المادة ومن العالم. وأسمى من الجسد ومن الخطية. فتطرح العالم خارج القلب، لكي يسكن الله فيه. وهي غذاء روحي للنفس، كما قال مار إسحاق: "شهيةٌ هي أخبارُ القديسين، مثل المياه للغروسِ الجدد"[8].
3-نتأمل كيف انتقل كثير من هؤلاء القديسين من عالمنا الفاني، وما كان بعد ذلك...
روح الأنبا أمون، وكيف رآها القديس الأنبا أنطونيوس، والملائكة تحملها في تهليل... القديس الأنبا كاراس السائح وكيف حضر قديسون لاستقبال روحه. وأنشد له دواد مزموره: "ارْجِعِي يَا نَفْسِي إِلَى رَاحَتِكِ، لأَنَّ الرَّبَّ قَدْ أَحْسَنَ إِلَيْكِ" (مز116: 7)... كل أولئك أحبوا الله، فجعل ساعة وفاتهم ساعة فرح. وبعضهم أخبره الرب بوقت انتقاله... ومن أمثلة ذلك بعض الآباء السواح كما في قصة آبا نفر، والقديس سيداروس المتوحد وآخرون.. كذلك قصة القديسة مريم القبطية[9].
4-تأملوا أيضًا ما قيل عن القديسين: "لَمْ يَكُنِ الْعَالَمُ مُسْتَحِقًّا لَهُمْ" (عب 11: 38)...
قيل أن الأرض لم تكن مستحقة أن يَدوسوها بأقدامهم. ومن أجل صلواتهم كان الله يُنزل المطر على الأرض كانوا صورة الله على الأرض، أو أنهم عادوا إلى الصورة الإلهية التي خُلق بها الإنسان الأول. فكان كل مَن يراهم، يحب أن يبقى معهم، لكي يتمتع بنفوسهم الشفافة التي تظهر حياة الله داخلهم[10].
قراءة سير القديسين
1-قراءة سير القديسين من أهم الوسائط الروحية التي تستخدمها النعمة لتنمية علاقتنا مع الله.
إشعال محبتنا له ولملكوته. وهي تقدم لنا التنفيذ العملي للمبادئ الروحية. ربما تبدو لنا كثيرٌ من الوصايا والتعاليم وكأنها مبادئ نظرية، ولكننا نراها في سير القديسين في الواقع العملي. منفذة بصورة واضحة وفي ظروف مناسبة لها. وهكذا تُرينا سير القديسين أن وصايا الرب سهلة وممكنة، وليست مثاليات نظرية[11]...
2-لقد سمح الله أن يقدم لنا هؤلاء القديسون أمثلة عالية في كل فضيلة من الفضائل بلا استثناء. وبطريقة مذهلة حقًا، تدعو إلى الإعجاب الشديد بروحانية أولئك الأبرار، حتى وكأنهم كانوا ملائكة أرضيين، ارتفعوا فوق مستوى المادة والجسد، وعاشوا بالروح مع الرب، في حياة نصرة كاملة على كل حروب العدو. فما عمله القديسون، هو ما عمله روح الله فيهم. أترانا نقرأ عنه أم عنهم في هذه السير؟![12].
3-لقد كان لسير القديسين تأثير عميق في الجميع على مدى الأجيال.
فقصة حياة القديس الأنبا أنطونيوس التي كتبها القديس أثناسيوس الرسولي، كان لها تأثير عجيب في أهل رومة، حتى كانت سببًا في انتشار الرهبنة هناك. ولما قرأها القديس أغسطينوس تأثر بها جدًا، وقادته إلى التوبة... كذلك فإن تأثير سير الرهبان في برية شيهيت، جذب إليهم السواح من كافة البلاد، ليروا هؤلاء الذين عاشوا على الأرض وكأنهم في السماء.. فجاءوا إليهم، ليسمعوا من أفواههم كلمة منفعة، وكتبوا قصصهم أو بعضًا منهم، فحفظها التاريخ[13].
4-هؤلاء القديسين وهبهم الله عيونًا مفتوحة، ترى ما لا يُرى.
كما طّوب السيد المسيح تلاميذه قائلًا: "طُوبَى لِعُيُونِكُمْ لأَنَّهَا تُبْصِرُ" (مت 13: 16). الرؤى التي رآها قديسو الله عبر العصور.
سواء ما سجلها الكتاب مثل رؤى دانيال وحزقيال ويوحنا الحبيب، أو ما وردت في تاريخ الكنيسة وهي لا تدخل تحت حصر، يعلن بها الرب إرادته لمحبيه، ويكشف لهم عن أمور مستقبلة، ويقويهم بها ويعزيهم... أسأل عن ذلك أيها القارئ العزيز: القديس الأنبا أنطونيوس، والقديس الأنبا بيشوي، والقديس الأنبا بولس البسيط، وغيرهم الكثير...
حينما نقرأ عن كل هذا، ألاَّ تشتاق أن يعلن لك الله مثلهم؟ وكيف يعلن لك إن لم تحبه وتحيا في نقاوة القلب. وحينئذ لا ترى فقط رؤى. إنما كما يقول الرب في التطويبات: "طُوبَى لِلأَنْقِيَاءِ الْقَلْبِ، لأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ اللهَ" (مت 5: 8)... "يعاينون الله"؟! هذا مجد عظيم يا رب لا نستحقه... يوحنا الحبيب أبصر شيئًا من مجده، والأنبا بيشوي رآه وغسل قدميه[14].
5-شهيةٌ هي أخبار القديسين، مثل الماء للغروس الجدد...
إنها غذاء روحي لا يستغنى عنه أحد، يجلب لنا الشعور بمحبة الله، ومحبة طرقه التي تؤدي إلى الملكوت... وتجعلنا أيضًا نحب الفضيلة، ونحب أولئك الأبرار، ونتخذهم لنا آباء وشفعاء، ونحرص أن نعمق علاقتنا بهم، وكأنهم أحباء يعيشون معنا على الأرض، نتحدث إليهم ونطلبهم... إن الذي يقرأ سير القديسين، يصير على الدوام في تغير مستمر، إلى أفضل: أسلوبه يتغير، كلامه يتغير، معاملاته تتغير. محاولًا أن يصل إلى تلك الصورة عينها[15].
بهذه النصوص من كتابات قداسة البابا شنوده الثالث يمكن أن ندرك مدى العمق الذي يكتب به قداسته، مختبرًا أبعاد الحياة النسكية من أجل الحياة الروحية، وكيف يعيش الآباء القديسين في حياته مرتبطًا وملتزمًا بالمنهج الإنجيلي في حياتهم الرهبانية من نسك وزهد وجهاد وتعب وسهر... فيا ليتنا نقرأ. لندرك، ونفهم، ونحيا، ونذوق، فنكون مع المسيح... فذاك أفضل جدًا.
[1] من كتاب: معالم الطريق الروحي
[2] من كتاب: معالم الطريق الروحي
[3] من كتاب: تأملات في حياة القديس الأنبا أنطونيوس
[4] من كتاب: الوسائط الروحية
[5] من كتاب: الإنسان الروحي
[6] من كتاب: حياة التوبة والنقاوة
[7] من كتاب: الوسائط الروحية
[8] من كتاب: المحبة قمة الفضائل
[9]من كتاب: المحبة قمة الفضائل
[10] من كتاب: المحبة قمة الفضائل
[11] من كتاب: الوسائط الروحية
[12] من كتاب: الوسائط الروحية
[13] المرجع السابق
[14] من كتاب: المحبة قمة الفضائل
[15] من كتاب: الوسائط الروحية
في تدبير الإرادة
الحياة الرهبانية السليمة وكيف يعيش الرَّاهب فيها؟[1]
الهدف
لا بد أن يكون للرَّاهب هدف سليم في مجيئه للرهبنة أو تصحيح هدفه إلى هدف سليم بعد دخوله للرهبنة.. ولكن لا بد أن يستقر على هدف سليم.
الهدف السليم في الرهبنة هو: التفرغ للجلوس مع الله والثبات في محبة الله.. الهدف السليم الأصلي للرهبنة حياة السُّكون، وحياة الوحدة، وحياة الصلاة، وحياة التوبة.
يوجد أناس يتخيَّلون أن النمو في الحياة الرهبانية، هو فقط النمو في حياة الوحدة.. يرتقي من إنسان في مجمع إلى إنسان يحبس في قلايته، ويتدرج إلى أن يصل من الحبس داخل القلاية، إلى الحبس خارجها، إلى الحبس في المغارة، إلى.. إلخ.
لكن في الحقيقة ليس هذا الهدف الوحيد في الرهبنة، توجد أهداف داخل الرَّهبنة هي أهداف في نقاوة القلب، لأنه ربما يكون إنسان عايش في وحدة ولكنه لم يصل إلى نقاوة القلب بعد!!
في تاريخ الرهبنة نجد آباء نبغوا في فضيلة الصمت مثل القديس أرسانيوس مثلًا، أو أناسًا نبغوا في فضيلة الدموع والتوبة على خطاياهم مثل أرسانيوس وموسى الأسود. وأناسًا نبغوا في فضيلة الاتضاع والاحتمال مثل القديسة الهبيلة، وأناسًا نبغوا في فضيلة المحبة وخدمة الآخرين مثل موسى الأسود. وأناسًا نبغوا في فضيلة الصلاة الدائمة مثل القديس مكاريوس الإسكندراني، أو مثل كثير من الآباء السواح.
وأناسًا نبغوا في الاتضاع مثل القديس تادرس تلميذ الأنبا باخوميوس.. كُلّ واحد أخذ فضيلة من الفضائل وسار فيها على قدر طاقته.
وقيل عن القديس الأنبا بيشوي إنه كان كل فضيلة يُتقنها ويعرفها الناس عنه، يتحول إلى فضيلة أخرى يركز فيها جهده حتى لا يُعَرف عن فضائله أمام الناس، المهم أن الرهبنة كانت بالنسبة لكل هؤلاء حياة الفضيلة عمومًا حياة نقاوة القلب من الداخل.
