العمل الفردي

العمل الفردي[1]
تحدثنا في العدد الماضي عن العمل الفردي في الخدمة وضربنا أمثلة من العهد القديم، ومن خدمة السيد المسيح والآباء الرسل. واليوم نكمل حديثنا أيضًا عن:
العمل الفردي “2”
الآباء الرسل كان لهم عمل فردي، حتى في رسائلهم:
مثل ذلك رسالة القديس بولس مع فليمون. فقد كان فيها عمل فردي مع فليمون، وعمل آخر مع عبده أنسيموس الذي صيّره القديس بولس أخًا وخادمًا نافعًا له في الخدمة، وتعهد بأن يوفي عنه ديونه (فل 16، 18).
كذلك رسالته أيضًا إلى تيموثاؤس. بالإضافة إلى ما ورد فيها من تعليم رعوي وتعليم لاهوتي، فيها أيضًا حديث شخصي لتيموثاؤس عن حياته وسلوكياته، بل عن صحته الجسدية أيضًا، إذ يقول له: “لاَ تَكُنْ فِي مَا بَعْدُ شَرَّابَ مَاءٍ، بَلِ اسْتَعْمِلْ خَمْرًا قَلِيلاً مِنْ أجْلِ مَعِدَتِكَ وَأَسْقَامِكَ الْكَثِيرَةِ” (1تي5: 23). والأمثلة كثيرة عن العمل الفردي في رسائل الآباء الرسل.
ميزات العمل الفردي
العمل الفردي يتميز عن العمل الجماعي بعدة أمور، نذكر منها:
1- فيه نوع من التركيز والتخصيص والفائدة المباشرة:
ففي العظة التي تُلقى في الكنيسة أو في أي اجتماع، يتكلم الخادم كلامًا عامًا لجميع الناس. ولكنه في العمل الفردي يكلم إنسانًا بالذات يمس الحياة الخاصة لهذا الإنسان، والظروف التي يمر بها. إنها خدمة مركزة، ونتيجتها واضحة.
فما معنى عبارة “نتيجتها واضحة”؟
أي أنه في العظة العامة، لا يعرف الواعظ ماذا كان تأثير كلامه، وهل أتى بنتيجة أم لا. أما في العمل الفردي، فيرى النتيجة أمامه. إنه يكلم شخصًا يرى أمامه مدى استجابته أو رفضه، ومدى تفاعله مع الكلام الذي يسمعه، وإن كان له اعتراض يبديه…
2- العمل الفردي يتميز أيضًا بمكافأة خاصة، لأنه عمل في الخفاء.
العظات العامة، والفصول الكبيرة في التربية الكنسية، والخدمة في القرى، لها وضوح وهي ظاهرة أمام الكل. وقد يوضع جدول لها يبين اسم الخادم وخدمته وموعدها. أما العمل الفردي، فهو في الخفاء، لا يحس به أحد، ولا ينال إعجابًا من جمهور ولكن كما قال السيد الرب: “أَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ هُوَ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً” (مت6: 4).
3- كذلك العمل الفردي، يحمل أيضًا تواضعًا في الخدمة.
هناك أشخاص لا يخدمون إلا على مستوى معين!! إما في اجتماع كبير، أو كنيسة كبيرة، أو مكان له شهرته… وإلا فإنهم يعتذرون عن الخدمة…!
أما العمل الفردي فإن فيه اتضاعًا، لأن الخادم يكلم فيه شخصًا واحدًا، في بعد عن الشهرة، فهي خدمة تُعطَى، وفيما يبدو لا تأخذ شيئًا…
4- العمل الفردي يتميز بحب أكثر، وباهتمام أكثر.
فيه عنصر المبادرة وعنصر الاهتمام. ففي العظات العامة يذهب الناس إلى الكنيسة. أما في العمل الفردي، فالخادم هو الذي يذهب إلى المخدومين، وليسوا هم الذين يأتون إليه وحتى إن أتى بعضهم، فإنه يجد اهتمامًا خاصًا.
العمل الفردي هو حب للناس. هو إدراك لقيمة النفس الواحدة.
هو إدراك عملي لقيمة النفس التي مات المسيح لأجلها. وكان ثمنها هو دم المسيح. هو انتشال لهذه النفس من النار، كما قال الرسول: “وَخَلِّصُوا الْبَعْضَ بِالْخَوْفِ مُخْتَطِفِينَ مِنَ النَّارِ” (يه23). وكما قال ملاك الرب عن يهوشع وهو ينقذه من الشيطان الذي يقاومه: “أَفَلَيْسَ هَذَا شُعْلَةً مُنْتَشَلَةً مِنَ النَّارِ؟” (زك3: 2). وما أعمق قول معلمنا يعقوب الرسول: “مَنْ رَدَّ خَاطِئًا عَنْ ضَلاَلِ طَرِيقِهِ، يُخَلِّصُ نَفْسًا مِنَ الْمَوْتِ، وَيَسْتُرُ كَثْرَةً مِنَ الْخَطَايَا” (يع5: 20).
