العمل الإيجابي

العمل الإيجابي[1]
*مقاومة الخطية غير مضمونة بدون العمل الإيجابي…
*أن دخلت محبة الله إلى قلبك تبدد كل خطية
*ما هو العمل الإيجابي؟ وما كل عناصره…؟
*إن انشغلت بالله تحبه وإن أحببته تنشغل به.
*متى يحترمك الشيطان ويخافك؟ ومتى يستهين بك؟
*بالعمل الإيجابي تقيم توازنًا مع محاربات الخطية.
كل إنسان – في بناء حياته الروحية – يواجه أمرين هامين: أحدهما هو مقاومة الخطية لكيما يطهر قلبه وذهنه، ويطهر حواسه وجسده. وقد يمتد به الأمر إلى مقاومة الخطية في غيره من الناس. لكي يشارك في نقاوة المجتمع الذي يعيش فيه. إنها حياة صراع ضد الخطية والشيطان. تمثل الجانب السلبي من الحياة الروحية.
أما الجانب الإيجابي في الحياة الروحية، فهو بناء النفس والروح بالفضيلة والحياة مع الله ومذاقة الملكوت. فيذوق محبه الله والتمتع بعشرته في حياة مقدسة…
إن الذي يجعل حياته كلها مقاومة للخطية، لا شك أنه يتعب كثيرًا، لأن حياته ضائعة في صراع مع الخطية التي قال عنها الكتاب أنها: “طَرَحَتْ كَثِيرِينَ جَرْحَى وَكُلُّ قَتْلاَهَا أَقْوِيَاءُ” (أم7: 26) وفي صراع مع الشيطان الذي هو عدو قاس وشرير لا يرحم. وفي نفس الوقت هو مختبر للنفس البشرية على مدى آلاف السنين. يعرف ضعفاتها ونقصها. ويعرف كيف يسقطها…
لا شك أن هذا العمل السلبي شاق وصعب. وقضاء الحياة فيه أمر يرهق النفس إرهاقًا قد لا تحتمله.
فالصراع مع أجناد الشر الروحية ليس أمرًا سهلًا. لأن الشيطان وإن كان قد فقد طهارته ونقاوته وقداسته السابقة. إلا إنه لم يفقد طبيعته كملاك. بكل ما في هذه الطبيعة من قوة. وبكل ما لها من إمكانيات…
ماذا إذن؟ هل يترك الإنسان هذا الجانب السلبي؟ هل يترك مقاومة الخطية؟! كلا بلا شك فإن هذا يكون استسلامًا لها…!
والرسول يعاتب أمثال هؤلاء ويقول: “لَمْ تُقَاوِمُوا بَعْدُ حَتَّى الدَّمِ مُجَاهِدِينَ ضِدَّ الْخَطِيَّةِ” (عب12: 4).
فالمفروض في الإنسان أن يقاوم الشيطان والخطية والجسد بكل ماله من قوة، وبكل ما منحه الله من نعمة، ويستمر صامدًا إلى آخر نسمة من حياته.
إنما هو السؤال: لماذا تكون مقاومة الخطية صعبة؟ لماذا سماها الرب بالباب الضيق والطريق الكرب؟ (مت7: 13، 14). ولماذا قال كثير من الآباء إن الحياة الروحية تبدأ بالتغصب وقهر النفس؟
إنها تكون هكذا صعبة إن كانت خالية من العمل الإيجابي… إن كانت مجرد صراع… “الْجَسَدَ يَشْتَهِي ضِدَّ الرُّوحِ وَالرُّوحُ ضِدَّ الْجَسَدِ، وَهَذَانِ يُقَاوِمُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ” (غل5: 17).
ولماذا هذا الصراع؟ ذلك لأن محبة الله لم تدخل إلى القلب، ولم تستقر فيما بعد. وكيف تدخل محبة الله إلى القلب؟ تدخل بالعمل الإيجابي.
من هنا كانت أهمية العمل الإيجابي في الحياة الروحية. لأنه بدونه تكون مقاومة الخطية عملية صعبة ومريرة. وربما تكون أيضًا عملية خاسرة…! ولماذا هنا نسأل:
لماذا يتعب الإنسان في حروبه الروحية. لماذا يتأرجح كثيرًا بين الفشل والنجاح؟
وذلك لأن محبة الله ليست داخل قلبه. فهو يحارب من فراغ. يقاوم الخطية ثم لا يصمد. لأنه لا يملك السلاح الذي يحارب به. لا يملك القوة التي يصمد بها. ولا شك أن السلاح القوي الذي تنتصر به على الخطية. هو محبة الله التي تجعلك تنفر من الخطية. وتقول: “كَيْفَ أَصْنَعُ هَذَا الشَّرَّ الْعَظِيمَ وَأُخْطِئُ إِلَى اللهِ؟” (تك39: 9)
إن محبة الله إن دخلت إلى قلبك، ستهرب منه الخطية تمامًا، هذه التي تشقى أنت في مقاومتها، وتقع وتقوم مرات بغير ثبات!
