الفرح بالرب
تأمل قداسة البابا شنوده الثالث في موضوع الفرح بالرب، خصوصًا في مناسبة القيامة، موضحًا أن الفرح الحقيقي هو فرح روحي نابع من القلب المملوء بمحبة الله، وليس مجرد لذة جسدية أو سرور عالمي زائل.
الفرق بين الفرح واللذة
بيّن قداسته أن هناك فرقًا كبيرًا بين اللذة والفرح:
-
اللذة تخص الجسد، مثل لذة الطعام أو المناظر أو الموسيقى، وهي مؤقتة.
-
أما الفرح فيخص الروح، وهو عميق وثابت، ويأتي من علاقة الإنسان بالله.
وأوضح أن الفرح الجسدي لا يمتد للنفس، بينما الفرح الروحي يملأ الكيان كله بالسلام.
الفرح الباطل
حذّر البابا من أنواع الفرح الزائف، ومنها:
-
الفرح بسقوط الأعداء أو بمصيبة الآخرين، وهو نوع من الشماتة المرفوضة.
-
الفرح الممزوج بالكبرياء مثل فرح التلاميذ بأن “الشياطين تخضع لهم”، فأوضح لهم المسيح أن الفرح الحقيقي هو أن “أسماءكم كتبت في السموات”.
-
الفرح بالخطيئة أو بالمجد الذاتي، وهو فرح زائل يقود للهلاك.
الفرح الروحي
الفرح الروحي هو الفرح بوجود الله في الحياة، كما قال الرب لتلاميذه:
“سأراكم فتفرح قلوبكم، ولا يستطيع أحد أن ينزع فرحكم منكم.”
هو الفرح الذي لا يرتبط بظروف خارجية بل بعِشرة الله الدائمة.
أوضح البابا أن الكنيسة في الخماسين لا تكتفي بمظاهر الفرح الخارجي (كوقف السجود أو الميطانيات)، بل تريد فرحًا حقيقيًا نابعًا من الإحساس بحضور الله الدائم.
أمثلة من الكتاب المقدس
ذكر البابا عدة أمثلة توضح الفرح الروحي:
-
الفرح بكلمة الله: كما قال داود “فرحت بكلامك كمن وجد غنائم كثيرة”.
-
الفرح بالتوبة: كما في مثل الابن الضال، حيث قال الأب “كان ينبغي أن نفرح لأن ابني هذا كان ميتًا فعاش”.
-
فرح السماء بخاطئ واحد يتوب: وهو أعظم فرح، لأن خلاص النفس أغلى من كل العالم.
-
الفرح بالخدمة: كما فرح نحميا وعزرا ببناء سور أورشليم، وكما قال المزمور “عظَّم الرب الصنيع معنا فصرنا فرحين”.
الفرح بالعطاء
شدد البابا على أن المعطي بفرح يحبه الرب، لأن الفرح بالعطاء هو علامة نقاء القلب ومحبة الخير.
وقال: “الذي يعطي بسرور يفرح أكثر من الذي يأخذ، لأن العطاء يشارك الله في محبته للإنسان.”
الفرح بفرح الآخرين
الفرح الروحي يشمل الفرح لفرح الآخرين، كما قال الكتاب:
“فرحًا مع الفرحين وبكاءً مع الباكين.”
فالمحبة الحقيقية تفرح حين ترى غيرها مفرحًا، دون حسد أو غيرة.
واعتبر البابا أن الفرح بفرح الآخرين هو علامة قلب نقي ومتواضع.
الفرح في الخدمة
فرح الخادم الحقيقي لا يأتي من مدح الناس، بل من نجاح النفوس في طريق الله.
كما قال القديس يوحنا الحبيب:
“ليس لي فرح أعظم من هذا أن أسمع أن أولادي يسلكون بالحق.”
وشرح البابا أن المرشد الروحي يفرح حين يرى ثمرة خدمته في أولاده الروحيين.
الفرح وسط الألم والتجارب
الإنسان الروحي يفرح حتى في التجارب والآلام، مثل بولس الرسول الذي قال:
“كحزانى ونحن دائمًا فرحون.”
وكتب أيضًا: “افرحوا في الرب كل حين، وأقول أيضًا افرحوا.”
فالفرح هنا ليس في الألم ذاته، بل في عمل الله من خلال الألم، وفي الرجاء بالإكليل الأبدي.
الفرح بالرجاء والإيمان
أكد البابا أن من يعيش بالإيمان والرجاء يظل فرحًا حتى وسط الضيقات، لأنه واثق أن “يد الرب تعمل”.
الفرح بالرجاء يجعل الإنسان مطمئنًا لأن الله لا ينسى شعبه ولا يتأخر عن وعده.
خلاصة
الفرح بالرب ليس شعورًا عابرًا، بل أسلوب حياة روحية يعيشها المؤمن في حضرة الله، في الصلاة، في الخدمة، في العطاء، وفي التوبة.
هو ثمرة من ثمار الروح القدس، كما قال بولس الرسول:
“وأما ثمر الروح فهو محبة، فرح، سلام…”