5-وربما عمل فردي تكون له خطورته، ويتحول إلى عمل عام كبير.
مثل عمل السيد المسيح مع شاول الطرسوسي، في عتابه له وهدايته، وفي دعوته أيضًا. وكيف أنه بهذا العمل الفردي، تحول شاول إلى طاقة جبارة في العمل الكرازي، وتعب في الخدمة أكثر من جميع الرسل (1كو15: 10). فما أدراك. ربما هذا الفرد الذي تخدمه يصير شيئًا كبيرًا فيما بعد…
6-أيضًا في العمل الفردي، تأخذ خبرة روحية عميقة.
خبرة لا تستطيع أن تحصل عليها في العمل العام. فأنت تعرف خلالها طبيعة النفس البشرية وحروبها، وما تقف أمامها من عوائق عملية في طريق الفضيلة. وترى الفارق بين التعليم النظري الذي يقال للجماعات، وبين شخص تكلمه فيرد عليك، وتأخذ وتعطي معه في الحديث. وتشرح له الفضيلة، فيشرح لك العقبات العملية التي تقف أمام التطبيق…
7-لذلك فالعمل الفردي يتميز بالناحية العملية أكثر من العمل الجماعي.
والإنسان الذي له خبرة سابقة أو حالية في العمل الفردي، يستطيع في عمله الجماعي أو في العظات العامة أن يكون أكثر فعالية، وأن يمس كلامه مشاعر الناس، ويكون عمليًا في تعليمه يتحدث عن الواقع الذي يعيشه السامعون، ولا يقول كلامًا نظريًا…
وفي خدمة الكهنوت، يوجد العمل الفردي والعمل الجماعي، كلاهما معًا:
العمل الجماعي في الصلاة العامة، وفي العظات العامة والخدمات العامة. أما العمل الفردي ففي الاعترافات، وفي حل مشاكل الناس، وفي الزيارات والافتقاد. إنه يتعامل مع الكل، ومع كل فرد على حدة.
ومن الجائز أن العمل الفردي لا يكون مع فرد واحد. من الجائز أن يكون مع اثنين معًا، يصلحهما أو يدبر حياتهما المشتركة، أو يوفق خدمتهما. أو يكون العمل الفردي مع أسرة كاملة، ولكن لها طابعها الفردي بالنسبة إلى باقي الأسرات. أو مع مجموعة من الناس، مع مجلس جمعية مثلًا…
مجالات العمل الفردي
من الممكن أن يوجد عمل فردي في مجال الأسرة:
مثلما يقول الكتاب: “أَمَّا أَنَا وَبَيْتِي فَنَعْبُدُ الرَّبَّ” (يش24: 15). ومثلما قال الرب عن وصاياه: “قُصَّهَا عَلَى أَوْلاَدِكَ، وَتَكَلَّمْ بِهَا حِينَ تَجْلِسُ فِي بَيْتِكَ” (تث6: 7). فهل أنت لك خدمة روحية وسط أفراد أسرتك؟ أم علاقتك بهم مجرد علاقة اجتماعية عائلية! أم علاقة احتكاكات أحيانًا!! هل افتكرت أن توصل أخاك الصغير إلى الله؟ أو أن تقود أحد أقربائك إلى حياة التوبة، أو تعلمه العقيدة السليمة. إنه عمل فردي.
يمكن أن يكون العمل الفردي في مجال الجيران أو المعارف.
إن كنت شخصًا روحيًا، ولك جيران أو أصدقاء، فهل استفادوا من روحياتك؟ هل تمر حياتك الروحية مرورًا عابرًا على الآخرين، دون أن تترك فيهم أثرًا، ويكون وجودك وسطهم بلا ثمر؟! هل كل أحاديثك معهم خالية من الله؟ أم تراك تتحاشى ذلك أو تخجل منه. لئلا يتهموك بأنك متديّن؟!
ونفس الكلام يقال عن زملائك في العمل أو في الدراسة.
وأيضًا عن زملائك في النادي، أو في أي نشاط اجتماعي. ما هي خدمتك الفردية وسط كل هؤلاء؟ هل استطعت أن تجذب أحدًا إلى طريق الله، أو حتى أن تدعوه إلى اجتماع في الكنيسة؟
يعجبني فيلبس، أنه وهو سائر في الطريق، كان له عمل عميق مع الخصي الحبشي.