إنسان تنكشف له أخطاؤه ويحاول أن يقاوم هذه الأخطاء واحدة فواحدة حتى ينتهي منها ومن أجل هذا السبب قيل عن الرهبنة إنها حياة التوبة، أي إنسان يبدأ يتوب ويتَتَبّع أخطاءه ويعُالج هذه الأخطاء.. هذا الإنسان الذي يسلك في حياة التوبة في الرهبنة لا يتضايق أبدًا إذا وبخه أحد بل بالعكس يفرح أن موبخه يكشف له أخطاءه ليتركها فلا يتضايق لأنه سالك في حياة التوبة.
هؤلاء الذين سلكُوا في حياة التوبة في الرهبنة كانت لهم موهبة الدموع أيضًا من أجل خطاياهم، بالطبع هناك دموع في الرهبنة تأثر بالحب الإلهي.. ودموع في الرهبنة من قلب حساس أقل كلمة تُسمع تُثير دموعه.. وهناك دموع توبة كما قيل: "اجلس في قلايتك وابكِ على خطاياك".. مَن منَّا يضع أمام نفسه أن يجلس في قلايته ويبكي على خطاياه؟
لعل من الذين ظهروا في حياة التوبة في الرهبنة بأسلوب واضح القديس الأنبا شيشوي الذي يُسمونه أحيانًا القديس "صيصوي".. حتى ساعة خروج روحه من جسده كان يطلب فرصة أخرى ليتوب.. القديس الأنبا شيشوي سَكن في البرية الشرقية في جبل أنطونيوس في وقت من الأوقات.
إذًا من أهداف الرهبنة الداخلية حياة التوبة وتنقية القلب واكتشاف الضعفات ومتابعة هذه الضعفات لكي يتركها الإنسان ومثل هذا الإنسان لا يتعب من التوبيخ بل يفرح به... وأيضًا تكون له موهبة الدموع، وأيضًا يكون إنسان متُضع كإنسان تائب كما يقول في الرهبنة: "هذا أبرّ مني وهذا أقوى مني وهذا أنقى مني و..." ويرى جميع الناس أفضل منه لأنه سالك في طريق التوبة. فحياة التوبة تعُطيه الاتضاع، وبالطبع مع حياة التوبة لا يغضب من الناس لأنَّ نفسه مكسورة في داخله، ودائمًا الغضب من الناس مصحوب بكبرياء في القلب لأن الكبرياء الذي داخل القلب يجعل الإنسان يثور لكرامته ولما يثور لكرامته يغضب.
لكن الإنسان التائب هو إنسان متضع كلما قيل له شيء يرى أن حقيقته أصعب ممّا قيل له، يقول كما قال القديس الأنبا موسى الأسود لما طُرِد من البابا ثاؤفيلس أثناء رسامته قال: "حسنًا فعلوُا بك يا أسود اللون يا رمادي الجلد ما دمت لست بإنسان فلماذا تقف وسط الناس؟" أي كان يوبخ نفسه ولا يغضب مطلقًا حتى من الذين طردوه رغم أنهم هم الذين دعوه.
فنستطيع أن نجمل الأهداف التي يجاهد فيها الراهب في المبادئ الآتية...
أولًا: الرهبنة والوحدة
1- أهداف الرهبنة ليست فقط الوحدة. صَدَّقوني يا إخوتي أن الوحدة في الرهبنة بدون توبة، لا قيمة لها على الإطلاق... الوحدة لا توصل إلى ملكوت الله لكن التوبة توصل إلى ملكوت الله فإذا اجتمع الاثنان معًا فهذا جيد. أي أن الوحدة جميلة جدًا بالتوبة لكن بدون التوبة ليس لها قيمة... فالإنسان في الرهبنة حتى لو لم يكن في الوحدة بدلًا من أن يثور يقول بإمكاني أسلك في التوبة وأنا وسط المجمع.
2- حياة المجمع تُساعد على التوبة أكثر من حياة الوحدة... كيف؟ أحد الإخوة ذهب إلى راهب شيخ وقال له: "أنا أعيش في الراحة وخطايا كثيرة لا تتعبني"... هو يعيش في الوحدة، فقال له الراهب الشيخ: "ذلك يا ابني لأنك عايش في الوحدة ولا تأتيك محاربات، لكن اذهب إلى المجمع وعش في وسط الرهبان وهناك لا ترى أن لك سلطان إلاَّ على عصاك" أي ليس لك سلطان إلا على عصاك التي تتوكأ عليها، لماذا؟ لأنه سيخضع نفسه للمتاعب التي في المجمع، ويحتملها ويظهر هل هو بالفعل نقي القلب من داخله أم غير نقي؟
3- اكتشف ما هي أخطاؤك؟
أهم شيء عندنا في الرهبنة.. رقم واحد في الرهبنة أنك تكتشف أخطاءك... كثير من الرهبان يكتشفون أخطاء زملائهم لكن لا يكتشفون أخطاءهم، وربما حديثه عن أخطاء الآخرين ينسيه أخطاءه هو، القديس موسى الأسود لم يكن كذلك كان يقول: "هذه خطاياي وراء ظهري تجري وأنا لا أراها وقد جئت لأدين أخي"... كان يفكر في خطاياه دائمًا.
4- في إحدى المرات كان الأنبا بيصاريون جالسًا في مجمع الرهبان وكانوا يحكمون على راهب فطردوه من المجمع، فقام القديس الأنبا بيصاريون وخرج وقال: "ما داموا يطردون الخطاة فسأخرج أنا أيضًا لأني خاطئ مثله".
الإنسان الذي يُفكر في خطاياه يحيا حياة التوبة وأوَّل شيء عندنا في الرَّهبنة نفحص أنفسنا، نعرف ضعفاتنا، نتدرب على تركها، نتركها، نعيش في حياة التوبة، هذه ناحية من النواحي...
ثانيًا: الرهبنة والاتضاع
1- الرهبنة تحتاج إلى حياة الاتضاع...
أي من فضائل الرَّهبنة أنَّ الإنسان يعيش في اتضاع، اتضاع داخلي أي يظن أنه لا يستحق شيئًا، يظن أنَّ جميع الناس أفضل منه وهذا اتضاع نسبي، بهذا الاتضاع يعيش كالملائكة، لا يتكبر على أحد، لا يلوم أحد، لا يتعالى على أحد، لا يطلب رياسة ولا درجة، ولا يحزن إذا لم يأخذها، يعيش في حياة الاتضاع... وكثير من الرهبان عاشوا في حياة الاتضاع هذه.
2- هناك أُناس عاشُوا في حياة الاتضاع حتى بعيدًا عن ملابس الرَّهبنة ولقب الرَّهبنة...
أي مثلًا القديس الأنبا رويس كان قديسًا كبيرًا وعايش حياة الرهبان، لكنه لم يأخذ ملابس الرهبنة ولا شكل الرهبنة ولم ينتسب إلى دير. وكان راهبًا بلا دير، ولا لقب، ولا شكل، وراهبًا بلا قلنسوة وبلا زي ولا منطقة وبلا اسم رهباني حتى اسمه "رويس"؛ هو اسم جمله الذي كان يملكه هو كان اسمه "فريج أو تيجي" ولم يكن اسمه "رويس".
3- وهناك أُناس عاشُوا في الرَّهبنة حتّى ولم يرسموا رهبانًا ولم يوافقوا على الرسامة. وليس فقط في أيام القديسين بل وفي أيامنا هذه... حكى لنا نيافة الأنبا ثاؤفيلس عن أخٍ عاش أيامه في الدير اسمه "الأخ عوض الله" – كما أظن - عاش حوالي 40 أو50 سنة بالدير دون أن يرسم راهبًا، ولمَّا كانوا يطلبون منه أن يُرسم راهبًا كان يعتذر وعاش علمانيًا طول حياته، وكان إنسانًا فاضلًا.
4- الرهبنة ليست هي الملابس السوادء التي نلبسها... وليست الزي الرهباني، إنما الرهبنة هي الحياة الرهبانية، نقول فلان ده راهب صح... هل يوجد رهبان ليسوا بصحيح؟! نعم له اسم الرهبان ولكن ليس له حياة الرهبنة... له سكنى الرهبان في الدير وليست له سُكنى الفضيلة في قلبه!
الراهب الحقيقي إنسان متضع هادئ وديع... بسهولة يتعامل مع كل إنسان، يوجد أشخاص تتعامل معهم تجد الأمر صعبًا من أول الحديث... تقول له كلمة يقول لك ماذا تقصد؟ كذا أم كذا؟.. لا وتجد الحوار صعبًا من بدايته، ويوجد إنسان آخر حتى لو أُمِر أمر يقبله بسهولة... ولو أتته كلمة توبيخ يُمررها بسهولة، لو شخص تقدم عليه في الرتبة أو في الطقس يمررها بسهولة، كلمة شعر أنها جارحة يمررها بسهولة... لو شخص نسيه في دوره أو مِرسه أو نسي يسلم عليه يمرر بسهولة... ولا يحتد كثيرًا. الذي يحتد كثيرًا يتعب ويُتعب الرهبان حوله.
ثالثًا: الرَّهبنة والفضيلة
1- الرهبنة هي حياة الفضيلة.. يا ليت كل واحد فينا يسأل نفسه ما هي الفضيلة التي اقتنيتها طول هذا الزمان كله الذي قضيته في الرهبنة؟ وليس راهب يقول لآخر: أنا أقدم منك، أنا لي ثمان سنوات في الرهبنة وأنت لك سنتان فقط، لا الأمر هو كم سنة لي في الفضيلة في إتقانها؟ ما الذي أتقنته في هذا الزمان كله؟ وما الذي حرصت عليه وكنت مدققًا فيه وتسلك ومخافة الله أمام عينيك؟
2- مثلما قابل البابا ثاؤفيلس راهبًا: أب جبل نتريا، وسأله ما هو الذي أتقنتموه أيها الأب في هذا الزمان كله؟ فقال له: "صدقني يا أبي لا يوجد أفضل من أن يرجع الإنسان بالملامة على نفسه في كل شيء" فضيلة معينة ظلَّ يُتقن فيها أربعين أو خمسين سنة حتى أتقنها... وأنت ماذا أتقنت؟
3- مرة واحد قال لي بعد أن قرأ كتاب الدرجي وهو كتاب به ثلاثون درجة قال: "إن الواحد لم يسلك في الرهبنة بعد، فقد يقضي الراهب عمره كله في إتقان درجة واحدة من هذه الدرجات ولا يكفي... فمتى ينتهي من هذه الدرجات الثلاثين؟"، إذًا أمامك هذه الدرجات الثلاثون التي للقديس "يوحنا كليماكوس" كم درجة أتقنتها منها؟ كم درجة أتقنتها من أول الموت عن العالم والغربة و...