إن دخلت محبة الله إلى قلبك. لا تشعر بأي سلطان للخطية عليك. ولا تحتاج إلى جهد كبير في مقاومتها بل لا تجد داخلك هذا الصراع بين الجسد والروح. لأنك ستكون بطبعك نافرًا من الخطية. كما أن الشيطان لا يجد له مكانًا فيك… وكما قال السيد المسيح له المجد: “رَئِيسَ هَذَا الْعَالَمِ يَأْتِي وَلَيْسَ لَهُ فِيَّ شَيْءٌ” (يو14: 30).
حاليًا تحتاج إلى صراع مع الخطية، لأن في داخلك شهوات عالمية تسقطك. توجد شهوات في قلبك تقاوم الله. لذلك عندما يأتي إليك الشيطان. يجد البيت مزينًا ومفروشًا ومستعدًا للقائه. فيدخل وأعوانه معه. لذلك شهوة الروح تجد مقاومة في داخلك من شهوة الجسد.
أما إن كانت محبة الله في قلبك، فسيكون بيتك محصنًا ضد أي خطية، فلا تجد سهولة مطلقًا في اقتحامه.
وحينئذ يمكنك أن تغني مع داود النبي، وتقول لنفسك المحصنة: “سَبِّحي الرَّبَّ يا أورُشَليمَ، سَبِّحي إلَهَكِ يا صِهْيونَ. لأنَّهُ قَدْ قَوَّي مَغاليقَ أبْوابِكِ، وبارَكَ بَنيكِ فيكِ” (مز147: 1).
محبة الله في داخلك، تجعل الخطية ضعيفة جدًا في مهاجمتها لك، لأنه لا يوجد في داخلك ما يتفق معها…
وتصبح أبواب قلبك مغلقة أمام الشيطان. لا يستطيع أن ينفذ إليها بضربة شمال ولا بضربة يمين.
الحب في داخلك يحصن نفسك. وهذا الحب يلد في داخلك بنين كثيرين هم ثمر الروح من الفضائل وأعمال البر.
لذلك لا يقول المرتل لنفسك ان الله قد حصن مغاليق أبوابك. فقط من الناحية السلبية. إنما يقول لها أيضًا من الناحية الإيجابية: “وبارَكَ بَنيكِ فيكِ”.
إنه جهاد مريح وسهل ومفرح للقلب، أن تجاهد الجهاد الإيجابي من أجل معرفة الله والنمو في محبته. وهو جهاد يختلف تمامًا عن الجهاد السلبي في مقاومة الخطية والشيطان.
إن ألذ شيء في الحياة الروحية هو هذا العمل الإيجابي. الذي هو مذاقة الله ومذاقة الملكوت. وهو التمتع بالله. والمعيشة معه في عمق محبته… وفيه لا تعود تقاسي من الحروب الروحية. ولا من صراع ضد الخطية. لأنك لم تعد تتفق معها في طباعك. ولا يوجد في داخلك ما يرضى بها…
هل تظن أن الإنسان يسقط في الخطية، بسبب أن الخطية قوية، والعثرات شديدة، والشيطان كثير الحيل؟! كلا، بل أنه يسقط بالأكثر لأن قلبه خالي من محبة الله…
وإن كان يحب الله. فلن يجد الخطية شهية على الإطلاق. ولا يجدها مطلقًا قوية في حروبها… بل يرى نفسه ينفر منها. لأنها خاطئة جدًا. ولا توافق طبعه النقي.
وكيف يصل إلى ذلك؟
يصل إلى ذلك بالعمل الإيجابي الروحي الذي يوصله إلى محبة الله. ومحبة الله تجعله لا يخطئ. لأن “اَلْمَحَبَّةُ لاَ تَسْقُطُ أَبَداً” (1كو13: 8)، وكما قال القديس يوحنا الرسول أن “اللهُ مَحَبَّةٌ، وَمَنْ يَثْبُتْ فِي الْمَحَبَّةِ يَثْبُتْ فِي اللهِ وَاللهُ فِيهِ” (1يو4: 16) “وَلاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُخْطِئَ لأَنَّهُ مَوْلُودٌ مِنَ اللهِ” (1يو3: 9).