قدم له الإيمان وعمّده، وذهب في طريقه فرحًا (أع8: 38، 39). وأنت كم من الناس قد قابلتهم في طريق الحياة، دفعهم الله إلى طريقك. فهل قدمت لأحد منهم كلمة روحية، أو أية كلمة منفعة، أو دفعة إلى قدام…
ما أعجب خدام الرب الحقيقيين. إنهم مميزون بشهادتهم للرب (أع1: 8) أشخاص كثيرون يتقابلون معك. واحد منهم يقدم لك علمه ومعرفته، وآخر يقدم لك ذكاءه، ثالث يقدم ظرفه ولطفه، ورابع يقدم خدمة. أما هذا النوع المميز، فيقدم لك المسيح، بلباقة ولطف فتشعر باشتراك المسيح معكما…
قد يكون ذلك في أية مناسبة: في زيارة، في مرض، في تعزية، في معايدة.
في لقاء عادي، يحوّله هو إلى لقاء روحي، بأسلوب هادئ طبيعي… وهناك أتذكر أعماقًا مذهلة في لقاءات القديسين. لعل في مقدمتها لقاء مريم العذراء مع أليصابات. أكان لمجرد خدمة تلك العجوز في الشهور الأخيرة من حملها؟ أم أننا نقف أمام هذه العبارة الجميلة “فَلَمَّا سَمِعَتْ أَلِيصَابَاتُ سَلاَمَ مَرْيَمَ… امْتَلأَتْ أَلِيصَابَاتُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ” (لو1: 41). وكان لقاء نبوءة وكشف إلهي وتسبيح، وكلام روحي.
ماذا أيضًا عن اللقاء بين القديس الأنبا أنطونيوس، والقديس الأنبا بولا… وماذا عن اللقاءات بين القديسين التي كانوا يتكلمون فيها بعظائم الله، واسمه على ألسنتهم. وكما تقول التسبحة: “اسمك حلو ومبارك في أفواه قديسيك”.
ولعلك تقول: من يسمع؟ ومن يقبل؟ ومن يفهم؟
كلا يا أخي. تكلم أنت، واترك النتيجة إلى عمل الله في القلوب. المهم أن تنطق بكلمة الله في حكمة. وثق أن كلمة الله لن ترجع فارغة. بل كما قال السيد الرب: “هكَذَا تَكُونُ كَلِمَتِي الَّتِي تَخْرُجُ مِنْ فَمِي. لاَ تَرْجعُ إِلَيَّ فَارِغَةً، بَلْ تَعْمَلُ مَا سُرِرْتُ بِهِ وَتَنْجَحُ فِي مَا أَرْسَلْتُهَا لَهُ” (إش55: 11).
إذًا احرص فيما تخدم، أن يكون الله متكلمًا على فمك. أما عن النتيجة، فاذكر قول الكتاب: “اِرْمِ خُبْزَكَ عَلَى وَجْهِ الْمِيَاهِ فَإِنَّكَ تَجِدُهُ بَعْدَ أَيَّامٍ كَثِيرَةٍ” (جا11: 1).
هناك نفوس تحتاج إلى مدى زمني، حتى تقبل كلمة الله، وحتى يمكن أن تأتي الكلمة فيها بثمر… والأمر يحتاج إلى صبر ومثابرة.
إن كل نفس تعمل معها عملًا فرديًا، لها ظروفها الخاصة، وعقليّتها الخاصة، ولها ماضيها وحاضرها، وبيئتها وضغوطها، ولها مشاعرها وأحاسيسها ومفاهيمها. وليست كل نفس تنفعها نفس الكلمة.
لذلك فإن العمل الفردي يحتاج إلى حكمة، تتخير الكلام المناسب، والأسلوب المناسب، ونوع المعاملة:
إن كنت بصدد مشكلة معينة معروفة، يمكن أن تطرقها بطريقة مقبولة. أما إن كنت بصدد هداية عامة، فربما لا يصلح الأسلوب المباشر الذي تفرض به العمل الروحي فرضًا، بطريقة غالبًا لا تقبلها ولا تستسيغها النفوس التي لم تتعوّدها. إنما يترقب الشخص المناسبة التي يقول فيها الكلمة الروحية بحيث تبدو طبيعية جدًا غير مصطنعة… أما عن كيف يكون العمل الفردي وأسلوبه؟
فهذا ما أود أن أحدثك عنه في العدد المقبل بمشيئة الرب، إن أحبت نعمة الرب وعشنا.
[1] مقالة: قداسة البابا شنوده الثالث “سلسلة الخدمة (24) – العمل الفردي 2″، جريدة وطني: 6 فبراير 1994م.