مَن منا سار في الموتِ عن العالمِ والغُربةِ؟ أو مَن سار فيها واستمر؟ الغربة، والموت عن العالم، والزهد والتوبة، والوداعة والدموع و... فضائل كثيرة. ما هي الفضائل التي أتقناها في الرهبنة؟ هل فقط إن الواحد حبس نفسه في قلايته بعض الأيام؟! هل هذه هي الرهبنة أن يحبس الراهب نفسه أو يكون في الوحدة؟
ما هي الفضائل؟
4- قد يتخيل البعض أن بعض الفضائل في الرهبنة هي التدرج من راهب إلى قس، إلى قمص، إلى مسئول في الدير، إلى رئيس في الدير إلى أسقف. هذه هي الدرجات الرهبانية التي أمامه درجات كهنوتية..! وآخر أمامه في الرهبنة درجات إدارية. وآخر أمامه في الرهبنة تدرج من مسئول في المكان الفلاني، إلى مسئول في الإيبارشية الفلانية، إلى مرشح إلى شيء معين... أمور من هذا القبيل، انحرافات عن الهدف... كثيرون في حياتهم الرهبانية ينحرفون عن الهدف وتتحول لهم أهداف أخرى يصنعونها لأنفسهم ويعيشونها في خيالهم وترضي نفوسهم.. لأن نفوسهم تكون قد بعُدت عن الهدف!
5- لمَّا أنت خرجت من بيتك وعائلتك ومن وظيفتك وخرجت من المدينة التي أنت فيها وقلت: لا بد أن أسلك الرهبنة، وكانت محبة الله تشتعل فيك في هذا الوقت، وكانت أمامك صورة من الصور مثل الأنبا أنطونيوس أو الأنبا بولا أو الآباء السواح مثل آباء قديسين قد تكون عرفتهم.. أين ذهبت هذه الصور؟ أين ذهب هدفك؟ هل دخلت أهداف أخرى إلى قلبك؟ هل نسيت الهدف الأول الذي تركت من أجله بيتك؟ هل اكتفيت بالقلنسوة والجلابية السوداء وشكل الراهب وكلمة "أبونا" وقدسك وحاللني وسامحني؟!!
6- ما الذي أخذته من الرهبنة؟ هناك أناس كانوا قبل الرهبنة أكثر اتضاعًا، وآخرون كانوا قبل الرهبنة أكثر رقة في التعامل، وناس كانوا قبل الرهبنة أكثر صلاة وأكثر صلة بالله... وما هو الهدف الرهباني أمامك؟ وما مدى نموك فيه؟ وهل يوجد انحراف في الهدف وإلى أي مدى انحرف؟ وهل سبب خروجك من العالم هو ذاته... أم دخلت فيه أمور أخرى؟
رابعًا: الرهبنة والصلاة
1- هذا لأن الرهبنة ممكن تكون حياة الصلاة.. والصلاة نمو. الإنسان يدخل الرهبنة ويصلي السبع صلوات التي للأجبية، ويقول جيد لأني لم أكن أصلي هذه الصلوات كلها... ثم يجد أنه أمام هذه الصلوات السبع يصلي أيضًا التسابيح التي في كتب الإبصلمودية، ثم يجد هذا ليس بكفاية فيجد صلوات من الأنبياء والقديسين، ثم يجدها ليس بكفاية فيتدرب على الصلوات أثناء الطريق وأثناء العمل وأثناء الجلوس مع الناس ويجد أنَّ هذا لا يكفي... فيجد لذة في طول الصلاة وفي السهر بالليل للصلاة ويتذكر الآية "بِاللَّيَالِي. ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ نَحْوَ الْقُدْسِ، وَبَارِكُوا الرَّبَّ" (مز134: 2).
ويتذكر القديس أرسانيوس الذي كان يصلي من الغروب حيث الشمس خلفه حتى تأتي أمامه... ويجد هذا أيضًا لا يكفي فتكون الصلاة له كالنَّفَس الداخل والخارج طوال الوقت ويجد هذا أيضًا لا يكفي... نقول له ماذا أيضًا غير ذلك؟
يقول كل هذا كقياس طولي للصلاة وما زال مقياس العمق.. أين الصلاة التي بحرارة؟ أين الصلاة التي بدموع؟ أين الصلاة التي بفهم؟ أين الصلاة التي باتضاع؟ أين الصلاة التي بخشوع؟ أين الصلاة التي بإيمان؟ أين الصلاة التي بحب؟ أين الصلاة التي يشعر فيها الإنسان بصلة بينه وبين الله؟ هذه تحتاج إلى أعماق وتحتاج فترات طويلة... وهذه فضيلة واحدة في الصلاة محتاج ينمو فيها ويستمر وكلما يسأله آخر ماذا فعلت؟ يقول: "ما زال أمامي وقت كبير أنا ما زلت مبتدئًا". أين هذه الصلاة؟ وماذا فعلت في الصلاة؟ لم أفعل فيها شيء بعد.
2- راهب يدخل الرهبنة يقول أريد أن أدخل في حياة السكون ما دامت الرهبنة حياة سكون... ويبدأ يبحث عن السكون الخارجي سكون الحواس... ثم يدخل في سكون الفكر، ثم سكون القلب، فسكون المشاعر داخله... ويكون مثل أعماق المحيط الذي لا يعكره شيء... مهما ثارت الدنيا من حوله إنسان هادئ إلى أبعد الحدود يعيش حياة السكون.
3- السكون الداخلي... سكون القلب من الداخل... تدرب على هذا... وآخر يقول كيف أتدرب على السكون وكلما بدأت أهدأ إلى نفسي أجد إنسانًا يتعبني وآخر يزعجني... أبونا فلان عمل كذا وأبونا فلان عمل فيَّ... تقول له هل هذا هو السكون؟ كيف تدين الناس وتقول سكون؟!
هو داخل قلبه اضطراب... والإنسان الذي قلبه مضطرب كل الأمور تبدو أمامه مضطربة من الخارج... إذا هدأ من داخله كل الأمور تبدو هادئة حتى لو هاجت الدنيا يظل ساكنًا وكأنه ليس في الدنيا.
4- إنسان عميق وهادئ لا يضطرب لشيء ولا ينزعج لشيء، ملامحه هادئة، حواسه هادئة، أفكاره هادئة، مشاعره هادئة، لا يوجد شيء مضطرب داخله، حتى حركاته هادئة، هناك إنسان يمشي بطريقة مضطربة، تجد من يمشي ومن يجري، والذي يلوح، ومن يسير بصوت يصدره بقدميه... والذي يصيح ويعلي صوته... ومن يكون طريقة عمله مضطربة.. شيء صعب.
5- الذي يحيا حياة السكون تجد عنده كل شيء هادئًا، ملامحه هادئة ونظراته هادئة، وكلامه هادئ، وألفاظه هادئة وقلبه من الداخل هادئ.
أخاف أن تكون الرهبنة بالنسبة لنا مسميات.. يسألك شخص ما هي الرهبنة؟ تقول له حسبما تقول الكتب: الرهبنة هي حياة الصلاة الدائمة.. الرهبنة هي حياة السكون والهدوء.. الرهبنة هي حياة التوبة.. الرهبنة هي نقاوة القلب.. الرهبنة هي البتولية.. ما الذي تذوقته من كل هذا؟
مُحاسبة النَفْس
1- لذلك علينا أن نراجع أنفسنا بين الحين والآخر، مُحاسبة النَفس فضيلة كبيرة وجيد في هذه المناسبات عندما نتذكر الرهبنة أن الإنسان يُحاسب نفسه كما كان ذلك القديس يقول: "ماذا فعلنا مما يرضي الله وماذا فعلنا مما يُغضب الله؟"، حاسب نفسك كل يوم كما لو كان آخر يوم في حياتك، حاسب نفسك لكي تُقوم نفسك، حاسب نفسك لكي تبكي على خطاياك وتتضع، حاسب نفسك لكيما إذا عرفت ضعفاتك تشفق على ضعفات الآخرين، حاسب نفسك لكي تنشغل بنفسك فلا تخرج خارجها وتنشغل بغيرك من الناس، هذه هي الرهبنة.
2- هذه هي الرهبنة، إنسان يرى فضائل الرهبنة واحدة فواحدة ويجعلها كالميزان ويزن نفسه بهذه الفضائل، هذه هي الفضائل التي تزن بها نفسك.
3- وكن مدققًا في حياتك، إن كان هذا الطريق سيُضيعك ابعد عنه ولو ألف ميل، لو هذا الشيء سيجعلك تنحرف عن غرضك اسحب نفسك، هنا اليقظة الروحية بالنسبة للراهب، بالنسبة للعلماني اليقظة الروحية أن يستيقظ من خطاياه، بالنسبة للراهب اليقظة الروحية هي أن يستيقظ إلى نفسه ويبحث عن الفضائل الروحانية؛ ويرى ما هو منها عنده وما ضاع منه، وماذا ينقصه؟ وماذا يحتاج لجهاد أكثر وصلاة أكثر وصوم أكثر؟ ومحتاج أن يتمسك بالله ويتمسك بقرون المذبح ويقول له: "يا رب أعني، أعن ضعفي، محتاج لنعمة خاصة من عندك لكي أنمو" هذا ما نريده ونحتاجه..
4- لكن مهم أن نتذكر رهبنتنا، ونتذكر حياتنا من الداخل كيف تسير، لأننا نحن مزمعون أن نعطي حسابًا لله عن الإمكانيات الرُوحية التي قُدمت لنا، يوجد أُناس يتمنون الجلوس في الدير ولو ليلة ويقولون: أشكرك لأنك سمحت لنا بليلة نقضيها في الدير، وآخر لو قضى أسبوعًا في الدير يقول: "هذه نعمة من الله أنا لا أستحقها".