حاول إذًا أن تملأ قلبك من محبة الله، حينئذ تكون محبته في داخلك كنار ملتهبة، تحرق كل شهوات الخطية وكل آثارها وكل أفكارها.
فما هو العمل الإيجابي الذي يوصلك إلى كل هذا؟
فكر كثيرًا في الله. وتفكيرك في الله يلد محبته في قلبك. ومحبته تجعلك تفكر فيه بالأكثر. وكل من الأمرين يوصل إلى الآخر ويقويه…
وإذا ما أكثرت التفكير في الله. وفي سمائه وملائكته، وفي كلامه ووصاياه، وفي الأبدية السعيدة معه، وإذا ما أكثرت التفكير في صفات الله الجميلة، وفي معاملات الله للناس، حينئذ ستنشغل بالله. ومشغوليتك به ستجعلك تفكر فيه بالأكثر وتفكيرك فيه سيزيد محبتك له. وهكذا تدور الدائرة…
تفكيرك في الله هو العمل الإيجابي الأول في حياتك الروحية… أي أن يكون الله أمامك باستمرار، تتذكره كل حين، كما قال داود النبي: “مَحبوبٌ هوَ اسْمِكَ يا رَبّ فهو طولُ النّهارِ تِلاوتي” (مز119: 97).
وتفكيرك في الله يقدس فكرك. ويلد في قلبك مشاعر روحانية. وفي كل ذلك تستحي من أن تفكر في شيء خاطئ. ولا يسهل عليك أن تخلط بأفكارك المقدسة أي فكر نجس. أو حتى أي فكر عالمي. وتتشجع للاستمرار في فكرك الإلهي.
والتفكير في الله يوصلك إلى نقاوة القلب، لأنه لا شركة مطلقًا بين النور والظلمة (2كو6: 14).
وهنا تتعود الصلاة. وتتعود أيضًا الهذيذ والتأمل. وتشعر بأنك في حضرة الله باستمرار.
وفي هذا الحضور الإلهي لا يجرؤ الشيطان أن يقترب إليك. وإن اقترب سرعان ما يتركك. لأنه لا يجد له مجالًا فيك. ولا يجدك متفرغًا له. ويرى أن طرقك لا توافق طرقه… وحتى إن حاربك بشيء. تكون حربه ضعيفة. لأنك مشغول بالله…
لهذا تكون كل حرب الشيطان لك مركزة في إبعادك عن الانشغال بالله، وليس في محاربتك علنًا بالخطية…
فإن استطاع الشيطان أن يبعدك عن عملك الإيجابي الذي هو الانشغال بالله. حينئذ يتدرج خطوة أخرى فيحاول إلقائك في السلبيات…
وحتى في تلك الحالة تكون قد اكتسبت قوة من عملك الروحي السابق تستطيع أن تقاوم بها محاربات الشيطان.
وفي هذه الحالة يحاربك الشيطان وهو يحترمك، وهو يخافك، وهو يحترس منك، فلا ينزل عليك بكل ثقله.
أما الإنسان البعيد عن العمل الإيجابي فهو فريسة سهلة للشياطين… وهم لا يخافونه. إذ يعرفون أنه بلا قوة في الداخل تقاومهم.
قلنا إن العمل الإيجابي يشمل محبة الله، ويأتي عن طريق التفكير في الله، وعن طريق الهذيذ والتأمل والانشغال بالله. وماذا أيضًا
إن القراءة الروحية نافعة جدًا كعمل إيجابي يشغل الفكر بالله، ويقدم له كذلك مادة للتأمل والصلاة.
إنها تذكرني برفع البخور الذي يعد المذبح لتقديم القرابين عليه.
فالقراءة توجه فكرك في جو روحي وتذكرك بالله وقديسيه. وكلمة الرب فعالة، تعمل فيك، وتعطي حرارة لروحياتك، وتدفعك بقوة إلى طريق الرب، كما أنها تعطيك استنارة في الفكر، وتلد فيك مشاعر روحانية، وتقوي عزيمتك على السير في طريق الله…
ومثل القراءة الروحية في فاعليتها، الاجتماعات الروحية أيضًا. بكل ما فيها من صلوات وقراءات، وتراتيل وألحان وجو روحي نافع لربط الإنسان بالله. يضاف إلى ذاك ما فيها من كلمات روحية نافعة.