وأنت الذي تحيا حياتك كلها في الدير ماذا فعلت فيها؟ ماذا فعلت بهذه العُزلة، عُزلة السُكنى في مواضع القديسين، ماذا فعلت بهذه الوزنة؟! وزنة أنك تعيش في بيت الرَّب كل أيام حياتك؟ والشيء الذي كان يشتهيه داود ولم يحصل عليه ويقول: "وَاحِدَةً سَأَلْتُ مِنَ الرَّبِّ وَإِيَّاهَا أَلْتَمِسُ: أَنْ أَسْكُنَ فِي بَيْتِ الرَّبِّ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِي" (مز27 : 4)، ها أنت ساكنٌ في بيتِ الرَّب كل أيام حياتك وأخذت شهوة داود وحققتها ماذا فعلت بها؟
5- داودُ لما يتذكر ذلك يقول: "طوبَى لِكلِّ السُّكانِ في بَيْتِكَ، يُبارِكونَكَ إلَى الأبَدِ" (مز84: 4) وها أنت من السكان في بيته هل تباركه إلى الأبد؟ يقول: "ها بَارِكُوا الرَّبَّ يا عبيد الرَّب، القائمين في بيت الرب، في ديار إلهنا" (مز134 :1) وأنت ينطبق عليك هذا المزمور فأنت من عبيد الرَّب القائمين في بيت الرب في ديار إلهنا، "ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ نَحْوَ الْقُدْسِ، وَبَارِكُوا الرَّبَّ" (مز134: 2).
6- السكنى في بيت الرب وزنة لا بد أن تعطي عنها حساب وترى هل تاجرت بها وربحت أم لا؟ هناك كثيرون يحسدونكم أنكم ساكنون في بيت الله يحسدونكم أنكم ساكنون بجانب الكنيسة، الكنيسة في بيتكم، تخرج من قلايتك تجد نفسك في الكنيسة، الناس يحسدونكم على القُداسات اليومية، الناس يحسدونكم على صلاة نصف الليل، هناك أُناس في العالم منهم مَن يريد أن يصلي لكنه تحت رقابة يخجل من فُلان وفُلان وإن وقف للصلاة يسخرون منه، حكاية، وأنت كل الإمكانيات مُتاحة لك.
7- الناس يحسدونكم أن لكل واحد منكم حجرة خاصة به لا يدخلها آخر غيره ويستطيع أن يغلق مخدعه وينفرد بأبيه الذي في الخفاء، الناس يحسدونكم على هذا الجو الهادئ الساكن، ها نحن ساكنون لا نسمع أي أصوات، سُكان المُدن في ضجيجٍ دائم.
8- هناك أُناس يتمنون أيامًا من أيام حياتكم يعيشونها، وأنتم تعيشون في بيت الله، في هدوء وسكون وفي قلالي منُفردة، وفي الكنيسة، وفي قُداسات يومية، وفي صلاة نصف الليل، وفي جو روُحاني، وتعيشون في مجموعة مُتجانسة كلها من نوع واحد هدفها محبة الله والانفراد به، إذًا ماذا فعلتم بهذه الوزنة؟
ليس ناس العالم فقط هم الذين يحسدونكم على كل هذا.. بل الآباء الأساقفة أيضًا يحسدونكم على أنكم تعيشون في جو هُم حُرموا منه، ماذا فعلتم بهذه الوزنة؟ كلنا نسأل أنفسنا، الله أعطانا فرصة أن نسكن في بيته، قد تسمع علمانيًا يقول: لو أعطوني فرصة أقضي شهرًا بالدير سأخرج منه قديسًا، شهرًا، هذه هي أيام الدير، الله أعطاك شهورًا وسنوات ماذا فعلت بها؟
9- وزنات مُقدمة لنا من الله لكي نعمل بها، أقول له: "أشكرك يا رب لأنك أعطيتني بلا كيل، أعطني نعمة أن أعمل بها".
راهب يجد يومًا ضاع منه لم يفعل فيه عمل روُحي، الرَّاهب المُتيقظ مجرد أن يرى يومًا ضاع منه لم يفعل فيه عمًلا روُحيًا، يقول غدًا أعوض هذا اليوم بيومين، أعمل عمل يومين، أما الرَّاهب المُتهاون يمُر عليه يوم لم يفعل شيء، وثاني يوم لم يفعل شيء، وثالث يوم لا يفعل شيء، ويمُر أسبوع وشهر وهو لا يشعر بحاله، كمثل إنسان في دوامة أو تيار لا يشعر بنفسه.
الأيام تمر بوتيرة واحدة والطبع هو هو، ويعُود له الطبع العلماني الذي كان عنده قبل الرهبنة ويجد نفسه لم يأخذ شيئًا من الرهبنة!! مثل هذا الراهب قد يتعبه الزوار لأنهم يكشفونه، أي واحد قريبه يقول: فُلان له سنة في الرهبنة وسأجده صار من الملائكة الأرضيين أو البشر السمائيين، ويأتي يجلس معه ربُع ساعة فلا يجد ملائكة أرضيين ولا بشر سمائيين ولم يتغير في شيء. ونفس الكلام ونفس الصوت ونفس السُلوك، لم يتغير شيء، فيعود حزينًا عليه لأنه لم يتغير في شيء.
10- ما الذي فعلته لكي تكون من الملائكة الأرضيين؟ ما الذي مارسته من طقس الملائكة لأن الرَّهبنة طقس ملائكة؟ لا شيء، ليتنا نستيقظ لأنفسنا ونفكر في حياتنا ونحاول أن نفعل بالوزنة التي أُعطيت لنا، نعمل بالهدوء الذي أُعطى لنا، ونعمل بالحياة المُتاحة لكل ما هو رُوحي، دائمًا مشغُول في الدير ولا أستطيع أن أحيا حياة الصلاة الدائمة، أقول لك لنترك حياة الصلاة الدائمة، ولتحيا حياة المحبة الدائمة، لتحيا حياة الاحتمال.
اغفر لأخيك واحكم على نفسك
1- تدرب على المغفرة للآخرين، تدرب أن تأخذ خطايا غيرك وتنسبها لنفسك، تدرب على اللسان الطيب والكلمة الحُلوة والمعاملة الحلوة الهادئة، تدرب على أن تخدم كل واحد وتطيع كل أحد، أمور كثيرة تستطيع أن تفعلها. من أسباب التذمر أننا في كثير من الأوقات نفكر في الأشياء التي تنقصنا ولا نفكر فيما هو متاح لنا الذي في إمكاننا.. ففي إمكانك أن تعمل الكثير.
2- يا ليتنا بعد ما نخرج كل واحد منا يجلس مع نفسه، ولو وقتًا قليًلا ويقول: أنا محتاج أن أتقدم قليلًا ولو خطوة، يقول: أنا محتاج أن أعرف ما هي أغلاطي وأصلحها، يقول: أنا محتاج أن أتوقف عن الدفاع عن نفسي وتبرير نفسي، وأتوقف عن اعتدادي بذكائي وخبرتي ومواهبي، وبما أستطيع أن أفعله دون غيري وبالخدمات الجبارة التي أُقدمها للدير ولا بد أن يشكرني عليها وكذا وكذا... وأدخل داخل نفسي لأعرف أخطائي لكي أُتوب عنها.
3- جلستي مع أب اعترافي أحولها لجلسة إدانة لنفسي وصراحة في هذه الإدانة وليس تبريرًا، أحيانًا أب الاعتراف يجلس أمام الراهب المعترف وهو مُتضايق من داخله ويفكر هل أقول أم لا؟ لو أب اعتراف لكثيرين عشرين أو ثلاثين وكلهم يقولون أخطاءهم واصطداماتهم مع غيرهم، يكون عارف أن أبونا فُلان أغضب فُلان في كذا وكذا وكذا وقد يعرف كم شخصًا أغضبهم بالتفاصيل.
يجلس معه ليعترف لكنه يجد أنه لا يذكر كل هذه الأشياء، ماذا يا أبونا ألاَّ يوجد شيء آخر تُريد أن تقوله؟ يقول المعترف لا شيء آخر، يكرر الجملة عليه، ويحتار هل أقُول له؟ هل أكشف اعترافات الآخرين؟ لا يستطيع أن يكشف وفي نفس الوقت غير مُصدق له أنه ليس هناك خطايا أخرى، فيقول له: حاول أن تتذكر لعل هناك خطية منسية، يقول الراهب المعترف: صدقني لا يوجد شيء آخر.
4- ماذا يفعل إذًا أب الاعتراف؟ أمامه راهب يشعر أنه يكذب، إما إنه يكذب وإما إنه لا يشعر بحاله وتائه عن نفسه، وإما تكون مقاييسه الروحية قد اختلت بحيث لا يعرف ما هو صحيح وما هو خطأ، أمثال هؤلاء يحتاجون إلى الرجوع إلى المقاييس الأصلية.
المقاييس الأصلية
هي سير الآباء القديسين، سير آباء الرهبنة، تعاليم الآباء الأول للرهبنة المعروفين، مثل تعاليم القديس أنطونيوس الكبير، تعاليم الشيخ الرُوحاني، تعاليم الأنبا إشعياء المُتوحد، تعاليم القديس برصنوفيوس، تعاليم يُوحنا الأسيوطي، تعاليم القديس فلكسينوس، تعاليم آباء الرهبنة الأول، الآباء الذين كلامهم مثل الموازين السليمة، مثل المرآة الرُوحية تنظر فيها فترى نفسك ماذا صرت؟ هذا ما نحتاجه أن نأخذ بعض هذه الموازين ونقيس بها أنفسنا.
5- وليس فقط نُفكر في ما هي أخطاؤنا بل نُفكر في ما هو نُمونا؟ هل نحن ننمُو أم وقفنا عند حد مُعين فقط؟ هناك أُناس نُموهم يتوقف عند حد مُعين ولا يتحرك بعده يتراجع للخلف، لكن لا يتقدم للأمام، مُتوقف. ما هو نموك؟ ما هو نُموك في الفضيلة الرهبانية؟ ما هو نُموك في الصلاة؟ ما هو نُموك في الوحدة والسكون؟ ما هو نُموك في محبة الله؟ ما هو نُموك في الاتضاع؟ هل وقوفك كل صباح ترفع يديك وتقول: "عندما دخل إلينا وقت الصباح أيها المسيح إلهنا النور الحقيقي، فلتشرق فينا الحواس المضيئة والأفكار النورانية"؛ يكون الأمر قد تم؟ هل أنت تشعر أن بينك وبين الله محبة؟
هل تشعر أنك في الرهبنة كونت علاقة مع الله؟
هل تشعر في الرهبنة أنك التقيت مع الله التقاءً مباشرًا وجهًا لوجه؟ هل شعرت أنك في قلب الله والله في قلبك؟ هل تشعر بمشاعر الحُب التي من أجلها سكن الناس في البراري والقفار وظلوا سنوات لم يملوا لأنهم متلذذين بالله في داخلهم؟ ماذا حدث لك؟
6- نرجع لأنفسنا، كما يقول مار إسحاق: "إذا تهت في الطريق اجلس إلى نفسك، وذَكر مريم بِزناها وإسرائيل بانغلابه"، ذَكر نفسك بضعفاتك ووبخ نفسك كثيرًا، وكما يقول القديس مكاريوس الكبير: "احكم يا أخي على نفسك قبل أن يحكموا عليك"، وكما يقُول القديس أنطونيوس الكبير: "إن دنا أنفسنا رضي الديان عنا"، "إن تذكرنا خطايانا ينساها لنا وإن نسينا خطايانا ذكرها لنا الله"، هذا ما نريد أن نتذكره..
7- كلام الرهبنة كثير .. والكتب كثيرة وموجودة عندنا كلنا نستطيع أن نقرأها ونرى كيف نسير وكيف ينبغي أن نسير، وكل واحد يستيقظ لنفسه ويبدأ يفكر في خلاص نفسه فما هدفنا في الرهبنة سوى خلاص أنفسنا، ليس لنا هدف آخر سوى خلاص أنفسنا.
فإن كنا نسير في طريق ضد خلاص أنفسنا إذًا لا بد أن نتغير ونصلح من أنفسنا، لئلا نجد كثيرًا من العلمانيين قد سبقونا إلى ملكوت الله ونحن لا ندري!! ونجد أُناسًا من العلمانيين قد يحبون الله أكثر منا وقد يكونون أنقياء في قلوبهم أكثر منا، وعلى الأقل قد يكون عندهم اتضاع أكثر منا، ونحن نعتبر أنفسنا آباء ولنا سُلطان على غيرنا، وهم مساكين يعتبرون أنفسهم صغارًا وأقل منا في كثير مهما ارتفعوا.
8- لا أُريد أن أُكلمكم كثيرًا عن ذلك، لأن كل الأمور أنتم تعرفونها لكن كما يقول الكتاب: "عِظُوا أَنْفُسَكُمْ كُلَّ يَوْمٍ" (عب3: 13)، ذكروا بعضكم بعضًا بهذه الأمور، وعلينا في كل جهادنا الروحي لكي نصل أن نطلب من الله دائمًا أن يعطينا القوة التي توصلنا.
9- في كل وقت من الأوقات ألقِ بنفسك أمام الله وقل له: "يا رب يا من قدت القديس أنطونيوس وهو وحده في الجبل بلا مُرشد، بلا شخص سبقه في الطريق يشرحه له، بلا أب رُوحي، وعرفته حكمتك، أعطني أنا أيضًا هذه الحكمة عطية مجانية من عندك، يا رب يا من قدت الأنبا بولا السائح وهو عايش وحده بلا أي شخص يسنده في الطريق اسندني أنت كما سندتهُ، يا من قبلت بيلاجية ومريم المصرية وموسى الأسود في حياة التوبة قُدني كما قُدتهم".
10- تمسك بالله وكُن معه دائمًا وقُل له: "لاَ أُطْلِقُكَ إِنْ لَمْ تُبَارِكْنِي" (تك32: 26)، وإذا في يوم من الأيام وجدت نفسك تسير في الطريق الصحيح وصححت من أخطائك ونميت في النعمة لا يكبُر قلبك، تذكر الدرجات الكبيرة جدًا التي وصل لها القديسون، وقل: أين أنا وإلى أين ذاهب بالنسبة لهؤلاء؟ هل أنا وصلت لصَلبِ الفكر الذي وصل إليه القديس مكاريوس الإسكندراني؟ هل وصلت للصلاة الدائمة التي سار هو فيها؟ هل وصلت للعُمق الذي عاش فيه القديسون أو لحلاوة القديسين؟ ما زال أمامي الكثير والكثير.
الله الذي أعطى كُل هؤلاء فليعطينا نحن أيضًا أن نتمتع به ونُبارك اسمه.
[1] من كتاب عظات رهبانية، صـ15-29
العمل الجواني
العمل الجواني[1]
العمل الجواني هو أهم ما يمكن أن يشغل الراهب أو يميز الراهب عن غير الراهب!!
ما معنى العمل الجواني؟
أي العمل الذي داخل فكرك وداخل قلبك؛ ماذا نفعل من الداخل؟ نستطيع أن نُسمي راهبًا أنه راهب عمَّال وآخر راهب بطّال.
1- الراهب العمال هو الراهب الذي يعمل دائمًا في العمل الجواني، قلبه دائمًا يعمل مع الله، عقله دائمًا يعمل مع الله، فكره ملتصق بالله، مشاعره ملتصقة بالله، الذي لا يكون كذلك يكون تائهًا عن نفسه ولا يعلم أين هو.
2- إن كانت الرَّهبنة كما يقولون هي الانحلال من الكل للارتباط بالواحد، إذًا العمل الجواني هو الجهاد كيف تنحل من الكل (من الناحية السلبية) وكيف ترتبط بالواحد الذي هو الله (من الناحية الإيجابية).
3- الذي لا يعمل في العمل الجواني قد يترك نفسه فريسة للشياطين تلعب به كما تشاء، أتذكر في مرة – قد تعرفون كلكم هذه القصة في البستان – يقول إنه: كان أخ صناعته النساخة والخط المليح، وكان الناس يأتون إليه ليكتب لهم كلمة تذكار بخطه المليح، ولما كثر عليه العمل صار يكتب كلمة واحدة "إذ كان لي عمل مع القادر على خلاص نفسي لم أتفرغ أن أكتب لكم فاغفروا لي".
4- العمل الجواني إذا اشتغل به الإنسان يمكن أن يرتبط بفضيلة الصمت لأن الكلام يُعطل العمل الجواني، لذلك القديس أرسانيوس لما سُئل في صمته وعن صمته قال: "الله يعلم يا إخوتي إني أحبكم جميعًا لكني لا أستطيع أن أنشغل بالله والناس في نفس الوقت". الذي يريد أن يعمل بالعمل الجواني يضطر أن يصمت. لكن هناك إنسان يصمت وأفكاره تعمل في غير الله، تعمل في إدانة الآخرين في أفكار المجد الباطل في أمور أخرى، لا نستطيع أن نسمي ذلك "الصمت المقدس".
5- الصمت المقدس هو الذي يصمت فيه الإنسان لكي يشتغل فيه بالعمل الجواني مع الله، فما هو العمل الجواني؟
كيف يكون العمل الجواني؟
قد يكون العمل الجواني هو المزامير، يمكن أن يكون الصلاة، يمكن أن يكون الهذيذ والتأمل، قد يكون التسابيح والتراتيل، قد يكون توبيخ النفس في حضرة الله، قد يكون العمل الجواني مقاتلة الأفكار، نريد أن نأخذ فكرة عن كل هذا...
1- المزامير
قد يكون العمل الجواني مزامير ولكن ليست كل المزامير، هناك مزامير يقولها الإنسان بشفتيه وقلبه غير منشغل بها ولا بمعانيها ولا يخاطب الله فيها، لكن تعتبر عملًا جوانيًا إن كان المزمور يخاطب قلبك ويمسه وتشعر فيه فعلًا أنك تخاطب الله وتكلمه، عمل جواني لأنه دخل داخلك في أعماقك وقلبك وفكرك.
2- التسابيح
مثل المزامير، قد تتحول التسابيح إلى نغماتٍ موسيقية ولا يشعر فيها الإنسان أنه مع الله، إن أردت أن يكون لك عمل جواني ينبغي أن تصلي بفهم، وتصلي بعمق، وتصلي بحرارة، وتصلي بتأمل، وتصلي بصلة أي تشعر بصلة بينك وبين الله.
وقد تأخذ الصلاة في العمل الجواني صفات معينة، مثلًا تكون صلاة باتضاع، صلاة بإيمان واتضاع، صلاة بحب، صلاة بفهم، صلاة بانسحاق قلب، هناك صفات كثيرة للصلاة الروحية، ويكون العمل الجواني هو كيف تكتسب هذه الصفات في صلاتك؟ أي كيف تصلي بحب وتمرن نفسك على ذلك؟ هذا عمل جواني، كون إنك ترتل مزامير بشفتيك هذا عمل خارجي، لكن أن تصلي بحب هذا عمل جواني، أن تصلي بإيمان وثقة وفهم وتأمل و... هذا كله عمل جواني تُدرب نفسك عليه، إن لم تكن قد تدربت عليه إذًا أنت لم تدخل الرهبنة حتى الآن أنت ما زلت خارجها، في الإنسان الخارجي ولست في الإنسان الجواني، وكذلك التسابيح والتراتيل والأغاني الروحية.
3- القراءة
هل القراءة هي نوع من العمل الجواني؟ أستطيع أن أقول: القراءة وسيلة للعمل الجواني وليست عملًا في حد ذاته، القراءة وسيلة تربط فكرك بالله أو وسيلة تربط مشاعرك وقلبك بالله، فهي وسيلة تؤدي إلى العمل الجواني أما إن كانت القراءة مجرد دراسة أو معرفة فهي لا تدخل مطلقًا في العمل الجواني.