كل ذلك يوجدك في بيئة روحية، يشعر الشيطان أنه غريب عنها…
والصداقات الروحية نافعة جدًا. إنها من الأعمال الإيجابية التي تقوي بها قلبك وتجذبك إلى الله.
وصديقك الروحي، هو الذي كلما تراه، تتذكر الله ووصاياه، وتتبكت على خطاياك، وتأخذ منه قدوة في حياة الفضيلة.
إن الخطية لم تستطع أن تدخل في حياة لوط وأسرته. حينما كان لوط يعيش مع أبينا إبراهيم. ولكنها وجدت مجانًا حينما ابتعد لوط عن هذه الصداقة الروحية وسكن في سادوم. يعذب نفسه بأخطاء سكانها.
والتناول من أهم الأعمال الإيجابية. بتأثيراته العميقة في النفس، وبما يصحبه باستمرار من توبة واعتراف.
وقد قال السيد المسيح عمن يتناول “يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ” (يو6: 56). نقول في صلوات القداس الإلهي “نتناول من قدساتك طهارة لأنفسنا وأجسادنا وأرواحنا”…
فما هو الذي لك من كل هذا العمل الإيجابي؟
وماذا لك أيضًا من جهة التداريب الروحية التي تدرب بها نفسك على حياة الروح وثمار الروح.
والتي تجعلك منشغل الفكر كل يوم بأبديتك وكل ما تتطلبه من أعمال…
ثم ماذا أيضًا عن محاسبة النفس. وتبكيتها على كل نقص وكل خطأ…
وماذا عن المطانيات، الصوم والسلوك في حياة الروح…؟
إنك بكل هذا العمل الإيجابي، تقيم توازنًا داخل نفسك بين تأثيرات العالم عليك والتأثير الروحي.
أما أن يأتي الشيطان ليحاربك. فلا يجد حولك إنجيلًا، ولا مزمورًا، ولا صلاة ولا هذيذًا ولا تأملات روحية ولا اجتماعات، ولا أصوامًا، ولا مطانيات، ولا اعتراف، ولا تناول… فماذا يكون حالك إذًا؟ وكيف تستطيع أن تقاوم الخطية بلا سلاح؟!
تكون حينئذ مثل مدينة يحاربها العدو، وهي بلا جيش، بلا أسلحة، بلا تحصينات…!
خد هذه قاعدة. وضعها أمامك: كل إنسان تجده ساقطًا في الخطية، لا بد أن تكون قد مرت عليه فترة، وهو بعيد عن العمل الإيجابي، سواء من جهة الوسائط الروحية، أو من جهة العمل الإيجابي في حياة الفضيلة ومحبة الله…
وهكذا تكون الخطية قد أتته، وهو غير مستعد لها. أو أتته وهو في حالة ضعف أو فتور. انظروا أن الرب قد قال: “صَلُّوا لِكَيْ لاَ يَكُونَ هَرَبُكُمْ فِي شِتَاءٍ وَلاَ فِي سَبْتٍ” (متى24: 20).
“في شتاء” في حالة البرودة الروحية ولا “في سبت” في وقت لا تعمل فيه عملًا من الأعمال. وكلا الأمرين يذكراننا بالبعد عن العمل الإيجابي الروحي…
لذلك كن متيقظ القلب باستمرار. وليكن زيتك في مصباحك. وكما قال الرب في هذا الاستعداد: “لِتَكُنْ أَحْقَاؤُكُمْ مُمَنْطَقَةً وَسُرُجُكُمْ مُوقَدَةً” (لو12: 35).
اهتم بالعمل الإيجابي الروحي الذي يمنحك قوة لمقاومة الخطية.
املأ مخازنك من الروحيات. لكي لا تقوى عليك السنوات العجاف بكل ما فيها من جوع وقحط.
احتفظ بحصاتك في مقلاعك. حتى إن ظهر أمامك جليات. يمكنك أن تتقدم إلى الصف. وأنت تقول في ثقة: “الْيَوْمَ يَحْبِسُكَ الرَّبُّ فِي يَدِي” (1صم17: 46).
ولا تقصر جهادك على مقاومة السلبيات فقط، فإنها عمل مضن وإنما بالعمل الإيجابي تنال قوة يمكنك بها التصدي للخطية..
وليكن الرب معك..
[1] مقال: قداسة البابا شنوده الثالث “معالم الطريق الروحي – العمل الإيجابي”، وطني بتاريخ 9 ديسمبر1984م.