ولهذا فإن الراهب الذي يهتم بعمله الداخلي يهتم بنوعية القراءة كيف تكون قراءة روحية، أو قراءة عميقة، أو قراءة تثير فيه مشاعر معينة، إذا وصل إلى هذه المشاعر يمكن أن يترك القراءة ويدخل في علاقته بالله.
4- التأمل
ومن هنا كان التأمل الذي يصحب القراءة أهم من القراءة نفسها، أي لِنرَ العبارة الجميلة التي قالها أبونا ومعلمنا داود النبي: "لِكُلِّ كَمَال رَأَيْتُ حَدًّا، أَمَّا وَصِيَّتُكَ فَوَاسِعَةٌ جِدًّا" (مز 119 : 96)، أي كل وصية لها سعة عجيبة لا يستطيع أن يصل إلى كمالها ومنتهاها، إذًا هنا لا تنفع القراءة السطحية إنما ينبغي القراءة بعمق للدخول إلى أعماق الكلمة حتى يستطيع الإنسان أن يدخل للعمل الجواني عن طريق القراءة.
5- الصلاة
هل يمكن أن يصلي الإنسان دائمًا، ألا يمل، ماذا يفعل؟ هناك أنواع من الصلاة، هناك صلاة المزامير، وهناك صلوات قصيرة متكررة، وهناك صلوات قلبية وطلبات خاصة، وهناك صلوات الأنبياء والقديسين، وهناك صلوات أخرى.
لنفرض أن إنسانًا مشغولًا وعنده عمل، كيف إذًا يُصلي؟ كيف يحفظ نفسه في العمل الجواني؟ في هذه الحالة لا تصلح الصلوات الطويلة إنما يكون أفضل الصلوات القصيرة ويمكن المتكررة، أي قد يكون واحد يكرر عبارة: "يا رب ارحم"؛ ويقولها آلاف المرات فتعمل في عمله الداخلي الجواني أو "أشكرك يا رب"، "أباركك يا رب"، "أسبح اسمك"، أي كلمة من هذه الكلمات مجرد كلمة يكررها، كثرة تكرارها يجعل قلبه يلهج بها دائمًا حتى إن صمت تمر بفكره ويكون مشغولًا بها دائمًا، كلمة واحدة متكررة، ليس جملة.
الإنسان إذا دخل في العمل الجواني سيكتشف عدة أشياء.. سيكتشف ضعفه من جهة الاستمرار في هذا العمل، وسيكتشف اعتياده الهروب من العمل الجواني، واشتياقه أنه يفكر في أي شيء يحلو له، ويكتشف الشرود الذي يشرده ويجد أنه محتاج إلى جهاد كبير لكي يقطع نفسه من كل فكر غريب ويلتصق فكره بالله، "أما أنا فخيرٌ لي الالتصاق بالرَّب" (مز73: 28)، كيف يلتصق بالله؟ كلما أراد أن يلتصق بالله يتدخل فكر غريب ويفرض نفسه عليه ويريد أن يسيطر على ذهنه.
عوائق العمل الجواني ومحاربات الشياطين
1- طياشة الأفكار
لتمنع الإنسان من العمل الجواني، صدقوني يا إخوتي في أحيانًا كثيرة لا يتذكر الإنسان الأشياء المهمة التي عليه أن يؤديها إلا إذا صلى وتأمل، سيجد نفسه تذكر أمورًا مهمة جدًا كيف لم يتذكرها من قبل؟ لكن الشيطان يُذكره بها ليعطل عمله الداخلي، فإن أردت أن تصلي ستجد عشرات الأفكار تطرق بابك وتشعر أن كل فكر منها مُهم.
حتى أن الإنسان قد يقول: "أحضر ورقة واكتب هذه الأمور المهمة" – حتى يتذكرها – يجد نفسه ترك الصلاة وجلس ليكتب، وعندما يكتب يجد تفاصيل مهمة جدًا بطريقة تفكير خصيبة للغاية أتت لذهنه، لماذا؟ لكي لا يفكر في الله، أفكار تطيش به من كل ناحية، لأن الشيطان قال عن نفسه لما سأله الله في قصة أيوب قال: "مِنْ الْجَوَلاَنِ فِي الأَرْضِ، وَمِنَ التَّمَشِّي فِيهَا" (أي1: 7).
فالشيطان يتجول في الأرض وكلما انشغل إنسان بالله يقول له: "مِنْ الْجَوَلاَنِ فِي الأَرْضِ، وَمِنَ التَّمَشِّي فِيهَا" (أي2: 2)، مستعد بالنسبة للراهب أن يجعله يمر لكل ركن من أركان الدير، وفي كل قلاية من قلايات الدير، وكل مكان من أماكن العمل، ويذهب للضيوف وفي كل مكان، المهم الجولان والتمشي فيها.
كيف يقطع الإنسان نفسه من هذا الفكر لكي يربط نفسه بالله؟
وهنا أتذكر عبارة القديس يوحنا التبايسي (يوحنا الأسيوطي) عندما سئل ما هي الصلاة الطاهرة؟ قال: "هي الموتُ عن العالم"، أي إن أردت أن تصلي صلاة طاهرة ملتصقة بالله لا بد أن تموت عن العالم، وكل أفكار العالم التي تتدَّخل أثناء الصلاة، وتُتيهك عن العمل الجواني وتخرجك إلى أماكن كثيرة.
مقاومة الأفكار، ومحاولة التخلص منها، وربط العقل بالله محتاجة جهادًا، إن قلت أنه سيحدث في يوم وليلة يكون كلام غير معقول، الأمر يحتاج جهادًا.
2- المشغوليات
طياشة الأفكار شيء والمشغوليات شيء آخر، الإنسان المشغول دائمًا كيف يعمل العمل الجواني؟ تقول سأبتعد عن المشغولية، مجرد أن تبدأ الصلاة تجد مشغولية عُمرك ما كنت تفكر فيها، تقول لك أنت الوحيد الذي تستطيع أن تقوم بهذا العمل، محاربات، ليس المهم المشغوليات المهم شعور الإنسان أن هذه المشغولية أهم من الصلاة.. فيقول: ليس مهمًا الصلاة، هذا أخطر ما في الأمر، شعور الإنسان أن هذه المشغولية أهم من الصلاة الآن المهم المشغولية فلنؤجل الصلاة فيما بعد!!
والذي تكثر مشغولياته يمكن أن يتعطل عمله الجواني، ليس معنى ذلك أن يخرج راهب من الاجتماع ويذهب لرئيس الدير ويقول له: "نحني عن مشغولياتي"، قد ينحيه عن مشغولياته فيجلس مع أفكاره الشريرة، لأنه لم يعتد العمل الجواني.
العمل الجواني محتاج تدريبًا طويلًا ومحتاج جهادًا، ويوجد إنسان إذا جلس وحده يأتيه الشيطان يقول له: هل تسمح لي أن أجلس معك؟ فيسمح له!
3- النسيان
من ضمن الأشياء التي تعطل العمل الجواني، النسيان، أي يقول الرَّاهب: سأعمل في العمل الجواني يجد نفسه نسى التدريب، نسى هذا الأمر وشرد، الإنسان محتاج أن يُذَكر نفسه بين الحين والآخر.
4- الكلام والصداقات والدالة
من أهم الأشياء التي تُضَيع العمل الجواني، الكلام والصداقات والدالة، إنسان يريد أن ينشغل بالله يجد إنسانًا أتاه ليكلمه ويتطرق إلى موضوعات ولا يستطيع أن يسكته، وإن اسكته يغضب ويسبب مشكلة وقد تكون خصومة، وقد يأتيه فكر كيف تتناول وأنت أغضبت فلانًا، فيقول: أذهب لأصطلح معه فيعود للكلام، حسبما تعود الناس، بالطبع مفروض أن يكون للإنسان صداقات توصله لله وليست صداقات تبعده عن الله، إن كان ولا بد ولا تستطيع أن تتخلص من الصداقة والدالة والكلام.. حاول أن تحول الكلام إلى اتجاه روحي، إن كان الشخص الذي معك ليس روحانيًا سيمل منك ويتركك بدون غضب، وأنت تلح عليه أن يستمر وهو لا يريد أن يستمر لأن لديه موضوعات أخرى يهمه فقط الكلام فيها فيتركك ويذهب...
كما قال أحد الآباء: "إذا مرَّ عليك أحد الإخوة الجوالين الطوافين قل له: أنا سآخذ بركة صلاتك وسنصلي معًا، سيتركك ولن يعود لك مرة أخرى"، لكن احذروا أن يمر على أحدكم أخ وتقول له: هيا نصلي؛ يظن الأخ داخله أنه يعتبره من الإخوة الجوالين، هذا كلام عام، أو راهب يقول للأخ الجوال: "أنا مقصر في مزاميري ولم أقل صلواتي وهي معطلة عليَّ من الثالثة للسادسة للتاسعة لم أُصليها، من باكر لم أصليها، فهيا بنا نصلي معًا" فسيتركه ويذهب.
الأمر محتاج شيء من الجهاد، تقول لي إن غضب ذلك الأخ؛ أقول لك: "مَنْ أَحَبَّ أَبًا أَوْ أُمًّا أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي، وَمَنْ أَحَبَّ ابْنًا أَوِ ابْنَةً أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي" (مت 10 : 37)، إذا أحببت أي إنسان أكثر من الله لن تستطيع أن تعيش مع الله، ويقول: "فَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا" (لو14: 26). لا أريد أن أكلمكم كثيرًا عن العمل الجواني بل نكتفي بهذه الكلمات القليلة ونحاول أن نقاوم جميع العوائق التي تمنعنا من العمل الجواني.
تستطيع أن تعمل العمل الجواني وأنت وسط الناس، أي قد تكون جالسًا وسط مجموعة يتكلمون (والنوتي في حساب والريس في حساب)؛ هم مشغولون بكلامهم وأنت في عملك الجواني سرحان لا يشعر أحدٌ بك، لذلك الشخص الصامت من هذا النوع روحه تعمل في الداخل، يكون له عمق كما قيل في القصيدة:
إنَّ في صمتك سِرًا لن يرى |
| قُدس أقداسه إلاَّ الصامتُون |
في صمتك سر لن يرى قُدس أقداسه إلاَّ الصامتون، أي الذين اختبروا جمال هذا الصمت وقُدسيته وعمله الداخلي، لأنه قد يكون إنسان وسط ناس كلهم متحدثين وهو صامت من داخله يدينهم عما يقولون، الذي يدين في داخله عمله الجواني ليس مع الله.
عليك أن ترقب عملك الجواني سائر في أي طريق، أي أفكارك في أي اتجاه متجهة، مشاعرك في أي اتجاه تتجه؟ ارقب، افحص، اصلح من نفسك.. وإصلاحك لنفسك جزء من العمل الجواني، أي تنقيتك لقلبك وتطهير الفكر كلها من العمل الجواني.
قد يكون من ضمن العمل الجواني تفتيش النفس، تفتش نفسك وتعرف أخطاءك هذا عمل جواني لأنك تدخل إلى داخل نفسك إلى أعماقك وترى ما فيها وماذا يجب أن تستبقيه؟ وماذا يجب أن تبعده وتتخلص منه؟ تفتيش النفس جزء من العمل الجواني.
العمل الداخلي في حياتنا الروحية[2]
1-نتكلم عن العمل الداخلي في حياتنا الروحية وخاصة في حياتنا الروحية كرهبان، السيد المسيح دائمًا كان يهمه الداخل وليس الممارسات الخارجية، الأمور التي يسميها الآباء "الإنسان الجواني"، والله منذ القديم يقول: "يَا ابْنِي أَعْطِنِي قَلْبَكَ" (أم23: 26).
أي يهمه العمل داخل الإنسان وليس المظاهر، ولهذا كان يرفض العبادات المظهرية من الخارج إذا لم يكن القلب ممتلئ بمحبة الله، وكان يقول: "هذَا الشَّعْبُ يُكْرِمُنِي بِشَفَتَيْهِ، وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيدًا" (مر7: 6).
2-وفي الإصحاح الأول من إشعياء رفض العبادات الخارجية، رفض البخور الذي لم يكن دليل على الصلوات المقدمة لله وقال: "الْبَخُورُ هُوَ مَكْرَهَةٌ لِي" (إش1: 13)، ورفض الذبائح والمحرقات والتقدمات، ورفض الاحتفالات وأوائل الشهور والمواسم، بل رفض الصلاة أيضًا وقال: "فَحِينَ تَبْسُطُونَ أَيْدِيَكُمْ أَسْتُرُ عَيْنَيَّ عَنْكُمْ، وَإِنْ كَثَّرْتُمُ الصَّلاَةَ لاَ أَسْمَعُ. أَيْدِيكُمْ مَلآنَةٌ دَمًا" (إش1: 15)، لا أريد العبادة الخارجية إذا لم يكن يسندها قلب من الداخل مملوء محبة الله.
3-ولهذا ما أجمل قول المرتل في المزمور: "كلُّ مَجْد ابْنَة الْمَلِكِ من داخل"، مع أنها "مشتملة بأطراف موشاة بالذهب، مزينة بأشكال كثيرة" (مز45: 13) إلا أن كل مجد ابنة الملك من داخل، قلبك في الداخل ماذا فيه؟ هذا ما يريده الله.
4-السيد المسيح في انتقاده الشديد للكتبة والفريسيين، انتقدهم لأن الداخل لا يناسب المظهر الخارجي الخاص بالتقوى، فقال يشبه: "قُبُورًا مُبَيَّضَةً تَظْهَرُ مِنْ خَارِجٍ جَمِيلَةً، وَهِيَ مِنْ دَاخِل مَمْلُوءَةٌ عِظَامَ أَمْوَاتٍ وَكُلَّ نَجَاسَةٍ" (مت23: 27)، من الخارج منظر جميل ومن الداخل لا يوجد شيء. وقال أيضًا: "تُنَقُّونَ خَارِجَ الْكَأْسِ وَالصَّحْفَةِ، وَهُمَا مِنْ دَاخِل مَمْلُوآنِ اخْتِطَافًا وَدَعَارَةً" (مت23: 25)، فالله يريد العمل الجواني يريد القلب من الداخل، لا يريدك كيف تكون من الخارج.
5-غالبية انتقادات المسيح كانت لهذا الوضع وخاصة في الأسبوع الأخير مثلما أتى بمَثلِ القبور المبيضة، ومثل الكأس من الخارج ومن الداخل، لعن التينة لأنها من الخارج مورقة ونمو خضري ضخم ولا يوجد ثمر، مظهر لكن لا شيء من الداخل!!
6-الله يريد العمل الجواني حتى لو كان من الخارج يظهر الإنسان كأنه لا يفعل شيئًا، مثال "البذرة"، البذرة داخلها حياة كاملة وإن كانت تبدو من الخارج ميتة ليس فيها حياة، ولهذا ما أن تتاح لها وسائل الإنبات نجد العمل الجواني بدأ يظهر، يخرج منها جذر ويمتد في الأرض وظهر الساق لأعلى وبدأت تتشقق، حتى لو ماتت القشرة الخارجية لكن العمل الجواني هو الذي يظهر.
أيضًا من التشبيهات الجميلة للعمل الجواني "دودة القز" عندما تدخل في مرحلة الشرنقة، نجد الدودة تتغلف لا توجد حركة كدودة ولا حركة كفراشة، وتبدو كما لو كانت قد ماتت تمامًا وأغلقت على نفسها، ولكن هناك عمل جواني يُعمَل، لذلك بعد حين من حياة الوحدة التي تعيشها تجدها خرجت كفراشة، وسبحت في الفضاء لأنه كان يوجد عمل في الداخل يُعمل لم ينتبه له أحد، وهو عمل غير ظاهر لكنه يعمل في الداخل.
الرسول يقول: "تَغَيَّرُوا عَنْ شَكْلِكُمْ" هل نتغير من الخارج؟ "بِتَجْدِيدِ أَذْهَانِكُمْ" (رو12: 2)، أي عمل جواني وهو أن ذهنكم في الداخل يتجدد، نظرتك للأمور تتغير، أفكارك تدخل في وضع آخر، عقليتك، عملك الجواني يعمل بتجديد أذهانكم.
أنواع العمل الجواني
يوجد عمل كبير للإنسان في داخل قلبه، هذا العمل جزء منه مع نفسه وجزء منه مع الله:
1-مع الله، يوجد عمل صراع مع الله لكي تأخذ منه قوة تستطيع أن تعمل بها في حياتك الداخلية، عمل جواني بينك وبين الله.
2-ومع النفس، يوجد عمل جواني مع النفس أنه يتواجد إتفاق مع النفس على ما يجب أن يعمله الإنسان، قرار ضخم داخل نفسك على ما يجب أن تعمله، هذا هو العمل الجواني، عمل مع النفس وعمل مع الله.
3-مع الشيطان، يوجد حروب داخلية مع الشيطان، هذا عمل جواني، تصارع، عمل داخلي أن تخضع كل فكر للمسيح لطاعته كما يقول بولس الرسول: "وَمُسْتَأْسِرِينَ كُلَّ فِكْرٍ إِلَى طَاعَةِ الْمَسِيحِ" (2كو10: 5).
4-مع الشهوات والرغبات، مع النزعات والأفكار والاتجاهات في الحياة، عمل جواني داخل الإنسان مع كل هذا.
البرية الجوانية
كثيرون من الرهبان يحبون البرية الجوانية، السواح كانوا في البرية الجوانية، وفي صميم اعتقادي أن البرية الجوانية هي البرية التي داخلك أنت شخصيًا، التي بدونها لا يكون للبرية الجوانية الخارجية التي في الصحراء أي قيمة، بدون البرية الجوانية التي داخلك، لنفرض أن راهب في البرية الجوانية في مغارة وقلبه في المغارة منشغل بالذين في الدير وفي العالم والذاهب والعائد و...، إذًا ما هذه البرية الجوانية؟ البرية الجوانية داخلك، في قلبك، موضع غير مسلوك لا تسلك فيه شهوات ولا رغبات، ولا أفكار مضادة ولا أي شيء، موضع غير مسلوك ومكان بلا ماء.
يوجد عمل جواني كان يهتم به الآباء ويدعون كل من يترهب أن يمارسه، ومن أجل هذا العمل الجواني انفردوا في الجبال.
ممارسات العمل الجواني
نحاول أن نستعرض في الحياة الروحية بعض الكلمات عن العمل الجواني، ليتنا نأخذ بعض ممارسات العبادة التي نمر بها ونرى بها العمل الجواني والعمل الخارجي.
1- الصلاة
العمل الخارجي أن تقول مزاميرك، تقول صلواتك، تقول قوانينك، تقول أي صلاة شخصية لله، هذا عمل خارجي ولكن هذا العمل بدون العمل الجواني لا قيمة له وكأنك لم تُصلي، ما هو العمل الجواني؟ العمل الجواني هو وجود صلة بينك وبين الله أثناء الصلاة، أي يوجد تلامس بينك وبين الله أثناء الصلاة، يشعر قلبك أنه يتحدث مع الله وليس مجرد كلمات تقال، العمل الجواني أثناء الصلاة أن يكون هناك حب والحب عمل داخلي، يوجد خشوع والخشوع أمر داخلي، يوجد تواضع وحرارة داخلية "حَارِّينَ فِي الرُّوحِ" (رو12: 11)، يوجد فهم وتأمل في كل شيء أنت تقوله، كل هذا عمل جواني.
لكن مجرد أنك أنهيت مزمور وبدأت في آخر وأنهيت قطعة وبدأت في الأخرى هل هذا عمل جواني؟ ليس جواني، هذه مجرد ممارسات خارجية.
مثل إنسان يضرب ميطانية لله أو لأي إنسان، هذه الميطانية ما معناها؟ العمل الخارجي أن جسدك انحنى، أما العمل الجواني أن تكون نفسك انحنت "لَصِقَتْ بِالتُّرَابِ نَفْسِي" (مز119: 25) لم يقل: "لصقت بالتراب رأسي" بل "نفسي".
فأنت تأتي أمام الهيكل وتضرب ميطانية هل تضرب ميطانية وتعلن داخل نفسك أن نفسك انحنت أمام الله؟ أم ما زلت في ارتفاعك وشموخك وكبرياء قلب ولم تشعر أن نفسك انحنت، كما يقول البستان: "أضرب للأخ ميطاينة فلا يقبلها مني"؛ فقال له: "ذلك لأنك تضربها بكبرياء"؛ فلا ينتفع بها، أثناء انحناء رأسك هل نفسك تنحني بالفعل؟ إذًا هذا هو العمل الجواني.
عبارات كثيرة في الصلاة نقولها وعمليًا غير موجودة كما نقول في المزمور: "أَبْتَهِجُ أَنَا بِكَلاَمِكَ، كمن وجد غنائم كثيرة" (مز119: 162)، وأنت لم تفرح بكلامه لكن مجرد ترديد كلام! أيضًا "بِاسْمِكَ أَرْفَعُ يَدَيَّ. كَمَا مِنْ شَحْمٍ وَدَسَمٍ تَشْبَعُ نَفْسِي" (مز63: 4- 5)، "بِاسْمِكَ أَرْفَعُ يَدَيَّ" هذا عمل خارجي، و"مِنْ شَحْمٍ وَدَسَمٍ تَشْبَعُ نَفْسِي" هذا هو العمل الجواني، فأين أنت تقف؟ هل عند عبارة "أرفع يدي" أم دخلت في "تَشبعُ نفسي"؟ هذا هو العمل الجواني الذي يفعله الإنسان داخل قلبه وهو موجود مع الله.
2- الصوم
العمل الخارجي للصوم هو الامتناع عن الأكلِ في الانقطاع، أو امتناع عن أطعمة الدَّسم الحيواني من جهة نوع الأكل، لكن كل هذا عمل خارجي.
أما العمل الجواني أثناء الصوم هو الارتفاع عن المادة، الارتفاع عن مستوى الخبز الجسدي، العمل الجواني أثناء الصوم هو قهر الجسد والانتصار على الذات، هو الامتناع الفعلي، أن تطلب نفسك وتقول لها: "لا"، وتنفذ كلمة "لا" وجسدك يطلب وتقول له: "لا"؛ وتنفذ كلمة "لا"، لكن مجرد أنك تأكل طعام نباتي أو تنقطع فترة عن الطعام هذا عمل خارجي وليس عمل جواني.
فأنت في الصوم هل تسير في العمل الخارجي أم في العمل الجواني أم الاثنان معًا؟ أخاف أن يكون كثير من الناس يعملون في الأعمال الخارجية لكن القلب في الداخل لا يعمل، مجرد مظهر.
لذلك الشيخ الروحاني قال لأمثال هؤلاء الرهبان، قال لأحدهم: "لا تعزي نفسك بلبس السواد يا أخي"، لا تعزي نفسك بلبس الملابس السوداء هذا مجرد عمل خارجي، لكن انظر للداخل هل قلبك مات عن العالم أم لا؟ لبس الملابس السوداء هذا العمل الخارجي.
لكن العمل الجواني هو أن القلب مات فعلًا، الموت عن العالم عمل جواني والموت عن العالم هو الموت عن كل ما في العالم، "لاَ تُحِبُّوا الْعَالَمَ وَلاَ الأَشْيَاءَ الَّتِي فِي الْعَالَمِ... وَالْعَالَمُ يَمْضِي وَشَهْوَتُهُ" (1يو2: 15، 17)؛ هل عندك هذا الامتناع أم لا؟
الرهبنة المظهر الخارجي لها معروف، من الداخل يوجد عمل جواني، الزهد في كل ما في العالم، هل عندك هذا الزهد أم تحبذ أشياء تكون موجودة لديك؟
3- القراءة
العمل الخارجي أنك تقرأ، أما العمل الجواني فهو أنك تفهم وتتأمل بل تفهم وتتأمل هذا شيء بسيط، لكن العمل الجواني به شيء أعمق وهو أن الكلمة التي تقرأها تتحول إلى عقيدة في داخلك وتتحول إلى حياة فيك، هذا عمل جواني، والكلمة معها قوة من الروح القدس تساعدك على التنفيذ.
هل قوة الروح القدس فيك هي عمل جواني؟ القديس الأنبا أنطونيوس سمع آية، سماع الآية عمل خارجي، لكن مفعول الآية في قلبه من الداخل هذا عمل جواني، كيف غيرت هذه الآية حياته تمامًا؟ الأمر في الداخل، يوجد عمل جواني داخله.
4- الاعتراف
العمل الخارجي هو أن تعترف بخطيتك والعمل الداخلي الندم الشديد، تأنيب الضمير المُر للإنسان، الحزن على ما فعله، العزم الأكيد أنه لا يرتكب الخطية مرة أخرى، التوبة الحقيقية حتى أنه يسمي سر الاعتراف "سر التوبة"، كراهية الخطية في الداخل، كل هذه الأمور تكون موجودة مع الاعتراف، لكن قد يكون الاعتراف هو تقديم الحساب القديم لكي تفتح بعده حسابًا جديدًا، إذًا ماذا فعلت؟ مجرد كلام، هل الاعتراف كلام؟ لا، يوجد عمل جواني.
لذلك الابن الضال عندما رجع إلى أبيه وقال له: "أَخْطَأْتُ إِلَى السَّمَاءِ وَقُدَّامَكَ" (لو15: 18) سبق هذا أنه رجع إلى نفسه وشعر بسوء حالته وقرر قرارًا أن يغير حياته، كل هذه كانت أعمال جوانية سبقت الاعتراف وكانت مصاحبة له.
5- الصمت
العمل الخارجي هو أنك لا تتكلم، والعمل الجواني هو صمت الحواس، صمت الفكر، صمت القلب، قد تكون لا تتكلم وتنتقد وضع؛ لكن داخلك ألف انتقاد، إذًا أين صمتك؟ لسانك صامت وفكرك يتكلم أكثر من لسانك وقلبك يتكلم أكثر من لسانك، كما يقول المثل: "صمت دهرًا ونطق كفرًا"؛ أي ظل صامتًا فترة وعندما تكلم أخرج ما بداخله كله، الله يريد عملًا في داخل الإنسان يكون سائرًا فيه.
6- العفة
العمل الخارجي أن الإنسان لا يخطئ بجسده، لكن العمل الداخلي يكون: لا يحب هذه الخطية الجسدانية في داخل قلبه، ولذلك قال أحد الآباء لعلَّه جيروم "كثيرون لهم العفة في أجسادهم ونفوسهم من الداخل زانية"، من الخارج جسد عفيف، ومن الداخل الأفكار والشهوات كثيرة!
لذلك الآباء يريدون من الإنسان أنه يعمل بالعمل الجواني يتغير قلبه وفكره، تتغير نظرته للأمور، التوبة يعرفونها الآباء بأنها "استبدال شهوة بشهوة" أي شهوة الإنسان للعالم والمادة والجسد تستبدل بشهوته لله وللملكوت السماوي، هذه هي التوبة: تغيير شهوة القلب إلى مدار آخر ومسار آخر.
لكن ليست التوبة هي مجرد الامتناع عن الخطية، بل العمل الجواني هو كراهية الخطية هذا من الناحية السلبية، ومحبة الله وشهوة الروحيات من الناحية الإيجابية.
إذًا هناك عمل جواني، إذا احتفظ الإنسان بالعمل الجواني في هذه الحالة يكون قلبه مع الله بل قد تكون روحياته مختفية في الداخل وقد لا يظهر من الخارج أنه يفعل شيء وأبوه الذي في الخفاء يجازيك علانية، ماذا يرى في الخفاء؟ يرى العمل الجواني الذي يحدث في الخفاء.
إنسان يعطي رحمة، من الخارج يعطي ومن الداخل لا يحب، وقد يعطي آخر باحتقار أو بلا مبالاة أو بمظهرية، العطاء ليس هو العمل الجواني، لذلك نسمي الصدقة عمل الرحمة وليس عمل العطاء، لأن الرحمة عمل جواني والعطاء عمل خارجي، يجتمعان معًا فيكون عمل عطاء ورحمة.
[1] كتاب عظات رهبانية، صـ177- 184
[2] كتاب عظات رهبانية، صـ187- 193
الشعر النسكي-غريب
كتب قداسة البابا شنوده الثالث العديد من القصائد الشعرية الرهبانية والنسكية، التي تعبر عن مشاعره وعواطفه وأفكاره، وما يدور في وجدانه، تجاه هذه الحياة التي أحبها، وسار فيها، ودخل إلى أعماقها.
غريب[1]
غريبًا عشتُ في الدنيا | نزيلًا مثل آبائي |
[1] نظمت هذه القصيدة عام 1946م
سائح
سائح[1]
أنا في البيداءِ وحدي | ليس لي شأنٌ بغيري |
[1] نظمت هذه القصيدة في يوليو 1954م
من تكون
من تكون[1]
كلُّ ما هو لك صمتٌ وسكون أنت قلبٌ هائمٌ في حبهِ | وهدوءٌ يكشفُ السرَّ المصون أنت سرٌّ ليتَ شِعري من تكون؟ |
[1] نظمت هذه القصيدة في المغارة عام 1960م
همسة حب
همسة حب[1]
قلبيّ الخفاقُ أضحى مضجعك | | في حنايا الصدرِ أخفي موضعك |
[1] نظمت هذه القصيدة في المغارة عام 1961م
تائه في غربة
تائه في غربة[1]
يا صديقي لستُ أدري ما أنا |
| أو تدري أنتَ ما أنتَ هُنا |
[1] نظمت هذه القصيدة في المغارة عام 1961م
مديح للقديس الأنبا أنطونيوس
مديح للقديس الأنبا أنطونيوس[1]
في كنيسة الأبكار | في مجمع الأطهار | قائم بكل وقار |
القرار: بنيوت آفا أنطونيوس |
| |
قائم بمجد عظيم | مع لبّاس الإسكيم | في طقس السارافيم |
[1] نظمت هذه المديحة في يناير 1962م



